| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 |
أدباء العراق يؤبنون محمود درويش
حسين رشيد
ليس رثاء بل تكريما ... لصوت شعري خالد
هم هكذا حين يرحلون لا يتركون شيئا سوى مجد مسطر، هم هكذا حين يرحلون بصمت ودون ضجيج.هم هكذا حين يرحلون يرثيهم الكثيرون وينعاهم القادة والرؤساء. ألا انه زاد على ذلك فحين رحل تساقطت أوراق الزيتون , وماتت ام العصافير حتى حبيبته حين نهضت من نومها ,رأته قد ترك الحصان وحيدا ,غاب مثل الفراشة تاركا آثرا لا يزول , وحزنا لا ينتهي .رحل ليتوشح الشعر من بعده بلباس الحزن الأسود , رحل وهو يخاطب الموت... هزمتك يا موت الفنون الجميلة جميعها هزمتك .لكن كيف توقف ذاك القلب الذي ينبض شعرا , كيف توقف وهو ممتلأ حبا وحنينا, كيف توقف فجأة...... هكذا من غير سبب .... سوى التعب.. تعب الحياة.
في صباح ليس ككل صباحات اتحاد الأدباء، أبن أدباء ومثقفي العراق فقيد الشعر العربي شاعر المقاومة والأرض والمرأة , درويش الشعر محمود . قدم الجلسة الشاعر والناقد علي حسن الفواز الذي لم يخف ألمه وحزنه على موت الشاعر وذلك حين بدأ القول : الفاجعة التي تذكرنا بأننا وحيدون أمام قسوة الموت مثلما نحن مرعوبون أمام قسوة الحياة , بالأمس هبط واحد من نجوم الأدب العربي عامة والشعر خاصة, هبط محمود درويش من فرسه الذي تجول به طوال أربعين عاما .... هذا ما تناقلته الأخبار لنا, فقد كان ضاجآ بالحياة والحب والجمال, وهو لم يكن فلسطينيا فقط أو عربيا فقط أو شرق أوسطي فقط بل كان شاعرا كونيا ممتد الأفق والرؤيا, فهو رئيس بكل شيء, ورئيس في كل شيء, ورمز بكل شيء. حين نتحدث عن درويش هذا يعني اننا نتحدث عن الشعرية العربية الحديثة السياب ونازك والبياتي وبلند وآخرون فقد كان هذا الجيل ينبض بالشعر والحداثة والجيل اللاحق جيل درويش كان تجريبيا بكل شيء. مستفيدا من التجربة العربية وعلاقتها مع الأخر آنذاك. ودرويش جزء من هذا التجريب. وهو واحد من شعراء المقاومة الذين اخرجوا الثورة من المتحف الى لعبة الحياة . فقد خلق جوا من الانفعال اليومي , ألا أن الفجيعة أصابتنا بموت درويش ,فهو خلاصة لزمن ثوري, زمن شعري , زمن وجودي , وهو رمز كبير من رموز الثقافة العربية وهو ان مات جسدا لم يمت روحا وشعرا وخلودا في قلوبنا وربما يدخل علينا في أي لحظة , قادما من مطار الشعر بطائرة القصيدة المقاومة , فالمجد دائما للذين يصنعون قطارات التواصل وهم الشعراء. بعد ذلك كان الاستاذ فاضل ثامر حاضرا, مثلما كان حاضرا في مسيرة درويش الشعرية النقدية حيث اشارالى ان الشاعر محمود درويش استطاع ان يحول حالة الانهزام الذي لحق بالانظمة العربية في نكسة حزيران الى فيض شعري ثوري متدفق يوحي بالثورة , كما استطاع ان يؤسس لتقاليد شعرية خاصة به منذ بدايته الاولى في مجموعة (اوراق الزيتون عام 1964) حين ارسل في مقدمة الكتاب رسالة الى القارىء يبلغه فيه انه لا يمارس لعبة الهمس والتطريب في الشعر فقد كان شعرا صاخبا ضاج بالحركة والانفعال, ورغم ذلك فهو لم يبتعد عن الحقيقة, بل اعتمد على الاثارة والصورة والصدمة, مع الاشتغال على البيئة الداخلية, حيث توصف العديد من قصائده الى هاجس الحياة كما في قصيدة المرايا , كذلك استخدامه الرموز التاريخية مع الموروث الشعبي الفلسطيني والعربي ويمكن أطلاق صفة المتشأئل وهو عنوان رواية الكاتب أميل حبيبي عليه لما كان يحمل به شعره . ورغم المأساة والفجيعة الا انك لا تشعر بروح الهزيمة فقد استطاع ان يحول قضية موت الشهيد الى بعد أنساني يبقي تلك التضحية خالدة ,كما انه حول كل الحاجيات الفلسطينية من بنية وتضاريس وحارات وشوارع وأعمال حتى الشخصيات التي كانت تدور في رحى قصائده كانت مستوحاة من تلك الحاجيات, محولا إياها إلى ملحمة ضخمة, فالقصيدة عند محمود درويش أصوات داخلية تتهامس وتتحاور في ما بينها, متمكن بصورة كبيرة من اللعب بساحة المأساة والملهاة , فقد استطاع تحويل قصيدته البسيطة الى أخرى معقدة وصعبة ميالا في أحيان كثيرة إلى لون من التدوير المعقد , ليختتم كلمته, أن محمود درويش شاعر كبير وهو لم يرحل عنا لذا أجد من الضروري أعادة قراءته بتمعن ودقة أكثر خاصة من قبل الشعراء.. بعد ذلك كان للشاعر نصير فليح مداخلة أشار فيها , لان محمود درويش شاعر مثقف ومفكر , فقد مر بتحولات كثيرة في رؤيته الشعرية والإنسانية . من يقرأ قصائده الاولى يرى فيها حماسة ونبرة عالية ربما بلغت ذروتها قي قصيدة (مديح الظل العالي ) التي كتبها عند خروج الفلسطينيين من بيروت عام 1982, ولكن ما تلاها من القصائد كانت تحولا ملحوظا باتجاه البعد التاملي والفلسفي , ان تحولا كهذا ربما يكون امرأ طبيعيا لكل إنسان أو شاعر تمرس في تأمل الأشياء ومعالجتها حيث يتحول ما هو قطعي ونهائي , إلى نسبي يتحمل معالجات وزوايا نظر مختلفة , ان الوفاء الحقيقي لذكرى الشاعر الراحل , احسب انه يتطلب تمعنا في قراءة أشعاره واستنطاق أبعادها وتحولاتها أكثر من كلمات التمجيد والتعظيم التي تتكرر باستمرار,هذه التحولات تقودنا الى مسالة تتعلق بمفهوم (الوطنية ) نكرره أو نمجده دون استكناه لعمق المعنى أو دلالة الكلمة , ان الوطنية ليست الخارطة المسقطة على اي صفحة ما , الوطنية ربما هي التفاصيل, وجه صديق , حزن امرأة مسنة , ابتسامة طفل ,تفاصيل ألاماني التي نسجت خيالنا وأحلامنا, تحول مفهوم الوطنية من صنيعية (القطعية ) إلى تفاصيل الحياتية وتحولاتها عند الشعراء المتأملين , إذا يشكل محمود درويش عنصرا بارزا بينهم ومن المقاطع التي تعكس تلك التحولات عند الشاعر(لماذا نحاول هذا السفر / وكل البلاد مرايا / وكل المرايا حجر ) كما يقول في مقطع أخر ( أفتش عن لغة تموت ككل ما فيها / وترمى في المعاجم ) والى روح الشاعر التي تتأمل في المغزى من وراء الوجود والحياة أهدى هذه القصيدة التي تتواصل مع فضاءاته :
تحت الشمس تمر الكلمات كلمات نائية , لأناس ماتوا وما عاد الوقت يداعب جبهتهم ......... لا ليل هناك ولا شمس نحن نجيء, ندور, ونرحل والشمس تحدق في بيت منسي خلف دروب الأعوام تؤول أليه الكلمات وترحل ولا ترحل . بعد أن أنهى الشاعر نصير فليح قصيدته كان شاعر أخر يدور في رحى محمود درويش وهو الشاعر احمد عبدالسادة: الأمكنة تخون ذاكرتها سريعا نشج فيها. مثلما تبدل عارضة الأزياء .. فستانا بواحد أخر تبدل الأمكنة ذاكرتها وتنسى الخطوات التي عبرت تحت أقواس أسمائها الخطوات التي أودعت ... في عيون الكاميرات ملامح ضوئها المخطوف كبرق تبدل ذاكرتها ... وتنسى الوجوه التي عبرت ... الوجوه التي التصقت ,عند هروب المسافات التي الفتها, على زجاج الحافلة * * * احن إلى الأمكنة وأنا فيها ! * * * ومثلما ينحت الرمل ... تماثيله على تلال الريح أودع ذاكراتي في الأمكنة احن إلى الأزمنة وأنا فيها ! * * * ومثلما تتعب الغابة من إحصاء شرايينها المتشابكة تتعب روحي ... من إحصاء أغصانها الطائشة في بوصلات الحنين ... الحنين الذي يسارع .. إلى جمع المسامير.... لصليب قادم.. سيطرق بوابة الذاكرة. * * * ومثلما يطالع الليل... وهو مستلق على أريكة النهار ( البوم ) غموضه الناعم المشع المتسع والفائض عن جغرافيا احتماله. أطالع أجراس الألوان المدونة... على صفحات مفكرتي الأخيرة: البحر الذي يتنفس في الظهيرة.. اغفاءت الصحو... من عري النساء المايوهي. الليل الذي يوزع أختام وروده ... على شرفات الموسيقى وعلى قلوب الذين تعتنون أذانه ألنبيذي ويرتادون عسل التأوه .. في مغاراته الزوجية انخطافات القلب عند منعطفات الصعود إلى الجبال ... الجبال التي ترتدي الخضرة كمعطف والتي تؤثث أكتافها كاسرة لا ستلقاءات الغيوم المرهقة. خشوع الروح للغة الندى لصوت " فيروز " الذي يعبىء لألئه... في خزائن الهواء.... الهواء المظلل بغيوم طرية الشوارع التي شهقت فوقها سمائي الشوارع التي استدرجت دمي الساخن لبحث عن أنثى... يستدرج ينابيعها السرية إلى سريري القاحل . * * * اطل على ذاكرتي... كليل يطل على أنوثته. ومثلما تستنجد أشجار الخريف. بعباءة الدفء الراحلة استنجد بجسد القصيدة بحضورها اللازوردي فوق مسلات الغياب القصيدة ثريا الغياب القصيدة تحرير لذاكراتي من ملفات الفقدان المكدسة... على رفرف الأمكنة. * * * بعد ذلك كانت كلمات الشاعر جاسم بدوي تردد أن محمود درويش لم يمت بل رحل تاركا لنا درويشا للجمال والحب والأمل والعيش والحلم وكلمات تردد كلمات, وجملا ترث جملا ... لتختم الاصبوحة بكلمات الشاعر والناقد على حسن الفواز. الصخب الشعري الذي كانت تضج بها المنطقة آنذاك فقد كانت دمشق والقاهرة وبيروت بحركة صاخبة . وبغداد التي كانت قبلة الشعر إلا انه نشر مجوعته الأولى في ظل ذلك الصخب لكنها لاقت النجاح والتميز مما أعلن عن ولادة شاعر إنساني، متمرد، أخذ بالفيض والتجديد , كما ان التجربة الشعرية العراقية كانت متجذرة في أعماق درويش ...وقوله اذا اردت ان تكون شاعرا فكن عراقيا .







del.icio.us
Digg
كما دائماً.. لن يحدث إلا أنت


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك