أدب فن: رأى ما يريد رأى ما يريد ================================================================================ أحمد عبد الحسين on August 10, 2008 منذ الثمانينات أو أبعد كان لمحمود درويش حصة كبرى في بدايات كل شاعر، كان شعره بلسماً خفف من جراح افتقاد الشعر العربيّ لإيقاعه الخالد، وأكثر من سواه ربط بين الروح الحداثيّ وموسيقى عذبة كررها ونوّع عليها حتى باتت اسماً آخر له. ساحر في إنشاده، ربما كان آخر المنشدين، لأن كل الذين أنشدوا بعده استعادوه كله أو بعضه، وندر أن أفلت من سطوة حضوره الموسيقيّ من جرّب التفعيلة. ابتلع درويش ثمرة الإيديولوجيا، تلك الثمرة السامة التي قتلتْ كثيرين، لكنه تمثلها واغتذى منها وصنع له اسماً شاهقاً بفضلها ثم لفظها سريعاً وبقي هو والشعر، شعره الذي هو بهجة الأذن وربيع المخيلة. بين شعره الأول (سجل أنا عربيّ) و(جداريته) جبل من نار، الفارق بينهما يصلح لايراده دليلاً على ما يمكن أن يفعله الشاعر بالشعارات، يحطمها وهو يسير في طريقه الى الشعر. الجدارية كشف عميق لغيبٍ عُبّر عنه كثيراً في مدوّنات دينية وأسطورية، لكنه هنا في شعر شاعر ينصت للغيب بما لم تألفه الأسماع من قبلُ، أشبه ما يكون بابتسامة إلهية أمام الموت، ابتسامة ساخرة من شبح خدعنا طويلاً بالرعب، شبح لم ير فيه درويش سوى بياض أليف وإخلاد إلى سكينة عميقة، ربما كان درويش يبحر الآن في أبهائها. مات درويش، قلة من الشعراء يموتون بعد أن يقولوا كلمتهم كاملة، درويش كان من هذه القلّة العظيمة التي أسعفتها المقادير في أن تعيش الحياة حتى الثمالة، شعراً وحضوراً إعلامياً وتأثيراً ليس في حاضر الشعر فقط بل في مستقبله أيضاً. وربما كان لنا عزاء في هذا، أنه أغمض عينيه بعد أن رأى ما يريد وأسمعنا كلّ ما يريد.