حمزة معز ينسج خيوط عشقه في باتنة
ساسية مسادي
الرمزية المشخصة على الخشبة
قدم المركز الوطني للفنون الدرامية و الركحية بالكاف من تونس أول أمس، بالمسرح الجهوي لباتنة عرضا مسرحيا متميزا وقعه المخرج المتميز معز حمزة الذي يسجل بهذا العمل خطوة أخرى نحو بحثه في التفرد في الإبداع و التمرد على السائد من الموجود في طرق الطرح و الرؤى الفنية .
"خيوط العشقة" اقتبسها معز حمزة عن رائعة الكاتب الاسباني أليخندرو كاسونا "المنزل ذو الشرفات السبع" التي تتناول موضوع العلاقات الإنسانية في قصة بسيطة لعائلة متكونة من رجل أرمل توفيت زوجته و تركت له ابنا أبكم و خالة ترعى الابن و خدما و طبيبا و حبيبا غائبا و أطيافا في الذاكرة.
لا يخرج النص المقتبس عن الأصلي و لكن المخرج اشتغل بذكاء على الرمزية المشخصة و كثافة الشخصيات ، جاعلا من المشاعر الإنسانية منبعا لإبداعه يغرف منه أفكاره المتشعبة و ينسج من خلاله خيوطا للعشق، خيوطا رفيعة تتداخل فيما بينها ، تتقاطع على الخشبة لتشكل لوحة فنية بزوايا حادة و أشكالا هندسية مربعة و مستطيلة ، عاتمة بعتمة الكره، موجعة بوجع الخديعة ، قاسية بقسوة الانتظار .... معلقة على مصائر الأرواح البشرية تنتظر الحب الضائع الغائب ، المسافر من مكان إلى آخر.. تستجديه من الأموات من الذاكرة و من اللامعقول .
"بية" الخالة العانس التي تنتظر عودة حبيبها المهاجر إلى اسبانيا و تتوق إلى دعوة منه للحاق به، يومياتها متوقفة على رسائله التي يظهر في الأخير أنها رسائل وهمية تتوهم أن الحبيب أرسل بها إليها، و بقاءها في البيت هو من أجل ابن أختها " بشير" الذي يعيش مع أطياف الأموات جدته، والدته و "بو بشير" الفتاة التي توفيت غرقا من أجل أن تهديه نجمة البحر، بشير الذي يختار كلمة "لا" كأول كلمة ينطق بها في وجه الآخرين كما أوصته خالته "قول كلمة لا، و اللي يجي من بعدها حكاية فارغة" .
"تفتف" الزوج الأرمل الذي يعيش على ذكرى زوجته ، حب ابنه الذي يشك في نسبه، و جسد الخادمة "مبلمة" التي تطلب مقابله ثروة "بية"، الطبيب الذي لا يجد سبيل إلى علاج "بشير" إلا بالكلمة " (آخر تنفيسة يكبّش بيها المريض وقت اللي ييأس من الدواء)، الخادمة "شاردة" التي يتحكم الجميع في إرادتها، و الحبيب الهائم في الغربة بحقيبة الرسائل المنتظرة .
سبع شخصيات تلتقي في فضاء الخشبة الرحب الذي لا يضم ديكوره إلا سبع كراسي و طاولة ، فضاء يمتد من المعقول إلى اللامعقول ، لا تتقابل شخصياته إلا في مشاهد الصراع أو مشاهد الغرام، بينما تتوزع في باقي المشاهد في وضعيات متنافرة أو تجلس على مقاعد متجاورة و مقابلة للجهمور أو ملتفتة إلى خلفية الخشبة ، و كأن المخرج بهذه الوضعيات يريد أن يبين مدى البعد بين الشخصيات، مدى رفض الأنا للآخر و مدى الفردية التي طغت على طابع العلاقات الإنسانية، و لكنها مع ذلك تلتقي و تتلامس أجسادها في بعض المواقف لأن عاملا القرابة و العاطفة يأخذا مكانهما أيضا في رسم خيوط العشق.
أجسام مكسوة بالأبيض و الأسود تتحرك بانتظام على الركح منسجمة مع سينوغرافيا متقنة اشتغل فيها الفريق التقني على عامل الإضاءة الذي وظف باتقان، ملتحمة بنغمات الموسيقى الاسبانية ، أجساما حية تسكن في حضرة الأموات التي يعوضها صوت المخرج "حمزة معز" بين الحين و الآخر فيكسر صمت الخشبة أحيانا و يفرض الصمت بعد الصراع أحيانا أخرى.
آداء الممثلين كان في مستوى الرؤية الإخراجية لمعز حمزة، حيث تأقلم جميعهم مع صعوبة المواقف الدرامية في العمل و أظهروا بشكل جيد أهمية التقاء الموهبة و التكوين في شخصية الممثل.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك