أدب فن: انه شاعر حياة متسعة انه شاعر حياة متسعة ================================================================================ أدب فن on August 10, 2008 كاظم الحجاج * يشكل محمود درويش الشاعر الفلسطيني الكبير تسجيلاً للقصيدة الفلسطينية منذ السبعينيات حين اكتشفه الشاعر نزار قباني هو وتوفيق زياد وسميح القاسم تحت مسمى شعراء الارض المحتلة ومع انبثاق منطقة فتح الفلسطينية وبعد الهزيمة العربية في حرب حزيران كان الصوت الفلسطيني هو الاعلى والاكثر رواجاً وتقبلاً في العالم العربي شعراً ونثراً وقصيدة، وكنا نقرأ لمحمود درويش في مجلة الاداب البيروتية قبل ان نسعد برؤيته في البصرة في مهرجان المربد في السبعينيات ثم جاء مرتين الى بغداد وكان نجماً بين الشعراء العرب، ربما كانت نجوميته من خلفية القضية الفلسطينية التي كانت قضيتنا جميعاً ولا انسى قصيدته (سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا) على الرغم من ان سرحان بشارة سرحان. كان قاتلاً بالعرف القضائي والقانوني الا ان محمود اخذ جانبه الانساني وجعله يشرب القهوة اسوة بالناس الاعتياديين ومن هنا كما اعتقد برز اشتغال لمحمود درويش على القضية الفلسطينية بجانبها الانساني وليس الدموي فقط واتذكر حادثة طريفة عندما اصدر الحزب الشيوعي الاسرائيلي قراراً بفصل محمود درويش عندما انتقل من الارض المحتلة الى القاهرة معتبراً اياه قد تخلى عن قضيته. يبقى محمود درويش شاعراً انسانياً، وشاعر حياة منسقه وليس شاعر قضية ضيقة ولهذا احبه حتى اليهود وكان هناك جدل في المؤسسة الاسرائيلية قبل سنين قليلة حول نشر قصائد محمود درويش بالكتب المدرسية الاسرائيلية اعترافاً ربما بشاعريته او بانسانيته. رأى ما يريد أحمد عبد الحسين - شاعر منذ الثمانينيات أو أبعد كان لمحمود درويش حصة كبرى في بدايات كل شاعر، كان شعره بلسماً خفف من جراح افتقاد الشعر العربيّ لإيقاعه الخالد، وأكثر من سواه ربط بين الروح الحداثيّ وموسيقى عذبة كررها ونوّع عليها حتى باتت اسماً آخر له. ساحر في إنشاده، ربما كان آخر المنشدين، لأن كل الذين أنشدوا بعده استعادوه كله أو بعضه، وندر أن أفلت من سطوة حضوره الموسيقيّ من جرّب التفعيلة. ابتلع درويش ثمرة الإيديولوجيا، تلك الثمرة السامة التي قتلتْ كثيرين، لكنه تمثلها واغتذى منها وصنع له اسماً شاهقاً بفضلها ثم لفظها سريعاً وبقي هو والشعر، شعره الذي هو بهجة الأذن وربيع المخيلة. بين شعره الأول (سجل أنا عربيّ) و(جداريته) جبل من نار، الفارق بينهما يصلح لايراده دليلاً على ما يمكن أن يفعله الشاعر بالشعارات، يحطمها وهو يسير في طريقه الى الشعر. الجدارية كشف عميق لغيبٍ عُبّر عنه كثيراً في مدوّنات دينية وأسطورية، لكنه هنا في شعر شاعر ينصت للغيب بما لم تألفه الأسماع من قبلُ، أشبه ما يكون بابتسامة إلهية أمام الموت، ابتسامة ساخرة من شبح خدعنا طويلاً بالرعب، شبح لم ير فيه درويش سوى بياض أليف وإخلاد إلى سكينة عميقة، ربما كان درويش يبحر الآن في أبهائها. مات درويش، قلة من الشعراء يموتون بعد أن يقولوا كلمتهم كاملة، درويش كان من هذه القلّة العظيمة التي أسعفتها المقادير في أن تعيش الحياة حتى الثمالة، شعراً وحضوراً إعلامياً وتأثيراً ليس في حاضر الشعر فقط بل في مستقبله أيضاً. وربما كان لنا عزاء في هذا، أنه أغمض عينيه بعد أن رأى ما يريد وأسمعنا كلّ ما يريد. تبنى دعم مشروع الشعر العربي علاوي كاظم كشيش - شاعر الشاعر الفلسطيني محمود درويش استطاع ان يتبنى دعم مشروع الشعر العربي بالخروج من الانماط والتوصيات التي شكلت اساساً طويلاً للصراع النقدي الذي بنى مشروعه على حساب الذائقة وانعدام الرؤية ولقد كانت دواوين محمود درويش وخصوصاًُ ديوانه (محاولة سابعة) نافذة جديدة لانطلاق النص العربي باتجاه تمثل الرؤيا الحديثة والدفاع عن الحلم الانساني عامة والفلسطيني خاصة. عراقياً قرأ محمود درويش وفق ذائقة منضبطة وجمالية عالية على العكس من قراءته عربياً اذ كانت القراءة العربية تذهب الى معطيات القضية الفلسطينية فقط بنائياً يتمتع نص محمود درويش يتأسيس هارموني بين العبث والضروري وبين الرؤيا والحلم والواقع عبر غنائية انطلقت من مناشئها المحلية وظل حتى في تجاربه الاخيرة مثل (اثر الفراشة) بعيداً عن الاستعارة الخارجة عن معطيات المحلية الواقعية أي ان نص محمود درويش يقدم خريطة ابداعية خالصة لمعطيات الواقع الفلسطيني واحتواء التجارب الانسانية. محمود درويش شاعر الاستثناء العربي فاضل ثامر - ناقد عندما ظهر محمود درويش بعد حرب الخامس من حزيران عام 1967 مع مجموعة من شعراء المقاومة الفلسطينية فاجأ القارئ العربي بهذا الصوت القوي والمتميز الذي استطاع ان يؤكد حضوره المتفرد بين حشد اصوات شعراء المقاومة انذاك. واذا ما كان المتلقي (القارئ العربي) لشعر المقاومة مصحوباً بفورة عاطفية وبتعاطف سياسي مع القضية الفلسطينية فان العقود التي تلت ذلك اكدت ان صوت محمود درويش لم يكن يتكئ كلياً على تلك الفورة العاطفية والقومية التي تلقفت شعر المقاومة انذاك وانما كان مرد ذلك الى خصوصية ابداعية متجذرة في لغة محمود درويش واسلوبيته ورؤيته للحياة والفاجعة. فمحمود درويش من الشعراء القلائل الذين استطاعوا ان يخلقوا لهم صوتاً متميزاً وخاصة في الشعر العربي يرقي الى مصاف كبار الشعراء العرب امثال ادونيس والبياتي وصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب. وخليل حاوي ومحمد بنيس ولذا فقد اصبحت تجربة محمود درويش مدرسة من مدارس الشعر العربي لا في انتمائها الى شعر المقاومة فقط وانما في تفردها وتوجهها وقدرتها الاتصالية الفائقة. تبدو تجربة محمود درويش ايضاً، للوهلة الاولى، تجربة صوتية لانها تتوجه الى متلق "شفاهي" مستفزة مشاعره ومسامعه من اجل الاندماج في جوقة جماعية ربما تمثل الامة لكن المتأمل في اسلوبية هذه التجربة ولغتها وخصوصيتها يستشف ان هذه التجربة مصاغة بطريقة ماكرة، فعلى الرغم من عتقها وعيوب صوتها وتطريبتها وقدرتها على استفزاز الاخر واقتحام خلوته ورقاده لكنها في الوقت ذاته، تمتلك شعرية ثرية داخلية من خلال توظيف "ذكي لبنية حوارية مضيئة وتوظيف متألق للضمائر الشعرية وخلق مجموعة من الاقنعة الشعرية والمرايا والمرويات والحكايات السردية والبنى الملحمية والدرامية التي شكلت بدورها عمارة متقنة ومتوهجة من عمارات الشعرية العربية. محمود درويش لم يخسر القارئ او المتلقي بل نجح في اصطياده في شباكه، وهو في الوقت ذاته لم يخسر شروطاً شعرية رؤوية عالية من خلال لغة متفجرة وعنيفة وصادمة وبذا كان شاعر الاستثناء العربي بوصفه شاعر القضية وشاعر الابداع الشعري والادب المتطرف. رحل المغني فليبق المصفـّـى زعيم نصار - شاعر درويش في تجربته الشعرية منذ " أوراق الزيتون" و "عاشق من فلسطين" و " آخر الليل " حتى كتابه " هي اغنية هي اغنية" مجـّـد الغناء والايقاع وموسيقى البحر الكلاسيكي في قصيدته القديمة- الحديثة، فارتفع شخصه الشعري في استجابة الأذن العربية لهكذا غناء عروبي تراجيدي ناحب، محمود درويش أُنصف كشاعر عربي له خصوصيته الفلسطينية، له قضيته التي تنسجم فيها الوردة والبندقية، كان درويش يكتب قصائده تحت ضوء البندقية التي لم يحملها العرب نيابة عنه، غنـّى القذائف، والطائرات، والقنابل التي ملأت قصائده التي لم تقرأ لذاتها، بل قـُـرأت محرّفة عن عمقها، قـُرأت بعد ان تم تأويل حسها الانساني كقصيدة مقاومة. لم تنطل على درويش هذه القراءة، أو الخديعة الوقتية التي خصه بها النقد العربي او القارئ العربي الباحث عن بلسم وقتي لجراحه، بل ذهب الى الشعر كله ليكتب خيبته، جعل من الشعر وسيلته الوحيدة لقول غضبه، وحبه، حتى دخلت قصيدته في معنى الحيرة والتيه والطرد، الطرد من الفردوس الفلسطيني، بدأت قصيدته، بعد "كزهر اللوز أو أبعد" تأخذ الطابع النثري، كتب قصائد نثر تأملية فيها من الفكر والفلسفة، فلسفة الحيرة خاصة، فيها عمق المطرود من الارض كلها، حتى كتابه الاخير، في "حضرة الغياب" الذي برزت فيه قناعة درويش بأن الشعر ما هو إلا نثر مصفـّى، ان منتهى قولي في استذكار سريع مثل هذا: علينا ان ننسى درويش الشاعر المناضل، ننسى شخص الشاعر المؤثر وسيرته العظيمة، لنلتفت لقصيدته المصفاة من كل انواع الايديولوجيات وافكار المقاومة، نقرأ قصيدته مرة اخرى لنكتشف عمقها العميق. قصيدته المصفاة من الغناء ودموع طوفانه، المصفاة من الموقف السياسي، وبكاء العرب الآن. ذهبت قبل ميعادك يا امير باسم عبد الحميد حمودي من الجليل وفي قضاء عكا عام 1948 خرج محمود درويش الصبي ابن السابعة هارباً مع عائلته الى لبنان، وهناك درس وتثقف بعيداً عن وطنه ليتجوهر وجعاً وشعراً وقدرة اسطورية على البوح بالحقيقة العادية عن الالم مطرزاً شعراً. ايها المارون بين الكلمات العابرة خذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا وقد اخذت فلسطين من دم درويش الكثير ولكنه –هو- انصرف إليها دوماً وبسببها كان شاعراً وتصاعد القه وفنه. كان قد نشر اولى قصائده في صحف ومجلات الحزب الشيوعي الفلسطيني وعن طريق كتابات الشهيد غسان كنفاني وكتابه عن الادب في الارض المحتلة عرف القراء العرب محمود درويش وسميح القاسم وسائر مجموعة الجيل الثاني بعد جيل التأسيس الحديث في فلسطين ثم قدمه سهيل ادريس ناثراً يوم كتب (النهار لهم والليل لي) في (أداب) الجيل الماضي بعد ذلك ظهر كتاب الناقد الكبير رجاء النقاش عنه ليقدمه للقراء العرب، خلال ذلك كان محمود درويش يكتب الشعر باعصابه ودمه مسجلاً وقائع المشهد النضالي بدقة وبلغة الشعر العالية المرهفة المثقلة، كان بحره معلقاً وسط غمامة بيضاء وكان وحيداً وسط هذا البياض اللامع صدقاً ووجعاً، وكان هو والشعر: لننجو معا وتهنئة على ما فعلنا معا لان الغريزة- لا نحن- كانت تدافع عن نفسها كسر الصمت ما بيننا والملل قال لي: ما العمل قلت: لا شيء غير الامل وبالامل عاش محمود درويش حياته التي غادرته هكذا تحت المشارط التي عبثت بقلبه المثقل وقد غادرنا جداً لكن دواوينه ونثره المبهر سيبقيان وقد ذهب الامير قبل ميعاده. ............. * شاعر عراقي عن صحيفة المدى