| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
في الذكرى العاشره لرحيل الشاعر طه الطاهر
ان فاجعة رحيل الطاهر ، كما ارادها واختار زمنها هو في ليل يوم الخميس الموافق 12 /2 /1998 ، تمثل صرخة وتحديا لكل مظاهر الطغيان والقمع والقهر والجوع التي كان يعاني منها الشعب العراقي بكل شرائح الاجتماعية ابان النظام الدكتاتوري البغيض . ،فقد كان العراق مكبلا بكل اشكال القمع ودهاليز المعتقلات ،رحيله المختار كان تأكيدا لارادته ،فالنار التي أرادها أن تكون خاتمة حسية مأساوية، لشاعر انتمى الى قيم الحرية والجمال والسلام ، قيم ظل الطاهر حتى ايامه الاخيرة ، مدافعا عنها،ومجسدا اهدافها في نصوصه السردية ، قصة ومسرحية ،كما في نصوصه الشعرية ،يقول الطاهر عن مخلوقاته :"ثمة من ينتظرني لتماثيل أخرى رغم الصعوبة، والأفكار الكثيرة المتناثرة.
فرموز مثل "فدعه" و "رياض البكري" خصوصاً رياض، فأني بحاجة للمساعدة. وآخر هو "ملا يوسف الخالدي" فقد ضاعت خرائطه وليس هناك أي أثر لمن يحدثني عنه إلا الذكريات القليلة لطفل قليل.
وأني أستحق لهذا الجهد المتواضع تحية منكم، لوعرفتم مقدار ما نحن فيه بلادة تامة لكثرة مصادر الرعب الذي نعيشه، فهناك قصة بدأت بها متحمسا وتوقفت عنها بسبب بسيط هو أنها تحتاج مني لزيارة منطقة في علاوي الحلة. هل تصدقون أني أتثاقل من هذا المشوار البسيط جداً، وهذا بسبب إنعدام الجو الثقافي وخلوه من الطرافة والصدق والمحبة"أو قوله :" نحن هنا في مد وجزر دائم سواء فيما يخص الكتابة أو القراءة حتى.. لو عرفتم مقدار ما نحن فيه من بلادة لكثرة مصادر الرعب.. ولإنشغالنا... بما لم يخطر على بالنا يوماً، أن هذا سيكون همنا! بالرغم من ذلك فإني أكتب أو أقرأ وفجأة أنقطع بسبب الإحساس بلا جدوى ذلك.. لكن التعود هو الذي يرجعني".
الصباح الجديد ، تستذكر اليوم ذكرى رحيله العاشرة ، لتقدم بعض شهادات اصدقائه من الفنانين والشعراء ، فضلا عن ذلك ، مقتطفات سردية بخط الشاعر الراحل .
فآخيت بين الحجارةِ والعشب
رسمت مُنعطفاً
كاد يُفضي إليك
لكنك في المنتصفِ كنت تقف
وتقول تمهّل
فليست الخطى سوى افتراءٍ محض
سوى قافلةٍ كانت تسيرُ بلا راحلة
سوى وعدٍ يتلاشى
طه الطاهر.. كم أنت قريب في هذه اللحظة حيث أراك ما زلت تصنع تماثيلك.. الشخوص والأمثلة التي لا تنتهي.. والأصدقاء الذين توزعوا على أماكن بعيدة.. ما زالوا ينأون بذواتهم حاملين صخورهم على ظهورهم، باحثين عن الحقيقة التي كوتك بنارها ذات مساء وكنت قريبا منك للطير.
الذي كان وما زال يفكر ويؤمن
وابتسامة دائمة ترافق ذلك التفكير
ليس في رأسي شئ من (زغل) ولا كذب
لا رأي مسبق ولا ثقافة
إنما أتسائل كثيرا وأبصق كثيرا
إنما أود أن اسكت الآن
أود أن تقرأوا كتاب "الساعة الخامسة والعشرون"
ستجدونا هناك.... كلنا
(طه الطاهر)
كل هذا وأراك مهموما بالآخرين، وكأنك مسؤولا عن هذا الخراب وتلك الفواجع.. ترسم بتمهل شخصية "حبشان عجيل عفريت" ذاك الجنوبي الأسمر الذي رفض أوامر الجيش بقصف قرية كردية نائية "سر قلعة" بمدفع دبابته.. لأن أرواح الطفولة كانت تهيم في سماءها.
أو تلك القصة التي مثلت بها صورة الحرب (الوحش كراز) كماكنة عملاقة لا يمكن السيطرة على فراملها، فكانت تتهادى كعملاق مخبول غير مبال تسحق الجنود والنساء والاطفال والمزارع والمدينة.. وكل شئ فيه حياة.
تماثيلك تنظر ألينا ناطقة على لسان شخوصها (مسعود عمارتلي.. ملا يوسف الخالدي.. كاني ماران) وتلك التي لم تكمل بنائها لأنك عجلت بالتحليق. كما حلق ابراهيم زاير وخليل حاوي..
بعد كل هذه السنوات هل يحق لنا قراءة طه الطاهر بتأن.. نصوصه الشعرية والقصصية التي تنبض بالحياة القلقة والمصائر الواجفة. كان حريصا أن لا ينشر شيئا منها لأعتقاده أن زمن الدكتاتور لن يستمر وسترى نصوصه النور بحياته، أو بأختفائه الجسدي.. آن الأوان أن نعيد لطه الطاهر.. والشاعر الشهيد رياض البكري.. وكل الشعراء والأدباء والفنانين المنسيين ألق ابداعهم وقرائتهم من جديد.
كان مساءً يلقي بظلاله الثقيلة الأعباء.. على القلب، وتفكر من أين البداية، كلمات تتشرب في الآذان لا تطيق سماعها، ظلمة تغلف وجوه الأصدقاء الكالحة، وماضٍ سحيق أصبح ذكرى أليمة.. فرح أسير لايخرج من عنق الزجاجة، وجسد واهن لا يقوى على مقاومة الرشح العصري.. وجيوب خاوية، ممزقة لا تستقبل ورقة فائضة لليوم التالي.
روح مضطربة وخاوية.. خاوية من كل الأشياء، الوضوح والقوة.. خاوية من المواجهة، ولا تقوى على البوح. كأن الكبت التاريخي لحزن الإنسان يتمركز تحت خلايا جسدٍ ممزق، مركب بطريقة عبثية تحت جلدٍ يئن من التشقق، المقرون بأمراض العصر الزهرية تهاجمه جراثيم العوز، جراثيم العزلة.. وعدم القدرة على التفوق لتحيله إلى شئ أشبه بجلد حيوان ميت.. وقد نهشته طيور البرية. كان مساءاً حانقاً، يحاصر الضحية بشتى التساؤلات.. عن الغد الذي لن يأتي يوماً ما...!
وعلى غير عادة الأيام أجتمعت العائلة حتى وقت متأخر، تلوك أطراف الحديث عن غير قصد وعمد.. ولكن بتوجس... وكأن شيئاً في طريقه للأنفجار، تأخر الأولاد.. وأخروا مشروع استلاب الروح، ولا زال يفكر بتعديل سيناريو الموت... الآتي قسراً...!
حين يختلي بنفسه لبعض الوقت.. يذرع الغرفة، جيئة وذهاباً، يفكر في طريقة لا توقظ الآخرين، وكان يحيب على ولده وبناته بجوابٍ مقتضب، وربما بنعم أو لا... في حين تتجه أنظاره وبنات أفكاره على عيدان الثقاب... علبة البنزين.... المكتبة... المروحة، ولوحة تركت شقاً في الحائط يشبه الشقوق المتروكة على جسده الواهن.
تنهال الأسئلة في هذا الليل الذي يلف أحزان الناس بعبائته السوداء، وحين يكون السكون... الوجه المطلق لهذا الليل.. تتفجر الكلمات كشلال، كنزيف الدم... الذي لا يكون بمقدورك إيقافه.
الليل... هذا الصديق المحبب القاسي، حين ينصب خيامه... لا نعرف أين ومتى محطه، ربما للإستراحة، وربما لرحلة جديدة من الحزن والتعب اليومي.
كانت ساعات ليلة الخميس ثقيلة جداً... ولا تنجلي، متى سأكون وحدي ومتى ينام الجميع لألعب لعبتي التي تحاصرني منذ أمدٍ ليس بالبعيد.. وبعد أن فرش الصمت خيوطه على غرف البيت، عاد الصمت.. والهدوء، كأرضية اللوحات... كانت الساعة الثانية ليلاً... قنية من العرق المر، وهذه المرة لن أضع مزيداً من الماء في الكأس.. كأس أولى كأنها العلقم، وما أن ترطب فمي حتى الكأس الثانية التي بدت أقل مرارة.. بدأت النشوة تدب بدبيبها في هذا الجسد الواهن.
