قصص مثيرة لبكاء الضحك
وسيم بنيان
كان ما لم يكن
حسن بلاسم ايها السفاح , أرسل إليك هذه الجثة عبر بريد الشيطان . في ذكرى هيجان الذئاب من انتشار الدم بأيامنا وأسابيعنا , فشرحها بمشرط حرفك وضماد كاميرتك .
كان المكان كله ضاج بالجثث , ابتلعت الناراعدادا كبيرة منها , ناشرة بخر الشواء اللحمي عبر الدخان . وتراصت الناجية , من المحرقة , باعدادها المتكاثرة على الارصفة , وفي الساحات والاسواق . قسما اخر تدلى من الاعمدة الكهربائية , على امتدادها , كما من الاشارات المرورية . ادرت وجهي نحو النهر الصغير الواقع بجانب الطريق العام . كان هو الاخر ممتلئ بالجثث البشرية الطافحة بشكل مرعب . طاب لنظري التقافز مع ترنحها فوق السطح المتماوج , الغاص ذرعا بالكتل الجثثية , لافظا الاحجام الزائدة على كلتي ضفتيه . مما جعل الاثل المزروع بقربه مصبوغا بالاحمر القاني . الرياح بدورها بلغت قمة الهيجان من الرائحة الدخانية العطنة فعاصفت الاشجارباسقة الطول والمحملة , بانزعاج صارخ, ببقايا ملامح بشرية تطشرت فوقها متبعثرة . بينما تهاوى بعضها مع ماتكسرمن الاشجار فوق الارض, فاصبحت الوريقات الخضراء تنز دما عبيطا . في خضم هذا التعابث الجنوني استغلت النسور, وقد بدت سمينة فوق العادة , طاقاتها الابداعية للاستفادة من التضخم الغذائي النادر. شرعت تتفنن في تمزيق الجثث ببطء يتيح لها الاستمتاع بمذاق الفطائس . تاركة الغربان تهرش بالاجزاء المتساقطة لصق الاغصان .على يمين الساحة , انتشرت الضباع مبتعدة , قدراستطاعتها, عن منتصف الميدان المشغول بالاسود والنمور. قانعة بما يتماطر من الركائز الكونكريتية الحاملة للجسر الكبير , المدجج باسلحة وسيوف لامعة تلوح من تقوسه . اذ شغل بحراس مهيئون لمتابعة الهاربين من مصير القتل, المتراكم على الارض والنهر , ليطيحوا برؤوسهم متدحرجة على الاسفلت . اما اجسادهم , فتقذف للاسفل حيث تنتظرها الضباع . لاادري لماذا كنت غير مكترث ايما اكتراث بما يجري حولي , لعله لاني وصلت الى ذروة القرف والتقزز المتناهي , فلم يعد ثمة مايثيرني او يلفت انتباهي . بقيت اراقب تلك المجازر البشرية بعيوني الناعسة واجفاني المتثاقلة , متثائبا من حين لاخر . اعددت لنفسي لفافة تبغ , كمحاولة يائسة لطرد الضجر . القمتها فمي وبدات انفث دخانها الكثيف , عاجزا عن تغيير طعم العطونة المتنافخة في الفضاء , مالئة انفي باريجها . تركت الجسر وركائزه والضباع وعدت برأسي صوب النهر والساحة من جديد . لم يكن الوضع كما كان عليه قبل قليل , اذ تكدست الاجساد المنتشرة في الساحة فوق بعضها طبقات طبقات . ازدادت الرؤوس والاجساد المقطعة والكاملة , المقذوفة ايضا من السطوح ونوافذ البيوت . بعد دقائق قليلة ارتفعت تلال وجبال مختلفة الاحجام , كما ان ضفتي النهر تزينتا بسدين عاليين من الجثث البشرية اثرمواصلة النهر لفظ الزوائد . الشوارع من جهتها سدت تماما ولم يظهر من السيارات القليلة المتوقفة فيها شيئا يذكر, لانها دفنت بالجثث . كانت النسورقد اتقنت عملها جيدا , لتخلف الجثث بلا لحم . بدا ان اتفاقا حدث بينها وبين الغربان والاسود والنمور والضباع , لانجاز ذلك الجهد الجماعي القائم الان . جمعت الجثث الممزقة في تل خاص , حاذته الجثث المنزوعة اللحم والشاخصة بهياكلها العظمية . بينما صفت جماجمها خلف التلتين . تابعت النظر خلف تل الجماجم , متتبعا ماهية التلال الاخرى . حين اقتحمت التضاريس البعيدة نسبيا عن افقي العاصف , استطعت تشخيص تلة للاذرع , واخرى للارجل , وهكذا باقي الاعضاء الجسدية المتبقية . لتتحول الساحة الى متحف قبوري بشري رائع الجمال . استيقظت من كابوسي هذا بمزاج سوداوي حاد , زادت من وطئته مرارة في ريقي كانها العلقم . تطلعت حولي بكتئاب يصحبه قرف . كانت الشظايا تتطاير من التلفاز , الذي تركته مفتوحا كعادتي حينما اغط فجأة في نوما مخيف , دخل بعضها في يدي اليمنى , كما ان اجزاء صغيرة غرزت في قدمي . ناضحة خلال نومي الكثير من الدماء الفاسدة . حركت نفسي بصعوبة اثر شعورا كريه بان رطوبة آسنة تزحف على ظهري . ادرت راسي لاطرد ذلك الوسواس البغيض , مسقطا بصري فوق الشرشف الابيض المنسدح تحتي . بوغت ببركة دموية صغيرة , انحدرت بعض الشظايا المتساقطة من اطرافي تسبح فيها . بل ان بعضها استحال الى حشرات غريبة اللون والشكل تدافعت من فورها لتقضم قدمي , التي اخذ جلدها يتهرئ وكانها تفطست . استمرالتلفاز اللعين ببث مشاهد الرؤوس المقطعة والجثث المعلقة . زادت رغبتي لشرب الماء بعد العطش القاحل الذي الم بي . تناولت القنينة المركونة على الطبلة الى جانب السرير, كرعت منها بنفس واحد, لالفظ ما كرعته. قبل ان يستقر في احشائي بعد ان تذوقت مائها المج , لاختلاطه بالدماء المتقاطرة من التلفاز. فاحت عطونة الدم في حلقومي , وصبغ لونه شفتي . متضامنا مع المرارة التي استبدت بي هائجة , جالبة بهياجها الخدر والثقل لتقييد جسدي بعنف . اسلمت تحت وطاته قفاي مجددا الى السرير, ليشبع انتقاعا من بركته الدموية . عدت محدقا بالتلفاز, لكنه توقف عن البث فجأة , مكتفيا بشاشة سوداء ساكنة . لعل تردد القناة تغير عن سابق عهده , بل ربما اصيب جهاز الاستقبال بعطب ما جراء الصور الشنيعة التي ينقلها . رقدت صامتا بدوري دون احساس بجسدي وجراحي وبكل ماحولي . تمثل لي سواد الشاشة الكثيف ملخصا حقيقي لتفاهة الوجود وغباء الانسان بكل اصالة , لان اي محاولة تلوينية لاضفاء مسحة من المعنى او التعقل لما يحيطنا لهوضرب من التزوير والعناد البشري التافه. مرالزمن التالي مثقلا ثقل السواد الجاثم قبالتي , وكأن الحياة اوقفت بث برامجها هي الاخرى . بعدئذ , في ذروة الجمود ذاك , انزاح ذهني قليلا عن ما حولي اذ حمل الهواء لمسامعي ضوضاء مبعثرة تتزايد اصواتها كلما ركزت انتباهي اليها. صارت الاصوات تقترب من اذني اكثر واتضح لي انها لعدة اشخاص .هالني طالع غامض مع اقترابها , حرك غريزة الخوف المشوب بالحذر في دخيلتي . ازددت تركيزا لاتبين جلية الحال . ثم , بحركة مباغتة وسريعة, فتح الباب . اغلقت عيني مباشرة حال مادخل الغرفة افرادا ما . سجل سمعي انطباعات احتمالية بكونهم اكثر من اثنين , ذلك ان شخصين اقتربا من سريري يتهامسان . بينما توقفت الخطوات التي كانت اثرهما عند الباب . جس احدهما جبيني بظهر كفه متناقلا مع صاحبه بعض الكلمات , فهمت من مهمهتها انه حانق على شخص ما كان قد اغلق النافذة . فتوجه الاخر ليفتحها على مصراعيها . شكرته بسري لهذه الحركة بعد ان داعبت نسمة هوائية , وان كانت لاهبة على اي حال, جسدى . بقيت حالتي الهلامية راكدة على سابق حالها , حين تسمرت عيني على الشاشة المسودة . بستتثناء شيء جديد طرا على وعيي المشوش , هو اني حال فتح عيني كنت اعي بنحوا من الاحتمال كوني مستيقظ , ان صحت فرضيتي , اما الان وبعد اغلاق عيناي فقد عاد التباسي بتشخيص حالتي هل هي الاستيقاظ ام النوم . استاذن الشخص الذي توقف عند الباب من صاحبيه بان يعد بعض الغذاء , معلقا باني لابد وان اتناول الطعام حال مااصحو, وانصرف تاركا الباب مفتوح . اتاح لي كلامه الامساك بخيط احصائي دقيق , اذ صار احتمالي العددي مؤكدا الان بكون الاشخاص الذين دخلو علي ثلاثة . عاد الشخص الملتصق بسريري ليتابع فحصي مشيرا لصاحبه بضرورة تغيير ملابسي . طن باذني ازيزا حاد, اذ قرقعت الباب الحديدية للخزانة القابعة امامي على حافة السرير, عند فتحها . حينئذ اقترح الشخص الذي لازال جاثما بظله فوقي , جلب طقم كامل منها. اذ انني ,حسب ادعائة , اسبح في عرقي . عاد الشخص الاخر, لاعنا من اغلق النافذة , الى جنب صاحبه . تحدثا سوية بضرورة تعريتي . يا للسماء , ناجيت سري بعد ان افترسني الخوف المبهم . فعلى الرغم من تاكدي بأن هؤلاء الاشخاص لايريدون قتلي لانهم , كما سمعت منهم , مهتمين بصحتي , كما ان احدهم يعد الطعام لي . لكني على اي حال لست متاكد من نواياهم , لعلهم خطفوني من اجل الحصول على فدية من اهلي . لذلك يحافظون على حياتي حتى تتحق مأربهم . ازدادت شكوكي اكثر حتى تآكلتني الظنون . ديداني هي الاخرى , تحسست قلقي , بدات تتغارز داخل لحمي مثارة بلعاب مخاوفي . ان ضياعي هذه اللحظة عصيا على الوصف والتصنيف , توقفت عن التفكير تماما متمنيا الموت على هذا الركود القاتل . أجلساني بصعوبة الى منطقة الحزام بينما بقيت قدماي ممدة على السرير . شرع احدهم ينزع عني قميصي بتؤدة نمت عن حذر واضح . كتمت ارتجافة ارادت الوشاية برعبي , مستحظرا كل شحنة من طاقتي الهابطة كليا . كي اشحذ قبضتي للانقضاض عليهم باي طريقة . فليس من المعقول , خاطبت نفسي , ان اترك هذين الوغدين يغتصباني . نعم لقد ادركت بعد تامل كثيف انهما ربما ينويان اغتصابي . يا للعار هل حقا يودان ان يفعلا ذلك ؟ تركت التفكير بالامر لاركز على شيء واحد , ان ادافع عن نفسي حتى اخر قطرة من قطرات دمي الفاسدة . قررت اخيرا ان اسمح لهما بنزع قميصي , لاكسب بعض الوقت , ومن ثم وحالما يبدءان تنفيذ نيتهما سافعل اللازم . ابتدأ من نزع عني القميص,الباسي قميصا اخر, بنفس هدوءه حال تعريتي . اما الاخر فقد حرص على سحب الشرشف على مهل من تحتي , لانه اصبح منقوعا من منطقة ظهري بالضبط . بينما واصل الاول تعريتي , نازعا عني البجامة . استبد بي التشنج ولم احسن تقدير قدرتي الجسدية بعد , فرغم معرفتي بقدرتي على الضرب , وان كان ذلك سيكون انتحارا قياسا بالامي وخدري , بيد ان الديدان العنيدة لاتوقف نخرها . تحتم علي ان استجمع قواي مهما كانت الظروف , واقوم بما يتوجب علي القيام به . توسلت الديدان ان تعينني على الدفاع عن شرفي , بان توقف نخرها مؤقتا . متعهدا لها بتسليم لحمي القد بكامله لاحقا دونما ادنى اعتراض , فلست بافضل من ذلك النبي الصابر الذي كان يطعم ديدانه بيديه . البست بجامة جديدة , وتم اعادتي مسجى على سريري من جديد . جلس الشخص الذي تفحصني فوق الكرسي القابع جنب السرير. اما صاحبه فقد عثر على مساحة خالية فوق الشرشف , لم يشغلها جسدي, ليشغلها بجلوسه . يبدو انهم تاكدوا من استغراقي في النوم لاني اجدت تمثيل دوري عليهما , اذ تعلمت من مسرح الحياة الساخر ايفاء ادواري حقها . ولم يتطلب المشهد مني سوى تنظيم التنفس واطلاق بعض التأوهات وقليلا من الهذر كلما اقتظى الحال . فراحا يتحدثان بشكل اكثر حرية من اللحظات الاولى لدخولهم علي . استهل الشخص الذي شغل الكرسي , ولاسميه من الان "أ" , حديثه عني قائلا: اني لم استيقظ منذ ثلاثة ايام , سوى دقائق قليلة . كما اني لابد ان اكون مرهقا من اثر المخدر والجوع , حيث ان الطبيب المعالج منع علي الطعام حتى هذه اللحظة , التي قال لهم فيها بضرورة استيقاظي , واعلمهم بامكانية ان اتناول بعض الحساء والسوائل . فرد عليه الاخر , ولاسميه من الان , كما حدث مع صاحبه "ب" : المهم انه حي ولم يفقد اي عضو من اعضائه , سوى بعض الشظايا الخفيفة . ان هذه نعمة كبرى واستثنائية , لانه نجى من الموت باعجوبة . شعرت بدوار حاد وعاد الغثيان يتلبسني من جديد , مثقلا بطوق النعمة الذي طوقني به "ب" . انهارت كل معارفي وملاحظاتي التي جمعتها عن النقمة , ازاء اختلال المقارنة مع مفاهيم النعمة الجديدة . تركت البحث عن المصاديق التي تتماشى مع النعمة التي بدت لي حداثية جدا , كي اركز لاستماع باقي الحديث . خصوصا وان اطلال من انوار الذكريات صارت تتلامض في ذهني , وبت على وشك استرجاع ما محي من تاريخي العام . وافق "أ" على كلام "ب" بالكامل واضاف متنهدا : معك حق تماما فيما قلت لانه افضل حالا من اصدقائنا البقية الذين نجوا معه وقد ذهبت اليوم باكرا لزيارة ... في المستشفى فعرفت انهم بتروا كلا ساقيه خشية ان يصعد التسمم الى كل جسده . كنت اتوقع هذا , علق "ب" , لان الطبيب اخبرني بان الشظايا ملئت اطرافه السفلى ولهذا تركتك تذهب اليوم وحدك , فانا لااتحمل مثل هذه المشاهد . واضاف : كما ان حال ... لا يبدومطمئنا ايضا , لان عملية قطع يده لم تجري بالشكل المطلوب , نتيجة ازدحام المستشفى , مما سبب التهابات جانبية حادة . اما بالنسبة ل... فانه فقد اصابع يديه وبعض الاجزاء الاخرى من قدمه . من اخبرك بذلك ؟ تسائل "أ" . اخبرني ابي البارحة بهذه التفاصيل , حيث ذهب لزيارتهما , اجاب "ب" . كانت الحشرات , او الشظايا , تتغرز بلحمي وصرت متعودا على تعابثها في جسدي المحتل . سلمتها حرية التنقل في كل اماكنه المتاحة لها , تاركا التفكير بالالام . اذ ذهلت بالكامل لما يمر على مسامعي الان . تابع جليساي حديثهما بقائمة اخرى من الاسماء الكثيرة التي محيت من الحياة , اما الاسماء الناجية فلم تسلم البتة من فقدان بعض اعضائها . انا الوحيد لم يشملني حكم البتر, فبت من اسعد تلك الاسماء جميعا , التي لم يعلق باذني ايما اسم منها . ذلك ان الاسماء , وكذلك الارقام , من اعقد الاشياء على حافظتي النهمة مذ كنت صغيرا. بل انني , وخلال تلفظهم باسم ما, اشعر بان اذني يتوقفان عن وظيفتهما السمعية في تلك اللحظة , وتمر على الاسماء كفراغ وهزة مشوشة تنتهي حال انتهاء اللفظ الاسمي . فقدت القدرة على التركيز الكامل لكني اسمع بعض الشاردات من فترة لاخرى . استطعت بصعوبة ان اجمع بعض الفتات المتناثر من كلامهما ,حيث ادليا بمعلومات تتعلق بسيارة كنت اشغلها وبعض الاصدقاء ونحن نتجه لزيارة احد المعارف . فانفجرت ثلاث سيارات مفخخة , خلفت دمارا شبه شامل . صرع اثره عشرات القتلى , ومئات الجرحى . ازداد طعم المرارة في فمي وانطفئت التلمضات التي شعت مع تذاكر الاحداث من قبل جليساي , لتحل محلها نجوما سوداء وجدت للونها محلا وسط الظلام الذي يغلف عيني , وبت على وشك النوم . سمعت وانا على عتبة بابه "ب" يستاذن صاحبه ليحاول اشغال التلفاز, ونهض يعبث فيه .بينما اخبره "أ" بانه سيذهب للمعاونة في اعداد الطعام. رأيت شخصا يتقدم نحوي من جهة الباب , رغم عدم تاكدي من اني فتحت عيني , خاطبني فور اقترابه مني : فشلت " تعويذة البصلة " في طرد شياطينك . كما ان "الفوهو" الذي قدمته بديلا عن مرضك , كشف امره من قبل الشياطين , لم يقبل . ولم يتبقى لي سوى ان اقرأ عليك "تعويذة طرد الكوابيس" لاخلصك منها على الاقل . ووسط حيرتي وارتباكي , شرع الغريب بطقوس غرائبية . اشعل بعض انواع البخور , ورش المكان حولي بالماء . اخرج بعدها بعض الطعام من صرة يحملها معه , ركنه على المنضدة ليخرج , من االصرة , دمية غريبة الشكل. حملها بيديه وشرع يتلو امامها :" شمش , انت دليل هذا الميت في العالم السفلي وفي العالم العلوي فأمنحني حلا لحالتي , انه مرعب , قبيح المنظر , جاسوس بغيض ومخيف ليلا ,إنني انحني وأتضرع واطلب جعله بمكاني . بحياة شمش ليبتعد عني" كرر ما قال ثلاث مرات . لف الدمية بعدها بخرقة بيضاء كأنها كفن , و ساربها تجاه النافذة . حال بلوغها تحدث مع رفيق له , يظهر انه كان يقف وراءها منتظرامره . اشار عليه ان يدفن الدمية تحت شجرة النبق المزروعة في حديقة الحجرة الخلفية , ليقفل عائدا نحوي . لم اعي اي شيء من تصرفات هذا المخبول , شعرت بالضيق مما قام به , لكن روائح الذكريات عصفت بوعيي فتذكرت اني قد رايت هذا الشخص الغريب من قبل . وقد ازعجني عدة مرات في زياراته المتقطعة والمفاجئة . تمالكت نفسي اخيرا وسالته :
- لم تتبعني ؟
- لانك مريض مقدس .
- عجبا , وكيف يكون المرض مقدس ؟
- اولست مصابا بالصرع ؟
- في نومي فقط نتيجة الكوابيس .
- وفي يقظتك , اي في الواقع ؟
- لاشيء , سوى بعض نوبات الهستيريا التي تنتابني احيانا .
- وهذين بالضبط هما من اهم الامراض المقدسة . انك محظوظ , كن واثقا من هذا . نحن نتابعك منذ كنت طفلا صغيرا , لان ساعة ميلادك اقترنت بافلاك مناسبة لتجعلك من سلالة السحرة .
- اللعنة عليك وعلى السحر والسحرة , لم لا تدعني وشأني وتبحث عن شخصا غيري .
- لقد تم اختيارك وانتهى الامر , ولابد لك من ان تتلقى الكلمة السحرية اعني التعويذة المقدسة . وساتلوها عليك لكن في الحلم طبعا .
- في الحلم ولم . توقف لاتنصرف هي..ت..قف .
كان يتباعد عني عائدا بادراجه من حيث اتى فانزعجت كثيرا واخذت اصرخ عليه بان يقف .
فتحت عيني لاجد "أ" و"ب" والشخص الثالث متجمعون حولي , اذ كنت اصرخ بشكل عال . ربت "أ" على كتفي واخبرني باني كنت في كابوس كما هي عادتي المستديمة , قال ذلك وهو يبتسم . ثم هنئني هو و "ب" والشخص الثالث على سلامتي , وانا احاول فتح عيني الى اقصى حد يمكن ان يبلغه جفني . لازلت ارى الظلام حولي , تتخلله بعض النجوم اللامعة . شيئا فشيئا استعدت نظري الطبيعي وعرفت المتحلقين حولي . لكني مازلت غير قادر على الكلام بسهولة , كما ان المرارة الخبيثة لم تفارق مزاجي . اعانني "أ" على الرقاد النصفي فوق السرير . درت بعيني متفحصا الغرفة الغريبة التي ارقد فيها , والاثاثات القليلة المنتشرة حولي بشرود غريب . اخبرني اصدقائي بانهم اضطروا لنقلي الى هذه الحجرة التي استاجروها من صاحبها , لقربها من المستشفى . بعد ان رفض مديرها ان يبقيني هناك . محتجا بان حالتي جيدة , ولايمكن ان يبقيني وسط الحشود الهائلة من الجرحى ذوي الحالات الخطرة . كنت استمع اليهم , وكاني طائرا في الفضاء . او مطل من عالم شاسع البعد . شعروا بتعبي وذهولي وصعوبة تمكني من الحوار . فلم يثقلوا علي بالاسئلة . اشار "أ" ان تحظر الشربة التي اعدت لي , عرفت منهم بانه يتوجب علي الاكل رغم انعدام الرغبة عندي ,اذ قالوا ان علي ان اتناول الدواء بعد الاكل مباشرة كما قال الطبيب. احضر "ب" أخيرا حبة دواء مع قدح من الماء , طالبا مني ابتلاعها . حدثوني ببعض التفاصيل عن الادوية المهلوسة والمخدرة التي كنت افرط في شربها خلال الايام التي تلت الحادث رغم ممانعتهم . لان تعليمات الطبيب كانت واضحة بضرورة شربها بكميات محددة . لكن حجم الالم الذي اصابني , دفعني الى ان اعب اكبر كمية ممكنة منها . اخيرا اخبروني باني وحالما اتحسن ساعود الى الحجرة خاصتي , التي كنت قد شغلتها قبل الحادث . وهي الان مقفلة على اغراضي وكتبي وحوائجي الاخرى , وستكون جاهزة لاستقبالي حالما اشفى .
بعد مدة طويلة من ذلك تماثلت الى الشفاء نسبيا , بفضل الجهود الجبارة التي بذلها كل اصدقائي الذين احاطوني برعايتهم ولم يتركوني في اي وقت من الاوقات . صرت اتلقى العلاج الطبيعي , بشكلا ممنهج ,باشراف شخص مختص . كما وان اغلب الشظايا قد تم اخراجها من جسدي , ولم يتبقى منها سوى كمية قليلة تحتم على ان اقبلها من ضمن خلايا احشائي الطبيعية , واحتظنها كما تحتظن الام جنينها . انتهت هذه الاجراءت اخيرابنتيجة مشجعة , اصبحت بعدها قادرا على ان اسير رفقة عكاز لطيف . سكنت غرفتي التي بدت لي شاحبة اكثر من شحوبها قبل ان اتركها مضطرا , رغم انها حضيت بتنظيف جديد اكرمت به مؤخرا من اجل استقبالي . طلبت فور وصولي ان تصف المكتبة المنتصبة بالصالة الصغيرة , التي تضم الحمام والمطبخ , الى جانب السرير. كي يتسنى لي قراءة اكبر عدد ممكن من الكتب التي مازالت لم تقرا بعد . وبدا ان حياتي تعود الى سابق عهدها نوعا ما , خصوصا واني استغنيت عن العكاز بعد ايام . حينها اصر اصدقائي ان يقيموا لي وليمة عند احدهم احتفاء بهذه المناسبة التي قالوا بانها سعيدة جدا . حضر الكثير من الاشخاص الذين اعرفهم والذين لااعرفهم , لتهنئتي بالسلامة المزعومة . كانت الوليمة عامرة , تناولت فيها كل مالذ وطاب منتقما من تقشف غذائي مرير . عدت الى حجرتي بعد الوليمة الصاخبة مستشعرا بعض التعب , فرقدت مدسوما فور دخولي , لا من العشاء الحيواني الذي تناولته , بل من الصور الكثيفة البشاعة التي شاهدتها في احد اخبار الشاشة المتلفزة . رايت شخصا في غاية البدائية يرتدي الازياء الكهفوتية او الصحراوية . وقد رصع جسده بمختلف الهروات والالات الجارحة . كانت سحنته شاحبة وتجاعيد وجهه صلبة لفتها القسوة من كل مكان . نظر الي بعيون تتطافر رعبا , وحينما راى ارتجافي امامه كالسعفة النحيلة في هواء عاصف . بادرني قائلا :
اسمع وصيتي جيدا , واحفظها كاملة . واياك ان تنسى حرفا من حروفها . ركزت كل وجودي الذي استحال الى اذنين كبيرتين , لامتص ما سيلقيه علي . في ذروة تقلصي اختفى البدائي عني فجأة , تاركني وسط حيرة مريرة . تلفت الى كل الجهات باحثا عنه دون جدوى .حتى استبد بي القلق , ولفني خوف رهيب , استيقظت اثره مرعوبا اتناضح عرقا . كان ما حولي في الحجرة يغط في ظلام دامس , وازيز الرياح يخربش بكل اغراضي الحديدية والبلاستيكية البائسة . اذ نسيت النافذة الخلفية مشرعة , ولان الرياح كانت عاصفة مزوبعة ,فقد فصلت السلك الكهربائي (ابن الكلب) الذي يزودني بالطاقة الكهربائية البديلة . لعنته بانواع اللعنات التي احفظها , استنفذت نصفها عليه , لاصب النصف المتبقي على نفسي وعلى كل ما حولي . حملت نفسي على النهوض وما ان تحركت شعرت باشياء لينة تتجعص تحت اعقابي باحجامها الصغيرة . ثم صدمت لاادري اي شيء فتداعت اشياء اخرى . تعثرت اثر الاصطدام وكدت اسقط مترنحا لولا اني امسكت شيء ما لعله احد اطراف الباب . وصلت الصالون اخيرا , فتوجهت من فوري الى الباب الرئيسي وشعورا بان راسي سينفجر اصبح ملح جدا . فتحت الباب على مصراعيه بعصبية مستقبلا موجة هوائية مخبولة , وحاطني الظلام الكثيف برعايته السوداء. سرت على مهل والرياح على وشك ان تحملني معها حيث لاادري . سحلت خطواتي المترنحة الى راس السلك الحقير . كان غافيا تحت النقطة الرئيسية بالضبط , امسكت شعر راسه واستعنت بالمصباح الاحمر المثبت على نقطة الكهرباء الخاصة بالانارة البديلة لاثبته داخل الجحر من جديد . نجحت بذلك باعجوبة , وطرحت حجرا كبيرا ملقى على مقربة مني عليه , حتى لايعود الى الانفلات . كنت قد اطفات الزر الكهربائي قبل ان اركب السلك , فعاودت تشغيله وقد استدرت جهة الباب , لمض المصباح المثبت فوقه بقوة في وجهي , فعاد الدوار الحاد براسي لسابق قوته . صرت اخيرا لصق الباب الرئيسي , فاتكات على برميل القمامة القريب منه . انحنيت عليه مضطرا, اذ استعرت رغبة التقيء في احشائي , فارضيت الرغبة في بطنه بعد ان فتحت غطائه . لاادري لما تماطلت في سحب راسي بعد ان افرغت كل احشائي . بقيت محدقا بالقيء وكانه معين الحياة الدافق . فاجهشت فوقه كل انفاسي الكريهة . وفجأة وتحت لمعان ظوء المصباح شعرت بان حبيبات تقيئي الصفراء مع انحراف نسبي الى الأخضر . تتخالق وتستحيل الى ديدان ومخلوقات حشرية غريبة . رايت خلالها وزغا يلعب بذيله , قفز بعد وقت قصير, على بعوضة تطن على حافة البرميل ليفترسها بلمح البصر . ثم خرجت بعض الفئران والصراصير وكل حشرة يمكن للفرد ان يتخيلها , دبت امامي منبثقة من تحت القيء . بصقت في النهاية فوق تلك اللوحة القيئية البشعة , واحكمت اغلاق البرميل عليها لتتعفن مع القمامة على السواء والى الجيم . دخلت الصالون , متجها الى ثلاجتي الصغيرة الصدأة اخرجت منها شيئا لاطعمه , اذ لم آكل طيلة النهار الفائت . حال ما هممت بالاكل , استعدت صورة القيأ والحشرات المقززة التي تنبثق منه وتخترق اكوام القمامة . لكن الغريب في الامر , الغريب اصلا , ان شهيتي المعطلة منذ زمن عتيق لم تتاثر ايما تاثير . اتيت على صحن الطعام بالكامل ولحست اخر قطرة من محتوياته شربت بعده عصير من العصائر الحمراء. لذلك كنت خلال شربه متاكدا من كونه دم لاغير .عدت بعد ان غسلت يدي من وجبتي الشهية نحو حجرتي العزيزة الشاحبة .استقبلتني ارضيتها شاكية من اكوام اللفافات التبغية التي اسقطتها من المنفضة الملائ بها حينما نهضت في الظلام . كما ان علبة التبغ خرت ساقطة ايضا وقد فغر فاها وتقافزالتبغ, خارج بطنها, فوق المحبرة التي كانت قد قفزت هي الاخرى وندلقت, فلتاث التبغ بالحبر . جمعت قدر استطاعتي بعض التبيغات المشتتة والناجية من التحبر وطمرتها في ورقة السكائر الصغيرة واشعلتها فاستجابت لي داخنة . فتحت جهاز التلفاز وجلست على سريري اتطلع فيه مستمتعا بلفافتي الشهية . اطلت علي نشرة الاخبار الختامية , بوجه المذيع البشوش الذي قال مبتسما: اعزائي المشاهدين اترككم الان رفقة الضيف العزيز ليتحدث اليكم مباشرة بعد الفاصل . رفعت المنفظة من نومتها وركنتها فوق المنضدة قربي , سلمتها دفعة اولى من الرماد وعدت اتابع زفيري الدخاني وقد تمددت بالكامل بانتظار نهاية الفاصل الاعلاني . انتهى الفاصل فاسحا المجال للضيف وهو رجل غريب الهيئة رفع سبابته فور ظهوره , شعرت للحظة انه يقصدني بالذات ,وحينما فزعت من الحاحه في ابقاء سبابته تشير نحو الشاشة دون ان يشرع بالكلام بعد .ركزت في شكله اكثر بعد ان جلست لصق التلفاز , تذكرت طلته فورا , شهقت من دهشتي وبلعت الدخان الذي كنت قد سحبته , فزفرت ساعلا بحدة . فركت عيني جيدا واعدت التطلع فيه واذا به يخاطبني قائلا :
اسمع الان تلك النصيحة , انا الرجل البدائي . ان الحياة تتشابه في النوم واليقظة . وكل ما تراه في كوابيسك , ماهو الى حقيقة واقعك ايها الغافل. تذكر ذلك جيدا , ليس ثمة جدار بين الواقع والحلم . فتعامل اثر هذا مع الواقع وفق ما تراه في كوابيسك . واختفى من التلفاز اذ ظهرت حربا جديدة بدات الرؤوس تتطاير من الاجساد والدماء تتناثر خارج الشاشة من جديد . وعاد كل الدمار المتصور ماثلا امامي . اظطجعت مرعوبا فوق سريري , هاربا من ركلات واقعي البشعة , لاحظان كوابيسي المقززة . وحتى لااكون مسؤولا عن التحريف في نقل ما جرى علي ان اضيف للامانة : او استيقظت فزعا من قيح كوابيسي , الى افرازات واقعي الآسنة بالدماء الفاسدة .
2009
(سخرافن ديل )
مستنقعات مسرور المهموم
إهداء ثان: إلى اللعب فقط مع التحية .
يتنقل مسرور الناحب دوما بزورقه النباتي لمخادعة التماسيح كثيفة الريش . كفرت عيناه تحت كثاثة شعره البنفسجي الداكن. بينما يبدو وجهه القاسي المتيبس ,كما الجيلاتين, بلا فم . إذ أن شفتيه تكادان لا تظهران للعيان من شدة غلظهما . وبما أن أي أحد من الأسلاف الطوطمية الحديثة لم يستطيع التشرف بطلة عينيه وشفتيه , وهكذا حدث مع الجدات الامزونيات . فقد اصبح مسرور البكاء من الشخصيات السلسة والواضحة بمنتهى الغموض. لان الفم والعين يعدان من الأشياء الكمالية أو المترفة التي لا تمثل أيما قيمة أو علامة , بل هما بدعا وخرافة على الثقافة السيميائية وثقافة الميم الشرقية. لم يكن أي أحد يجهل شيئا عن مسرور المهموم فأينما تسأل عنه وفي أي لا مكان ولازمان سوف يدلك الجميع عليه, لأنه لا يوجد أحد يعرف عنوانه أو أين يقع مستنقعه المعروف في كل دول اللا عالم . قيل انه يأكل الضباب في إفطاره ويتعشى على بيضة الرخ التي يستخرجها من فوهة جبل البركان, بعد أن قتل العنقاء التي كانت رابضة فوقه. فساعد بالتالي على جريان الحمم البركانية, التي اختلطت بماء البركة, وامتزجت باخضرارها. لتوفر عليه حماما باردا, يقيه حر العصر الجليدي سميك القماش . بينما يكتفي في الظهيرة القمرية ببعض النقانق المستخلصة من مخيخ الرماد الذي يحترق بالكامل, وهو يتأرجح بالقرب منه مستمتعا بهدير أصوات الحمير الطائرة التي كانت تأتى إلى زيارته كلما اختفى بين طيات التراب باحثا عن كلمات جديدة يرسم بها قصته دون فرشاة . أبدا وفي كل لا ساعة يصر على الاكتئاب بعناد لا يقبل الثبات, فهو لا يكف عن الضحك , شرع بذلك منذ فترة معاصرة . أي من القرن صفر لما قبل الإنسان , حينما كان الكون لا كائن بعد وليس ثمة شمس وقمر, كانا حينها في طور الإعداد والتجربة. انجز مسرور الكئيب ايضا أشكالا هندسية من اجل البدء بطب التشريح الليلي للكشف عن أعضاء المربع المستطيلة في الدوائر الكهربائية المخروطية الشكل . لذلك يعطي انطباع عند كل من يعرفه من الذين لم يلتقوا به , ولم يعرفوا عنه شيء, بأنه إنسان بسيط في أقصى حدود الصعوبة و جيد المعشر . يقدم لضيوفه حليب التماسيح اللبني مع قطعة شوكلاتة ملتاثة بدهن الضبع الطازج المستخرج من جثث الضباع المتفسخة والمعتقة في مخازن البيع المباشر. هذه المعلومات الغزيرة موثقة حسب ما ورد في صحيفة الحمير الطائرة التي كانت تتشرف بزيارته في أروقة المستنقع وهي لن تستطيع طبعا أن تلتقي به ولا لمرة واحدة. ولأنها لم تتذوق حليبه الطازج ذاك, فهي تصفه بشكل دقيق . حتى أعدت الوصف الكامل مرفقا بصورة مسرور النائح التي لا يبدوا من ملامحها شيء لانه من غير الممكن تصويره بالفوتغراف . لذلك اخترع العلماء البييلوجين كاميرا خاصة تحوي موادها على خلطة شائعة ومعروفة عند اللا جميع , عبارة عن مزولات من العاج الأصلي لخراطيم الجرذان بالإضافة إلى مواد بلاستيكية, نباتية تحديدا, مأخوذة من عذرة القطط وصنان السناجب , مع بعض المواد الأقل أهمية. وهي تباع في سوق الخردة للمواد البالية المستخدمة من الماس, والذهب, والزئبق الذي يزرع في حقول الطماطم . أما بالنسبة لشكل الكاميرا الظاهري , فهو خليط من الحديد البسكويتي بالإضافة إلى عسل الفرج . استطاع هذا الفريق الانثربولجي اخيرا من تصوير مسرور المفجوع وهو غير ظاهر بالصورة تماما . فرحت المؤسسة الخيرية لقتل الفقراء كثيرا إذ إنها من الصحف الوحيدة التي فازت بأسبقية النشر, بعد صفقة لم يتم الاتفاق عليها مع أصحاب الصورة الأصليين الحمير الطائرة . لكن ما يهمنا هنا انه , أي مسرور المغتم المحبوب بشكل كريه , أحاط المستنقع الواق واقي بكل وسائل الحضارة من الكهوف, والمعاطف الخشبية ذات الجلد الحريري . مع كل الأشياء البهلوانية الضرورية لعدم استمرار الحياة , وحرص بشدة على نظافة المستنقع . مقسما بالصنم بأنه لن ينظفه أبدا, ولهذا يبدو المستنقع دوما يعط بعفونة العطور الباريسية الشهيرة . أما بشأن المواد التكنولوجية والإلكترونية فقد فرغ من هذا الأمر من زمن الطوفان الذي تسبب في غرق عشر بطات, كان بينهن ملاح لازال في صباه سقط بماء البركة حينما كان ممتطيا سرج ديناصور. كان بيت مسرور الحزين عبارة عن بناء مهدم يحتوي على سياج غليظ من الزجاج الشفاف لكي يحجب رؤية اللا شيء , وهو مسقف بدون سقف . تطل بوابته المفتوحة دوما بانغلاقها على ممر يمنع فيه أي أحد من المرور , إلا إذا كان يعرف مسرور المبتلى . وبما أن أحد لا يعرفه إطلاقا لأنه معروف جدا فقد منع الجميع من المرور, بأن سمح لهم بالدخول إلى خارج بيته . كان متفائلا في غابته البريئة الخالية من الحيوانات, إذ امتلأت بالذئاب الناعقة, والثعالب الفلينية بفرائها الإسفنجية المعروفة . وتأسد على الغابة التنين الذي ينفث نسيج الأخطبوط العنكبوتي من رؤوسه السبعة, بينما قطعت رأسه الثامنة وهو يتصارع مع الرأس العاشرة , الذي اخذ الأمر من الرأس الثالث بعد الألف . اما مميزات مسرور النادب فانه لا يكف عن التجول . إنها مهمته الصفر دائما وأبدا في حركته الساكنة يدور حول كل شيء وهو غير جالس على كرسي كما قد يتوهم حراسه المختفون في الأسواق, وفي التواليتات وأماكن البول . لأنه يلح دوما أن يبقى واقفا في جلوسه , ومهما طلب منه أن يقف يصر على أن يبقى واقفا . الكل يعرف لماذا فالجواب الشائع في هذه الحالات لماذا؟...
خاتمة توضيحية
تقع مستنقعات مسرور في جزيرة " كا لينجربنكا" وهي ضمن دويلات "السبخونزكي" مصرها القائد "جنباطاش الارنستقوشي" في احدى معاركه الشهيرة مع جيش " حكشا نطوخ" التي ذهب فيها ملايين الفرسان من فصيلة " بمباتوطاغا" وفصيلة "كرزاغينوموجا" التابعة لسلالة "زخمركا ضوكين" وقد ورد في موسوعة التاريخ العتيقة " منسا كميتورثا" وصفا مختصر ودقيق لمسرور كالتالي:
لون الشعر على احتمالين:
أ- اصلع
ب_ بنفسجي اللون طويل مائل للقصر على لكنة صفراء داكنة.
بنيته الجسدية حسب اختلاف الروايات:
ألاولى : في غاية الضخامة والمتانة,اذ بلغ وزنه , حسب تشخيص الراوي المعاصر للموصوف " داكاطوظي بن جاكومازيكي" , 13 كيلو غرام بدون شفتيه.
الثانية: نحيف جدا تكاد لاتراه لولا حذائه الصفراء او الحمراء , بوزنها المتوسط 100 كيلو غرام عدا القيطان طبعا.
عينيه اتفقت عليها الاقوال جميعا:
القول الاول: مغلقة.
القول الثاني: تغطي بمساحتها كل وجهه.
اما العصر الذي عاش فيه مسرور , ورغم كونه من المشهورات لكننا نورده هنا من اجل التوثيق المنهجي لاغير:
عاش قبل جده بألف سنة ضوئية, كما وانه رافق ابنه خمسين سنة ضوئية . بينما لم يرى والده الذي لم يولد سوى عشرة آلاف سنة ظلامية .
لاهاي
2010
السيرة البنطالية
توقف القلم على بعد ضئيل من حيث المساحة المادية إذ لا يفصله عن المسير فوق السطور المستقيمة سوى أن يلامس عقبه ألحبري صحراء الورقة . لكنه من حيث المساحة الإبداعية, والفنية, بعيدا جدا عن البدء في المسير, ولا مجال لقياس بعده الزمكاني . فهو في جزيرة معقدة التفاصيل بين غابات المخيلة الشائكة والنكوص في بؤرة حبره . ولحظة الانطلاق مجهولة وغامضة بشكل بشع. قرر أخيرا خلال الملل واليأس أن يتقيأ بأشياء ابتلعها منذ سنين وأصبحت جزأ لا يتجزأ من قطرات حبره ومجمل تكوينه , فتناثرت بقعه السوداء متسارعة لملأ الفراغات. وهكذا ابتدأت شوارع السطور تنسحب تحت خطواته المتسارعة بسرعة قصوى...
المسافة الأولى التي اجتازها تكونت من كلمات مبعثرة ومشتتة جاءت كمقدمة غير متقنة, إذ ذكر انه كان يعمل في أحد أيام حياته في طوره الصبياني بائع للملابس المستعملة . وأشار لكونه لم يهوى تلك المهنة وليس بارعا فيها إطلاقا , ولم يمارسها أيضا من اجل أن يحيا حياة متواضعة نسبيا . فهو كما يذكر في تلك المقدمة لا يملك أي مزية من مزايا بائع الملابس الصغير فضلا عن التاجر . ولذلك وضع تحت كلمة بائع ملابس السابقة خطوط ثلاثة وطرزها بنجمة للإشارة إلى هامش في نهاية المقدمة جاء فيه ما يلي: * لا يتصور أحدا ما أني اعني بهذه الكلمة حرفيتها ومدلولاتها اللغوية والاصطلاحية,لأن الأمر على هذا النحو سيكون خيانة وجريمة بشكل فاضح. انتهى الهامش وذكر في المتن ما الذي يعنيه بذلك, إذ أكمل مقدمته بأنه لم يكن يملك رأس المال ولا شعره , وليس لديه محل أو(دكان) بل ولا رصيف محترم ضمن أرصفة الباعة المتجولين وقوفا والمشتهرين في أسواق الهرج والملابس الرخيصة المستعملة. وأجمل ذلك بشكل سريع واصفا البداية البائسة والغريبة. وقبل أن نستعرضها ونلاحق القلم في جريانه المتسارع لابد لنا من الإشارة بأنه كتب ما يلي بلسان الأنا. متخيلا نفسه كشخص فاعل ومتحرك ومستوعب لكل ما يضج في ثنايا الحياة. ولعله يكتب بصيغة الأنا ليداري على بعض الأخطاء الفنية والأدبية من الإسقاطات الذاتية والهفوات الوصفية, إذا تحدث بصيغة الآخر. كما يصف بعض النقاد تلك الإسقاطات بالعيب الأدبي الفاضح . أو انه يحاول أن يضخم ويضاعف من ذاتيته وأنانيته بشكل مكثف وعلني. أو ربما لا هذه ولا تلك بل مجرد استغلال رخيص لفكرة خالف تعرف الشائعة. فهو يحاول لفت الأنظار إليه وإكثار الأسئلة حوله , إذ سيتم التساؤل قطعا عن كيف يجرأ على التحدث وهو مجرد قلم جامد وبليد وليس من نوع الأقلام الشهيرة التي لامستها أنامل أعاظم الكتاب. وفوق ذلك انه يقول أنا وأنا وهو مجرد شيء نكرة وغير هذه الأسئلة التي تشحن في خضم ادعاءاته . وسنتجاوز هنا الغاية المستبطنة في أعمق أغوار النية القلمية ونبدأ بذكر ما سجله مباشرة, بعد أن أشرنا انه فضل استخدام صيغة الأنا وعلى هذا سنتابع بهذه الصيغة ما كتبه القلم بعد المقدمة:
حصلت على بنطال جديد بصفة هدية من أحد المعارف , وعلى هذا صار بحوزتي بالإضافة للهدية بنطال آخر في الطور الأخير من أطوار شيخوخته . استخدمه لإزجاء أكثر ساعات النهار في اللعب والتسكع وسيبقى البنطال الهدية للمواعيد والمناسبات الخاصة. ولا يحرجني أحد في الاستعلام عن خصوصيتها إذ أني لو أفضت في الكلام لأصبحت تلك المناسبات عامة بل أكثر الأشياء عمومية. وعلى أي حال ما أسعدني بالأمر ليس الهدية على التحديد بل ما فاض من نبعها أي بنطال جميل لا يزال في مستهل العمر بلون فاتح فرح وصارخ مثل الطفل. كنت قد حصلت عليه بثمن بخس وأدخلته إلى خزانة ملابسي الفارغة بشكل احتفالي مبالغ فيه, حيث شعرت بسعادة لا توصف وأنا احصل عليه بثمن زهيد جدا شبه المجاني. كما وانه بنطال جميل وجيد واهم شيء ضاعف سعادتي الصبيانية كون البنطال صناعة (إيطالية) بكل فخر واعتزاز, وهو أول قطعة عالمية تدخل ملكيتي الفقيرة. وبما أني حصلت على البنطال الجديد وهو الآخر أجنبي وفوق ذلك يبدوا أكثر حداثة واقرب لمذاق الموضة الشبابية, انقدحت في رأسي تلك الفكرة اللعينة التي راودتني خلال الليلة الأولى من عمر هديتي. ومن عمق غرفتي المظلمة بعد انطفاء ضوء الفانوس الداخن قررت أن استغل البنطال الإيطالي شر استغلال وحددت له سعر لا يقبل النقاش. لأنه يساوي سعر الروايتين اللتين رايتهما في إحدى المكتبات التي يملكها أحد أصدقائي الطيبين , وقد عرض علي سعرا منخفضا نسبيا كونهما مستعملتين و تهرأت أغلفتهما. كان ذلك قبل أسبوعين تقريبا مما يسبق الهدية الكريمة , قضيت خلالهما الليالي حالما بحصولي على مبلغ من المال . من السماء أو من الأرض, من غراب تائه بإحدى مسروقاته فيقرر أن يرميها علي ويتخلص من عذاب ضميره, أو من سمكة تجلبها أمي من (السماكات) الطيبات. وعندما تشق بطنها اعثر على قطعة معدنية ما اشتري بثمنها الروايتين وان فاض منها فسوف اشتري بالتالي سمك للفقراء. وسوف لن أطالب أي أحد , أن عثر في أحشاء أي سمكة كنزا أو درة ثمينة , بان يرد ما عثر عليه وأقسمت في سري على ذلك. لكن ذلك لم يحدث وللأسف, فكما يبدوا أن الخبر الذي سمعته مؤخرا بأن الغربان أعلنت التوبة الجماعية عن السرقة وفرضت عقوبات مشددة على أفراد أسرابها , بعد أن رددت كل غربان الدنيا القسم الشرعي أمام الغراب الأعظم (أبا ناعق) المحترم. فيه شيء من الصحة والتوثيق خصوصا وان الخبر ذيل بتفاصيل عن عالم الأسماك, مفادها أنها قررت قطع علاقتها بابتلاع الأشياء الثمينة لكي لا يستفيد بني الإنسان منها. وجاء ذلك كما يذكر الخبر ردا من الأسماك المتحدة على جشع الصيادين الذين أصبحوا يستخدمون سموم نادرة وغير مسبوقة للإطاحة بالأسماك لاهثة في كفتي ميزان البيع...
ذهبت في اليوم التالي حاملا حقيبة بلاستيكية من أذنيها العريضتين, وأستقر بنطالي سمائي اللون في بطنها الفاغرة. قاصدا سوق الملابس الذي تعرفت عليه من خلال المنطقة الشعبية التي يقع فوق أرضها في وسط المدينة . وصلت أليه باكرا لأني اعرف ومن خلال تسكعي الدائم بأنه سيكون مزدحما وغاصا بالباعة والزبائن ما بعد فترة الظهيرة. فتمتلئ حينها ارصفه السوق وتغطى كل مساحاتها الإسفلتية, والكونكريتية, بالباعة وأكوام ملابسهم. ودفعا لاحتمال عدم تمكني من العثور على رصيف جميل ومتواضع يصلح لعرض تحفتي الأجنبية رحت أعب غمار الظهيرة سابحا بعرقي المتحادر كما الشلال. لم أكن أتصور أن الأمر يحتاج إلى معرفة ودراية واسعة وخلال أول لحظات وقوفي استشعرت إحراجا شديد القرف خصوصا وان أحد الباعة بدأ يتفحصني بعينيه النسرية التجارية ليحدد فصيلتي الفريسية. وما الذي قذف بي في تلك الساعة الساخنة تجاه مصائد سوقه؟ أمن اجل بيع فيشتري بسعر بخس ؟ أم شراء؟ ليعرض علي أسوء بضاعته وأثقلها وطئا على مائدة معروضاته الحديدية, التي غطى صدئها بشرشف اسود وعرض بضاعته فوقها حسب الألوان. تسارعت دقات قلبي و(انجلطت) عضلته الصنوبرية المفحمة التي تحفزت من كثافة دخان السيجار الذي كان ينفخه ذلك البائع بعصبية وبشكل مرعب. هربت من عينيه الحمراوين من حمم الظهيرة بتظاهري بالتطلع في بضاعته من بعيد, والتي حوت على قطع كثيرة من البناطيل و(التيشرتات) والقمصان وقد صفت بشكل منسق. وجميعها مستعمل فلا يوجد جديد في هذا السوق الذي أقف فوق رصيفه ولازالت مظاهر البلادة والغباء مستحكمة بشكلي الخارجي بالكامل , وكأني تسمرت في مكاني ولا أستطيع أن ابرح نقطة وقوفي. إذ غدا عندي العالم كله عبارة عن الرقعة الصغيرة التي أقف مرعوبا فوقها كالوتد الثابت بقوة. وبما أن شمس الظهيرة كانت بقمة تألقها فقد ضاعفت أشعتها المركزة من انحدار سيول خجلي الجارفة. وفجأة اقترب أحد الأشخاص من البائع ذا الوجه المتيبس المكفهر, والذي اخذ يستعرض علي نوادر بضاعته التي اخذ يقلبها أمامي وهو يظن أني مشتري من الطراز الأول, بعد أن نجحت في إيهامه باني أتفحص بضاعته الجميلة كما المشتري الحاذق. ويبدوا أن خدعتي انطلت عليه ولم ينتبه إلى كوني أكاد أتبول من خجلي وإحراجي. اخذ الزبون لحسن الحظ يقلب في البضاعة وتشاغل البائع معه, سنحت لي الفرصة الماسية عندها , لكي استعيد بعض خيوط شجاعتي وهربت على أطراف خوفي مبتعدا عن مدى عيونه النسرية الحديدة. وعلى بعد بضعة خطوات توقفت لاستنشق بعض الأنفاس الجامدة من الطقس البخيل, ولما دخلت بعض تيارات السموم إلى منخري حرقت أعصابي أكثر من السابق. ولكني شعرت بالراحة على أي حال أدرت رأسي يمينا وشمالا لاستطلع ما حولي. فوجئت بشاب تقدم ليقف على بضعة خطوات مني , وشح كتفه ببنطال اندلق لساني ردنيه الطويلين على صدره, بينما غارت خلفيته وراء قمة ظهره الطويل . ويمسك بيده الأخرى بنطال آخر انسدل بكامل طوله وهو يمسكه من حافتيه بإبهامه وسبابته من كل جهة. شعرت بالفرح البليد فهذا بائع متواضع أيضا ولعله يكون مبتدأ مثلي . حدثت نفسي بوجوب التوجه نحوه للاستفادة من خبرته الضئيلة من جهة, ومن جهة أخرى استعرض خبرتي الصفرية عليه. فأنا لا احب أن أكون مبتدءا, ولا أريده أن يعرف بأني أمارس هذه المهنة الخطيرة لأول مرة. مع اقترابي منه وضعت الحقيبة البلاستيكية على رأسي لأحجب صفعة الشمس ذات الراحة المفتوحة فوق فروة رأسي بالضبط , وحينما دخلت معه تحت المظلة التي استظل بها ,وهي عبارة عن واجهة كبيرة لأحد المحال التجارية , أنزلت مظلتي البلاستيكية وقلت له بعد التحية: يا له من جو حار. شقت وجهه الأسمر الداخن ابتسامة صفراء لا ادري هل اكتسبها من الشمس الحارقة أم أنها نتيجة القطوف السامة التي رمى واحدة منها قبل قليل وقال لي بازدراء واضح: وما الغريب في ذلك أيها الذكي انه شهر تموز كما أظن بأنك تعرف هذا. فوجئت بهذه المباغتة السريعة وشعرت بالضيق حيث لم أوفق في الافتتاح ونطت من شفتي الساذجتين عبارة سخيفة دللت ولابد على جهلي, فحاولت تقليص الفضيحة ولملمة بعض نثارها . أهديته بدوري ابتسامة مماثلة لكنها أكثر بياضا ومن بين بياض الفكين اندفعت كلماتي: نعم اعرف ذلك , لكني اعني بأن هذا اليوم اشد حرا من البارحة والأيام التي سبقتها. هز كتفيه ولم يرفرف البنطال راقصا معها لان الطقس كان اشد من الحديد صلابة , ومع ثبات كتفه أضاف: غريب جدا ما تقوله , أن صيفنا يا صاحبي ليس فيه اختلاف مع الأيام عندنا نحن الباعة الشارعين فالدرجات المتفاوتة الضئيلة لا يشعر بها سوى أصحاب الأماكن المكيفة, أو الأماكن التي لا ترى الشمس. أما نحن الذين نلامسها بهاماتنا يوميا وخصوصا في ساعات الظهيرة لا فرق عندنا أن تفاوتت بدرجات قليلة ,وعلى هذا لا أتصور شخصا من باعة الشارع يشعر بأي فرق في الحرارة بين اليوم والبارحة خلال فصل الصيف بكامله. اعني انه ليس الفرق مهما كما تحاول أن تقول فمهما كانت الحرارة منخفضة نسبيا إلا أن الشمس السليطة لا ترحم من نازلها. وكل من يعمل في الشارع ويضطر لان يمكث في الظهيرة في مكانه يعرف ذلك, ولا يغفل عن هذا إلا من كان جديد على الشارع كما يبدوا عليك ذلك. شعرت بالغضب في داخلي وبدا واضحا بان هذا الشخص يحاول تعريتي بالكامل, ولابد بأنه حدس بكوني لست من أهل هذه الحرفة اللعينة. حاولت التركيز مستعينا بمجمل أشعة طاقتي المعلوماتية التي لم تكن مشحونة بغير أشعة شمس الظهيرة وقبل أن استحضر أي عبارة استأنف فيها محاورتي الخاسرة باغتني متسائلا : صحيح لم تقل لي هل تنوي أن تبيع القطعة التي تحملها أم انك اشتريتها؟ وهل هي بنطال أم كنزة؟ وقبل أن أجيب بشيء ما توقف أحد المارة وبعد أن حيانا لامس قماش البنطال المعلق على كتف صاحبي الذي حمل البنطال الآخر المسدل على طوله وألقى به في الهواء بشكل استعراضي جميل ليثنيه بعد أن عاد أليه على يده اليسرى, موزعا المسافة بالتساوي. بينما امسك البنطال المعلق على كتفه ونكته بشكل سريع وبحركة سريعة أخرى أطاح به بيد الزبون قائلا له على الفور: كتان أصلي ليس فيه أي عيب , وسعره مناسب أيضا. ابتدأ الزبون يقلب البنطال ويدور به كالناعور . وتابع صاحبي حديثه :يا صديقي انه قطعة ممتازة قلبه على مهلك ,شخصيا كنت اشتريته لي لكني حصلت على بنطال يشبهه تقريبا وبنفس لونه فقررت أن أبيعه وإلا لم أكن لأتنازل وأبيعه. سأله الزبون :بكم تنوي بيعه؟ وقبل أن يجيب فوجئت به يسحب شريط القياس من جيبه وبعد أن تدلى كلسان الأفعى من يده قال : ليس مهما الآن سنتفق , لكن قلي ما هو قياسك. عرض الزبون رقما معينا لكن صاحبي شكك فيه قائلا :اعتقد أن الرقم ليس صحيح خصوصا وان الأحجام تختلف باختلاف قوالب الملابس نفسها, أدنو مني لأقيس خصرك. لف لسان الأفعى على نصف جسد الزبون من منطقة الحزام. ذهلت بشدة وأنا أراقب كل حركات وكلمات صاحبي , وبدا لي وكأنه امهر شخص في هذه الحرفة على الإطلاق, وجزمت في سري كونه متخرج من أرقى كلياتها. ولذلك امتصصت كل حركاته وكلماته السابقة بدقة متناهية لأستعرض ببعضها وأبدو وكأني ملما بها كما صاحبي الماهر. بعد أن أنهى قياس الخصر تبين انه اكبر بدرجتين من حجم الشخص لكنه قال للزبون : لا عليك فدرجتين فقط ليس فرقا كبير , كما وان الشتاء على الأبواب وهذا يعني انك سترتدي ملابس إضافية تحت البنطال وبالتالي سيناسب قياسك تماما . ضحك الزبون ومن وراء أسنانه اللامعة أجابه: يا عزيزي نحن في عز الصيف أم تريدني أن اخزن البنطال حتى الشتاء ولعلي أكون ميتا حينها؟ . رد صاحبي بابتسامة عذبة مصفرة : عمرك طويل لا تقل ذلك فأنا امزح معك, وما أود أن أخبرك به حقيقة هو انك تستطيع إن تذهب به إلى الخياط فيأخذ قليلا من عرضه . رد الزبون فرحا: هذا ما انوي فعله بالضبط, لذلك أود أن تخبرني بالسعر الأخير بعد أن تخصم أجرة الخياط؟. عرض صاحبي بعد أن نكت البنطال مجددا وطواه في قبضته بمهارة, سبعة عشر دينار. اعترض الزبون بشدة وابتدأت المحاورة التسعيرية تتصاعد بشكل ساخن ضاعف تصبب العرق من وجوهنا نحن الثلاثة. قررت أن استغل هذه المجادلة بخبث. مزقت الحقيبة البلاستيكية بسرعة قصوى أطارت من شدتها كمية عرقية غزيرة , وأخرجت بنطالي عارضا إياه بنفس طريقة صاحبي, وقد تساقط خجلي وارتباكي مع قطرات الجبين ومجمل حلبة الجسد. شعرت وأنا امسكه بإتقان وكأني بائع للملابس منذ زمن طويل, قبل أن آتي إلى الدنيا أصلا. وبدا لامعا تحت أشعة الشمس بينما حرصت على أن اظهر قطعة القماش السوداء الصغيرة من داخله فهي تبرز بكل فخر جودة بنطالي إذ كتب عليها بخيط ذهبي (ميدي أن إيطاليا). انتهى صاحبي والزبون من المحاورة التسعيرية. وهم يلفظون أنفاس الاستراحة, بعد ذلك الشوط اللاهب. وبدأت كلماتهم تأخذ طابعا من الهدوء والبطء. قال الزبون أخيرا: يجب علي الانصراف, وأريد أن اعرف الآن سعرك الأخير ولا تماطل حتى آخذه وامضي. كان صاحبي قد نفض البنطال وأعاده ليتدلى فوق كتفه . بينما أعاد البنطال الآخر إلى نفس الوضعية السابقة.شعرت بالسرور لكوني أمسكت بنطالي بنفس طريقة صاحبي بالضبط. استأنف صاحبي حديثه مع الزبون: هذه نهاية السعر. فرد الزبون:كلمة أخيرة يا صاحبي عشرة دنانير. تبسم صاحبي وأضاف: أنا أفضل أن أمنحك إياه مجانا, على أن أبيعه بهذا السعر البخس, هذا بعيد يا صاحبي . تركنا الغريب مودعا. كان صاحبي قد توقف على أربعة عشر دينار كحد أدنى , بعد المجادلة من قبل الزبون على السعر الأول. التفت صاحبي نحوي أخيرا , وفوجئ باني امسك بنطالي على هيأة البائع وقد استعددت للإجابة عن أسئلته بشكل معقول. قال لي مباشرة: أذن أنت تبيع ملابس أيضا؟. قلت متصنعا عدم المبالاة: نعم فأنا "شراي بياع". وكانت هذه كلمة شعبية شائعة تتردد كثيرا في السوق, واسمعها كل ما أمر فيه. ضحك صاحبي حتى احمرت وجنتيه. قطبت حاجبي بقوة مستنكرا ضحكه السخيف الذي اجهل سببه وسألته بحدة: هلا تفضلت وأخبرتني عن السبب الذي دفع بك لكل هذا الضحك؟. ازددت حنقا إذ انه تجاهل تساؤلي واستمر ضاحكا . قطع الضحك أخيرا قائلا ولازال صوته مشوبا بأنغام الضحك:
- تقصد يا صاحبي "بياع شراي".
- ماذا؟ أكل هذا الضحك من اجل ذلك فقط؟ هلا أخبرتني أيها الذكي بربك ما الفرق بين العبارتين؟ بل على العكس يبدو لي بان عبارتي أفضل,فأنا لابد أن اشتري لكي أبيع ,أليس كذلك يا حاذق؟.
عاد للضحك من جديد. كنت قد أخليت إحدى يدي , بعد أن تعبت من الوضعية الغريبة التي تحتم علي عرض البنطال بها . ألقى بنطاله على كتفه الآخر وقال:تستطيع أن تضعه على كتفك وتستريح بعض الوقت, خصوصا الآن كما تلاحظ . إذ انقطع الزبائن الذين يمرون أوقات الظهيرة من السوق ليتوجهوا إلى (الكراج العام) ويقلوا السيارات إلى بيوتهم بعد أن ينتهي عملهم. ألقيت بنطالي ورددت كاذبا : اعلم هذا وهل تظنني مغفل . اخرج علبة تبغ من النوع الرخيص وقدم لي سيجار. كنت في حاجة ماسة أليها, فألقمتها فمي فورا واستعرت جمرتها تنخر حرارة الظهيرة بدخانها المسود. عند احتراقها شعرت ببعض الاسترخاء, كان صاحبي قد أنهى نصف لفافته واخذ ينظر ألي بطرف عينيه , حيث السيجار كان حاد الطعم ومن النوع الثقيل الحار , استقتلت لكبت سعالي ,فان أكون بائعا جاهلا شيء, وان أكون غير بارع في التدخين شيء آخر. توجه صاحبي نحو بعض العربات الخشبية المربوطة مع بعض الأرائك الحديدية التي يستخدمها الباعة في عرض بضائعهم , وقد ربطت العربات والأرائك بسلاسل حديدية كبيرة وقفلت بأقفال صلبة خشية من غارات اللصوص والمخربين من القراصنة المتسكعين الذين يقطنون شوارع السوق عند الليل ويتركون آثارهم الشهيرة من الشخات البولية الكبيرة التي تتجمع من قناني الكحول المختلفة. وعند الصباح يعط السوق بالروائح البولية والبرازية مع روائح الكحول وبعض الأسمال الخلقة التي يستغني عنها أحد القراصنة بعد أن يحظى بملابس من متبرع شهم أو يجدها القرصان في القمامة التي يرمي الناس بعض حاجاتهم المستهلكة فيها. عاد صاحبي محملا بفراش من الخوص مع كيس قماشي يشبه الحقيبة. أطاح بالبساط أرضا ودعاني للانضمام أليه, شعرت بالامتنان حيث أن إقدامي كانت تضج بالصراخ من طول الوقوف جلسنا سوية تحت مظلة المحل التجاري الكبيرة . عبث صاحبي بأحشاء حقيبته واخرج منها بعض الأطعمة القليلة والمتواضعة ودعاني بأريحية وطيبة أن أشاركه الطعام وقد بدأت معدتي تتلوى من الجوع, ورغم كوني املك مالا لا باس به إلا أنى لم استطع شراء وجبة غذائية ما حيث كل المطاعم والمحال مغلقة كما هو الحال في فترة الظهيرة , والمحال القليلة التي تبقى مفتحة الأبواب بعيدة نسبيا. انهينا طعامنا وقد شعرت بالشبع خصوصا أن صاحبي في غاية الطيبة وكان طعامه على رغم قلته لذيذا جدا. جلسنا على البساط وقد شرعنا ننفخ الدخان بعد أن اخرج صاحبي لفافاته الحارقة. قذفت آخر نفس دخاني من أحشائي , وبدا لي أن اقذف لمسامع صاحبي ما تجمع في ذهني العابث من أسئلة حول السوق والباعة. قلت له بعد أن عدلنا جلستنا وتململت أجسادنا من خدر حرارة الطقس :
- لماذا تبقى في السوق مع بعض الباعة عند الظهيرة؟. على الرغم من كونك بائع قديم ومكانك محفوظ, وتستطيع أن تذهب للبيت تستريح مع زوجتك وأطفالك ثم تأتى إلى السوق عصرا؟.
- لا أستطيع ذلك يا صاحبي. فان بيتي كما هو الحال مع أكثر الباعة, بعيد عن هذا السوق , ولا أستطيع تحمل نفقة المواصلات أربع مرات في اليوم. لذلك يبقى أكثر الباعة أمثالي في الشارع خلال فترة الظهيرة. وعندما يحل الليل نعود إلى منازلنا . ولا يستثنى من ذلك سوى بعض الباعة الذين تكون بيوتهم قريبة. أو بعض أصحاب المحلات الذين يمتلكون في غالبيتهم سيارات خاصة.
- فهمت أذن . لكن حدثني عن هذه الطاولات الحديدية التي يثبتها أصحابها في الأرض . ألا يعترض أصحاب المحلات عليها؟ ثم لماذا بعضها مثبت وبعضها الآخر مقفل في الزوايا ؟ لما لا يثبتها أصحابها أيضا ويستريحوا من نقلها وإعادتها عند ما يفتحون وحينما يذهبوا إلى بيوتهم؟.
- الذين يقفلون أغراضهم لا يملكون مكان ثابت كما مع الذين ثبتوا أغراضهم. لان بعض أصحاب المحال التجارية لا يخولون البائع أن يثبت مائدة العرض أمام محالهم.
- لكنهم يقفون أمام المحال كما تعرف ألا يعترض أصحاب المحال على ذلك أيضا؟.
- طبعا لا لأنهم متفقون مع الباعة على مبالغ مالية تدفع لأصحاب المحال ليسمحوا للبائع بان يستغل المكان أمام المحل, ويعرض فيه بضاعته مقابل أن يدفع بدل أيجار.
- وماذا بشان الذين لا يملكون أي مكان ثابت للعرض مثلنا؟.
- نحن يا صاحبي نستغل الأماكن الفارغة كما في الأفرع الصغيرة التي لا يوجد محل ما خلفها . والبعض منا كما أنا وأنت لسنا بحاجة إلى مكان للعرض إذ بضاعتنا قليلة ونستطيع أن نحملها بأكتافنا ولذلك نستطيع أن نقف في أي فراغ يسع جسدنا فقط.
- وهل تحدث مشاكل بسبب ذلك؟. اعني ما الذي سيحدث لو صادف أن ازدحم السوق كثيرا ألا يتضايق الباعة الثابتون أو أصحاب المحال من الزحام ويطردون الباعة المتجولون أمثالنا؟.
- المشاكل تحدث دوما يا صاحبي ما دمنا في الحياة. وهي تحدث مع الجميع وليس مع الباعة المتجولون وحدهم. وبالنسبة لمشاكل السوق فهي أرضا للمشاكل الدائمة بسبب الزحام أحيانا وبسبب الأشياء الطبيعية البشرية من تنافس وتحاسد إلى غيره من الأمور الكثيرة. ولا تهتم أنت بشان المكان , فأنت تستطيع الوقوف بحجمك الصغير أينما أردت ,وان حدثت مشكلة ما فسأتكفل بها لا تقلق أنت , فأنا قديم هنا واعرف هذه الأمور اطمئن يا صاحبي. كما أني أظن انك لن تظل هنا كثيرا.
- ولم تظن ذلك ؟.
- لأني اعرف أن هذه العمل لا يناسبك. كما واني اعرف انك بعد أن تبيع بنطالك لن تعود إلى هنا أبدا.
قال هذا وحمل كيسه وهب واقفا. توقفت بدوري وابتعدت من البساط الذي طواه صاحبي وعاد به مع الكيس إلى صندوق حديدي في الزاوية, يبدو انه مخزن صغير للباعة. كانت الشمس قد ملت من إبراز عضلاتها فاستراحت خلف الكواليس. وظهر على المسرح ظل المساء الجميل . ابتدأت الناس تتوافد بكثرة . وارتفعت أصوات الباعة الذين ملئوا جانبي الرصيف صادحة :آخر قطعة , آخر قطعة ,القطعة بخمسة دنانير فقط, ثلاث قطع بعشرة. إلى غيرها من العبارات. بدأت التحديق بقطع الأموال الورقية التي تتراقص عدا بين يدي بعض الباعة . ولم يقترب من بنطالي أحد وكأنه قطعة جرباء عفنة. إذ أن أكثر المارة من الشباب والكبار . أما الأعمار القليلة التي تشابه عمري ,تجاهلت بنطالي بشكل واضح. لعنت الحظ العاثر ,وشتمت كل وسائل الإعلام وكل الصحف الكاذبة,التي تتحدث عن البطالة, والفقر, وبان أكثر الناس لا تجد ما تأكل, أو تلبس. فهذا واقع السوق يفند كل إشاعتهم , ويعطي دليلا قاطعا عكس ذلك تماما. وإلا أين هؤلاء عن بنطالي الأجنبي المستورد؟ والذي أود بيعه بستة دنانير لا غير. تملكني الملل وأنا أر كل الباعة يقلبون بضاعتهم ويبيعون بعض القطع منها . حفظت بعض العبارات التي يتفوه بها الباعة واستحسنتها وقررت أن أبدا بها قاموسي التجاري وأفض بكارة فراغه. استغنيت تماما عن مسك البنطال بشكل العرض التجاري المتعب , وأرحته على كتفي و بقيت أتنقل متشحا به . وقد أصبحت خلال الساعات القليلة من عمري المهني , وكأني ابن السوق واحد أفضل باعته . لم اعد اشعر بأي إحراج وأنا ضمن أجواء عالم السوق المزدحم. ابتعت لنفسي علبة سجائر من النوع الرخيص, وكنت قد بدأت التدخين منذ مدة, مبتدءا بهذا النوع الذي ناسبني كونه متوسط الحرارة . أخذت التهم السجائر بكثرة, لأخفف من غيظي حيث شعرت بان أحلامي الوردية تتهاوى منتحرة على قماش بنطالي زاهد التثمين. وقف على يساري بعض الباعة الذين تصافوا متحدثين فيما بينهم , وهم يلعنون الحظ وسوء السوق على زعمهم. عرفت بأنهم اشد باسا مني . تزينت أكتافهم بأنواع بنطالية مختلفة الألوان والأنواع. قررت أن انظم إليهم وأشاركهم الحديث . تركت صاحبي منشغلا بمحاورة بيع جديدة وتوجهت نحوهم. فتحت علبة السجائر نحوهم وقلت مبتدءا: ما هذا السوق النائم . ابتسموا لي وامتدت يدان نحو العلبة التبغية ,واعتذر الثالث بكونه ليس مدخنا. وردوا بعد أن زفروا أنفاسهم الداخنة الأولى: وأنت أيضا حظك سيئ اليوم , انظم ألينا في اجتماع الخيبة. ضحكت بدوري وعلقت: أتصدقون باني لم أبع ولا قطعة اليوم , وكانت هذه اصدق عبارة تفوهت بها خلال اليوم. علقوا بدورهم أنهم لم يبيعوا أيما قطعة هذا اليوم. دخلنا في أحاديث الحظ, والفرص التي تأتى فتجلب السعادة معها وتولي فيسوء الحال . واخذ كل واحد منهم يقص بعض فرصه الذهبية الفريدة في البيع. قال كبيرهم: بعت في أحد الأيام ثلاثة بناطيل وكنزتين دفعة واحدة ربحت فيهما عشرون دينار , في اقل من نصف ساعة. وأيد الثاني فرادة تلك الفرص الذهبية وأكد بدوره, بأنه حظي ببضاعة ساقها الحظ أليه , إذ اشترى مجموعة ملابس مستعملة من أحد الأغنياء بسعر زهيد , وباعها إلى تاجر آخر , رابحا فيها مائة دينار, جلس من العمل بعدها لمدة أسبوعا كاملا مستمتعا بخيرات أرباحه. وأضاف الثالث بأنه اشترى بنطال (جينز) ماركة من شخص"غشيم" حسب تعبيره , بثمانية دنانير فقط, وباعه في نفس اليوم بأربعين دينار. بعت بدوري على مسامعهم بنطالان وأربعة قمصان , ادعيت أني ربحت فيهما ثلاثون دينار على الطاير. انسحبت أخيرا مع زوبعة كذبتي المغبرة ,عائدا نحو صاحبي , الذي لازال بنفس نشاطه الأول وكأنه لم يتوقف سوى من ربع ساعة. كان ينكت أحد بنطاليه ويعلق الآخر على كتفه ثم يبدله بالذي يعرضه بكامل حجمه . حاولت أن اكسر اندفاعه بحديث الخيبة السابق قلت له بمكر:
- حتى أنت يا صاحبي لم تبع شيء اليوم, أي سوق تعس هذا؟.
- لا أظن أن السوق رديء على الإطلاق, وها أنت ترى الناس تشتري وتقلب في البضاعة , كما أننا في بداية الشهر يا صاحبي ولازال عند الناس بعض الفتات من مرتباتهم . وأنا شخصيا بعت بنطالا من هذين وبعت قبله ثلاث قطع .
استغربت كلامه وشعرت بإزعاج حاد بحت به فورا:
- ولكنك لازلت تحمل بنطالين ,فكيف تدعي بأنك بعت واحد منهما ؟.
شقت محياه الأسمر ابتسامة صفراء عذبة وأعاد نكت بنطاله وطوحه فوق كتفه بينما امسك الثاني بطريقة العرض:
- هل تذكر الرجل الذي دفع عشرة دنانير؟.
- نعم اذكره ما به؟.
- سيعود ويشتري هذا البنطال الذي قلبه كثيرا .
- ومن أدراك بذلك؟.
- أنا اعرف ذلك بخبرتي.
- لكنك عرضت عليه أربعة عشر دينار كحد أدنى,بينما يريده بعشر.
- وأنا لم اعرض عليه ذلك كسعر نهائي أيها المغفل, وهو يعرف ذلك. وحينما يعود سأماطله على اثني عشر دينار ونصف, حتى احسم الأمر باثني عشر فقط, وبذلك أكون قد ربحت ثلاثة دنانير , وهو مبلغ جيد , كما أن البنطال الآخر سيباع قريبا ولا بد.
- وكيف تنبأت بذلك أيضا؟.
- ليس تنبؤ كل ما في الأمر أني أستطيع بيعه بأي ثمن ,لأني حصلت عليه بدينار واحد فقط. وهو يساوي ثلاثة دنانير على اقل تقدير ولا ضير من بيعه حتى بدينارين , وحينما اشعر بأنه لن يباع بالسعر الأول , أبيعه بالسعر الثاني واذهب للبيت. خصوصا واني ربحت اليوم ربحا لاباس به.
- تذكرت الآن, كيف تقول بأنك بعت قطع ملابس قبل البنطال الذي تزعم انك ستبيعه , وأنا أتيت إلى هنا باكرا ولم تكن أنت موجود , وحينما رايتك لم تكن تحمل سوى البنطالين؟.
- في الصباح أتواجد في سوق آخر , وهناك بعت اليوم بعض القطع, ثم أتيت لاحقا إلى هنا, فلكل سوق اختصاصه يا عزيزي.
- ماذا اختصاصه؟ هل هو مستشفى أم سوق؟.
- ولم تظن أن المستشفى وحده فيه اختصاص؟. أنت مخطئ يا صاحبي , فلكل سوق بضاعته وعلى البائع أن يعرف رقعة سوقه الذي يقف فيه , ليعرض بضاعته المناسبة , ولذلك سوف لن تبيع بنطالك هنا.
انزعجت أكثر من ملاحظته الأخيرة , وامتلأت حنقا وغيظا . كان هو يمسك سيجار لازال داخنا بين إصبعيه فأخرجت سيجار من علبتي وأشعلتها من جمرته المستعرة. ومع نفخ دخاني بوجهه حاولت إغاظته:
- لكني غير مستعجل في بيعه , كما واني اشتريته بسعر زهيد جدا وسوف أبيعه في النهاية واربح فيه , كما أن اليوم لم ينتهي بعد وان لم يباع فسأبيعه غدا أو بعد غد.
- اقترح عليك أن تذهب إلى ذلك الشارع , وأشار بيده إلى الاتجاه الذي يقابل الرصيف الذي نشغله. وتسال عن (فلان) وسيدلوك فورا عليه , لتعرض عليه بنطالك الذي سيشتريه فورا بالسعر الذي يناسبه واخلص من معاناتك .
- لم تعتقد أني أعاني انه عملي أليس صحيح.
في هذه الأثناء توقف رجل كبير السن أمامنا, واخذ يقلب قي بنطال صاحبي الرخيص ويقربه من عينيه . كان المساء ينشر أطياف ظلامه ,وبعض المحال التجارية التي نقف وراء ها ساندين ظهورنا عليها, أقفلت فحرمنا من الضوء المنبعث من نوافذها الخلفية. وأصبحت بعض المناطق مظلمة تقريبا بينما ظل أكثرها مضيئا. لاحظت عندها أن أصحاب البضائع الكثيرة,والمعروضة على موائد , استغلوا الأرضية التي تقع تحت المحال التي لا تقفل باكرا. وتظل حتى وقتا متأخر من الليل. من اجل أن يضمنوا عرض بضاعتهم بوضوح, وعرفت من صاحبي أنهم يحجزون أماكنهم المخصصة , بتثبيت موائد العرض الحديدية في عمق الإسفلت. قال الرجل الكبير لصاحبي:
- بكم تريد هذا البنطال؟.
- بدينارين ونصف.
- هذا كثير يا ولدي,هلا خفضت بعد؟.
- ليس كثيرا يا عم, البنطال مناسب جدا بهذا السعر.
- لكني لا املك سوى دينار ونصف يا بني.
نفض صاحبي البنطال حينها وطواه بشكل أنيق وقدمه للزبون قائلا:
- خذه على حسابي يا عم ولا يهمك.
- شكرا كثيرا يا عزيزي, سأكون ممتنا أن قبلت بالسعر الذي عرضته عليك. وأطاح المبلغ في يد صاحبي وودعنا شاكرا.
أعجبت كثيرا بموقف صاحبي الذي ينم عن الشهامة ,قلت له بحنان:
- حسنا فعلت , فالرجل يبدو معسرا جدا.
- لا عليك يا صاحبي , فنحن أكثر الناس الذين يعرفون سوء الأوضاع المادية. وقد مرت علي أيام عصيبة لم أجد فيها ما يسد رمق عائلتي. تنهد بحسرة وأردف: لابد وانك عطش ,تعال معي نكرع مشروبا باردا.
توجهنا نحو عربة بائع المشروبات الغازية, الذي شغل ركن الرصيف بعربته الخشبية القديمة. وقد لف رأسه بغطاء ابيض , تجمعت أغطية العلب الزجاجية للكولا وباقي المشروبات ,بألوانها المختلفة,تحت يدي البائع حيث كان يفتحها بسرعة بفكي مفتاحه الحديدي المسنن. شربنا قنينتين أطفأت بعض بركان الظهيرة في صدورنا , أصر صاحبي أن يدفع ثمنهما. أخرجت بدوري سيجارتين رحنا نعب أنفاسها في بطن السوق المزدحم..
عاد صاحبي إلى حديثه السابق:
- اسمع يا صاحبي أنا لم اقل لك ما قلت إلى لأني اعلم انك لم تستطيع الاستمرار في بيع الملابس.كما وان العمل فيها لا يناسبك , فخيرا لك أن تسمع كلامي وتذهب إلى الشخص الذي أسميته لك في ذلك السوق. لتبيعه بنطالك وتريح نفسك من العناء.
لم اشعر بالغضب من كلامه هذه المرة. ففعلته النبيلة مع الزبون المعسر , لا تزال ماثلة أمامي. كما أن برد المشروب الغازي لم يتبخر من صدري بعد. أجبته بهدوء:
- لا عليك سأبيعه وسترى بعينك.
أنزلت بنطالي من كتفي مجددا, كمحاولة أخيرة مني للفت الأنظار أليه. ضجرت في نفسي من الثقة العالية التي يتحدث بها صاحبي , باني لم أبيع بنطالي ولو وقفت لعدة أيام. من أدراه بذلك , كما انه أكد على كونه سيبيع بنطاله إلى ذلك الرجل بعد أن يعود حسب زعمه. بينما انقضت ساعات كثيرة ولم يأتي بعد, فكيف ضمن عودته؟. بدا الظلام يشتد بعد أن أغلقت أكثر المحال التجارية وأطفأت أضوائها . وشرع بعض الباعة بجمع بضائعهم وبتنا على وشك المغادرة. عاد الرجل الذي قلب بنطال صاحبي أخيرا, وقال له على الفور:
- هيا يا صاحبي خذ عشرة دنانير وبعني إياه قبل أن تعود إلى بيتك مثقلا به.
- ثلاثة عشر دينار سعرا معقول , ولا تطمع بالتخفيض أكثر من ذلك.
اخرج الرجل محفظته الجلدية الصغيرة قائلا: هيا هل اخرج المبلغ أم لا؟.
- ثلاثة عشر ,قال صاحبي , ولف البنطال بطريقته المعهودة. توقف الاثنان أخيرا على اثني عشر دينار , تراقصت وريقاتها بين أصابع صاحبي عدا.
انسحبت هاربا قبل أن يعلق صاحبي أيما تعليق...
وصل يأسى إلى ذروته ,وأنا احمل البنطال لليوم الثالث دون جدوى. واسوا ما في الموضوع أنني أصبحت تحت رحمة سهام المتندرين , الذين ألفوا في بنطالي العبارات الساخرة ,والقصائد المقفاة , وبعضها بعبارات بذيئة. لم اعد احتمل أكثر . ولأن صاحبي يأس من نصحي وتوقف عن إبداء رأيه. بعد أن رأى يبوسة رأسي,علق باني مثيرا للسخرية . شمخت بأنفي الطفولي الذي كسر أخيرا بقبضة الواقع القاضية. نفضت بنطالي فجأة وسالت صاحبي :
- صف لي مكان واسم ذلك الشخص مجددا؟.
بعد عدة خطوات كنت أسير بين موائد حديدية تبدوا مختلفة عن الرصيف السابق. حيث الألوان الزاهية الصارخة, والموديلات الشبابية الحديثة والجذابة, الطاغية على أكثر أنواع البضاعة في هذا السوق. ويبدوا أن أصحابها من الطبقة الرأسمالية , فكلهم متجهمون الوجوه ومظهرهم في غاية الإثارة وكأنهم يعملون في النوادي الليلية لا في بيع الملابس. صفوا بضائعهم بشكل متقن , ينم عن الذوق والخبرة التجارية. شعرت مع أول خطواتي في هذا السوق العجيب, باني افقد جرأتي مع كل خطوة أتقدم فيها نحو مجاهله. وارتفعت في ذهني تلك البلادة والدهشة, التي ألمت بي وأنا ادخل السوق الشعبي لأول مرة. و انماثت خبرتي التي ظننت من أنها جعلتني بائعا من الطراز الأول,مع تحادر عرقي الغزير الذي بدا يتقاطر من الخجل. وتهاوت قلعة الكلمات الكثيرة التي حفظتها من الباعة ,على مذبح صرامة وجدية الوجوه الصلبة عند باعة هذا السوق. وفي خضم خيبتي وفراغ يدي ,إلا من البنطال الذي زججت به إلى عمق حقيبة بلاستيكية سوداء وكأنه تحفة نادرة. أخذت أقارن الوضع الحالي بالوضع السابق بتلك العجالة التي خلخلت مجمل أفكاري وقلبت كل أوراقها. استرجعت هيبتي في ذلك السوق, حينما اندفعت بكل سهولة وبلا تكلف أو رهبة. أساعد بعض الباعة حينما يكون الازدحام في ذروته, بإعادة ترتيب القطع التي يناثرها الزبائن بعد كل جولة من جولات فحوصهم. يفرغون في تلك الجولات اللاهبة, كل غرائزهم النهمة للاجتياح والعبث, بدعك الملابس وتقليبها بإفراط واضح . بينما أقوم في أحيانا أخرى وبطلب من صاحب البضاعة , بمراقبة الزبائن بعينين متلصصتين حتى لا تتعرض بعض القطع إلى ألاعيب اللصوص الماكرة. كنت أقوم بذلك باندفاع وحرص مشدد , حتى يجزم كل من ينظر ألي , وأنا في تلك الحالة الغريبة من الحذر, دائرا بعيني بسرعة من زبون للآخر ومن قطعة لأختها, وعلائم الترقب بادية على مجمل لكنات وطيات وجهي . باني صاحب البضاعة المباشر , ومالك أسمالها....
..أما هنا في هذا السوق الجديد, اشعر بنفس علائم الغباء والذهول الذي دخلت فيه إلى ذلك السوق في أول الأمر. الباعة هنا يبدون وكأنهم من رجالات الأمن والسلطة الصارمين. ويدل مظهرهم الحازم بأنهم لا يحبون المزاح , ولا يضيعون أي وقت في الثرثرة خارج البضاعة والتجارة. كما أني وعلى مدى نصف ساعة من مسيري في أروقة حصونهم الفولاذية, لم اسمع أي أصوات مرتفعة أو منخفضة, فالكل واثق من جودة بضاعته ولا يود لفت الأنظار أليه بالدعاية الصراخية. إذ يبدوا أن شعارهم دع بضاعتك تعلن عن نفسها بنفسها. كما لاحظت أنهم وخلال بيعهم لبعض قطع الملابس , لا تختلف سحنات وجوههم ولا يبدوا عليهم انطباعات الفرح الغامرة ,التي كانت تظهر على وجوه باعة الرصيف الشعبي. إذ فوجئت بأحدهم يبيع بنطال وكنزة بمائة وعشرون دينار, صعقني المبلغ إلا أن الشخص الذي باع القطعتين لم يكلف نفسه أن يقوم للمشتري على الأقل, واكتفى بعد النقود بلا مبالاة وهو جالس , ثم دسها في جيبه دون أدنى حركة في ساحة وجهه العابس. شعرت أخيرا باني صرت قريبا من المكان المطلوب. تقدمت نحو شاب ضخم الجثة طويل القامة ذا بشرة داكنة السمار بشارب كث ورأس حليق بالنمرة الثانية. يرتدي في عنقه سلسال فضة , برز فوق رقبته من فتحة (التيشرت) المطرز بكتابة أجنبية كثيرة, خيطت بلون ذهبي لامع في منتصف قماشه الأسود. وتحت الكتابة استقرت صورة غريبة في دائرة مطوقة بجلد حيواني بلون البيج, احتوت الصورة رمزا مزدوجا لثعبان ونسر وهما في حالة صراع , يتحدد خلاله أن البقاء للأشرس. باعد بين فخذيه على الكرسي الذي شغله , واخذ يضرب مساحة الكرسي الفارغة بيديه على هيئة الطبال. سألته بعد التحية:
- عفوا هل تعرف أين (فلان) . لم يتوقف من نقر طبلته الكرسوية , وقال مع أنغام الطبول :
- تفضل ماذا لديك؟.
وقعت عيني فورا على طاولته الحديدية , ولم أجد صعوبة في العثور على سؤالي الذي ألح علي منذ اليوم الأول الذي قابلت فيه صاحبي البائع في السوق الشعبي, لماذا يا ترى أصر صاحبي ذاك أن آتى إلى هذا الشخص واعرض عليه بنطالي؟ رأيت بعيني هذه البضاعة فعرفت الجواب. كلها بضاعة شبابية وولادية ورجالية بألوان زاهية صارخة وبموديلات غريبة ومتنوعة من "الجينز" والكتان و"القديفة" , وهو القماش الذي صنع منه بنطالي الإيطالي , ولعله في نابولي تحديدا . فرحت حينما عثرت على بنطال يشبهه تماما, تحسست قماشه البنطال سريعا إذ فركته مرارا بين السبابة والإبهام , وأنا لا ادري لماذا افعل ذلك , كل ما في الأمر أني أردت أن اظهر لهذا البائع المكفهر مهارتي. وإلا شخصيا لا أستطيع أن أميز بين مارد "القديفة" الجيد والرديء ,حتى وان فركت بمصباح قماشة حتى الصباح. أرحت البنطال من الفرك البليد وسالت البائع مجددا:
- كم ثمنه؟
- خمسة وأربعون دينار. قال ذلك وقد أوقف قرع الطبل, وأشعل لفافة تبغ ولم يسألني حتى أن كنت أدخن بل كأنه لا يراني أصلا. أحببت أن أشاكسه واكسر يبوسة انفه:
- لماذا هل هو" مرسيدس"؟
- يبدوا انك تغرد جيدا أيها العصفور. لم افهم مراده على التحديد , وهل أطراني أم شتمني. وحينما راني باهتا كالمخبول أضاف:
- ليس "مرسيدس" على التحديد , لكنه ربما "جامبو". بهت أكثر وقطبت حاجبي اللعينين وأجبته بشكل هازئ:
- ماذا يعنيني من كل هذا الهراء, اخبرني بسعر معقول , هل تظنني مغفل , انه مجرد خرقة مستعملة حاله حال أي بنطال آخر.
أنهى سيجارته , وسحقها بعقب حذائه الطويل مدبب الرأس , والمطوق بسير حديدي من الجانب , وقال بجد:
- اسمع ليس لدي وقت للمزاح , اخبرني ماذا تريد الآن ومن حذفك علي , أو غادر فورا قبل أن أنقلك بنفخة واحدة إلى آخر جهة من النفق الممتد أمام ناظرك.
شعرت بالإهانة وحاولت لملمة كلماتي السوقية التي كسبتها من الباعة فقلت له مستغربا :
- أعصابك عمي البيع والشراء يحتاج إلى سعة صدر وتحمل, الكلام اخذ وعطاء, فلم أنت ضجر.
ابتسم قليلا وأشعل لفافة أخرى . كنت قد تراجعت قليلا عن عارضة الملابس المستطيلة وفجأة أهوى بيده تجاه وجهي , بوغت بتلك الحركة السريعة وشعرت أن قبضته لو استقرت على وجهي ستشطره نصفين, وفي اللحظة الأخيرة فتح قبضته ومسك بياقتي وسحبني نحو حافة العارضة قائلا:
- احضر البنطال بيدك . انهارت كل قواي الطبيعية والمكتسبة, وأدركت أن لا مفر لي بالعصيان ويتحتم علي الطاعة. ناولته البنطال وقد ارتفعت دقات قلبي إلى غايتها الخوفية القصوى. فتح البنطال من طويته وابرز لي الجلدة الصغيرة التي يمر الحزام من تحتها كما النفق, ووضعها أمامي وهو لا يزال يمسك بياقتي التي شعرت بأنها التصقت في يده
- انظر جيدا في الماركة واعرف حدودك. لم أر سوى حروف أجنبية لا اعرف شيئا عن شفرتها , وقلت مندهشا:
- ماذا يعني ذلك لست افهم؟
- يعني (ديزل) أيها المتغافل . اللعنة علي قلت لنفسي , انه يظن باني اكذب عليه بعد أن تشاطرت عليه وأظهرت نفسي كالعارف حينما دعكت القماش وأخذت أشاكسه وورطت نفسي , فكيف يصدق الآن باني لا اعرف شيء عن هذا "الديزل" اللعين. ثم انزعجت أكثر إذ شعرت بأنه يكذب علي أيضا , إذ ذكر لي في البداية أن البنطال "جامبو" وسوأ حظه أنساه ذلك التصريح وقال لي الآن انه "ديزل" . والحقيقة أن خبرتي القليلة عن السيارات أفادتني بكون "الجامبو" تسير "بالبنزين" وليس "الديزل" كما سمعت من قبل. وعلى أي حال أنا لا ادري ما علاقة "الجامبو والديزل" بالملابس أصلا. ابتسمت أخيرا وقلت له :
- على أي حال أنا لدي خير من بنطا لك وأود بيعه إليك. استغرب وبدا مشككا وسألني ما هي ماركته ؟ وقبل أن أجيبه مزقت الكيس بغرور واضح وأمسكت القطعة السوداء الصغيرة وألقيت بها تحت ناظره قائلا بكل ثقة:
- (ميدي أن إيطاليا). قطب حاجبيه ولم يكلف نفسه أن يمسك بنطالي بل رد ضاحكا:
- هنيئا لامك. تضايقت كثيرا ورددت عليه بعصبية:
- ما هي مشكلتك يا عم ,لماذا تصر على أن تبخس أشياء غيرك؟ بينما تبالغ في تقيم أشيائك , انه بنطال إيطالي وتستطيع أن تتأكد من ذلك بنفسك . كان قد عاد إلى جلوسه وقد تقدم نحونا رجل متوسط العمر , نقد البائع مبلغا من المال , ذا قطع نقدية كبيرة القيمة , أخذت سوائل طمعي تنثال على إثرها من كل مسامات جسدي , وضعها في جيبه بعد أن عدها . واخرج كيسا بلاستيكيا من تحت طاولته الحديدية , بدت قطع من الملابس لامعة من وراء شفيفه الأبيض . قدمه للرجل قائلا تفضل وافحص بضاعتك . شكره الرجل بعد أن رد عليه :لا داعي لذلك فأنا متأكد من انك جهزتها بالكامل.
عاد ينظر ألي وقد بدا مسترخيا , رد علي أخيرا:
- اسمع أيها الحمل الصغير لا حاجة لي ببنطالك الإيطالي , وهو ليس حذاء يا نادر لتخبرني بكونه إيطاليا , وكأن البنطال الإيطالي له خصوصية معينة عندك. شعرت بأن الأرض انشقت من تحتي , وكآخر محاولة للفت نظره قلت أخيرا :
- أن صديقك الذي يعمل في السوق الشعبي - وسميته له- هو من أرسلني إليك , بعد أن اخبرني بأنك الوحيد من سيشتريه . كما واني لا اطلب فيه سوى خمسة دنانير ليس إلا. قلت ذلك بسرعة إذ خشيت انه لن يوافق على الستة دنانير فقررت أن أتنازل عن الدينار مكرها. رحب بي حينما سمع باسم صديقه وسألني عن أحواله , شعرت بالزهو الخائب قليلا وأخبرته بكل ثقة بأنه صديقي العزيز وهو بأفضل أحواله . اخذ البنطال مني وبدأ يقلب فيه . قال أخيرا:
- لن آخذه سوى بدينارين. امتلأت غضبا وصحت على الفور بعد أن حملت بنطالي وكأني أخشى عليه من الضياع:
- اسمع يا عم أنا مستعد لرميه في الشارع على أن أبيعك إياه بهذا السعر.
- لست بحاجة إلى ذلك ,تستطيع أن تحتفظ به أن لم تشأ بيعه. قدم لي سيجارة بعد أن لاحظ انفعالي . زفرت أنفاس غضبي مع الدخان وبدا انه غير مهتما بالأمر. شعرت بالضياع وأنا بين أن أبيع البنطال بذلك الثمن البخس , أو لا أبيعه فلا ادري كيف أتصرف حينها ؟ بدوت كالغبي وأنا أقف حائرا هكذا. قررت الانصراف وقبل أن أطلق قدماي للريح بخطوات الفشل , قلت له بحدة:
- دينارين ونصف وهذا سعري الأخير . ولما هممت بالانصراف امسكني من معصمي قائلا:
- سأزيدك نصف دينار إكراما لصديقي.
عدت إلى البيت عند المساء , يتملكني الأسف إذ لا أستطيع أن احصل بهذا المبلغ على الروايتين . وها أنا لا املك سوى ما يقل عن نصف قيمتهما . ولم تثمر جهودي في الاحتيال على والدتي التي يأست من خبلي , ومن إسرافي النقود في شراء الكتب والمجلات , بعد إلحاح مرير, إلا بانتزاع نصف دينار.
أخذت المبلغ وقررت شراء الرواية التي كنت متحرقا لقراءتها كثيرا وأجلت الرواية الثانية حتى إشعار, أو بنطال آخر من يدري. كان صاحب المكتبة على وشك أن يغلق حينما وصلت أليه . لم أجد الروايتين في مكانهما , تصورت انه صفهما في الداخل سألته:
- ما هي أخبار لشبونة؟.
- وأنت أيضا سمعت بعودة أخي. لم افهم ما الذي يعنيه فاستفهمت: عودته من أين؟
- هذا ما أود أن أصلحه لك , لقد عاد من برشلونة بعد أن ذهب إلى أسبانيا في مهمة عمل, ولم يكن في البرتغال كما يظن البعض.
- أنا لا اعلم بهذا إطلاقا, وأنا أسألك عن (ليلة لشبونة) الرواية التي عرضتها علي قبل أسبوعين تقريبا , بثلاثة دنانير ومعها رواية أخرى بنفس السعر وقد جئت اليوم لابتاع واحدة فقط وهذه هي دنانيري خذها وأعطني الرواية تلك. ضحك ملء فيه على ذلك الالتباس واعتذر لي بأن كلا الروايتين قد بيعتا . أسفت كثيرا لذلك. لكنه اسقط أمام نظري رواية أخرى كبيرة نسبيا وأعطاني معها رواية صغيرة قال إنها هدية واستطيع أن أخذها مع الرواية دون مقابل . أخذت الروايتين وانصرفت فرحا وأنا احتضنهما , وشكرت البنطال في سري كثيرا فهو من ساعدني على الحصول عليهما . أسرعت بخطاي حتى أفض بكارتهن, بينما اضطجع على السرير...
لاهاي
2008
نص لا منصوص عليه
إلى التي سألتني عن الكتابة, وأشياء أخرى .
في البداية يا عزيزتي يجب أن تعرفي نتفا عن تاريخ فنائي . وسأبدأ من الميلاد , من لحظات الضياع الأولى : كما لا تعرفيِ , أكيد , إنني ولدت حسب الطريقة الصحيحة والطبيعية التي يصر , وللأسف الشديد, أبناء الدنيا الذين يسمون أنفسهم واقعيين بان ينعتوها بالشاذة والأسطورية . واعني طريقة الولادة من العمر المقرر لي أن أعيشه إلى أن اصغر وأتضاءل وانحدر نحو السنة الأولى من عمري وعندها سأتلاشى , كما كنت غير كائن بعد. وبأول سني عمري وكنت لا أزال في سن البلوغ ولم اصغر لمرحلة المراهقة بعد قرأت كلمات تقول: "....منذ أن وعيت الحياة يتملكني إحساس لا ادري كيف أصفه , أشبه بمن ينتظر لقاء إنسان عزيز. إنسان أراه في الخيال ولا يفصلني عنه غير جدار من الأثير .إنسان يشبهني تماما ,ليس في الشكل , بل خصوصا بالشخصية والميول والأفكار حتى إننا يمكن أن نتفاهم مع بعضنا في كل شيء ..أمضيت حياتي وانأ أحس بتوأمي هذا يراقبني ويحاورني ..." فتأكدت من يقين شكوكي , وأمسكت حبل البرهان . إذ أن بعض الواقعيين كانوا يسخرون كثيرا مني عندما أحدثهم عن ذلك . بل أن أكثرهم ينعتوني بالواهم ,خصوصا وإنهم يتصورون حكايا كوابيس اليقظة , التي أحدثهم بها , مجرد دعابات خفيفة الظل . بالإضافة إلى أحاديثي الأخرى التي سأحدثك عنها قريبا , إذ انهم يكذبونها جميعا ويسخرون من حقيقتها . ولأني أصر على صدق أقوالي صاروا يتعاملون معي كالمجنون . فرحت بنور البرهان ابحث عن ذلك الذي يشبهني ,أو بعبارة أخرى توأمي . وعلى الرغم من كوني لا أزال في بداية حياتي ويفصلني عن عمر الطفولة الكهلة سنين طويلة , لا اعرف متى تتحقق . كنت على معرفة ودراية متواضعة بالانترنت ,لكني لم أشأ أن اكتب رسالة لتوأمي . ذلك لأني أخاف من الأعيب القراصنة الرقميين , وقد اخبرني احدهم في احد كوابيس يقظتي , بأنهم قادرون على التلاعب بحياتي وتغيير معطياتها. لذلك ارتأيت التريث , مخاطبا نفسي : لعل توأمي يمتلك برنامجا ما يصعب على القراصنة اختراقه , وسيكتب هو عن قصة ميلاده التي لا يعرفها أحدا غيره , وغيري طبعا , عندها سأتعرف عليه . بعد وقت قصير من المتابعة الانترنيتية وجدت توأمي , ويا للغرابة . إذ انه كتب عن قصة ولادته /ولادتي كالتالي :" كنت قد ولدت في بلاد يطالب الجميع فيها بالثأر من الحاضر ...كانوا مجروحين , يحلمون بتطبيب الألم بعظام الإسلاف وبخور القبيلة . وكنت أفكر بالروح والموسيقى والحلم وارتطام الجسد بالجسد وبهذا الكون الذي كلما قطفنا منه زهرة ازداد غموضا ووحشية . كانوا يصيحون في وجهي الجذور .. لكنني كنت معلقا في الهواء , وكانت جذوري الكوابيس. لقد ولدت في مقبرة جماعية في الليل من زواج جثتين . الوهم والماضي وكانت السماء بلون الدم .." كما أن توأمي الآخر , إذ اكتشفت أن لي توائم أخرى , حدثني أيضا عن ولادتنا :" سأقول لك متى ولدنا : الدنيا كانت هائجة ,الأحزاب واقفة على الحدود ..." كان ذلك ردا منه على إشارة بعثتها إليه مذكرا إياه بأننا "ناتج لتضاجع مجنون بين الأحمر والأسود " وكتبت بعد رد توأمي هذا, إلى توأم غيره" الرسم بحروف مسمومة " ملخص له إيقونة وجودنا وتاريخنا وحاضرنا الجميل . على كل حال قطعا لست , الآن, بحاجة لسماع القصص عن التوأم . وتودين أن أقول لكِ ماهي الأشياء التي يتهمني فيها الواقعيين بالجنون . سأخبرك, وان كنت متأكدا من كونك ستستغربين من غبائهم . خذي هذا المثال : كنت أسير برفقة البعض منهم , وفي غفلة مني رميت سيجارتي دون أن أشعل الأخرى منها .ولأنهم كانوا لا يدخنون , وكنا في ساعة متأخرة من الليل , رحت بشكل طبيعي تماما ابحث عن القداحة التي يفترض أن تكون موجودة في الشارع أو الرصيف أمام ناظري . استغربوا من تحديقي كالمخبول فوق سواد الإسفلت ,فاستفهموني عما انوي فعله ,ولما أجبتهم ضحكوا حتى كادت بطونهم أن تبقر. وهكذا دخلوا معي في مجادلة عقيمة وبائسة , شرحت لهم بكل بساطة لماذا لا يكون تصرفي هذا واقعيا ؟ قلت لهم أنا بحاجة إلى إشعال سيجارتي أكثر من حاجتي لركل مؤخراتكم , فلماذا لا أجد قداحة لأشعلها ؟ بل , أضفت, إنني اشعر أن عدم وجود القداحة في الشارع الآن ليس واقعيا .فالواقع يقول أني أود أن أشعل سيجارة ,والشيء الواقعي أن أجد قداحة , إن لم يكن بالدقة أن تشتعل السيجارة ذاتيا . لكنهم استمروا بالضحك وعادوا إلى نعتي بالمجنون والواهم , تخيلي . أنا متأكد من كونك الآن تضحكين من غبائهم , وربما لم تصدقي ذلك بسهولة . وعلى إي حال , وبما أن عمري يتناقص نحو الطفولة ,إي التلاشي . يجب أن أحدثك عن الكتابة لان الوقت سريع المرور . وباختصار يا عزيزتي : الكتابة خارج رتابة الأكاديميات , وغباء الواقعيات , وبعيدا أيضا عن اغرب وأتفه واغرب سؤال في الوجود . "لماذا تكتب؟ ما هو الأدب؟" هي شكلا آخر من إشكال القذف . قذف نفسي ,جنسي , مرضي , صحي وووووالخ . هذه عتبة بسيطة لدخول الباب مباشرة . ما يهمنا الآن إننا ,انهم , نكتب وكتبوا . ربما رغبة منا بالمشاركة بالحرب القائمة على كل المستويات . هناك من يقذفون القنابل ,وهي عديدة ومتنوعة : جرثومية , كيماوية , ذرية , نووية , ثقيلة , خفيفة , متوسطة ... فلنقذف الكتابة وهي أيضا متنوعة : قصصية , روائية , شعرية , نقدية , طويلة , قصيرة , قصيرة جدا , حسب هوس جماعة الجناس والتجنيس الأدبي "الله يحفظهم" . وهكذا وباختصار سنجد العلاقة تبادلية تصادقية بين الكتابة والحرب , واعني هنا بالخصوص الحرب المرضية . فكما تعرفين أن هذه الحرب لها أقسامها واختصاصاتها وفنونها , ولنتحدث عن فنونها "السلفادور دالية" افتحي شاشة التلفاز , النت , الفضائيات , بل , كل شيء حتى أن كان غير قابل للفتح . باب المرحاض , باب الثلاجة . مثلا إنا وكل ما افتح باب ثلاجتي المعطوبة أجد انفلاونزة خنازير , مرة أخرى انفلاونزة حمير..بعير ..حتى إنني حينما آكل رأس مقطوع لطفل صغير مات بعد أن بلغ عمره الحد الأقصى من الحياة , وقد ذبح بأعصاب باردة برودة ثلاجتي .اشعر بطعم شهي في ذائقتي , طعم انفلاونزة الضمير . وهكذا من مثال رأس الطفل استطيع القفز على رأس السطر. أن حياتنا الحضارية الجميلة مليئة بالمشاريع الكتابية :الحرب ,الجنون .التابو ,الطوطم . وادسم المواضع وأكثرها استعصاء على النضوب هي ثيمة القتل الجماعي , والتفجير الممنهج , ما أجمل هذه الثيمة .كل نهار لا اقل من تسع مرات دماء نازفة ,أطفالا ممزقة ,عوائل إبادتها أسلحة لم يحدد صنفها .هل توجد بربك أدسم من هكذا مواضيع ؟ شخصيا حينما أشاهد هكذا لقطات جميلة يتملكني فرحا غامر أتناول مشروبا باردا, واشغل الموسيقى وأوقظ صديقتي لأجبرها أن تحتفل معي بهكذا مشهد ساحر , عبر مضاجعة عنيفة . لكنها ومع الأسف تركتني بعد شعورها باني شبق نهم . وقالت لصديقاتها بأنها لم تعود إلي حتى تنتهي الحروب في بلدي , تخيلي إنها تظن أن حروبنا ستتوقف يوما , لأنها لا تستطيع تحمل شبقي. وعلى أي حال أن ما يفرحنى بشكل هستيري هو أن هذه الكوارث الجميلة تحدث بين أناس لا تحلل ذبح الشاة قبل سقيها ماء , يا للجمال . قولي لي بربك إي شعر وأي قصة أو رواية , بإمكانها أن تفي هذه اللقطة الساحرة حقها ؟ أتتخيلين حجم هذه الجدلية الفلسفية وعمقها ؟ قولي أيجرؤ أحدا ما على وصف هذه الكوميديا البشرية بكتابة ما ,حتى وان كان مرجعا سرياليا أو دادائيا ؟ يا للاسف لقد رحل سلفادور المسكين وهو يظن بأنه احكم قبضته على ذروة السريالية وإنها ربما قد انتهت مع كثافة فنه , آه لوعدت يادالي....
اكتب لان راسي حبر وأناملي دواة , ليس مصادفة أن ينتهي زمن الكتابة القلمية . فالتداخل صار مألوفا وأحيانا مخيفا ومرعبا , ها أنا الآن استعين بحبر راسي النازف من أناملي الراقصة على أزرار (الكيبورد) كما كتبت هذه الورقة . ماذا فعلت لقد كتبت وعزفت ورسمت عبر الشاشة الرقمية وبالألوان هذه الحروف . انه زمن الرقمنة , ما هو الانترنت انه أمية , جاهلية جديدة . إننا نستعين به كقبر كبير لا متناهي وواسع الخيال .لندفن به كتاباتنا , التي لا تساوي شيء بالدقة إذ أصبح العالم كله لاشيء ليس سوى نكرة وكل من يرى عكس ذلك واهم . مضى زمن الكتابة الحرفية ,وهذه الأخرى لم تكن سوى لعبة ,أضحوكة , تسلية . كتب بالملايين , بالمليارات . ثم ماذا ؟ قتل الأطفال وافرا جدا, المجاعة لا مزيد عليها الإمراض البطالة ال.... وال... وال... لما اكتب إذن أن كنت يائسا إلى هذا الحد ؟ حسنا من قال أن اليائس لا يكتب , من يكتب إذن؟ ثم أنا ابن ثقافة مغرقة بالحرف , ثلاثة أرباع أسلافنا يكتبون . ربما نحن لا نؤمن إلى بالوجود الكتابي . وبما إنني ابن أسلافي وذاكرتهم اللعينة تنخر وجودي .إذن لا استطيع ترك جريمة الكتابة .إنا سيدتي لا اعرف شيء غيرها , لم أر أي شيء يحدث , يتكون . حتى أفعالنا التي لا تستغرق سوى نصف ساعة ,نمهد لها بثلاث ساعات من الحديث والكلام .أنني ابن الحبر وعبد الحرف ومدمن الكلمة .
اكتب لان ليس لي هناك شيء آخر افعله , اقترحي علي أي شيء لأتخلى عن الكتابة .
كيف اكتب ؟ من رشفة من منحر طفل تهطل علي مع المطر أو من التلفاز . عائلة تحت دبابة تفنى عن بكرة أبيها تخرج أجزائها الممرودة من الجريدة لتهطل على صفحتى سطورا باهتة . اجلب صرخة أم على أبنائها الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم , اخلطها بأكاذيب التحرر والتثاقف والتحضر , وأضيف إليها الصلاة والدعاء لتصبح خلطة من الخراء العطن تمرغ وجه كل من لا يرى الخراب في الضمير والعقول ليس غير. الملم الجنون من جب التعقل , وارشف به خبالي .من ظن أن ثمة عاقلا حي فهو وحده المجنون . كيف اكتب ؟ اذهب لمهرجان ما أو منتدى ثقافي فأجد من يتمنطق باللغة ونحوها وصرفها ,لكنه لا يقول شيء . اسأله بلغتي الركيكة البريئة , من لعنة أبو الأسود , براءة الحوت من أكل يونس . فيخاطبني وقد اعتلاه زبد الرعونة الهائجة , إن "الباء" تجرك وتجر آلاف مثلك . يصرخ بذلك لأني قلت "طاولة" بالفتح بعد حرف "ب" .فيصحح لي ويعيد الكلمة السابقة مكسورة . حسنا في النهاية مابين يدينا طاولة سواء بالفتح أو بالكسر . ولان هذا المهووس النحوي مدمن على الجر فقد جرته على , من , ... إلى هاوية سحيقة من الغباء . هذا اللغوي اللجوج نفسه الذي يقلب الدنيا عند خطأ لغوي , يزعجه الحديث عن الرعب والحرب والخوف وباقي الأشياء لأنه يزعم أن ذلك من نصيب السوداويين . ما الذي افعله لهذا الغبي؟ لا استطيع أن أقول له: اللعنة عليك وعلى كل حروف الجر , ماشاني أكانت تجر أو تدفع ؟ بل لم لا نبدلها ونجعلها تدفع فعلا , وليذهب أبو الأسود إلى الجحيم . لست خائفا منه لكن من حولي سيكفرني , ويعلن الحادي بإنجيل الدؤلي . امسك القلم , أو (الكيبورد), واكتب . أتحول إلى أمي بالكاد يلملم حروفه من صحيفة أو مجلة لا يدري حتى ماهي لغتها , فيرصفها على الصفحة ولتظهر بعد ذلك كيفما شاءت . أتحول إلى بقرة سمينة أصابها إسهال حاد اثر انفلاونزة الأبقار , فصارت تستأنس بالروث والعذرة الطافحة حولها في كل مكان . اكتب بعد أن أتحول إلى امرأة أطفئت أنوثتها الوحدة القاتلة , ولما حاولت أن تدخل راعي إلى حقلها الوافر الثمار , وجدت مقتولة في مزبلة . اكتب كطفل اشعثه الزمن , وهده الجوع , يبحث عن لقمة في أكوام القمامة , بينما ملايين النقود تحرق في حفلة داعرة أو حرب وافرة . اكتب لأذهب إلى الجحيم . اكتب بحقد بنفسجي باهت , يجعل سادية الماركيز تخنث , مشرئب بكل أوحال الماسوشية . أستحيل إلى شمس ذكية تعرف كيف تنتقم , بان لا تشرق على الوجود . قبل أن اكتب , في أكثر الأحيان , أقف أمام المرآة وابصق على الصورة التي تنعكس فيها . فترد البصاق علي . فأصبح أنا هي , وهي أنا, وكلانا لا أنا . اكتب لأني ذئب هاجت نشوة أنيابه , فاخمش قلب الفريسة لحلاوة الدم . ويزعجني قبل عوائي القمر ,فانقض لابتلاعه , منهيا كسله البارد. اكتب لان كل شيء انتهى ونحن في عصر النهايات الكبير , لم يعد هناك من شيء جديد مثير مسلي , استنزفت الأشياء منذ عقود وبارت على خارطة العالم المزدحمة . حتى الضحك الشيء الوحيد الذي كان يدفعني للحياة , صار مستحيلا ونادرا. اكتب نكاية "بشكسبير" وسخرية ب"شو" . اكتب لرسم فأر ابيض , لإزعاج " القط الأسود " "لادغار بو" . اكتب لأني حشرة اشد بشاعة من "حشرة كافكا", لأني مسخا بشري . وحش بشري "زولي" بامتياز. حتى حينما لا اكتب على الورق , الشاشة , اكتب في كوابيسي التي يظهر فيها دوما مسخ يجبرني أن اكتب ما يتلوه علي . كانت أول تلاوة له في نهاية حياتي إذ بلغت التاسعة من عمري , كنت أتجاهله قبل ذلك . حتى عضني في احد الكوابيس , وبال في راسي في آخر , وذرق على صفحة وعيي الفارغة . عندها استسلمت وكتبت النص الأول , لو كنت مولعا بتقسيم النصوص كما عند البعض , لأسميت ذلك النص قصة روائية ذاتية شعرية متوسطة القصر جدا. وعلى إي حال ها أنا بلغت الآن نهاية عمري إذ تذكرت إنني في طفولتي . وكما تذكرين أرسلت إليك رسالة بالمقلوب , فاجبتي عليها بالعدل . واخترت حينها أن امسك العصا من المنتصف , والآن لا نقل الجواب الذي تنتظريه , هل سأرسل لكِ الخبز العراقي ؟ حسنا سيكون الجواب متعدد الاحتمالات , ولأذكر هذا الاحتمال فقط واترك أمر البقية سرا . أمسكت ورقة كتبت فيها إلى ..B.....L.....II.............CE...........42..
وأرسلت الطرد.
وفق هذا الاحتمال , ستستلمين الخبز العراقي في الموعد . لكن الأمر لم يحسم , حتى أن قمت بذلك بالفعل . إذ لعل الخبز سيكون محروق أو معجن , كما خفتي. وها أنت ترين أن حتى تأكيد احد الاحتمالات لا يقلص مساحة الشك , ويأتي بأرض اليقين . بل كل ما اخترنا احتمال , زدنا بذلك من توالد الاحتمالات كما تتوالد رؤوس التنين . وأخيرا أقول, كما قلت سابقا: حتى ذلك الحين سنرى ما الذي سيجري ..
(دود رخت)
2009
الرسم بحروف مسمومة
إلى الفنان عبد الحسين هاشم جبر, شاعرا ورساما
قبل التلوين
ماذا أقول بعد نقش الوجع المر في دهاليز النفس عبر شناشيل الحزن , الملتاث في ذكريات الجراح النازفة . هل هذا أوان البوح ؟ أم هو زمن السر المعلن ؟ كيف السبيل للاعتراف في جب السكوت ؟ عن ماذا تسال ولم تستفسر ؟ دعني بأوجاعي أتعكز صولجان الأمل . دعني طائرا مع العصافير , وإياك أن تنسى اني لازلت احتفظ بنصف فرشاتك بعد شجارنا على (جسر الصرافية) الذي أصر الأنذال على أن يشطروه نصفين كما شُطرنا , فأعد لي نصف قلمي , لأعطيك نصف فرشاتك حتى تعود لإكمال ملامح عجوزك الرهيبة , وأكمل بدوري ( كاتب ورسام سيرة ما جرى)
الأحمر سمهم الخبيث
قائلا منهم بشكل هستيري , هادئ حد الصراخ: انظروا إلى الدماء انها تسيل بشكل جارف . هل انتم خرسان ؟ لم لا تفتحوا أنوفكم لتروا لون الدم ؟ ما بالكم لا تصرخون , إلا تستشعرون الدم؟
متنطع آخر ينطلق بسرعة السلحفاة هاتفا : أيها الناس انظروا إلى الحمار الناصع الخضار , انه يلتاث بالأرض . لقد ذبحوا الناس . لم لا تكتبوا ؟ وحتى متى صمتكم؟ أن الضحايا يجزرون كحبات الطماطم . لاحظوا احمر احمر
يسرع الآخر وهو بائع الأسلحة يلطخ يديه بالأحمر : ياناس افتحوا صدوركم واخرجوا قلوبكم منها لتعلن البكاء والنحيب على هذا القدر . صدقوني أن النجاة في الحرب , إنهم يريدون الحرب .
بائع الطماطم : حرب نعم لتكن حرب . اشتروا الطماطم وحشو فوهات المناجيق بها, ليصبح كل شيء احمر احمر احمر.
الجمهور : نعم لا فض فيك احمر احمر احمر .
زبون : أعطني أربعة كيلوات أيها الطماطي الأحمر , أريد أن أسبلها للشيطان , فيجب أن يكون كل شيء احمر .
خلع التاجر نظارته مبتسما وأشار بيده نحو جموع من الصعاليك , اصطفت من ورائها أسراب الغربان : هيا يا أحبتي الأعزاء أريدكم أن تسحقوا اكبر قدر ممكن من صناديق الطماطم وتدوسوها بأرجلكم , يجب أن يرى الجميع أن لاشيء في هذا البلد الأحمر غير الأحمر . أنا افعل ذلك من أجلكم ومن اجل تاريخكم الأحمر . تدافع الصعاليك بسرعة احمر احمر احمر , عاش الأحمر مات الأبيض .
سعيد الحزين يرسم كلمات سوداء
أتذكر حينما اخذ يسرد حكاياته في زمن اغتيال الحكواتي . لازال طعم الرماد الذي يرشه على طعامه , المعد من نقانق الجرذان , بدل الملح في فمي . كان لا يرى , بل لا يريد أن يرى , غير الأسود . وحينما ولدت زوجته العاقر ابنه السادس , والذي جاء معاق . ليس سوى جسم بلا أطراف , شيء قريب من ذلك الرداء الأنيق الذي يلبس فوق القميص . وقد استبشر سعيد بشكل مشئوم وانخرط بالعمل الدءوب في مرسمه . أنجز حينها العديد من المعارض القبورية . ولا زالت صورة ذلك الطفل ماثلة أمامي , رغم السنين التي مرت عليها , لا تكف عن مراودتي في اليقظة والمنام . فاستحالت أحلامي الوردية , التي كنت اهرب فيها , في سالف الزمان , من بؤس الواقع ومرارته , إلى عالم خرائبي اشد من الواقع وأكثر مرارة . وظل الطفل وعائلته , والأفراد الآخرين , الذين دفنوا إحياء كما صورهم سعيد في مرسمه تستقطب كل موضوعات أحلامي . جثث بشرية مهروشة , عظام وجماجم عافها البياض , وادقعها الصفار والعفن . وظلت , بمنتهى القسوة والمرارة , يدا ذلك الطفل تحملان ( الدعابل ) تلك الكريات الزجاجية الصغيرة , اللواتي يعدن أغلى كنوز عالم الطفولة . أنجز سعيد النائح , في آخر الأمر , لوحات كثيرة لكرنفالات الدفن الجماعي , وانتهى من أرشفة تاريخها . لكن البداية ضاعت عليه . حتى التقى أخيرا بذلك اللافنان , وقد نطق فيه بكلمة يعجز عنها أعظم الفنانين أحيانا , الذي علم بأزمة سعيد المهموم , فأشار عليه ساخرا : لم لا ترسم ذلك القبر الجماعي الذي أسسه زعماء الإسلام , الذين يسميهم البعض ظلال الله في أرضه . حينما جزروا الضحايا وفصلوا رؤوسهم ودفنوا لاحقا في قبر واحد في صعيد كربلاء .
اعرف ألوانك
انظر إليك حينما ترسم , استشعر حجم الألم في أعماقك , وأتحسس نار العذاب المستعرة في وجدانك . أنت حزين فوق العادة لان ( أكاديمية الفن) لا ترحم . هي قررت بان من يرسم ( البورتريت ) يعتبر فنانا سوقيا , وهابط المستوى . بينما الواقع الثقافي يكذب ذلك , كما تعرف واعرف . وفوق هذا الإجحاف الذي ليس له ما يبرره أكاديميا سوى الأصولية , فللجميع أصولياتهم , وليس للإسلاميين وحدهم ذلك . كنت في عوز قاتل , في زمن الإرهاب والسعار الهائج . فمن يهتم بالفن حينما تصبح الثقافة الغائية , أبادية , دموية ؟ كنت ترسم وكأنك تحاول مقاومة البروتوكول السائد , جهد الإمكان . وكي تنقذ باقي الألوان التي جفت وتيبست عصاراتها , نتيجة رواج الأحمر والأسود . ومن جهة أخرى كانت عائلتك تريد الخبز وأطفالك تريد اللعب والمزاح بعد الشبع . فانخرطت برسم ( البورتريت) الذي ابتعدت عنه في السابق , مجاريا الواقع السائد . لكني جد سعيد بحزنك , وسعيد أكثر بالصور الشخصية زاهية الألوان , التي أنجزتها . بل لا أخفيك , أن تلك الألوان الزاهية للصور , بالإضافة إلى الورود التي زينت بها مع الشهيد الفنان ( س .ي ) ورودا متفتحة , تعط رائحتها خارج اللوحات , وكأنها بساتين من الزهور والكروم . لازالت رائحتها,التي امتصت كل عفونة الإرهاب والتنكيل , الذي صرع الضحايا بالعشرات في تجمع ديني اجتماعي في بغداد الحبيبة , تجتاح انفي وأنا أتجول في أروقة ( ندر لند ) البعيدة عن لوحتكما . لهذا أرى الشهيد ( س . ي) حيا لم يمت , واراك سعيدا رغم الألم .
احمل تابوت الألوان بترحالي
لم انس ولن أتناسى حيثما مضيت , ومهما تراكضت السنين . لا أتخلى عن متحف الواني المليء بالذكريات . كل الألوان عندي . العظام والجماجم , الشيوخ والأرامل, الرضع والعذارى , كلها محفوظة في حقائب عقلي ودفاتر مخيلتي . أنا , أنت , سعيد , ( س. ي ) , هم , انتم , نحن . بأدق التفاصيل وبازهد الأسعار . أتصدق باني أود أقامة مزاد سري لكل الأشلاء , حتى الأوردة والأمعاء؟ بل عندي أعضاء فريدة لم ولن تباع في أشهر بنوك الأعضاء البشرية . فهل سمعت بقطعة جسدية امتصت من فوق العين مع نصف الحاجب , وقليلا من شعر الرأس , وهي تتحرك ؟ وحقك لقد رايتها تتحرك . ومنذ نداء (الله اكبر) من احد المحزمين , الذي كان وسخ وأشعث , كما أسلافه , حسب الوصف الذي جاء من الذين رأوه قبل أن ينحر جسده العفن ويأخذ معه كوكبة من الأبرياء . كان عدد أجزائها المتناثرة , ستة وعشرون جثة تقريبا . تشظت إلى أجزاء صغيرة بعضها بصغر النواة, والبعض الذي سلم من التشظي كان كالمصفاة . إذ اخترقته كريات حديدية صغيرة يستخدمها المجاهدون , الشرفاء , في عبواتهم المصنعة في كل بقاع الدنيا . وترسل على شكل دفعات مجانية كهدية محبة لأبناء الرافدين . وحتى الآن لازالت تلك القطعة الفريدة تتحرك وتتقاطر دما عبيطا . لك فرشاتك وألوانك , دع الأسود لسعيد النائح , واستمر أنت برسم الأحمر . له مقابره الجماعية ولك تلك اللوحة العظيمة أتذكرها ؟ حين سألتك عنها بعد أن شعرت بوخزه غثيان بدأت من أسفل ظهري وتصاعدت نحو فروه شعري . قلت لي حينها انها بعنوان صراع (س) و (ش) . لقد بكيت أياما إذ كانت اللوحة الصاخبة والعنيفة بألوانها وإشكالها الغرائبية مختصرا موجزا لذلك الصراع المرير . لكم هذه الألوان ولي الواني , وصبرا أحبتي فان الصبح لناظره لقريب .
بساط الريح وبقايا سفينة غارقة
جلس وحيدا فوق التلة المخضوضرة الملتصقة بالبحيرة . التي لم ينجح عواء أمواجها في إخراجه من السأم والضجر. ظل يطوح برأسه ذات الوراء والأمام والأعلى واليسار, ولا يرى أي شخص من المجتمعين مع عشيقا تهم أو مع عوائلهم , وهو يطيح به إلى الأسفل. لم يكن مزاجه فضوليا للإجابة لذلك لم يستشعر أي رغبة في طرح سؤال ما. كان لا يشعر , بأن ثمة أمر خفي يستبطن الخارج . فقرر حينها أن يسمي شعوره ذاك ويصنفه تحت عنوان عام هو ( ذائقة الإلغاء) . إذ انه ومهما قلب حدقتيه وراقص حاجبيه بين جموع الجالسين والواقفين والسابحين , لا يراهم . كأنه يخترق ببصره أجسادهم الشبحية المزعومة الوجود. ولأن الريح كانت عاصفة وأمواج البحيرة متلاطمة بات من السهل عليه أن يشعر بالفراغ والصمت والركود داخل قوقعة الضجيج . كان لخارطة الهدوء المقرف ذاك تضاريس قاحلة سبخة, كما الجذع البشع ذو التقسيمات الغرائبية الملقى على حافة البحيرة من يمين اسفل التلة. أزعجه منظر الجذع بشكل غامض , فمع أن المياه تتماوج مدا وجزرا بالقرب منه الا انه غلف المكان بسكون وصمت مخيف , وبدا كوثيقة تاريخية لزمن متآكل من عمر الوجود المنصرم البقاء. لبط صبية لاعبون مع فتاة سمراء أمام الجذع بطوافاتهم الصغيرة , وهو يتابع حركاتهم التي استداروا معها إلى جهة اليسار. استدار بدوره ناظرا إلى أمام التلة , فقطع انسياب مراقبته العابثة حاجز طويل من الأنابيب البلاستيكية السوداء , صفت عموديا بينما انتصب من بدايتها أنبوبين قصيرين إلى الأعلى . من الجهة الأخرى عند نهاية الحاجز انتصبت أنبوب ثالثة بنفس الارتفاع. عبر بشروده الحاجز ممتدا إلى باقي المساحة النهرية الشاسعة وفوجئ فورا ببقايا شجرة تهيكلت في منتصف الماء. بدت من نفس الماركة المنتجة للجذع الملتصق على تراب الساحل بثقله وصمته . خلفها مباشرة أمتد حاجز آخر من الحجارة هذه المرة, مندفعا إلى أقصى يمين البحيرة الكبيرة . بينما ظلت مساحة منه مفتوحة لم يقطعها الحاجز الصخري . لأنها بوابة لمرور القوارب والزوارق منها إلى ضفة البحيرة الأخرى , التي عب غمارها الآن ستة زوارق مختلفة الأحجام . كان جزء من شراع أحد الزوارق, التي انفردت مسرعة بالسير نحو الأمام اللامتناهي, لازال يبدوا ظاهرا للعيان كسراب يتجه نحو كهف الأفق البعيد النهاية . كما انحرف زورقين باتجاه اليمين , ظل يراقبهما غافلا, حتى اختفت صاريتهما وراء الغابة الممتدة أمام التلة من وراء الحاجزين . على الحجري منهما ثمة نوارس وكرت لتستريح وهي تراقب بقايا الشجرة المهيكلة بعيون قلقة تنم عن خوف من المجهول أو عن ترقب مشؤوم لشيء ما. لم يتحرك شعوره بعد, ولم يتلمس أيما طعم من تغير أو فضول , أو اي شيء آخر. لازالت ذائقة الإلغاء هي الطافية فوق رمال فراغه المزدحم بالغثيان. أشاح بوجهه إلى أقصى يسار التلة عابرا الحاجزين والنوارس وهيكل بقايا الشجرة. استوجد في نهاية البحيرة من جهة اليسار بناية كبيرة ذات قباب حديدية وكأنها مفاعل صناعية , أو بناية لمختبرات كيماوية أو علمية ما. الى يسارها انفردت بناية أخرى ذات نتوء أسطواني يشبه التنور الطيني الكبير, بفوهة ضخمة. ارتفع إلى جانبها أنبوبان حديديان بنفس الطول , وأمامهما ثلاثة أنابيب أخرى مفضضة أقصر طولا من السابقتين. لاحت له , أقصى يسار هذه البنايات , طواحين ثلاثية تدور بأذرعها من اجل توليد الطاقة الكهربائية . تسمر دائرا بنظره مع مراوح الطواحين العملاقة هبوطا وصعودا , حتى مر قارب طويل ومنخفض بشكل ملفت من أمامهن. لم يكن للقارب أيما لون من ألوان الحياة كان بلون الصدأ ليس الا. عاد من صدأ القارب إلى بقايا الشجرة المهيكلة ومنها عاد بأدراج نظره إلى الجذع الصغير الملتصق بحافة البحيرة. كان لازال بنفس ركوده ولا مبالاته على رغم تكاثف الريح وزيادة التلاطم الموجي بالقرب منه. ظل هو أيضا صامتا وراكدا ولا يبدو انه يتحرك الا من خلال خصلات شعره الطويل والتي بدأت تتراقص يمينا وشمالا متشابكة فوق عينيه , وتدخل بعضها بين شفتيه فيشعر بها مع ريقه حينما يبتلع لعابه من الجفاف. قلب نظره بين الجذعين وهدير البحيرة يزداد صخبا ونباتات التلة تترنح بقوة . كما اخذ الشر شف الأبيض المنطرح تحت جسده النحيف يصرخ بجنون , على رغم انه ثبته بثقل الأغراض التي كان يحملها داخل حقيبته السوداء , وكأنه على وشك أن يقلع نحو السماء . لم يخلع بنطاله لأنه بلا سروال داخلي , فاكتفى بخلع الفانلة و لفها على خصره . تاركا هاتفه النقال إلى جانبه وهو ينشج بموسيقى شرقية شجية . تصاعدت الرياح بشكل اشد عنفا مما كانت عليه , وشعر بأن ثمة شيء غريب ينتظر على عتبة الآتي العاصف. لفت انتباهه أن بقايا الشجرة المهيكلة بدأت تختض قليلا , وتمثلت له كسفينة مغرقة يود البحر أن يلفظها , بينما أخذت تتماوج ببطء . أنزعج الناس الذين كانوا يتناثرون كما يزعم نظره من حوله . هبوا أخيرا لتجميع أغراضهم حيث أن الريح أصبحت انتزاعية وحشية , قد تأخذ كل شيء مع زوبعتها المخبولة . خيل أليه , أو هكذا كان فعلا , أن الجسر الصغير المحدودب على يمين البحيرة يترنح , وتصاعد فحيح شجيرات الغابة من وراء التلتين بشكل مرعب . أفزع النوارس التي تحالقت مذعورة وكأنها لا تعرف الطيران حينها , إذ كاد نورسين أن يصطدما ببعضهما . وابتدأ بغتة الذعر الهائج للركض البشري , عثر أحد الأشخاص بالجذع الصغير فتحرك قليلا ورفسه أخر حتى اندفع على حافة البحيرة . ثم تزايدت زوبعة الرياح المخبولة بشكل اشد وطأة من الدقائق القليلة الماضية. وبرفسة الريح القاضية اندفع الجذع لا يدري إلى أين يتجه في حيرته المباغتة تلك, فتلقفه فك البحيرة المفترس فورا . أشتد الترنح بعد أن بدأ الصراع المائي عنيفا يبتلع الجذع مرة وينجح المسكين في تخليص نفسه مرة ثانية, قبل أن يهضمه الموج بالكامل ويأخذه داخل أحشاء الغرق. في ذروة صراع التحدي ذاك تمسك الجذع بمخالب قوة بقائه , ببقايا جذع الشجرة المهيكلة. كان الناس قد غادروا كلهم تاركين آثارهم من القبعات التي ملئت الأفق وبعض الأشياء التي انتشرت متقافزة من جهة إلى أخرى بركلات الرياح والتصقت بعض المفروشات والملابس الداخلية على الجسر المترنح الذي بات واضحا انه لم يستطيع مواصلة الصمود. كان هو بنفس صمته وسكونه مع أن شعره تراقص بشدة مندفعا نحو الأمام ولم تظل منه ولا شعرة داخل شفتيه . الشرشف لازال يتعاصف من تحته واخذ هو الآخر يتماوج فوق طين التلة . استقر الجذع واقفا في منتصف بقايا الشجرة المهيكلة , اذ تشابكت أغصانه مع أغصانها واتحد معها, مكونا سفينة غريبة الأطوار. ترنحت وسط البحيرة خائرة بأزيز حاد وفحيح الأشجار يمدها بالزوابع من فوق الغابة خلفها . اقتلعت أخيرا من مكانها وتماوجت قليلا فوق سطح البحيرة وبدأت الرياح المجنونة تشفط الأمواج فتنزعها من مكانها نحو الأعلى وهكذا أخذت السفينة تتقافز . طار البساط اخيرا مع كل الأغراض واستقر وسط السفينة التي طارت فجأة نحو الأعلى بعد أن هبت زوبعة ثقيلة الوطأة . رأى من علوه البحيرة وكل السفن والزوارق والبنايات المختبرية وبقايا بشرية لا تزال تتراكض باتجاه السيارات على مسافة بعيدة من البحيرة . والسفينة تعب عمق السماء وهو يشعر بخفة عجيبة وكأن كل الكون يمر من تحت ناظره كما النمل الصغير, وهو جالس على بساطه الطائر في وسطها. بينما لازال شعره يتطاير , وقد أحاطت به النوارس من كل اتجاه . التفت باسما للتلة التي بدت له ساكنة وديعة من ذلك العمق المرتفع, ومياه البحيرة لا يبدو منها غير الصفاء وقد ازداد لمعانها ...
2009
سخرافن ديل


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك