الدراويش يعودون إلى المنفى
عدد مرات المشاهدة :12717 - 05/ 9/ 2007
ابراهيم درغوثي
الفهرس
قبل البداية
الباب الأول : درويش يشتري قدر حاتم الطائي
الباب الثاني : بدأ الخليقة .
الباب الثالث : سفينة نوح تغادر الميناء .
الباب الرابع : البراق لا يحط في المطار .
الباب الخامس: ملصق دعاية على تفاح تركيا .
الباب السادس : حفل عشاء عند ملك الحيرة.
الباب السابع : بطاقة تفتيش لدى الأنتربول .
الباب الثامن : الثعابين .
الباب التاسع : موجز لجامع كرامات الأولياء
الباب العاشر : هل تكفي رصاصة واحدة لثقب السماء .
الباب الحادي عشر : دريش يعود من المنفى .
الباب الثاني عشر : صاحبة الكهف .
الباب الثالث عشر : النجوم التي إنكدرت .
بعد النهاية
الباب الأول : درويش يشتري قدر حاتم الطائي
الباب الثاني : بدأ الخليقة .
الباب الثالث : سفينة نوح تغادر الميناء .
الباب الرابع : البراق لا يحط في المطار .
الباب الخامس: ملصق دعاية على تفاح تركيا .
الباب السادس : حفل عشاء عند ملك الحيرة.
الباب السابع : بطاقة تفتيش لدى الأنتربول .
الباب الثامن : الثعابين .
الباب التاسع : موجز لجامع كرامات الأولياء
الباب العاشر : هل تكفي رصاصة واحدة لثقب السماء .
الباب الحادي عشر : دريش يعود من المنفى .
الباب الثاني عشر : صاحبة الكهف .
الباب الثالث عشر : النجوم التي إنكدرت .
بعد النهاية
" لقد أقض مضجعي منذ الطفولة ذلك الشيء الذي نستطيع تسميته باللاعلاني".
شتراوس"
" الأسطورة و المعنى
" الأسطورة و المعنى
قبل البداية
لم أكن أريد قبل هذا اليوم كتابة هذه الرواية ، لأنه و كما تعلمون ، و منذ أن أحرق الرعاع في مدن و قرى الأندلس كتب إبن رشد و إتهمومه بالزندقة و الكفر و إلى أن حكم " علماء" الأزهر بحرق كتاب "ألف ليلة و ليلة" في قاهرة المعز في أواخر القرن العشرين بتهمة إفساد الذوق العام و أنا أخاف القلم و القرطاس.
و لكن درويشا هددني بالقتل.
قال : إن لم تكتب هذه الرواية سأقتلك شر قتلة "
و قال: " سأضعك داخل جلد حمار و أضرم فيك النيران"
قلت : هي أضغاث أحلام
لكن بدني ظل يضطرب طوال ذلك اليوم.
في الليلة الثانية عاود التهديد
قال : "سأضعك في فتح باب و أسد عليك بالجص و الآجر و أنت حيُ"
ثم تدارك معوضا:" الجص و الآجر" بالإسمنت المسلح.
و لكم أن تتصوروا مدى الرعب الذي يمكن أن ينتاب شخصا يبنى عليه داخل حائط بالآجر و الإسمنت المسلح.
تأملوا الحائط وهو يرتفع حد الركبة.
ثم حد الفخذ، فالبطن، فالصدر، فالعنق.
أنظروا الخوف في العينين ،
و التوسل في الشفتين،
و العرق الذي ينز فوق الجبين،
ثم الظلام الأبدي.
تخيلوا معي خزانة في حائط تصبح قبرا بلا شواهد، و لا " يرقد هنا جثمان المغفور له"...
و لا : "أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي ادخلي جنتي"
و لا سورة الفاتحة و لا يس".
عندما أفقت من نوم تلك الليلة الثانة، إقشعر بدني، و خفت حد الجنون، و هجرت الفراش حتى الصباح و أنا أتمتم مستعيذا بالله الواحد الأحد القوي الصمد و من كل شياطين الدنيا و الآخرة.
و مر اليوم و أنا على أسوأ حال.
و جاءت الليلة الثالثة.
كنت جالسا على حافة السرير حين دقت ساعة الحائط الثانية بعد منتصف الليل.
قلت لن أضع جنبي على الفراش و لن أمكن درويشا من تعذيبي مرة أخرى.
و دقت ساعة الحائط ثلاث دقات.
و جاء درويش، جلس بجاني على الفراش و قال : "ما رأيك لو أحكي لك هذه الحكاية"
لست أدري كيف سبق لساني قلبي و قلت له: "إحك"
قال :" يحكى عن تعذيب أمير المؤمنين القاهر لمعارضيه أنه كان يأخذ الرجل منهم فيأمر بتقييده ثم يأمر بأن تحشى أذناه وخيشومه بالقطن و توضع المنافخ في دبره. فإذا صار كالزق المنفوخ و ورمت سائر أعضائه و برزت عيناه ، سد دبره و يضرب في عرقين فوق الحاجبين، فعند ذلك يخرج منهما الريح و الدم ، و لهما صوت و صفير حتى يخمد و يتلف..."
ثم أضاف : إن لم تكتب حكايتي صرت القاهر و صرت سجيني"
سامحوني .
لم أقل لكم منذ البداية أن درويشا هو بطل هذه الرواية العجيبة و الغريبة و التي لو كتبت بالإبر على مآقي البصر لكانت عبرة لمن يعتبر، على رأي الست شهرزاد.
و في اليلة الرابعة ، سمعت دقا خفيفا على الباب.
ما رأيك صديقي القارىء ؟ هل أفتح الباب للطارق ؟ سأزيدك إيضاحا : حين سمعت الدق على الباب كان المؤذن يصيح : ( لست أدري هل هو صوته الحقيقي أم هو تسجيل على "كاسيت") الصلاة خير من النوم يا عباد الله.
- نعم . إفتح الباب.
- سأفتحه و ستكون الشاهد.
بالطبع و كما توقعت، و كما في الحكايات الأخرى كان الطارق درويشا.
دفع الباب بأدب ، ثم طلب أن يشرب.
أعطيته كوكا كولا باردة.
شربها (في الصباح وجدت علبة الكوكا كولا فارغة في وسط الغرفة)و ربت على كتفي و طلب مني بهدوء شديد ( و كأنه يطلب شربة ماء) أن نطير إلى مدينة سر من رأى لنحظر محاكمة القرامطة.
قلت مفزوعا :" و ما شاني بالقرامطة؟"
قال : لا أقبل من أحد أن يناقشني في قرار إتخذته".
ثم مسح على عيني بيده فوجدت نفسي في مدينة سامراء.
في عام 291هـ الموافق لـ903م قبض على صاحب الشامة. وهو أحد قواد القرامطة، فعزم الخليفة على أن يشهره حتى يراه الناس جميعا.
وصلنا إلى المدينة ( أنا و درويش) و مكبرات الصوت تطوف بالشوارع و تدعو الناس إلى حضور عملية الإشهار.
أغلق التجار مستودعاتهم و غادرت النسوة الدور و القصور، و سيق العبيد بالسياط و جاء علية القوم فوق الخيول و البغال و تجمع الخلق (كما في يوم الحشر) في ساحة واسعة.
و جاء "صاحب الشامة" مصلوبا على دقل على ظهر فيل.
صاح حرس الخليفة:
الموت للخائن ؟
عاش مولانا خليفة رسول الله.
عاش أمير المؤمنين قاهر الطغاة و الظالمين.
و سار بين يدي الخليفة الأسرى مقيدين على جمال. و عليهم برانس من حرير بأذناب الثعالب و جلاجل و نواقيس ترن.
و كان بينهم "المطوق" أحد أصحاب القرمطي. وهو غلام لم تنبت لحيته. و قد جعلت في فمه خشبة مخروطة ألجم بها فمه، ثم شدت إلى قفاه كاللجام لئلا يتكلم.
سألت عن الشاب من يكون.
فقال درويش : "هو طرفة بن العبد. وهو شاعر القرمطي".
قلت : "و لكن طرفة مات مقتولا في العهد الجاهلي".
قال : "لقد أحياه صاحب الشامة ليمدحه و يسب بني العباس من السفاح حتى المكتفي ثم ليقتل مرة ثانية معه ثم يعود للحياة مرة أخرى و يلبس صورة معينة بسيسو أو بابلونيرودا".
ثم أمر المكتفي ببناء دكة إرتفاعها عشرة أذرع لقتل القرامطة. فقطعت أيديهم و أرجلهم و ضربت أعناقهم واحدة بعد واحدة. و كانت ترى جثثهم و أعضائهم من أعلى الدكة إلى الأرض.
و الحلقة تضيق حول "صاحب الشامة" حتى تكاد تخنقه و تمنع عنه الهواء.
و درويش يسر في أذني : "إذا لم تكتب الرواية سيكون مصيرك هكذا أعود بك إلى القرن الرابع هجري و أصيح : هذا الرجل من القرامطة أضرب عنقه أيها السياف"
ثم قدم "صاحب الشامة"، فقطعت يداه و رجلاه.و أضرمت نار عظيمة. و أدخل فيها خشب صليب. و كانت توضع الخشبة في خواصره و بطنه وهو يفتح عينيه و يغمضهما حتى خشيى عليه أن يموت فضربت عنقه و رفعت رأسه في خشبة و صلب بدنه على الجسر الأعلى بساحة النصر.
و ظل درويش يهددني في كل ليلة إلى أن مر إلى التنفيذ
إستيقظت ذات صباح و إذا يجرح في عنقي ..
جرح كبير..
من الوريد إلى الوريد..
و خياطة الجرح مازالت طرية ..
و بقايا الدم في عنقي،
و على قميص نومي،
و فوق شرارف سريري
قلت : هي نهايتي إذن .
و ترقبت الليلة الموالية ...
في الليلة التي تلت ليلة الذبح جاءني درويش و بيده مسدس مطبوع فوق جلده (المسدس مغلق بجلد تمساح )Made in USA
و قال : "إن لم تكتب الرواية هذه المرة أسكنت في جمجمتك رصاصة أميركية"
قلت : "يا صاحبي أنا لست رجل علم و أدب. كل ما في الأمر أنني كاتب هاو لي بعض المحاولات في القصة القصيرة و الخواطر التي لم يلتفت إليها حتى نقاد الدرجة الثالثة".
قال : "لهذا إخترتك فأنا لست في حاجة إلى واحد من الكتاب " الجهابذة" لأنني متأكد من أنه سيفسد خططي للقصة . أنا في حاجة إلى واحد من أمثالك مازال في بداية الطريق . أكيفه حسب إرادتي و أملي عليه ما أريد و أمسح خطه إذا تجاوز الحد و أضربه بالكف و" الشلوت" إذا تمرد على إرادتي . هل تسمع ؟"
قلت : "أسمع، و زيادة".
قال : "إذن ستكتب الرواية"
قلت : "أكتب و لكن ماذا سأكتب و أنا لا أعرف عن موضوعها شيئا ؟"
قال : "هذا الأمر لا يهمك سأتولى الإملاء و ستتولى النسخ ليس إلا".
و غاب عني مدة ثلاث ليال، نمت خلالها نوما عميقا من آذان المغرب حتى شروق الشمس.
كنت في تلك الليالي أنام كالميت و لا أفيق إلا و ناقوس المنبه يرن في اذني فأرمي الغطاء و أثب كالملسوع . ثم يعاودني الهدوء فأتكئ على حافة الشباك و أبتسم لشمس الصباح الجديد.
في الليلة الرابعة من التقويم الجديد نمت كالعادة عند أذان المغرب قلت في نفسي – كما في كل ليلة-: أسبق الظلام إلى الفراش.
أطفأت فانوس الكهرباء و قرأت "آية الكرسي" و غبت عن وعيي ( أريد أن أهمس في آذانكم بأنني كنت في اليالي السابقة أبلع حبات " دواء" نصحني بها صيدلي من أصدقائي عندما حكيت له عن الأحلام المزعجة التي كانت تملا رأسي كلما إرتميت على السرير).
في هذه الليلة قلت فالأجرب عدم أكل حبات " الدواء" خوف الإدمان ودرءا للشبهات. و أنا بطبعي رجل جبان أكاد أخاف من ظلي في بعض الأوقات.
لست أدري كم من الوقت نمت.
لا أجزم بشىء
ما أستطيع تأكيده فقط هو أنني رأيت " لمبة" الكهرباء مشتعلة فوق رأسي و درويشا جالسا في فضاء الغرفة.
قال : "إستيقظ يا أخي ألم تشبع من النوم ؟"
صفعني كلامه و خبطني كما تخبط رزمة من الهواء البارد الوجه في يوم قر.
و أفقت.
جلست على حافة السرير متحفزا فأشار بيده إلى جهة بالغرفة كانت توجد بها طاولة أستعملها في العادة عند كتابة الرسائل .
رأيت فوق الطاولة رزما من الكتب المجلدة و السميكة.
قال : "هذه الكتب ستعينك على كتابة الرواية".
قلت : "ماذا ؟ هل سأقرأ هذا الجبل من الأوراق"؟
قال : "نعم. و في أسرع وقت. ثم لا تخف ساجعلك تقرأ في اليوم الواحد ما كنت تقرأه خلال الشهر و الشهرين" .
و ذاب في الهواء.
في الصباح عندما دق جرس المنبه رميت عني الغطاء والتفت بدون شعور مني ناحية الطاولة.
رايت فوقها رزم الكتب المعروضة تبرق حروفها الذهبية كعيون القطط.
إنتفضت كالملسوع و جريت إلى ركن الغرفة حافي القدمين ، تصفحت الكتب و قرأت عناوينها :
- القرآن .
- التوراة .
- ألف ليلة و ليلة .
- تاريخ التمدن الإسلامي.
- عيون الأنباء.
- مروج الذهب.
- تاريخ الإسلام .
- الحضارة الإسلامية في القرن الرابع هجري.
- مثنوي جلال الدين الرومي.
- فوات الوفيات ووفيات الأعيان .
- البصائر و الذخائر.
- طواسين الحلاج.
و وجدت داخل علبة مغلقة بالحرير و مزركشة بخيوط الذهب كتابا في مجلدين : جامع كرمات الأولياء للعلامة الشيح يوسف النبهاني نفعنا الله ببركته .
جلب إنتباهي هذا الكتاب فبدأت بقراءته .
كنت أمر على الأسطور بسرعة عجيبة ادهشتني و لم يمض نصف يوم حتى كدت آتي على ذلك الجبل من الورق.
طوال ذلك الوقت لم أحس بالجوع و لا بالعطش . كنت أقرأ بنهم و كانت نسائم تعبق بروائح حسنة تملأ الغرفة. و كنت أحس و كأن نهرا من العسل يجري داخل حلقي إلى أن سقط الظلام فوق الطاولة و لم أعد أميز الحروف.
ساعتها فقط عرفت أنني أمضيت يوما كاملا في المطالعة. قمت خفيفا فأضأت الغرفة و ذهبت إلى المطبخ شويت شريحة من اللحم أكلتها مع قطعة من الخبز و شربت أربعة قوارير جعة و خرجت إلى المدينة.
الأضواء تملأ الشوارع .
و المغازات و المقاهي مكتظة بالزوار كأن الدنيا في عرس . قصدت قاعة سينما و سهرت هناك حتى منتصف الليل ثم عدت إلى شقتي خفيفا كطائر السنونو.
تمددت فوق السرير و نمت.
كم من الوقت مر و أنا نائم ؟
ليلة واحدة ؟
ثلاث ليال .
سبع ليال .
شهر قمري .
ثلاث مائة و تسع سنين (كأصحاب الكهف ) .
ربما...
لكن الأكيد هو أنني عندما أفقت من النوم ذات صباح كان رأسي ثقيلا و كبيرا حتى أنني لم أكد أزحزحه من مكانه .
قمت أترنح.
فتحت النوافذ فدخلت أحزمة الضوء إلى الغرفة و حطت فوق الطاولة . لم أجد الكتب هناك.
جريت إلى الباب . كان الرتاج في مكانه .
عدت مرة اخرى إلى الطاولة فوجدت أوراقا مبعثرة فوقها و بين أرجلها و على أرضية الغرفة حتى أنني في إندفاعي ناحية الباب دست على بعضها ، فتمزقت .
جمعت الأوراق و رتبتها حسب الفصول و الأبواب .
ثم بدأت أقرأ.
إنهمكت في القراءة صباح ذلك اليوم .
و في الصباحات الموالية.
حصلت لي فكرة على محتوى الأوراق ، و تذكرت درويش الليالي السابقة .
ما كنت أحلم إذن . و هذه الحكايات هي الرواية التي طلب مني درويش كتابتها.
قد يقول بعضكم ما هذه بالرواية .
إنها كذبة.
خرافة يحكيها حشاش .
والدليل على ذلك هذا الخبط ذات اليمين وذات الشمال حتى أنه يصعب عليك في بعض الأحيان الربط بين ما كنت تقرأه في الصفحات السابقة و الاخرى التي تليها .
و درويش صنيعة الكاتب ، إننا لم نفهمه .
هل هو بهلول كبقية الدراويش العاديين، يكلم الجن و يمشي على الماء و يأكل العقارب و يمتطتي الاسود و يطوي المسافات طي السحاب ام هو نوع جديد من الدراويش ؟
درويش- فدائي يقوم بالأعمال الإرهابية ، يفجر السفارات و يخطتف الطائرات و الرهائن .
و البقية ، نمرة و طائرات الورق و فرنسوا مارتال و عبدو و إبراهيم الخليل و نمرود و قطر الندى و آدم و البراق و ملك الحيرة و آبار النفط و السياح الأمريكان الخ ...
لقد شتت أفكارنا هذه الشخصيات الغريبة، و لم ندر أين نضعها، في الميثيولوجيا أم في الواقع الأغرب من الميثيولوجيا ؟
قد يقول بعضكم هذا و أكثر، و لكنني أقول لكم يا أحبائي إن كل ما في هذه الرواية هو حقيقة الحقيقة.
فيها ما عشته بنفسي و انا أتنفس الهواء و أشرب الماء و آكل و أتغوط و أمارس الجنس .
و فيها ما قصه علي درويش في تلك الليلة أو الليالي التي تلت اطلاعي على المجلدات التي وجدتها فوق الطاولة .
شئ واحد . أريد أن تعذروني و أنتم تقرؤون هذه القصة .
لا أريد أن تتهموني بالسطو على بعض الكتب التي ذكرتها لكم في بداية هذه الحكاية ، فقد هددني درويش أكثر من مرة عندما طلبت منه إعفائي من نسبة بعض ما ورد في تلك الكتب إلى نفسي. قلت هددني بالقتل و تقطيع أعضائي . فكنت في كل مرة أمتثل لأوامره خوف التنكيل بجسدي و ها أنا أعترف لكم الآن و أنا في كامل مداركي العقلية بذلك لهذا لا تشتكوني إلى لجان المحافظة على التراث الكريم بتهمة السطو و السرقة مع سابق الإضمار و الترصد.
"الأسطورة الشعبية تخلق الكون الذي يدفع تلك العناصر التي نسميها إنسانية أو طبيعية أو فوق الطبيعة إلى الإنخراط في لعبة تبادل و تحول هائلة لكنها دقيقة التفاصيل.
الفكر الأسطوري لا يقدم آلهة أو بشرا في وضع من التضاد و التعارض. إنه يؤله الإنساني و يؤنسن الالهي".
ميشال زيرافا
"الأسطورة و الرواية"
الفكر الأسطوري لا يقدم آلهة أو بشرا في وضع من التضاد و التعارض. إنه يؤله الإنساني و يؤنسن الالهي".
ميشال زيرافا
"الأسطورة و الرواية"
الباب الأول
درويش يشتري قدر حاتم الطائي من "السوبرماركت"
درويش يشتري قدر حاتم الطائي من "السوبرماركت"
حدتني يحي بن عقاب قال :
"رأيت قبر حاتم طيء ببقة وهو أعلى جبل ، و له واد يقال له الخابل ، و إذا قدر عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر، وهي من القدور التي كان يطعم فيها الناس . و عن يمين قبره أربع جوار من حجارة . و على يساره أربع جوار من حجارة . كلهن صاحبة شعر منشور. متحجرات على قبره كالنائحات عليه . و الجواري بالنهار كما ذكرنا . فإذا هدأت العيون . إرتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه. و نحن بمنازلنا نسمع ذلك . إلى أن يطلع الفجر. فإذا طلع الفجر سكتن و هدأن . و ربما مر المار فيراهن . فيفتتن بهن فيميل إليهن عجبا بهن . فإذا دنا منهن وجدهن حجارة".
المسعودي
"مروج الذهب"
"رأيت قبر حاتم طيء ببقة وهو أعلى جبل ، و له واد يقال له الخابل ، و إذا قدر عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر، وهي من القدور التي كان يطعم فيها الناس . و عن يمين قبره أربع جوار من حجارة . و على يساره أربع جوار من حجارة . كلهن صاحبة شعر منشور. متحجرات على قبره كالنائحات عليه . و الجواري بالنهار كما ذكرنا . فإذا هدأت العيون . إرتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه. و نحن بمنازلنا نسمع ذلك . إلى أن يطلع الفجر. فإذا طلع الفجر سكتن و هدأن . و ربما مر المار فيراهن . فيفتتن بهن فيميل إليهن عجبا بهن . فإذا دنا منهن وجدهن حجارة".
المسعودي
"مروج الذهب"
كان جالسا أمام الموقد ، مادا رجليه تحت القدر، و نيران جهنم تلتهم الرجلين ، تأكل من الحم و العضم ، وهو يتدفأ . يفرك اليد اليمنى باليسرى ، و يتدفأ متلذذا ، و يضع من حين لآخر قطع الحطب يؤجج بها النيران ، و اللهب يصبح بلون الشمس ، والبخار يتصاعد من القدر ،والرجلان تشتغل فيهما النيران ، ويشتغل في وجهه نور الشمس فيعكسه في كل الإتجاهات .
و يصبح وجهه مرآة تشتعل فيها كل شموس الدنيا.
قيل : هذا درويش العائد من غربته ليلة السادس عشر من الشهر الفائت حين إكتمل القمر في سمائه.
ترك حصانه يرعى في الجبل و جاء إلى هذه الساحة. بات ثلاث ليل بدون طعام ترك الصدقات جانبا: صحون الكسكسي، و قدور المرق ،و البطاطة المقلية ، و البيض المسلوق، و الخبز، و التمر. قال إن الدنيا كانت تأتيه على هيأة عجوز و تحمل إليه في كل ليلة رغيفين و كوز ماء ،و تكنس الساحة،و تسامره حتى أذان الفجر، ثم تذهب.
في اليوم الرابع سأل عن "السوبرماركت" ،نطقه هكذا ،بلكنة أمريكية، فدله على الطريق واحد من الصبية العائدين من المدرسة، و أعطاه العنوان : امش سيدي حتى نهاية هذا الشارع ثم در يمينا و لا تتوقف حتى يتقاطع شارع الحرية مع شارع الإستقلال هناك على يسارك ستجد بناية كبيرة ذات ثلاث طوابق ، إنتبه و أنت تشق شارع الحرية فقد مات هناك خلق كثير.
شكر الصبي ، و أعطاه كيس دنانير ذهبية مرسوم على وجهها صورة الإمبراطور رونالد ريغن ، و مكتوب على قفاها: "ضربت في عهد الخليفة الناصر لدين الله" .
ومشى في الشارع الطويل إلى أن صفعته البناية ذات الطوابق الثلاثة. وقف أمام الباب البلوري و دهش عندما انفتح الباب وحده و دلف إلى داخل قاحة فسيحة ملأى بالكؤوس البلورية و السكاكين و الملاعق و أجهزة التلفزيون و الطبخ و الراديوهات و قوارير العجة و "الجوني ولكر" و علب المشروبات الغازية و ثياب الأطفال و اللحم المصبر و قمصان النوم الحريرية الحمراء و الوردية و البنفسجية و مضارب كرة التنس و قدور الألمنيوم في أحجام مختلفة و الكراسي و الطاولات و بنادق صيد . و أحس بالدوار، فأخرج من جرابه كيس الدنانير الذهبية . عد عشرة ، أعطاها للبائع ، و طلب قدرا . قال :"قدر من الألمينيوم من فضلك . هذه القدر الكبيرة" . حول البائع نظراته بين الرجل و الدنانير الذهبية . و اشتعل الذهب في وجهه فبحث عن السلم . ارتقاه مرتعشا. أنزل قدر الألمنيوم الكبيرة . لفها بسرعة . و مدها للرجل. قال درويش : هذه قدر حاتم طيء.
و لم يفهم الرجل قصده . تركه واقفا يحتضن القدر و ذهب إلى "الكاسة". أخرج من صندوقها قطع نقود نحاسية . عدها و مدها إلى هذا الشاري الغريب الذي يقايض الألمنيوم بالذهب.
و إبتعد وهو يلتفت في كل الإتجاهات ...
و عاد درويش إلى الساحة وهو يحمل قدر الألمنيوم ، و وضعها فوق ثلاث صخور، و أشعل النيران في رجليه ، و جلس يطبخ الماء و الحجر. تجمع الأهالي حوله ينظرون . خالطت نظراتهم الدهشة و الخوف تشجع بعضهم إقتربوا أكثر. مدوا أيديهم فما أحسوا بلسعة النار.
قالوا : "نار درويش لا تحترق".
و تركوه و عادوا إلى منازلهم .
و جاء الصغار. حاموا حول الموقد وجلين فنداهم ، أو هكذا خيل إلى الصغار. ذهبوا قربه فتناول الجواهر و الدنانير الذهبية من السماء ، وضع الجواهر في كيسه ، و نثر الدنانير في الهواء . تخاطفها الأطفال و طاروا إلى السوق . اشتروا طائرات من ورق و رجعوا إلى الساحة.
أعادوا إلى درويش باقي النقود ، قطع صغيرة من النحاس . قلبها في يده و ضحك.
قال : "سأبني هيكلا ها هنا ، أعلم فيه الأطفال السحر و قيادة الطائرات الورقية ،
و نطير حتى المنتهى ،
حتى المنتهى" .
و مرت أيام.
و مر أسبوع .
و مر شهروشهور.
و مر دهر ،
مرت دهور،
و درويش يترقب مجىء الرجال ،
و الرجال توسدوا نهود النساء، و ناموا.
رأوا درويش يمشي على الماء.
و ناموا.
و رفعوا رؤوسهم مرة فإذا برجل جالس في الهواء و في يده سلسلة من ذهب فيها كوز من ياقوت أحمر و درويش يشرب و يقول : "هاكم اشربوا ماء أطيب من المسك ، و أبرد من الثلج، و أحلى من العسل". و الرجال يقولون : "نار درويش لا تحرق" .
والكلاب ما أعياها النباح .
و الأطفال لم يتعبوا من الجري تحت القمر.
و طائرات الورق مازالت تطير.
و الرجال يقولون : "من يفك عن أطفالنا سحر هذا الساحر" ؟
و يذهبون إلى شيخ القبيلة .
و شيخ القبيلة في خيمته يتنصت لطنين مكيف الهواء .
و الرجال يستأذنون من الحاجب في الملوث بين يدي الشيخ.
و يحرك الحاجب رمحه و يتنحى عن الباب .
و يقول للرجال : "النجدة يا أمير المؤمنين" .
طائرات من ورق يقودها أطفال المدارس – يجرونها من تحت بخيوط من البلاستيك – تطير كل يوم فوق القرية من الصباح إلى المساء . و نحن خائفون يا مولانا أن تقصف الطائرات القرية" .
و يصاب الشيخ برعدة . و ينفجر غضبا : "هاتوا اللاسلكي".
و يصيح : "الله الله يا خليفة رسول الله أنجد جنود الإسلام بطير من أبابيل" .
و تخفت خشخشة اللاسلكي فيتفرق رجال القبائل . و النيران تشتعل في الموقد تحت قدر الألمنيوم ، و الأطفال يصيحون في الساحة ،
و البرقيات تصل تباعا إلى الخليفة ،
و الكلاب تهر،
و النيران تشتعل في رجلي درويش ،
و الناس يحكون عن أموات القرية الضاحكين على المغتسل . ضحك الأموات فلم يجسر أحد على غسلهم ، فتكدسوا في ثلاجة المستشفى.
و مدرس التاريخ يحكي للأطفال عن إبراهيم الخليل قال : هل تعرفون قصة إبراهيم الخليل يا أولاد ؟"
قالوا : "لا".
قال : " جمع النمرود في بابل حطب الدنيا كلها و أشعل نارا أحمى من الشمس و ألقى فيها إبراهيم".
قالوا : "يا الله ما أقسى قلبه".
قال : "و خرج إبراهيم من النار و لم تحترق سوى قيوده" .
قالوا : "عجيب ".
قال : "لا تتعجبوا يا أطفالي . و عودوا إلى الساحة . اركبوا طائراتكم ..طائرات الورق ، و طيروا".
ما أجمل أن يطير الأطفال فوق طائرات من ورق ، حتى المنتهى"
الباب الثاني
بدء الخليقة
بدء الخليقة
كان السائح الفرنسي الجنسية فرنسوا مارتال يزور قريتنا مرتين في العام الواحد رحلة الشتاء و الصيف
فرنسوا مارتال كاد يفارق سن الشباب ، إلا أن بنية جسمه مازالت شديدة ، فهو طويل ، ذو كتفين عريضين ، و وجه حليق دائما كوجوه القدسيين المعروضة في أيقونات الأدرية القديمة . و كل ما يلفت الناس إليه أكثر من غيره مشيته ، و بروز صدره - قيل و لله أعلم أنه يضع حمالتي نهود – و رجرجة ردفيه عند المشي و العكلة التي لا تفارق أوداجه أبدا.
* * *
فرنسوا مارتال يحب قريتنا حبا كبيرا ، فقد بنى فيها منزلا عصريا إختار له مواد بناء محلية : جريدة النخل و سعفه و خشبه و الآجر المشوي والطين و حجر الجبل . إنتدب أمهر البنائين في الجهة . و صرف من المال الشيء الكثير، فنقشوا له الحجر، و تفننوا في صقل الخشب ، و في تصفيف الجريد حتى صار المنزل تحفة معمارية يزورها السياح الذين عبروا في أكثر من مرة عن إعجابهم الشديد بالمنزل .
و كان الفرنسي ينظم في ليالي الصيف خاصة سهرات تدوم حتى الصباح ، سهرات "مالوف" و أذكار و رقص شعبي و سكر و عربدة و غناء ، و أشياء أخرى...
و كان المنزالمبني فوق هضبة تطل على الواحة ذات المليون نخلة قد زينت جدرانها بصور سيدنا علي إبن إبي طالب محفوفا بسبطيه الحسن و الحسين عليهم و على آلهم أفضل الصلاة و التسليم ، و "رأس الغول" الكلب المهول "مخارق" صاحب واد السيسبان ، و البراق الشريف بقوائمه ذوات الحوافر، و جناحيه المزخرفين بألف لون و لون ،
فرنسوا مارتال كاد يفارق سن الشباب ، إلا أن بنية جسمه مازالت شديدة ، فهو طويل ، ذو كتفين عريضين ، و وجه حليق دائما كوجوه القدسيين المعروضة في أيقونات الأدرية القديمة . و كل ما يلفت الناس إليه أكثر من غيره مشيته ، و بروز صدره - قيل و لله أعلم أنه يضع حمالتي نهود – و رجرجة ردفيه عند المشي و العكلة التي لا تفارق أوداجه أبدا.
* * *
فرنسوا مارتال يحب قريتنا حبا كبيرا ، فقد بنى فيها منزلا عصريا إختار له مواد بناء محلية : جريدة النخل و سعفه و خشبه و الآجر المشوي والطين و حجر الجبل . إنتدب أمهر البنائين في الجهة . و صرف من المال الشيء الكثير، فنقشوا له الحجر، و تفننوا في صقل الخشب ، و في تصفيف الجريد حتى صار المنزل تحفة معمارية يزورها السياح الذين عبروا في أكثر من مرة عن إعجابهم الشديد بالمنزل .
و كان الفرنسي ينظم في ليالي الصيف خاصة سهرات تدوم حتى الصباح ، سهرات "مالوف" و أذكار و رقص شعبي و سكر و عربدة و غناء ، و أشياء أخرى...
و كان المنزالمبني فوق هضبة تطل على الواحة ذات المليون نخلة قد زينت جدرانها بصور سيدنا علي إبن إبي طالب محفوفا بسبطيه الحسن و الحسين عليهم و على آلهم أفضل الصلاة و التسليم ، و "رأس الغول" الكلب المهول "مخارق" صاحب واد السيسبان ، و البراق الشريف بقوائمه ذوات الحوافر، و جناحيه المزخرفين بألف لون و لون ،
قيم هذا المقال
مواضيع أخرى لابراهيم درغوثي
مكتبة أدب فن


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك