أدب فن: أذكُرُ أني أذكُرُ أني ================================================================================ on October 21, 2007     رشيد هارون         • أُنجزَ الكتاب في حزيران  2003 . • نُشرت أجزاء منه في صحف طريق الشعب  –  المؤتمر  –  الفيحاء  . • نشرت جريدة بغداد خبراً عن الأمسية التي أقامها المؤلف في الاتحاد العام للأدباء والكتاب / فرع بابل وذلك يوم 4 / 7 / 2003 م . الإهداء    إلى الذي ألهمني القول : (  أبتي نأت المدينة  فمن للغريبينِ في القرية النائية وحرِّ الظهيرة ؟ ألقيت عصاي فقد نام على العتبات النباح  ) ولدي أزهر الذي رافقني على محاربة الفقر صغيرا وأرجو أن يغفر للكلاب التي مزقت رداءه غير مرة فقد كانت تقوم بواجبها الطبيعي  .           رشيد هارون    المقدمة: بقلم الشاعر ناهض الخياط     الذكريات كما نفهمها هي استرجاع تخيلي للحياة التي عاشها المرء في ماضيه القريب أو البعيد، تتداعى في ذهنه صوراً متعاقبة أو متناثرة تبعاً لما يعتري المرء في حينها من قلق أو هدوء، وذكريات الأديب مصدر مهم لإبداعه الأدبي، وقد يكون المدون منها واحداً من تأليفه الرائعة، غير أن ما يلفت الانتباه حقاً أن الشاعر يختلف عن غيره من الأدباء أو المثقفين في طريقة عرضه، إذ يقترب نصه كثيراً من توهج الشعر وعوالمه، مع ما يتضمنه هنا وهناك من المقاطع الشعرية الخالصة، هذا ما لمسته في النص ( أذكر أني ) لرشيد هارون الذي أكد لنا ما يتميز به الشاعر في هذا المجال. لقد انبثق النص من تجربة حقيقية صادقة تنطوي على معاناة قهر وإعواز وحزن، ومواجهة يومية مع رموز النظام وممارساتهم الإرهابية ليل نهار. إن النص مع امتيازه الفني وثيقة حقيقية لما كان يعانيه شعبنا من إرهاب وتعذيب وقتل بلا حدود، وما كان يعانيه المربون المثقفون الأحرار من إفقار متعمد، ونفي، وتهميش، ومطارده، وإعانة، ومحاصرة خانقة. إن تجربة الشاعر رشيد هارون كتب عليها القدر أن تكون نصاً ثرياً مبدعاً يصور لنا بدقة ووضوح كفاح أديب متعفف مثقل بأعباء عائلة كبيرة، معتمداً ثقته بنفسه وقدراته المتعددة، متسلحاً بثقافته وموهبته وصبره الذي لا يمكن الثبات معه إلا ببكائه وحيداً مع نفسه، أو بالغناء وهو يشد من عزيمة جسده الناحل الضعيف، عبر الطرق الترابية في الريح وتحت الشمس أو المطر مع عدة عمله الثقيلة التي طالما نهشتها الكلاب وهو يدافع عن نفسه أمامها لتحوطه بعد ذلك، النظرات المتسائلة و زعيق الأطفال الساخرين، ونباح كلاب أخرى، لا يدري في أي مكان ستستقبله. لقد قدم رشيد هارون في نصه هذا صوراً للمآسي الإنسانية التي يعيشها الكثير في عالمنا هذا عند عتبات قرنه الجديد. إن ما رأيته في النص يدفعني إلى أن اسأل منظري الأدب ونقدته إلى أي جنس ينتمي؟ وما علاقته بما ينفثون علينا من مصطلحات الحداثة وما بعدها، عسى أن يجيبني أحد بعد قراءته لـ ( أذكر أني )!   علامات تعجب في الطريق  إلى المدينة    الإنسان وحده تحت وطأة أصعب الظروف يمتلك حرية الاختيار .   أذكر أني فكرت بالجنون وسعيت إليه سعياً، أرجو أنك فكرت به مثلي. لك أن تتصورني مجنوناً أمشي على طول قامتي؟ أقول ما أشاء بملئ حريتي وأعترض على مالا يتفق   وقناعتي. أشتم من يستحق الشتم وأهزأ بمن يستحق الهزأ لك أن تتصورني افني النهار ضحكاً وشتماً وهزءاً. المجانين ليسوا أغبياء جميعاً ولو كانوا كذلك لما جُنُّوا لان الشارع لي أنا المجنون ولك الأرصفة والأحياء المظلمة أنا اضحك بملأ إرادتي أطلق صوتي لمداه وأنت تخاف ذلك أنت إن لم تفكر بالجنون سأتألم لك وسأقول: إنك لا تشبهني فان ما كان يدفع إليه ويبعث على التفكير به لابد أن تجد لك وسيلة تهزأ بها ممن يحسبك مغفلاً وتشتم بها من يحسب نفسه لا يشتم !!  أذكر أني  كنت عندما أذهب إلى مركز المدينة يطلب مني ذوو بزات عسكرية هويتي ويحدقون بها وبي ولا مناص من أن يحدقوا بك ذهاباً وإياباً. أذكر أن أحدهم كان يدخن بينما صعد إلى السيارة من يحدق في الوجوه ويطلب الهويات فانهال عليه شتما وإهانة أمام النسوة ألم اقل لك؟ لو كنت مجنوناً كان بوسعك أن تدخل دون أن تهان على الإنسان في المدينة أن لا يرفع رأسه ليرى ما يجري عليه أن لا يشعر من يأخذ الدية على المسير في الشارع بأنه يراه وقد كثر الجباة في المدن ففي الطريق جباة وفي دار الجباية جباة رسميون وغير رسميين أذكر أني  كنت حين أُرزق بوليد يجبى مني وحين يمرض أو أمرض يجبى منا حين يطلبك القانون لخدمة العلم يجبى منك وحين تسرح يجبى لتسريحك. وحين تهرب يجبى لهروبك الجباة يكبرونني أحيانا وأحيانا أكبرهم من جنسي حيناً ومن جنس آخر حينا عليك أن تدفع، وإذا كان ذلك يشعرك بالخجل أمام نفسك فعليك أن تبحث عن وسيط يوصل ما يودون جبايته منك جباة صغار جباة كبار بينهما جباة وأنت إن لم تفكر بالجنون على صعيد الأيام القادمة سيكون ألمك ودمعك مضاعفاً. كان الجباة أذكياء ولهم طرقهم التي يحيلون بها دارك إلى قاعة يرن فيها الصوت وإذا دفعت إلى الجباة الرسميين واستلمت براءة ذمتك طالبك جاب آخر بصحة صدورها فلهويتك ولدفتر خدمتك صحة صدور ولتسريحك من الجيش صحة تسريح ولتخرجك من الجامعة صحة تخرج.. و.. و.. و. أن تجن ستطالب مرة واحدة بصحة جنون وسيختصر عليك الجنون كثيرا من العناء وسيجنبك الكثير من الأيدي التي تجبي ومن العيون التي تحدق أذكر أني كنت أراهم كيف يسخرون الناس مجاناً ويسلبون بعض أشيائهم عنوة فإن تعمل سائقاً أخذوا سيارتك سخرة وإن كنت مطرباً سخروك تغني لهم وإن تعمل راقصة سخروك هزاً  وتمايلا في مناسباتهم وإن كنت مزاحاً سخروا مزاحك ليفك عقدهم وإن كنت تاجراً اخذوا منك ثمن اللافتات التي تحمل شعاراتهم ومن كان يبيع الخمرة لهم من خمره نصيب، . . ، . . ومن، ومن. . لابد أن تختار الطريق الذي يفضي بك إليك وإن كان الجنون..!!   بداية الرحلة ورؤيا المطاولة أو اسقط مخذولاً  ولا خاذلاً  ألا يستحي هذا الرجل يحمل عدة سفرية وجريدة ؟    أذكر أن العراق اتبع سياسة اقتصادية رأسمالية أبّان انحلال الاتحاد السوفيتي وبشكل مفاجيء، ولاحظ من عاش فترة بداية العقد التسعيني من الألفية الثانية، إن النظام باع أعداداً هائلة من وسائط النقل الحكومية، وأهل الحكومي من القطاعات. وبعد انتفاضة 1991 ألغى النظام دعم المواطن والمؤسسات التي تقدم له الخدمات. وصار لزاماً على المواطن العراقي أن يواجه السوق الذي يغلي إلى درجة صار فيها راتب الموظف لا يعيل أسرة لأكثر من يوم واحد، أما راتب المتقاعد فلا يساوي أجرة السيارة التي توصله إلى المصرف لاستلام راتبه التقاعدي المزعوم. فاتجه الموظف – نتيجة لذلك - إلى العمل في القطاع الخاص بعد الدوام، وراجت في السنوات التي توسطت العقد التسعيني عملية الامتهان على الأرصفة. أذكر أني عندما حاصرني النظام بالجوع، عزمت – مضطراً - على نسيان صفتي الوظيفية، لأذعن للواقع، وأعمل سواء بسواء مع من ترك تعليمه الابتدائي – كانت المدارس تغض الطرف عن التشديد على تطبيق ما يسمى بالتعليم الإلزامي- وإذا كان لابد لكل شيء من بداية، فرحلتي مع الألم والعمل مصلحاً جوالاً للطباخات الغازية، كانت قرية الصفرة، إحدى قرى الحلة وتقع في الجنوب الشرقي منها، كان احدهم قد جاء إلى أخي الذي كنت اعمل معه وطلب منه أن يصحبه إلى هناك لإصلاح طباخه، فرافقته، وما أن أنجزنا له ما أراد حتى دعانا جاره للقيام بالمهمة نفسها، عندها قلت: لماذا لا أهيئ عدة سفرية وأجوب القرى؟ – أنا الذي أعرف المصلحة ولا محل لي للعمل - في اليوم التالي كنت في قرية الصفرة نفسها. أذكر أني كنت أنادي للتعريف بمهنتي – تصليح الطباخات - بعيداً عن البيوت، كنت أحاول أن أروض صوتي ليطاوعني، ففي حينها بدا مبحوحاً، كما لو كنت أقف أمام محقق أمني. كنت حينها لم أتمكن بعد من السيطرة على صوتي – أنا الذي يجيد الطبقات العالية في الغناء – ولم أتمكن بعد من معرفة طرق التعامل مع الكلاب والتمييز بين صنوفها فكان ثمة من يحذرني: إلى أين وأنت بلا عصا؟ كانت البداية شديدة الوطأة على نفسي فهي الغربة والاغتراب ذاتهما! أذكر أني كنت ألح في الذهاب إلى قرية الصفرة، لأقنعها بأني مصلح جوال واقنع نفسي وصوتي أذكر أني  كنت احسب أن قرية الصفرة وحدها من تأتي وسائط نقلها من المدينة، محملة بالثلج وأكياس الحصة التموينية التي تشغل الممر وبعض المقاعد، وعليك أن لا تظهر تبرَّمك حين تنتظر السيارة أحداً لم يخرج من داره بعد، ولم ينته من وضع ( الباميا ) في الأكياس، عليك أن تنتظر حتى ينتهي من أمره بينما تستمع إلى قصة من أحد الركاب وهو يعمر سيجارته. تتجه السيارات من القرى إلى علوة الخضار، فليس بوسع الفلاح أن يبيع محصوله دون أن يتقاضى (المتعهد) حصته وإن حصل غير ذلك فإنما يحصل خلسةً. أذكر أن النظام فرض على الفلاح تمويل ( السايلوات ) بعدد محدد من أطنان الحنطة، حسب مساحة الأرض الزراعية التي بحوزته، وكان الفلاح يعمل ما بوسعه كي يفي بالحصة المقررة، وإلا فعليه أن يبيع مواشيه أو أولاده ليشتري ما يسد النقص، وليس من مناص من ذلك غير السجن أو الغرامات المالية، أذكر أني  سمعت غير فلاح يقول: لم أرَ القضاء ولا مركز المحافظة منذ أشهر خشية أن يقبض عليَّ! لقد خذلت القرى، خاصة في نسبة ما يصلها من ماء، كما خذل الموظف براتبه.  أذكر أني كنت أقول في الليل مع نفسي: إن القرى كثيرة وسأظل أمشي من قرية لأخرى حتى أصلح ما يعيل ليوم. نعم لقد خذلت، فلا يجب أن أخذل عيالي، وان كان لابدّ من ذلك تحت وطأة الظروف التي يعرفها كل عراقي ومنهم أسرتي، فلا بد من المطاولة ما استطعت حتى اسقط صريعاً بؤبؤتي، أسقط ( مغدوراً )، ومعذوراً، لئلا أشعر بالإنكار أمام نفسي، وذاك مالا أرضاه لي، ولها!!       إذا انفعلت اختفيت    لا أدري من كان يهتف لي إن أسلك هذا الطريق ودع ذاك وما هو يقين عندي إني كنتُ أسمع ذلك الهتاف       أذكر أني  حين كنت أعود من القرى أواجه منظراً يومياً عند باب المدرسة في آخر الشارع من بيتي، بزات عسكرية يلبسها مدنيون، لا ادري ينتظرون مَنْ، ولا ادري لم يفتعلون الفرح على وجوههم حين يسمعون الأغاني التي يسمونها وطنية، لقد كنت أتقزز لهذا، وأذكر أني  كنت أقول في نفسي: إنهم يسخرون مني ومن هم على شاكلتي في الحصول على الرزق! هؤلاء موجودون في النهار حتى آخر الليل، موجودون في الأعياد والمناسبات الدينية، بجملة واحدة إنهم دائماً عند باب المدرسة, وأنت إذا غيرت الطريق التي تفضي بك إلى البيت، تراهم أمامك من خلال مكبرات الصوت. كنت لا أفرق بين نباح كلاب القرى ومكبرات أصواتهم، واعترف أن ثمة كلاباً تشدني لنباحها إلا هم، ويمكنك أن تسمعهم في بيتك وفي أية زاوية منه. المناسبات كثيرة والصوت جد عال، وليس بوسعك أن تتخلى عن أذنيك أو بيتك. أذكر أني كنت أقول: إن هؤلاء يتآمرون عليّ، فهم يريدونني أن اجن، فعليك أن تشاركهم نصرهم سواء أوجدت رزقك في القرى أم لم تجده، سواء أكنت محزوناً مهموماً مفقوراً أم لم تكن! كنت اشعر أن ثمة فرحاً زائداً عن الحاجة وتمايلاً في المشي لا مسوغ له، وكنت اسأل يغيضون من بمشيهم، ويناغون من بألبستهم الملتصقة في الجسد المتمايل؟ لعلّها مشكلتي، ولعلها مشكلة سمعي ونظري، ولكن يحق لي أن أسجل ما اشعر به، فهو من الجبن أن يتآمر امرؤ على نفسه فيزيدها قرفاً ونشازاً وجنوناً. لابد أن تشاركهم بؤسهم، فأنت إن قلت: عيالي، قالوا: نحن نتعهدهم، وإن قلت صحتي وهزال جسمي: قالوا لعدم إيمانك، وأذكر أنهم تعهدوا أطفالنا بإفقارهم المدروس، وتعهدوا صحتنا بوسائلهم النفسية. أذكر أني قلت: أحدنا على خطأ! هم إذا حدثوك بدا على حديثهم الكذبُ والفراغُ من المعنى، وسوء الابتداء والانتهاء، وهم يريدونك أن تسمعهم وإن كنت تعرف ما سيقولون: وأحدهم عطشان لأن تقف بين يديه، يحقق معك، ولك الخيار إما أن تقف غير وقفة بين يديه وبين يدي ( سواه ) من المحققين، وإما أن تقف عند باب المدرسة تهدر وقتك وتبيد ذوقك، وتمسخ كيانك، والموقفان سيان في كليهما أنت الخاسر إذن فكر بالـ... نون!!. أذكر أني وقفت بين يدي غير واحد منهم، هل وقفت هذا الموقف؟ لقد كنت استنفر ثقافتي وعوزي وسمعي لان يرد عليهم كان الجسم الناحل هذا يستحيل راجمة يقصفهم مسترخياً هادئاً فإنني أعرف أنني إذا انفعلت اختفيت! كنت أحس بانهزامهم أمامي، فكانوا ينسقون الأكاذيب ليعذروني وليدعوني مرة أخرى إلى بؤسهم، وأنت إن تخليت عن ذوقك وحقيقة ما ترى فيك وفي جارك من فاقة واضطهاد، وأنت العراقي بخبراته وغناه، ستنساق وتستحيل إلى واحد منهم لا يسمع ولا يرى ولا يحسُّ. هم يستحقون الإدانة وبوسعي أن اشتم، فأنا مكلوم، لكنني لا أحب أن اشتم أحداً فقد قلت هذا، لكنني أود أن اكتب ما يخالجني، فقد كانوا يقصدونني في أمني وصحتي وذوقي ورزقي، وأنا لا اقصد إلا الكتابة، لكنني لا افترض أنهم يستحون من... أو يتألمون لكتابتي، فقد كانوا لا يتألمون لي ولنا مجتمعين, أنا لا أكتب لهم اليوم، أكتب لي ولك ولمن لا يشبههم لباساً وذوقاً وفرحاً زائفاً وتمايلاً كاذباً!. أذكر أني  كنت اقرأ انهزامهم أمامي. لقد تأكد لي بأنني ندهم كانوا ينظرونني آخر أيامهم على مضض، ويحسبون تحديقي بهم سخرية، إني لم اسمعهم رداً نابياً، وهم يلوذون بأسيجة الدور ليرتدوا ( دشاديشهم ) كيما يخفوا بزاتهم العسكرية. ولقد كنت اسأل ينتظرون منْ بلباسهم هذا وأسلحتهم الخفيفة التي تزيدهم تمايلاً وزهواً كاذباً، لقد أيقنت تماماً بأنهم كانوا ينتظروني وينتظرون من سدّ عليهم إمكانية أن يخفوه أو يعذبوه أو يريقون كرامته! وبما أن الجميع التزم موقف ( المراقب )، فقد انسحبوا مخذولين، أذكر أني قلت في نفسي لقد هزمتهم بعدتي السفرية هذه، وها أنا ذا باق أشفق عليهم, وهم يتوشحون بالذل. المدرسة في آخر الشارع عادت مدرسة، لم يبق ما يشوهها سوى أكياس الرمل التي كانوا من المفترض أن يحتموا بها مني، لقد قلت لهم إن الحقيقة لا يجليها العراك والمشي المتمايل، فلم يصدقوني, لقد قلت لهم اتركوني لعدتي السفرية ولكتابتي فلم يفعلوا، غير أني  اصطليتهم بنار ما أذكر من مواقفهم! إن الطريق الصحيح يوصلك آمناً مطمئناً إلى باب الدار وها أنا أكتب تحت شمس النهار وهم يختبئون في الجحور! أذكر أني كنت عندما أجوب القرى مصلِّحاً جوالاً للطباخات، أخلع ما يمكن أن يذكرني بصفتي الوظيفية - بوصفي موظفاً وإنساناً يتحسس بما يجري حوله ويتألم له، كان علي أن أنسى ذلك وعلي أن لا أنادي للتعريف بمهنتي حتى ينتهي بائع الغاز من القرع على اسطوانة الغاز بآلته الحديدية وعليّ أن لا أنادي حتى ينتهي الصغير الذي يحمل حافظة الموطا من صياحه الذي يستأنس به وينغمه ليس هذا وحسب علي أن انتظر حتى تنتهي بعض الحمير من نهيقها وأنت تدري أنها إذا نهقت نهقت جماعات عليّ أن لا أنادي حتى ابتعد عن المولدات التي نصبت لتسحب بعض ما تبقى من الماء في جوف الحفر المالحة وعلي حين أنادي أن أضع يدي لأدفع صوتي باتجاه البيوت حين تجوب القرى عليك أن تنسى كل شيء إلا ألمك الذي سببته لك آنية الطبخ الخالية. عليك إن لم تحصل على رزقك أن تجلس تحت ظل شجرة أو جدار, وأن تواصل بعد ذلك حتى تجد ما   يعيل، وما لا يفسد عليك أبوتك أمام أطفالك ورجولتك أمام زوجك! وإذا كان ثمة ألم ألحقته بك القرى فعليك أن تتركه عند آخر خطوة قبل أن تصعد السيارة المكشوفة أو السيارة التي تجمع بين أكياس ( الباميا ) والناس، عائداً إلى البيت. أذكر أني  كنت أقول: إن القرى تؤذيك دون أن تدري وإن من في المدن يؤذيك بدراية، ولابد أن تميز بين هذا وذاك عليك أن تميز بين هزل الأطفال الذين يرمونك بالحجارة ويرددون ما تقول حين تنادي، ويصفقون وهم يتبعونك حتى يملوا وبين من يحاصرك دون مسوغ عليك أن تعذر الحمير لنهيقها وبائعي اسطوانات الغاز لطرقهم والأطفال لمرحهم وهزلهم وتسجل لسواهم لصوصيتهم وتقاريرهم السرية وتمايلهم المتحرش فأنت كثر ما سمعت من القرى ما يسر وأكلت من بيوتها ما طاب واتيت برزقك منها أما المدينة فلطالما أغاظتك وهزئت منك وعكرت طريقك الذي يفضي بك إلى البيت المدينة متمثلة بالمدرسة في آخر الشارع التي يطوقها المدنيون ذوو البزات العسكرية كانت تدفعك إلى الكارثة وسواد الوجه وإلى سخرية و تعليق المارة إن كنت لا تستطيع أن تطوي القرى منادياً تصلح ما يمكن أن تصلح وتتجاوز ما يمكن أن يستجد من لعب ومزاح وسخرية غير مقصودة فعليك أن تصطف مع من يصطف في باب المدرسة وتتمايل كما يتمايلون وترهب كما يرهبون وتقض مضجع من نام كلا الموقفين ممكن عليك أن تختار الموقف الذي لا يجلب لك الهزأ ولا يجلب لك الذل والعار أبداً! فكر بالـ..... أذكر أني  كنت أراهن في داخلي عليَّ وكنت أزداد امتلاءً وطولاً كلما شاكسوني وكلما ازدادت مكبرات الصوت هراء وأذكر أني  قلت في نفسي إنني اعرفني جيداً فيجب أن لا اخذلني فليس لي إلا أنا وكنت عندما أعود من القرى أقص على أسرتي أو يقص عليها ابني الذي يرافقني ما نتعرض له من سب أورمي بالحجارة لغرض اللهو، كانوا يتأملون بي وينهوني عن الذهاب مرة أخرى. غير إني كنت اعذرهم فهم لا يعرفون، ما اعرف، ولا يعانون من المدن والمدارس التي استحالت إلى ثكنات عسكرية ما أعاني، أذكر أني كنت عندما أقرأ ما أكتب الساعة يسمعونني، بإصغاء بهي ولهفة رائعة وكأنهم صاروا مثلي يكرهون أصحاب البزات العسكرية، ويعشقون القرى ولهوها البريء! ولحظات التفكير بالجنون! إن القرى طيبة وجميلة أنا الآن اذكر لهو أطفالها البريء ليس إلا والمدارس جميلة ولا أحب أن أراها معقلاً للمكر والاضطهاد وأنت معي تحب أن ترى المدارس مدارساً والأطفال فيها أطفالاً، لا يمسهم ما قد يمسهم من سوء المنظر ونشاز الصوت وتفاهة التمايل.     أخذوهم : أخذوه    من يقطع لسانه قد يستطيع في النهاية من الإشارة إلى الخطأ .      لم انتبه إلى أن أحداً من أقاربي قد تحدث في السياسة، مع أنني أثق بفطنتي، فأتذكر أحداثاً من طفولتي يعجب أهلي حين اذكرها لهم، كنت أظن أن الأمور تمشي هكذا دون رئيس أو مرؤوس، ويبدو لي الآن أنني كنت لا أميز بين مدير ومعاون ومعلم، مع أنني اسمي هذا معلماً وذاك مديراً! أذكر أن قريباً لنا زارنا ذات مساء عام 1972 وأخذ يتحدث مع عمي وأبي عما يسمى نفطاً وعن ما يسمى حقاً لكل فرد عراقي في هذا النفط، عجبت حينها، وسخر أبي وعجب، فيما خاض عمي - المعلم - مع قريبه حديثاً طويلاً، انتبهت إلى عدم رضاه عن شيء ما، لم استطع تشخيصه وقتذاك وأستطيع الربط الآن بين خوضه في السياسة وعدم رضاه ذاك وبين تحويله موظفاً، بعد أن اعتقل، وعاد بعد أشهر ليباشر في وظيفته الجديدة، حين سأله جدي قال: أنا لا أحب السياسة ولأنني لا أريد أن انتظم في ( أي حزب ) حصل لي ما حصل! إن أكثر المواقف التي أتذكر هي مما وقعت لأشخاص أثَّروا بي. أذكر أني  كنت احد طلاب الثالث المتوسط، وكان قد شاع جو من الاستعداد أو الرهبة لان مفتشاً قد حضر إلى المدرسة، كنت اجلس في الصف الوسط وفي المقدمة منه، دخل الطلبة إلى صفوفهم، تبعنا المدرس إلى الصف، وكان يهتم اهتماماً خاصاً  بدرس النصوص الأدبية، وله علاقة متميزة بمن يحفظ الشعر ويجيد أداءه قراءة، كتب المدرس على السبورة التمارين التي ينوي إكمالها، دخل المفتش الصف بمرافقة المدير، انسحب المدير، ووقف المفتش أمام السبورة بعد انتهاء المدرس من الترحاب بالزائر وتعريفنا به، جلس المدرس في الصف الوسط وعلى آخر مقعد منه ولأول مرة انتبه إلى إمكانية أن يقوم احد بإلقاء الدرس أوحل التمارين غير مدرسنا نفسه لقد كان يحدث أن يستبدل المدرس بمدرس آخر من المدرسة نفسها أومن المدارس الأخرى، إما أن يكون موجوداً في الصف ويقوم آخر بمهمته فهذا ما لاحظته للمرة الأولى. فقد كان الزائر يسمع، ثم يخرج ويدخل مع المعلم أو المدرس إلى الإدارة، والذي كنت أعرفه أنهما يذهبان إلى هناك ليشربا الشاي ليس إلا! كتب المفتش جملة على السبورة وطلب منا إعرابها، فأعرب أحدنا، سأل المفتش طالباً آخر بعد أن قال (خطأ)، شعرت إن مدرسنا اضطرب في مكانه، فانا مهتم بأمر جلوسه هكذا. عندما هم المفتش بالحصول على إجابة من طالب آخر، اعترض مدرسنا بلطف ولياقة، وأخذ يداري المفتش، ويوحي له بان الطالب على صواب في آن معاً. تهكم المفتش من الطالب، وأصر على رأيه بتخطيئه الطالب, قال المدرس: عفواً أستاذ بهذه الطريقة سنحبط الطالب نفسياً، فتهكم المفتش من المدرس نفسه، فما كان من المدرس إلا أن قال للمفتش: خذ حقيبتك واخرج وقال جملةً طريفة تبعث على الضحك ولم نضحك في حينها. خرج المفتش من الصف متذمراً فيما ساد المدرسة جو من السكون والتشنج، استقبل المدير المفتش وادخله الإدارة مستفهماً ومعتذراً فيما استمر مدرسنا في حل التمارين، بعد أن قال: لقد أردت أن أجنبه الحرج فسعى لأن يوقعني فيه. اجتمع مدرسو اللغة العربية في الإدارة معهم المفتش والمدير وأجمعوا على صحة ما ذهب إليه المدرس، ولا ادري ما الذي آلت إليه مخاطبات المفتش إلى مديرية التربية. فقد تبين إن المفتش كان رفيقاً حزبياً، من ذلك اليوم وأنا أتوجس من يأتي مفتشاً. في المرحلة نفسها كان أستاذٌ لي يدعى (قاسم محمد حمزة) يدرسنا الإسلامية في آخر العام الدراسي سداً للشاغر. وإذا كان مدرسنا - صاحب الموقف مع المفتش- طويلاً فارع القامة، كبير الساعد وقويه، له صوت جهوري، تحترمه الطلاب مهابة وخشية في آن، فان أستاذ (قاسم) رشيق الجسم