لا شك إني الآن في أعلى درجات الهدوء... السكينة...
للمرة الألف تفحصت عدة الموت القسري.. غرفة هي مسرح الحدث، سكينها عود ثقاب ووقودها كتباً مستلقية دون اكتراث... بعد الكأس الرابعة... بدت الامور أكثر سهولة، فليس ثمت أصوات تسمع، وليس من شئ يدفعني للقلق.. لقد نامت الزوجة... وصعد الأولاد على سلم أضلاعي، وكأنهم ذهبو للتو.. وكأن حزني عليهم أشد من حزني على نفسي... لا شك أنهم نائمون الآن، وربما يحلمون.. هنيئاً... ويا أسفي على جمعة غدٍ... يا أولادي الأحباء.
في هذه الساعة المتأخرة... لا أحد يعلم بقراري، ولا أعلم ماذا سيقولون عني غداً... أين أنت يا كامل، هل تعلم بأن شجارك معي سيتوقف أعتباراً من فجر الجمعة... وأنت يا أبا ظفار... هل تعلم بأنك لن تجد من يفسد عليك جلستك بعد الآن... وأنت يا ثائر، سوف لن تتململ مني... وأخيراً أصدقائي البلهاء الباقين.. رثائي لكم... يوم أموت... ويوم أدفن حزناً.
أين أنت يا مصدق... وماذا يجول بخاطرك يا صديقي العزيز.. هل تنسى كل دعاباتي... وهل يبقى لي شئ في ذاكرتك المشاكسة.. وأنت يا صابر.. أخذت قسطاً كبيراً من تهكمي.. ولك مني كل الحب.
لا شك أن الجميع نيام الآن... الساعة الثالثة ليلاً، ولا يعلم أحد بما يجول بخاطري... كأس أخرى من الجمر... غرفة منعزلة تم إحكام غلقها.. مكتبة تصلح أن تكون وقوداً لجثة تود أن تتطهر من أمراض الروماتزم ومن عهر العصر الحديث... أريكة متكئة على الحائط.. ومروحة أجنحتها كأنها المقصلة... لا شك أن هناك وقوداً مساعداً على الاحتراق... أرضية جيدة صالحة لإشعال النار.. ومدفأة كهربائية.. وسكائر وعيدان من الثقاب لن تخطأ في إشعال النار.
كأس أخرى من العرق العلقم... بل اللذيذ، لكن طعم المرارة على لساني.. بدأت الأفكار تتداخل مع بعضها.. الصور تهتز... وأضحت أكثر تشوشاً، لكن شيئاً واحداً لا يطاله الغموض... هو الموت.
بحركة بطيئة متثاقلة... حملت "جكاً" من النفط وبدأت أرش به ثنايا الغرفة المعزولة... الأرض، بين الكتب، الأريكة... وجروحي.. وملابسي، الحائط واللوحة، أبواب المدخل تأكدت من إحكام قفلها.. كأس أخرى بدون الماء... وأخذ رأسي يدور... حتى المروحة أخذت حصتها من النفط الذي توزع شيئاً فشيئاً.. تابعت المشهد من زاوية في الغرفة، وكأنه يوم عمل يختلط فيه الجد والفزع... الحزن والذهول.. الخوف والقلق.
شعلت أحد عيدان الثقاب... قربته من أريكة.. شعرت بالذهول وهول الكارثة.. أطفأته، شربت كأساً أخرى... أسترخيت، وبدأت من جديد أقود الزلزال المتفجر بداخلي.. وكأني أغرس سكيناً حادة في أوصالي... وفي علبة النفط.. هناك شيئ متبقي.. وبحركة هلامية نثرته على أرضية الغرفة... في الوقت الذي تناولت فيه لآخر كأسٍ مما تبقى في قنينة الجسد "عفوا قنينة الخمر" وأجتمعت كل الصور في ذاكرتي، في لحظة متفجرة... أصوات عالية... صراخ.. وجوه نساء، الزوجة، أبني، بناتي.. أصدقائي الكثر.. وكلعبة الروليت الروسي أشعلت بعود الكبريت في جسدي... ملابسي... أرضية الغرفة.. المكتبة... وبدأت النار، والخمر تصهرني في بودقة واحدة.. بدأت الصور تتلاشى أمامي... وتكون أكثر غموضاً.. وبعداً... وشيئاً فشيئاً أضحت الغرفة وكأنها الجحيم، لكني.. أشعر بالدوار.. بالقيئ.. والتباطؤ.. ثم سقطت غافياً للأبد.
وبعد أرتباكي والبحث عن المفاتيح... وفتح الباب، كان يقف كشبح من عالم آخر... كلمات خرجت من ثنايا ضلوعه، وبطريقة خالية من الحياة.. لقد أنتهى طه... كيف ... ومتى، ولكن... لماذا... لم يجبني.. أنتهى الأمر ولم يقل شيئاً.. لقد أنتهى.
كان جثة متفحمة.. وتسيل دماً وترفع رأسها للسماء وكأنه موسى يقول.. أين أنت يا ألله...!!
دخلت الغرفة التي طالما جمعت فوضانا.. خاوية.. خالية سوى مسامير المكتبة.. جدران سوداء وليس للمروحة من أثر... وبقايا علبة معدنية لمدفأة كهربائية وهيكل من المعدن للأريكة.. أبواب الصاج محترقة... أتكأت على الخلف حول هيكل المجمدة حيث أنفجر ماطورها... وثمت زجاج مهشم وروح تئن وتحوم كفراشٍ مقدس حول الأحياء.. الأموات... المعزين.
كنت أعلم بأنك جريح.. وأعلم أن صهوة جرحك تقودك إلى أحزان مضرجة بالقيح المؤلم، لكنه ليس الهوان.. ربما يثير في نفسك الرغبة في القرف والغثيان ويمر بمرحلة تصل إلى الموت.. موت الفرح الآتي... لكنه لا يلوث روحك المملوءة بعبق من دجلة وأزهار الرازقي... ونار الشعر المخبوءة تحت جلدك المثار للتساؤل.
حين يزداد الهمس عنك من حيث تدري أو لا تدري... يزداد القلق تحت جلدي الذي يوخزني دوما ويجعلني في حالة من الاستنفار.. كي أرد على الاسئلة التي لا تحد الآذان التي تسمع...
أنا أعلم أن خيولاً مجنونة وحدها التي تخط خطاها في حقول عالمك المترامي الاطراف... حيث لا مدى للمسافات ولا زمن يحتويها.. أنها تتبعني.. وتجعلني أركض مع الريح.. أتسابق معها كي ألحق بك.. دون جدوى.
بغداد غطي جثمان شاعرنا
طه الطاهر
بغداد تهيأي
بمكبرات صوتك
بهذه المناخير القذرة.... بصعاداتك
بواحد وعشرين إطلاقة مدفع
فرحا بالافاقين.... سماسرة البغاء
والقاتلين غسلاً للعار
بإلتفاتات الفاشست الكريمة
تزين شوارعك.
بغداد
غطي منازلك الفقيرة بلون الرصاص
هكذا أمر البعث.
غطي عوراتك واحدة تلو الأخرى
غطي الابرياء في سجونك
غطي المحاكمات الظالمة
والصغار المشوهين
غطي الفساد والرشاوى
غطي الاختلاسات
والازمات الخانقة
غطي أسواقك السوداء
غطي جثمان شاعرنا
غطي الذي كلل ثوراتك
بفضة بابل
"رياض - أبا نضال - تعال فورا
نحن بحاجة إليك"
هكذا كتب غسان كنفاني
بغداد
بهذه الدرجة الرفيعة
كان الذي دفنته البلدية
فالامر يقول
أدفنوا الشيوعية بصمت
بغداد
جهزي طائرات الهليكوبتر
فالملك يشتهي حليب الناقة
بغداد
بغداد
ألبسي قفازك
وغطيها كلها
وتهيأي للنزال
وتفجري لملاحقة القوادين
فهم يجوبون الآن شوارعك الحزينة.
------------------------------------------------------
* كتب الشاعر هذه القصيدة في رثاء صديقه الشاعر، المناضل (رياض البكري) الذي يقاتل في صفوف المقاومة الفلسطينية، أستشهد بعد أن أغتالته عناصر حزب البعث عام 1978 أثناء زيارته لبغداد.
موقع الشاعر طه الطاهر







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك