| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
رسالة باريس الثقافية
حسين عجة
جميلة صحراوي.. كنت أحتاج إلى ممثلتين بحضور قوي، لأنني لم أكن راغبة بفيلم بكائي أو ثرثار
بعد أن كتبت مجلة أدب فن عن فيلم بركة لجميلة الصحراوي، عند عرضه من على شاشات باريس وضواحيها، تقوم المجلة هنا بنشر حواراً مكثفاً مع المخرجة أجراه "فال فيليبو" معها ومع ممثلتها رشيدة بركاني.
تدور أحداث فيلم الصحراوي عن موقف أمرأتين في مواجهة المجتمع الجزائري التقليدي، المزدحم كباقي المجتمعات العربية بالإحكام المُسبقة ليس فيما يتعلق بالنساء وحسب، بل وكذلك بكل ما له صلة بالتصورات والمعتقدات الغيبية الموهومة، التقاليد الفحولية المتزمة، إضافة إلى تحلل وفساد أجهزة الدولة وقواتها الأمنية. ففي أعوام 1990 الداميه؛ تُفاجأ بطلة الفيلم أمل (دور قامت بتجسيده بصورة إستثنائية ببراعتها الممثلة فطومة دوماري)، طبيبة في مستشفى للطوارىء، بإختطاف زوجها الصحفي، فتقرر البحث عنه، مهما كلفها ثمن البحث من مواجهة مع تلك التقاليد والإعراف الإختزالية والمجحفة بحق المرأة عموماً، وبحق تلك التي تحاول إماطة لثام الكذبة التي تلف الجميع خصوصاً. ستلاقي المحن، الصعوبات، والإحباطات، كعوليس بطل ملحمة هومير (الأدويسة)، ترافقها صديقة لها، ممرضة تعمل معها، إسمها خديجة (دور لعبته أيضاً بطريقة تلفت الإنتباه على مواهبها المتعددة الممثلة رشيدة بركاني).
المحاورة
- بعد عدة أفلام وثائقية، بركه! هو فيلمك الروائي الأول، ما الذي دفعك نحو التغيير؟
- الوثائقي مدرسة تثير الحماس، لكنه مُحبط أحياناً. فالمخرج يعقد علاقات قوية مع الناس الذين يصورهم، لكنه لا يستطيع الذهاب إلى ما وراء التحديدات التي يفرضونها عليه. ففي فيلم بركة، هناك العديد من المواقف التي ما كنت سأعرضها أبداً في فيلم وثائقي، مع أنها واقعية تماماً! فأنا لا يمكنني أن أقول لفتاة جزائرية : ستدخلين في هذا المطعم الحقير، سيعتدي عليك الرجال، فيما أقوم أنا بتصويرك!
- ففي فيلمك الراوئي الأول، لم تتعرضي لموضوع واضح : الحرب الأهلية لأعوام 1990!
- كان هذا الموضوع بالنسبة لي أكثر من ذريعة لرسم صورة امرأتين... امرأتان تنتميان لجيلين مختلفين، لكنهما تتمتعان بذات رد الفعل إزاء العدوانية! ومع أنهن يعشن مواقف مأسوية، لكنهن يتقدمن، بلا شفقة على أنفسهن أو الإكتفاء بالتشكي...
road movie- هل تحددين بركة بإعتباره "سينما-طريق"
- قد أتحدث عن ملحمة كالإوديسة : فهتان المرأتان تقومان برحلة طويلة من أجل العودة إلى ديارهن. إذ كان من الضروي مغادرتهم لبيوتهن، أن يبتعدن عن عوالمهن السابقة، بغية التوجه نحو الخطر وما هو مجهول، ولكن أيضاً بغية اللقاء مع الآخر، كذلك القروي الشائخ الذي يقدم لهن الضيافة في البداية، ومن ثم ينتهي بمرافقتهن. وبصورة خاصة، لقد منحتهن تلك الرحلة بالتعرف على أنفسهن. كن يعملن سوية، لكنهن قبل تلك المغامرة لم يتحدثن أبداً الواحدة مع الأخرى.
- تعبر خديجة عن شريحة كاملة من التاريخ الجزائري...
- أنا معجبة جداً بنساء ذلك الجيل، النساء اللواتي شاركن بالحرب. لقد كنت أعبدهن في طفولتي. لكني لا أريد أن أضعهن من فوق نصب كتماثيل، مثلما قامت بذلك الدعاية الرسمية. فعبر خديجة، يسخر الفيلم قليلاً من إسطورة "البطلة العظيمة". سيما وأن حماس تلك البطلات الثوريات لم يمنع الرجال من أعادتهن إلى مطابخهن.
- أنت تعرضين القسوة القائمة ما بين الرجال والنساء، التوتر اليومي.
- بالفعل يتعرض الفيلم للضغط اليومي المُمارس على النساء. فأنا مقتنعةً بأن عنف حرب أعوام التسعينات مرتبطاً بعنف العلاقات الجنسية وبالتالي إذن بالعنف الذي يمارسه المجتمع على المرأة... لا بد على الرجال أن يعوا يوماً بما جلبوه على أنفسهم من خطأ بحرمانهم من نصف جماهير الناس.
- لا يقدم فيلمك صورة إيجايبة جداً عن الرجال الجزائريين.
- هناك شخصيتان إيجابيتان في الفيلم : الشيخ العجوز والصبي... أي الجيل السابق والجيل اللاحق. لكن فيما بعض الإستثناءات، لا يقوم الرجال في الفيلم بأي شيء مؤذاً، أنهم يمارسون دورهم. فالصيدلي يرفض أعطاء الدواء دون وصفة من طبيب، وسواق التكسيات لا يريدون المغامرة بحياتهم... لا شيء إلاّ ما هو عادي تماماً. فالنساء هن من يعتدي على المألوف، ويتمردن عليه. والرجال لا يكفون من خلق العوائق في طريقهن، وهن يعبرن عليها، مهما كلفهن ذلك من ثمن.
- تقبل خديجة أن تسمى مرات عديدة بـ "الحاجة".
- وذلك ما يثير حفيظتها! فمفردة "حاجة" تشير إلى ذلك أو تلك التي قامت بالرحيل نحو الكعبة : تلك هي حالة الحاج سيمان، الصائغ. في التسعينات، عند صعود الإسلاميين، أخذ الشباب بإطلاق تسمية "حاجة" على النساء المُنتميات إلى عمر بعينه، كدليل على الإحترام. لأن امرأة بمثل ذلك العمر لا بد وأن تكون تقية، ومن ثم فهي بالضرورة قد ذهبت إلى الكعبة. هذا ما كان يُغضب خديجة... والتي كانت يمكن أن تكون أي شيء سوى تلك التي ذهبت إلى الكعبة! فهي كانت ترتدي ملابساً على الطريقة الغربية، وتضع الماكياج على وجهها...
- لكنها لا تتردد بوضع الحجاب بغية خداع الرجال.
- كان ذلك مصدراً من مصادر حرب التحرير. عندما كانت النساء مثل خديجة يضعن الحجاب، وذلك لتوصل السلاح عبر نقاط التفتيش. تقوم خديجة بإعادة إنتاج ذلك المخطط لكي تتسرب من خلال المقاومة الإسلامية، ولهذا كانت تتخفى. ففي كلا الحربين، لم يجر تفتيش النساء : لذا كان بمقدورهن توصيل السلاح، الفلوس، والأوراق... وذلك ما شاهدانه بشكل واضح في فيلم "معركة الجزائر" لـ :بننتكورفو" المرأة التي تنقل السلاح بالكفة وتسلمه للرجل، هي أيضاً صورة عن معركة الجزائر.
- لتحديثينا عن ممثلتيك.
- كنت إحتاج لممثلتين بحضور قوي، ذلك لأنني لم أكن أرغب القيام بفيلم بكائي أو ثرثار. فعندما يرى المرء رشيدة وفطومة، يقول في نفسه : "أنهن لسن من تلك النسوة التي يدعن أنفسهن تنخدع". وذلك ما يلتقي تماماً مع ممثلتي. فلكل من رشيدة وفطومة نظرة تعبيرية خارقة. تمتع رشيدة بوركاني طرافة لا تصدق، إذ يمكنها الإنتقال من الرقة الكبيرة إلى التوتر والعنف العجيبين. أما فطومة بورماني، فهي بالأحرى تجسيداً للـ "ماما" المتوسطية التي لا تتخلة عن جرئتها وسخريتها. أنها معروفة بصورة أقل في فرنسا. فهي ممثلة مسرح و سينما مشهورة جداً في الجزائر.
- الفيلم يستخدم لغتين، بل وحتى ثلاث مع البربرية. كيف يمكن كتابة حوارات في لغات ثلاث مختلفة؟
- يقوم الجزائريون بذلك بشكل طبيعي.. لكن ليس من السهل العثور على ذلك الطبيعي بالكتابة! فالمرء يطرح على نفسه كومة من الأسئلة عن الموقف الإجتماعي للشخوص، طبيعة علاقاتهم، وخصوصية الموقف الذي يجدون أنفسهم فيه... فالحاج سيمان يتحدث مع خديجة بالفرنسية عندما ترجع من زيارة للصائع، وذلك ما يوحي بعلاقة حميمية بينهما. وحينما نصادفه مع المقاومة، بإعتباره زعيماً إسلامياً، كان عليه التحدث بالعربية أمام رحاله. لكن عندما يجد نفسه معها يعود، في لحطة معينة، للتحدث بالفرنسية...
- ما هي تلك الأغنية التي ترافق الفيلم من بدايته إلى نهايته؟
- فطومة بورماني هي من يغني، في لهجة القبيل. الكلمات تقول تقريباً ما يلي : "أاتقيت على طريقي بأفعى، كانت ميتة من البرد، وضعتها في صدري لمنحها ثانية الدفء. وعندما حمى جسدها لدغتني... لقد ترددت بترجماتها، ثم تخليت عن ذلك : إذ لا ينبغي إعطاء وصفة إستخدام الفيلم من بدايته. فهنا يترك المرء نفسه تؤخذ بالصوت...
- هل تفسري لنا عنوان الفيلم، بركه!، "يكفي هذا".
- يكفي ذلك العنف الذي إستولى على المجتمع. أن الجيل الحالي، جيل الحرب، قد ورث العنف عن ابائه، جيل حرب التحرير، مثلما ترث أمل مسدس والدها. تاريخ هذا البلد كان دائماً عنيفاً، فما أن نخرج من حرب حتى نبدء الثانية. لقد حان وقت إيقاف تلك الحلقة.
- هل يتحقق ذلك بالنسيان، أو بالعفو؟
- كلا، بطبيعة الحال، فذلك يقتضي عمل العدالة والذاكرة. لا بد من سرد ما حدث وتفسير الماضي لكي يتم هضمه ومن ثم التحول إلى شيء آخر. ينبغي محاكمة المذنبين. سيكون الأمر أكثر صعوبة مع هذه الحرب عنه عن سابقتها : ففي حرب التحرير، كان هناك عدو معروف، الجيش الفرنسي، وكانت هناك قضية عادلة، الإستقلال. أما في هذه فكان الجزائرون يقاتلون ضد الجزائريين. سيكون ذلك طويلاً ومعقداً...
رشيدة بركاني : "فطومة بوماري قادرة على جعلك على وشك هدر دموعك والأنفجار بالضحك في آن معاً."
المحاورة
- ما الذي جعلك تهتمين بسيناريو بركه!
- لقد مستني صورة المرأتين، واللتان ستتعرفان على بعضهما عبر خط السفر. وهناك أيضاً أفق العودة إلى الجزائر قد جعلني أقرر. إذ جرى عمل في تيبازا، منطقة مسقط رأس والدي : كانت فرصتي بالعثور على أصولي، للتعرف على عائلتي التي بقيت هناك...
- أنها المرة الأولى التي تقومين بها بترجمة دور بلغة أبويك.
- لغتي الأم هي الفرنسية، لكن في البيت نتحدث العربية الجزائرية. ذلك ما جعلني بالطبع أنتقل من لغة إلى أخرى أثناء التصوير. بشكل عام، لقد جعلني هذا الفيلم أتصالح مع جوانب عديدة منم ماضيي. لقد رأيت أنتمائي الثقافي للغتين بطريقة مؤلمة : غريبة في الجزائر، عندما كنت أذهب إلى هناك في عطلة الصيف، مهاجرة في فرنسا مع أني ولدت فيها.
كانت الريبة تهيمن علي عندما أسافر : كنت دائماً فخورة جداً بأصولي، لكن في النهاية، ما الذي أعرفه عن ذلك البلد؟ شيء ما أدهشني تماماً، حب الجزائرين لفرنسا وللغة الفرنسية. فالمرء يشعر بأنه رغم كل قصص التاريخ المؤلمة، يتقاسم الشعبان تاريخ غني مشترك.
- كيف عشت "وقائع" أعوام التسعينات؟
- مثل كل الفرنسيين رأيت قدوم الحرب برعب وعدم تصديق. بالرغم من أنني كنت قد رأيت، أثناء عطل الصيف، إسم "جبهة الإنقاذ الإسلامية" على الجدران، وتساءلت مع نفسي إن لم يكن ذلك خطأ أملائي... لكني لم أعش هناك، لهذا لم أر أي شيء يقدم. بعد هذا، تابعت ما يجري بألم، لأن لدي علاقات خاصة بهذا البلد، ولأنه كان لدي أنطباع عن التعقيد المتطرف للموقف.
- كيف تناولت شخصية أمل؟
- أمل بالنسبة لي شخص لا يستطيع تحديد موقفه من الأحداث التاريخية التي تمر أمامه. فهي تتلقى العنف بشراسته، دون أن تعرف ما الذي حدث لها. بيد أن ذلك لم يمنعها من التحرك، على العكس : أنها تمتع دائماً بردة فعل، وتحافظ على غريزتها. لقد أختفى زوجها، إذن لا بد لها من العثور عليه، مهما كلف الثمن.
- لتحديثنا عن مرافقتك في الفيلم، فطومة بوماري
- لقد كنت جد سعيدة للتمثيل مع فطومة بوماري التي كنت أعبدها كممثلة ومغنية. أنها تمثل عندي واحدة من أجمل نساء الجزائر : هي جمال يُضاف إلى فنطازيا طفولية تقريباً. فهي قادرة أن تجعلك تصل إلى حد هدر الدموع (عندما تغني) وتنفجر بالضحك في أن معاً. لقد تناقشنا كثيراً أثناء التصوير، وقد روت لي مسيرتها، كممثلة، كأمرأة ومواطنة (كانت مجاهدة)، كان ذلك ساحراً.







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك