| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 |
حين ينفجر الضوء.. حين يموت الشاعر
أدب فن
طالب عبد العزيز *
كان من المقدر لمحمود درويش أن يموت منذ أن ُعرف كشاعر للمقاومة الفلسطينية،مطلع الستينيات من القرن الماضي، لكنه ظل يخادع موته أكثر من نصف قرن من الزمن،ولكي يحسن التعامل مع موته المؤجل راح يتنقل من همه الفلسطيني (الضيق)إلى الهم العربي الأكبر، ولما اتسعت دائرة الهموم الإنسانية أبتكر لغة جديدة، تتناسب مع حجم المأساة التي يعيشها الإنسان بشكله الأعم، وبذلك صار من الخطيئة وصفه بالشاعر العربي حتى وإن ألصقنا به لفظة الكبير.
ومنذ أن قرأنا له (عصافير بلا أجنحة)-كتابه الأول- وحتى اليوم الأخير الذي سبق موته تقاسم درويش مع ثلاثة شعراء عرب (ادونيس وسعدي يوسف ونزار قباني) خريطة الشعر العربي الحديث، لكنه ظل الألصق بالقضية الفلسطينية،
والمعبر المائي الذي مر على جسره كل شعراء فلسطين ولبنان وسوريا تحديدا فضلا عن أثره الكبير في أكثر من جيل من الشعراء العرب من الذين وقعوا تحت إغواء الشعور القومي في مطالع حياتهم الشعرية أولا وتحت إغواء لغته العذبة الجديدة وابتكاراته ومجازاته التي لم يتمكن الكثير من شعراء العربية من التملص منها ثانيا.
درويش،وعلى مدى ثلاثين السنة الماضية،وبعد أن تمكن من نفي صفة (المقاومة) عنه داخل دائرة النقد،أستطاع أن ينفرد بذائقة المتلقي العربي،الذي ظل يبحث عن شاعر يجمع له انتصاراته وهزائمه في قصيدة واحدة، وهكذا كان درويش، عبر تنقل مخطط له، قد واءم بين قضيتين كبيرتين (الفلسطينية- الإنسانية) وشيئا فشيئا (تضاءلت) القضية الأولى لتصبح (ثانوية) في عالم كل ما فيه مأساوي وفجائعي،وهو تحول طبيعي في حياة الشاعر الكبير،بل نقول الإنسان الكبير، إذ ما معنى أن يكون لك وطن تنتقل فيه حيث تشاء،لكنه مغلق عليك،أنى ذهبت فيه،كل ما فيه قاتل ودموي،ويبدو انه أدرك ذلك عبر مأساة شرق أوسطية كبيرة.
كان وجود الشاعر في بلاد العرب، وعلى مدى التأريخ العربي كله غربة حقيقة،ولو تفحصنا ذلك في المدونات لوجدنا أن الشاعر ظل غريب الوجه واليد واللسان حتى وإن لم ير ِشعب َبوّان،ودرويش الذي تمكن من العيش داخل وطنه المحتل بقدرة غرائبية فائقة، لم يكن آخر الشعراء الغرباء،إذ ما معنى وجود أكثر الشعراء العرب خارج أوطانهم؟ ولماذا تتسع المنافي أكثر لهم فيما تضيق على غيرهم من شعراء الإنسانية؟
وليس مصادفة أن تنتهي حياة شاعر كبير مثل محمود درويش في أحد مستشفيات الولايات المتحدة فقد سبقه آخرون هناك أو في أوروبا لكي نعلم أن الشرق العربي هذا سيظل طاردا أبدا لحافظي بهجته،ومدوني وجوده، إذ لم يكن حاضنة يوما لأحد من هؤلاء، وتفاخر مؤسساته وأنظمته السياسية بأنها تخلصت منهم جميعا،وتركتهم نهبا لموظفي الأمم المتحدة والهيئات الدولية واقفين في الطوابير يبحثون عن أوطان يستطيعون فيها أن يكتبوا عن العصافير التي تنقر حبات الضوء،عن الغيمات التي تهطل على رؤوس الأمراء والوزراء لكنها تشيح بوجهها عن كل ما هو عربي وقد صارت البلاد منفى للجميع.
ربما تسهم السماء بقدراتها الخارقة بتأجيل موت الكثير من الشعراء العرب داخل وخارج بلادنا اليوم،لكنها تعجلت بإيقاف قلب الفلسطيني محمود،وسواء أتمكن الأطباء في مستشفى ميموريال هيرمان الأمريكي في هيوستن من تضييق سعة شريان قلبه الأبهر أم لم يتمكنوا، ومها كانت حججنا نحن الذين لم نمت بعد،علينا أن نتقبل موت محمود المفاجئ هذا،لكي يتسنى للآخرين تقبل موتنا القادم،لقد انفجر الضوء، لقد مات الشاعر!
......
* عن صحيفة المدى







del.icio.us
Digg
قراءة في كتاب" ظاهرة الشعر الحديث" للدكتور أحمد المعداوي


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك