| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
المتنبي.. صمود الكاتب بوجه الخراب
ابتسام يوسف الطاهر
بعد فراق لأكثر من خمسة وعشرين عاماً ، إقترح أخي أن أزور "شارع المتنبي" الذي لم أزره قبل الرحيل ، تنقلت بين الكتب مثل طفل محروم من العيد وأطلقوه في مدينة ألعاب أوروپية !.
فرحت إن شعبنا ما زال مولع بالقراءة والعلم وليس كما يقولون عنه إنه يحكي أكثر مما يسمع ويكتب أكثر مما يقرأ .
يومها كان مقهى "الشابندر" مزدحماً لدرجة وقوف بعض زبائنه بالخارج فشربنا العصير وقوفاً فعدنا بحصيلة من الكتب التي أجّلت قراءتها إلى حين .
هناك إلتقيت بأصدقاء لم أرهم زمناً ، قد أتعبتهم الأيام وصبغت شعرهم بخصلات فضية ، لكنها لم تقدر على إنتزاع الأمل من العيون .
حين سمعت بجريمة تفجير "شارع المتنبي" صرخت "لماذا؟" وتردد صداها ليصطدم بصخرة "الحقد" الصماء صرخة "القومچية" الذين سموا قتلنا مقاومة و"المتأسلمين" الذين دعوه جهاداً ، ضد الناس المتعبين ، ضد العلم ، ضد الكلمة المقروءة والمكتوبة .
أي كائنات مبرمجة على الحقد ، كيف لهم ذلك ؟ من إنتزع عنهم عقولهم ومشاعرهم ليجعل منهم دون الحيوانات المسعورة ودون أعتى المجرمين جنوناً ؟.
لكنها كانت محاولة فاشلة لإقتلاع الحب والأمل ، لإقتلاع ذلك الذراع "الشارع" الذي يحتضن الجميع ويوحدهم على غاية حب الإبداع والبحث عن الحقيقة .
في زيارتي الأخيرة لبغداد لم تكن لي الجرأة لأرى الشارع مخضباً بدماء كتبه وأبناءه .. ولكن أخبار إعماره وتعميره شجعتني لأزوره مع اخي ابو جعفر القارئ الجميل والناقد البارع برفقة الصديق ابو حيدر العاشق للكتب والمترجم والمواظب على المتنبي شاعراً وشارعاً وكتاباً.
شارع المتنبي الذي وجد به العراقي السوي ضالته وسط فوضى الخراب والتخريب، ليبعد أشباح الحقد التي صارت تتجول بكل ركن من زوايا الحياة، ومتنفساً يعيد له توازنه بعيداً عن الهموم اليومية التي تحاصره من كهرباء وماء وغاز وسوق وتاكسي ومدارس ومليشيات وإرهابيين وبقايا النظام السابق الحاقدين وقوات الإحتلال "المستنفعين" من غدر "القومچيين" و "المتأسلمين" وغدر الجيران والأبعد من الذين يحاصرون العراق ، إمتداداً لحصار "أمريكا" السابق يحاصروه إعلامياً وثقافياً وإنسانياً ، وأول ما صدروه هو عصابات المجرمين.
هناك صدمت بحجم الخراب وبطء عملية التعمير الذي المفروض ان لا يفاجأني فقد شمل كل مناحي الحياة.. كذلك لم افاجأ أيضاً بتحدي الكتاب الذي وجدته ما زال صامداً معتلياً أكوام بقايا الخراب وإن كان متعباً، مستوحشاً فراق أحبة الأمس والزملاء .
يختنق بغبار الخراب السؤال الاكثر تداولا.. لماذا ؟ .. ونتحلى بصبر "محمد الخشالي" صاحب مقهى الشابندر احد معالم ذلك الشارع، ونكتفي بسؤال المسئولين .. لماذا هذا البطء ، لماذا لا تأتوا بمن هو أكفأ ليجند فريق أكبر ويستعجل إعادة الحياة للشارع ، للمحلات ، للمباني ، للأرصفة وبشكل أجمل من قبل وأرقى، على الأقل لنرد على القتلة، وننتقم بإصرارنا على الحياة ومقابلة تخريبهم بالإعمار والحرص على الجمال..
وقفت لأصور بعض الكتب التي زاحمت أكوام التراب والطابوق وصور المأساة التي ما زالت ماثلة أمامهم يتطلعون بصبر لم يعرفه إنسان .
كان هناك يجلس بهيبة المحارب الذي يتأمل فريق جنوده الشهداء يبتهل للسماء ، يتطلع لنا بصمت ودون أن يسأل "من أنتم" ثم يفتح قلب الذكريات وعينه لا تفارق مقهى "الشابندر" الذي لم يبق منه غير اطلال تنتظر إعادة شمل رواده بفارغ الصبر. يزوره كل يوم ليستعيد ذكرى الأمس ؛ فوجئت إنه الأستاذ "محمد الخشالي" صاحب ذلك المقهى ، المَعْلَمْ التراثي الأصيل .
أبا الشهداء .. محمد الخشالي ! كما سماه بعض الشعراء..
وقفت ذاهلة ومرتبكة أمام تلك النظرات التي لم يقتل الحزن بريقها ولم تطفئ الفاجعة نور الأمل والحب فيها .
"بغداد كالنخلة المثمرة .. الكل يرجمها"هكذا يحلل "الخشالي" سبب تكالب الطامعين وضباع الجشع الحاقدين على العراق وشعبه. لم يردد مقولة الشامتين من ضعاف النفوس "نستاهل لان .." ويطلقوا أسبابهم المتخلفة كل حسب حدود وعيه الضيق.. فالخشالي حتى بهذه المصيبة يفاخر ببغداد ويجعلها نخلة شامخة معطاء وأعدائها مجرد أغبياء لاهم لهم سوى التخريب.
تذكرت القصيدة التي أهداها له "خلدون جاويد" ونشرها على "الحوار المتمدن"
"عذراً أبا الشهداء قافيتي قضتْ نحباً ومات الشعر والشعراء
لما نظرت إلى أهابك مفعماً بالحزن مازجهُ دمٌ وحنّاءُ
أنت العراقي الأبي ببردهِ نسر تضيق بجناحيه سماءُ
يبقى العراقيون أصلد صخرةٍ كُسرتْ عليها الريح والأنواء"
إستأذنته لأدون بعض ما يقول : إٌنطلق بصوت هادئ جليل يحكي عن أبناءه الأربعة وحفيده الشاب الذين إستشهدوا كلهم بتلك الفاجعة، تبعهم رفيقته الأم التي لم تصمد أمام الكارثة .. ليلتحقوا بموكب الشهداء.
يجلس قبالة الجريح السابع.. "المقهى" الذي حافظ عليه وصانه بل جعله شبه متحف لتراث بغداد وذلك الشارع بالصور التي تزين جدران المقهى .. كما قال .. ثم صمت وهو يحاول أن يرى المقهى بعين الماضي القريب . تابع وهو يستذكر الشهداء من بائعي الكتب:
"المثقف هو من يستشهد أمام كتبه وليس من يسرق جهد غيره ويحقق شهرة .. هؤلاء المساكين الذين لم يكن لديهم ما يبيعوه غير الكتب التي قرأوها وأحبوها ، وأرادوا أن يشركوا الآخر بها مقابل مبلغ زهيد يقيهم وأولادهم من الجوع .. هؤلاء هم الشهداء" .
صمت برهة .. ليخفي جرحاً لم يندمل وهو يتذكر الشارع الجريح وقد عمده أبناءه الشهداء .. ثم تابع بصوت إختلط به الألم مع الأمل "بلاد الخير محاربة ، العراقي الأصيل يحب العلم ويحب الثقافة وقلبه رحيم ، أما هؤلاء المجرمين ، فهناك خلل بأعراقهم وأصولهم .. لابد أنهم من مخلفات الماضي أو من الأقوام الحاقدة على العراق" .
كنت أصغي له وينتابني الأمل بان ابناء العراق يبقون بتفائلهم وتحديهم مصابيحا تنير ظلمة يريدها الحاقدون مستديمة فاستخف بجزعي وملالتي وبكل من يهمس "لقد ضاع العراق" يقولها ببرود وبلا عناء .
هذا الرجل الذي تمنيت لو أبكي معه، إكتفيت بمصافحته وتقبيل جبينه، أستمد منه بعض الصبر وبعض الصمود .
هذا العراقي الأصيل الذي قال عنه الشاعر :
كم أنت يا شيخ الشيوخ مدجج وجميل صبرك قمةٌ شماءُ
صلب الشكيمة في الفواجع موطني وإبن العراق أصالة ووفاء
أبناء وادي الرافدين مجرةٌ ومن المجرة تبعث الشهداء
ذلك المناضل الشجاع الذي صمد جيلاً وهو يودع أبناءه وحفيده ورفيقة دربه حكى بتهدج عن أمه التي كانت متعلقة بأحفادها .. لحظتها تلألأت الدموع نجوماً لم يقدر على حبسها .
فإعتذرنا منه لتقليب المواجع ثم أشار لنا أن ننتظر ليهدينا كتاباً ألفه بعد الفاجعة .. وضعه وهو يتابع الفضائيات ويسمع لغط البعض ممن لم يتعبوا أنفسهم بالبحث والتدقيق ، ولم تثن الفاجعة عن تسليط الضوء على تاريخ الشارع الذي يعرفه كما لو كان يعرف إبنه أو أبيه .
أراد بكتابه أن يتحدى من أحرقوا الكتاب وقارئه وبائعة فوضع به تاريخ الشارع الحديث وزينه بصور أولاده وغيرهم من الشهداء ليكون مصباحاً يقول إن هؤلاء الشهداء سيبقون شعلة تضئ درب من يسير بدرب الحياة والحق، وجمرة تحرق القتلة وغربان الظلام .
كان رداً جميلاً على من يقول ما قيمة الكلمة أمام كل ذلك الخراب ليقول إن الكلمة الجميلة هي الأبقى.
"وآمالنا هيهات ما ذبلت ولا الكون إنتهى أو حلت البأساء"
فذلك الرجل – والرجال قليل – أعطانا درساً ، فلم أسمع منه كل الوقت أي كلمة ينطقها غضب وهو يعرف إن الكل سيعذر الكلمات المجروحة .. لم يشأ أن يلوث كلماته بالحديث عن القتلة والمجرمين ومن دفعهم ودفع لهم لإرتكاب تلك الجريمة الكبرى ، حتى بالسؤال عن التعويضات لهم عن سيارته ومكائنه التي دمرت ، عن "الشابندر" والصور التي لا تعوض .. إكتفى بالقول "لم يصدر أي قانون نظامي .. وللآن لم تصرف أموال لأرامل الشهداء ، خصصوا مبلغاً للمتضررين ووزعوه عليهم وقتها – مشكورين – لكن هناك فوضى، فأحياناً يحصل خلط .. قلت مرة إن هناك أكثر من (86) شهيد ، لم يفكر أحد بعوائلهم ، وإذا لم تراعوا أبناء الشهداء ، لا تعتبوا عليهم أن صاروا إرهابيين" .
خذلتني الكلمات ووقفت عاجزة ، ما الذي أقول ليخفف من ألم ذلك الرجل الصامد أمام كل ذلك الخراب ويرفد الشارع الذي قتلت كتبه ، بكتاب يخلد به الشارع وأبناءه .
ودعته على أمل ، أن نراه يوماً في مقهاه بعد أن تسرع الدولة لتعيده لأحسن مما كان عليه .
أذن هي دعوة لكل المسئولين ليعملوا كل بإختصاصه ، ليجندوا أكبر عدد من العاملين ليعيدوا الحياة للشارع والمقاهي والمحلات والأعمدة وبأسرع وقت ممكن ليكون الرد أقوى وأسرع على غربان الظلام والقتلة المجرمين . وكذلك لكل المهتمين بالثقافة والفلكلور ليساهموا بخبراتهم وأموالهم لإعادة الحياة لذلك الشارع وتطوير مقاهيه خاصة الشابندر ومكتباته بما يليق بذلك الشارع معلما ثقافيا مهما.







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (1 تعليقات سابقة):
جميلة كلماتك مثل روحك ومثل صاحب المقهىرغم الفجيعة والالم الذي يعيشه هو والكثير من اهلنا .
سلامي لك والى الرائع ابو جعفر والى شارع المتنبي .
أضف تعليقك