الرئيسية »  إصدارات المجلة»  رواية "أدراج العودة"

رواية "أدراج العودة"

عدد مرات المشاهدة :3367 - 23/ 9/ 2010

هيام الفرشيشي

رواية "أدراج العودة"
لوحة الغلاف للفنان بشير مهدي

  

  

ينفتح الطريق من جديد على كهوف الخراب ، يلتحم بتجاويف النفس، يبعث فيها جاذبية مغناطيسية ، لبداية البحث عن طريق جديد في تلك المسارب والنتوءات، تنبري خطوط الآتي مثقوبة باللاشيء... وفي تلك الخطوط يرتسم ذلك الوجه الذي يدعوني لإعادة الرؤية من فجوات الجبل... ذلك الجبل الذي يطوي مسافات الحكايا، ويأسر بعض تفاصيلها، ويدفعها إلى فوهة العتمة ... لم أكن وحدي في تلك الخطوط ذات المجاهل الغريبة بل كانت معي هاجر، وكان هناك دليل يدفعنا إلى النزول للفج... وكان ذلك الدليل جاهزا لكي يهمس لنا أن المتاهة تغري بالاكتشاف... وأن ذلك الطريق الواعر ينبسط أمام الرغبة في اكتشاف تشعبات الجبل من جديد.... لقد أشار إلى تلك العتبات التي تؤدي للفج دون خوف من الانزلاق أو السقوط... كل المنافذ تنفتح على كون جديد... تجهض الخوف من تلك التفاصيل المتخفية ... كل المفاتيح بيد ذلك الدليل العارف بفجاج الجبل...
ننزل عبر تلك العتبات، نودع ذلك الفضاء الآسر بصمته وسكونه وأعمدته اللامرئية... ومن تلك الألوان المتحركة تحتوي تموجات الروح في هالات البرزخ ... وكان النزول عبر العتبات حلما أبعد من الانعتاق بين طيات المطلق المسكون باحتواء الروح بين جوانحه . وباغتتني رغبة في الهرب من أسر الحلم المعلق ... واستبد بي هاجس بأن الروح ستستحيل إلى إشعاع لوني في سماء تغير ألوانها مع التحامها بطاقات الروح ... حتى وإن كان هذا الهرب نحو نفق يؤدي إلى تصاميم تنفذ منها حرية الجسد واحتضان روحه بين رغباته في الهرب ، وتشبثه بها كتشبث الأم بوليدها بعد مخاض الوضع ... لا أحد يتحسس تلك العودة إلى طين البدء في غياب ذلك الدليل ... هاجر أفلتت من سجن الفراغ نحو حوش عجوز تملس الطين رفقة بحار يدرك منافذ الهرب ، لحق بها أخوها ، وكان يريد اصطحابنا معه ، لكن البحار رسم لنا طريق الهرب ... ودلنا على ذلك الدليل العارف بسراديب الطريق ... كل منافذ التحرر تبدأ من دليل يفتح الطرق الغامضة وهو ينزل العتبات بيسر ...
كان ذلك الدليل بحارا غريب الطباع ، لا يشبه من قريب أو من بعيد هؤلاء الحراقة ، لم يكن يتاجر بأجساد الشباب مثلهم ، وكان ينتقد رمي الشباب لمواجهة الأمواج العالية ، وهو الوحيد العارف بمنافذ الجبل وسراديبه التي تنفذ به نحو القرية المجاورة ، بعدما اكتشف تلك العتبات التي تؤدي إلى جوف الجبل ، جوف الجبل الذي كان يطلق عليه اسم الفج و تناقلت ألسن الجبل حكايات غريبة عن ساكنيه القدامى الذي حفروا البيوت الأشبه بكهوف ، بل قبل أكثر من نصف قرن بقليل كان ذلك الفج عامرا ببعض السكان الذين تركوا حكاياتهم تتردد في شعاب الجبل ....
كان الليل يرسم لوحة أرضية في شكل متاهة يحيط بها الجبل من كل الزوايا كجدران تحتفظ بسر إحدى الفجاج التي تنبت فيها حكاية تردد أصداء حلم قديم ... وتحكي تلك الحكاية عن أناس كانو يعيشون بين جدران الجبل في ذلك الفج في هناء إلى أن باغتتهم اللبوة بزيارتها المرعبة ، فهرب سكان الفج نحو الجبل ، وكان من بينهم طفل ترك عصفوره في قفص أمام بيتهم الأشبه بمغارة ... وحاولت اللبوة التهام ذلك الطائر الصغير ولكن لم تقدر أصابعها الغليظة على التسلل بين قضبان القفص ... فصارت ترمي لذلك العصفور الحبوب وتسكب له الماء من بين تلك الشقوق ، إلى أنست له ... واستطابت العيش هناك ترعى ذلك العصفور السجين ... لكن الطفل لم يمنع نفسه من البكاء ، ولم تفارقه الرغبة في معاودة النزول للفج ... غافل عائلته ونزل للفج ، وغافل اللبوة وهي نائمة واحتضن القفص بين ذراعية وانطلق نحو عتبات الصعود .. أفاقت اللبوة على كابوس اختفاء القفص ، حزنت لفراق العصفور إلى أن هزلت وماتت ، علم سكان الفج بموتها بعدما اختفى زئيرها ، لكنهم لم يعودوا للعيش في ذلك الفج ......
لم يكن ذلك الفج الذي هرب منه سكانه يبعث على الطمأنينة بقدر ما بدا كدائرة مغلفة بالقلق الكوني ، تحتوي الفراغ بين جدرانها ، وتسلب حالات اليقين والانصهار في فضاء الحلم ... وبدا الهبوط عبر تلك العتبات يوحي بولوج عالم مبهم ، ينحصر فيه صوت الريح الذي يضج به الجبل ... وكان الجسد أقوى اندفاعا وأشد تدحرجا نحو الفج ... يتسع الفج لكهوف نحتت في ذلك الجبل ، وينفتح الفج كرحم امرأة وهي تتهيأ لوضع وليدها ، ويتسع مركز الفج لنواتات من البيوت المتناثرة الأشبه بكهوف ... كهوف منحوتة بأياد تملس الطين ، تحفر الصخر ، وتكتشف جسدها في تلك اللمسات البدائية تجوس أساطيرا تفصد أغلال الحكاية ... أن تقبع في ذلك الفج هو أن تتهجد جسدك وهو يتدحرج نحو المجهول ....
يبدو الفج كملاذ آمن ، تسكنه الحكايات التي ترزح تحت وطأة الذاكرة ، تنهل من مخيلة متشابكة الخطوط ، معقدة ، تحمل بين طياتها الرعب ، وتنفر الآخرين من الاقتراب إلى ذلك الفج الذي تسكنه الزواحف ، ذلك الفج الذي كتبت على جدرانه إشارات مبهمة ، كان إحدى السجون القديمة ، مازالت الأرواح المعذبة تطلق فيه ليلا عواء الألم ... الفج هو عبارة على مقبرة موحشة مسكونة بأشباح الماضي ... لكن البحار يرى أن الجسد يحيى من جديد هناك ، إذا قاوم الواحد الألم ....
بدا المشوار طويلا أمام نفس تتوق للاستراحة في فردوس الحلم ... وتنطلق من جديد لتقطع طرق يمتزج فيها الحب بلذاذة الاحتراق من أجل مسك ذلك المجهول كحقيقة متجسدة في رحم الحواس . حواس ترى الحلم وهما .. يحاكي الوهم السراب ويخدع البصر وينفذ إلى حالات التيه وتبلد الإحساس حد البلاهة ... وبدا هذا الإدراك أرفع من حلم دفين تلبس بشعلة الضوء تحرك لوحة السماء ... الحواس ترنو نحو شعلة النور في ذلك الالتحام الصوفي مع طين بدائي .. في ذلك الطين ينبض القلب وتتحول خفقاته إلى سنابل مكتنزة بالحبات ... وتسري فيه الحياة كالزرع المتشبث بالطين ... تداعب كلمات الدليل أذني لاتحسس لحظات التركيز وأنا أغرس أصابعي في أكوام التربة ، ويتدافع النبض يغري الحروف والكلمات بالتشكل من جديد ...
لاشيء يرتسم في الذهن عدا لحظات توقع الغريب ، في رحلة هرب لا تسبرها لوحدك ، مع ذلك الدليل الذي يشدك إلى غواية المجهول ويتشبث بك لترى ما خفي عنك ، ذلك الخاص الذي يراه هو ويحملك لتراه ، عالم غائم ، غامض ، مشحون باحتمالات لا تحصى ، ولكنه عالم رهيب في صمته وفي تهجده في ما لا يرى إلا عبر تسكين النفس الضاجة بالتوتر المسترخية بالحلم ....
أرى هذا الفج في عمق عيني الدليل المتأملتين ، المتمعنتين بالصور المتخفية ، والرموز الاسطورية ، أسطورة كائن سكن هذا الجبل ، يستيقظ كلما مر شخص يحمل طمأنينة الورع .... يعزف على الناي صوتا يوتر المار من هناك كعويل ضاج بالأسئلة ، وما إن ينفجر ذلك الصوت في الفضاء حتى يشعر المار أنه ضائع في متاهة الحلم وتجرفه متاهة الفج ، تبعثره ألحان الفوضى الأشبه بطلاسم ، يفقد تركيزه ، يبعثر أوراق ذاكرته ، يستكين في ذلك الفج ، وترنيمات الصوت تصاحب رحلة النزول كصرخات تدوي ، تتحاور الأصوات وتبدأ في سرد مقاطع الحكاية ... تسرد حكاية هؤلاء المعذبين في الزمن الغابر تصفع السلاسل ظهورهم ...
وفي المساء تستيقظ أصوات النواح تنبعث من حناجر سكان الفج ، و يسمع قرع الطبول ، ثم يذهب هؤلاء السكان للبحيرة للاغتسال ، بعدما ترمى الملابس السوداء في قمامة ويقع إحراقها ... وعند السباحة في ماء البحيرة تختفي أجواء الحزن والألم ، وتنقطع كل تلك الخيوط التي تشد هؤلاء إلى ذكريات التعذيب القديمة ، وتتحرر من تلك الكتلة السحرية باحراق الملابس السوداء ، ومن الغد صباحا يصعد هؤلاء عتبات الفج نحو الجبل ، نحو زاوية متصوف ورع يتلو عليهم آيات الذكر ....
كانت تلك ملامح سكان الفج الذين صعدوا العتبات نحو الجبل الآسر تاركين صدى الماضي في ردهات الفج ، كلما استيقظت أصوات النواح مساء ، يشبه ذلك الوتر الذي تتمثله مخيلة سكان قريتي الحالفين بأغلظ الإيمان بأن الجنية التي تسكن في بئر حماني تخرج ليلا وتصدر أصواتا غريبة لا يسمعها إلا من مر أمامها ، ولكن الدليل يشير إلى تلك الرسومات المنقوشة على كهوف الجبل كرموز معقدة تحتاج إلى فك شفراتها ... رموز تتشكل من جديد في ارهاصات الحروف تحاكي رحلة التكشف على الأعماق ... عودة إلى كل صور مدارج العودة وأحداثها القابعة في الذاكرة ، تسرد تمتماتها بخشوع مريب ....
في هذا الفج داست اقدام الغازين في الزمن الغابر أجساد البربر ، فلم يقبل هؤلاء الدفن هناك فعادت أرواحهم إلى الجبل ، في صورة هلامية قاسية تنكل بكل الهامات التي نكلت بها ... لم تستو تلك الأجساد مع التراب وهي تداس وتتسطح ، بل انخلعت الروح من تلك الجثث ... في هذا الفج أفرغت الصورة من الصوت وحلقت الروح إلى الجبل تحاكي أعمال جماعة الشيطان ...
بدا كأنه في حالة هذيان ذلك الدليل وهو يتحدث عن حكمة الجنون ، وعن تحول شيخ الذكر إلى مصاص دماء ، ففي لسانه بركة وفي ريقه بركة الطمأنينة ، ودروايشه يغنون تلك الأذكار المشبعة بالحس ، والالتحام بالجسد ، والشيخ الورع صاحب الأفعال الشبقية يمتص رحيق الصبايا ، ويوهمهن بأن البركة قد طفت على الكون ، وهدأت أرواح المعذبين في ذلك الزمن الغابر ... في ذلك الاتصال الحسي الصوفي تتكشف هذه الرموز على جدران كهوف الفج المتناثرة كبقايا لحظات الالتحام ....
أستشعر وخزات الأشواك حين تتعب قدماي ، والدليل يتحدث عن انفتاح الطريق في هذا الفج ، ولكنه طريق شاق ونحن في بدايته ، وحدست من نظراته الغامضة أن الحركة يجب أن تشحن بقيظة الذهن ، فالطريق الجديد يستدعي الصحو التام ، والاستعداد لكل طارئ سواء هبت الريح أو نزل المطر أو اشتد البرد ، أو خرجت بعش الزواحف من إحدى الحفر ، وكنت كمن استعاض بدفئ الحلم نحو حركة جديدة تلتحم فيها الروح بالذهن وبالجسد وتشد إلى بعضها كالأوتار ... لكن هذه الأوتار تحاول الإفلات نحو مركزها القديم في طرق الحلم ، وكلما حاولت الإفلات والتوقف عن المشي تتشبث يد هاجر بيدي وتدفعني لمواصلة المشي ...
وأعو إلى نفسي من جديد وكأنني أركب أجزاء صورة مبعثرة ، وحين أكمل تركيبها أكتشف أن جسدي يتحرك في فضاء ركحي جديد أشبه بخشبة المسرح ، ولكن هذا الركح لا يتسع للدراما وتصعيد الأحداث بقدر ما يحول الجسد إلى طاقة تتحرك .. لا تتناثرإلى أجزاء بقدر ما تحملك إلى طريق طويل ذي نتوءات شبيه بذلك الطريق المنفتح في عمق الفج ، كالشرايين ، وعليك أن تتحرك في ذلك الطريق وتواصل مسيرتك كالدم يسقي الأوردة ... فلا مجال للحلم هنا ... ولا مجال للغيبوبة بل تشعر وكأنك تعي بسريان الحياة في الجسد من جديد ....

2

صور تستعيد الأحلام البعيدة ... صور تخرج من صفحات الغياب .... صور كنت في الذاكرة بشفراتها الملغزة ... صور تعود بي إلى نفسي ... إلى أحلامي ... الصور لم تدفن في مقبرة النسيان ، بل تنهض روحها المعلقة في هذا الفج ... أستعيد تفاصيل الصور بخطوطها وأشكالها ... صور تجعلك تقف عاجزا أما حضورها المسيطر ، تراها بذاكرتك .... وتراها بأحلامك ، ومهما حاولت تقريب الكاميرا إليها ، فلن ترسم سرها العالق في نفسك ... صور تعيشها مع ذاتك الخالصة ... هي الصور ذاتها التي خرجت من فجاج الذاكرة لتتراءى أمام البصر تحاكي بصيرة الرؤيا ... أن ينعكس ما بداخلك على جدران الكهوف ، وأن تعود أدراجك إلى نفسك ، فمعناه أنك تركت حكاية الجبل وراءك ، وعدت إلى ذاتك تستجلي حقيقتها ، تلتحم كل الأجزاء ، وتنفتح على حلم قديم ...
تستنهض صور الفج وخربشاته ورائحته الغافية على ركبة الزمن القديم ، ثمة صمت أشبه بهدوء الأمواج ، تعكس صخبها الداخلي في الأعماق ، ويخاتلك الهدوء الآسر وأنت لا تستمع إلا لوقع أقدامك وأقدام من معك ، وتستشعر صخب الأعماق في تموجها ، تلك التي تعيد الاستماع إليها كلما قربت الصدفات المتناثرة على الشاطئ إلى أذنيك ، فهي ليست بالصور الساكنة ، بل لها صخبها الذي تسترجعه أنت ... وكل ما أعيه في هذه اللحظات أن رحلة الهرب عبر الفج هي رحلة الهرب إلى متاهة الذات ، وعيناي تبحثان في إحدى الكهوف عن صورة ناسك أو كاهن يتأمل داخل المعبد فإذا به يعود إلى قلقه وضجيجه ....
الفوضى تعبث بذلك الصمت ، فوضى لا يشدها قانون ، ولا ترتبها يد عابثة أو فكرة آثمة تطمس الروح ، فوضى لا تهدأ ولا تستقر على حال ، ولا تنتظم إلا لتنفرط من جديد ، ولاشيء أمامك عدا صدى ذلك الصوت تردده جدران الفج تلك التي رسمت عليها رموز غريبة ، تسترجع أحلامك كحقيقة ، تستمع إلى صدى صخبك ، لكنك لم تؤيقن بعد تلك الصورة التي تريد أن تحضرها ...
وسألت الدليل عن مفاتيح تلك الرموز المغلقة ، ولكنه لم يكن يفسر لي الرموز بقدر ما كان يطلب مني أن أتتبع الخيوط الرابطة بينها ، وذلك الطقس الحاضر بين تلك الترميزات ... طقس يستعيد حكايات الجبل في سيرها نحو المجهول الجارف للتيه ... وكان يسألني عن ما تبقى من رحلة الجبل ، فأجبت أن ما رسخ في ذهني صورة العجوز البربرية التي تقود القطيع وهي تلبس ملية قديمة وكأنها ورثتها عن إحدى جداتها ، وأن ما بقي من صدى في نفسي تلك البدائية التي تتمرد على كل ما هو حرفي وصناعي ، وأن ما شدتني تلك الصلابة لمقاومة قسوة الحياة في الجبل ، فأردف الدليل " جردي كل ما بقي في ذهنك من صور ومعان لتحلي هذه الرموز "...
أما هاجر فلم تسترجع صورا بقدر ما كانت تسترجع أصواتا وهي ابنة الجبل التي تعودت أن ترى صور الحياة نمطية وتفتقد للدهشة ، تحدثت عن عواء الذئاب الذي كان يبعث فيها الشعور بالوحشة إذ ينبري كالعويل والنواح الذي يعتقد سكان الجبل أنه ينبعث من الفج حيث تستفيق أرواح السجناء في الزمن الغابر ، تلك الأصوات التي بعثت حالة من التوتر عند أهل الجبل وهم يقاومون الشعور بحضور الموتى من جديد يصفعون حالات الطمأنينة .. فالجبل في الحقيقة يعيش جراح سكان الفج ، ولئن كان هؤلاء يحرقون الملابس السوداء ، فلون الخزامي الذي تتلحف به المراة البربرية ينبعث كرياحين نباتات الجبل ذات الأشواك المدببة ....
وكنت أستمع من خلال كلام هاجر إلى وقع الصياط على أجساد البربر ، تلك الأجساد التي تسترجع أصواتها رغبة في فك القيد والطواف بديار الجبل المتناثرة والتي تغيب عنها الحرفية ... وتنبعث جروح هؤلاء اللامرئية من خلال الصوت . فأن تكون هاجر جزءا من ذاكرة القرية الجبلية ، فعليها أن تتلاشى في لون الموت والسواد وتندثر ، وذلك ما جعلها متحفزة لقطع طريق الفج المنفتح على كوة جديدة لتمحو ملامح الانمحاء ...
غادر الحزن فضاء الجبل ، ولكنه ما طفق يستعيد عويل الأصوات المعذبة ، فالفج هنا يذكرك بمقابر الفراعنة التي تعكس الضوء عبر المرايا ، لكن النور في هذا الفج ينتشر بكثافة عالية ويغمر الفج بالنور الإلاهي الذي يجعلك ترى بعينيك بوضوح ، وفي غياب ألوان الحزن على الألم أتساءل بيني وبين نفسي عن ذلك الحزن الذي لم يغادر الذاكرة في كربلاء ، ذلك الحزن الحاضر، الكامن ، المستتر في الشعور العربي الدرامي العميق ، ولكن عواء الذئاب في الجبل الأشبه بعويل النسوة كأنه ينذر بالأجواء المأتمية ، بتلك الأصوات التي لم تغادر المآتم في بعض الأماكن من عويل وبكاء ونواح ولطم وندب ... ولا مفر من غياب تلك المآسي عن الروح ... وكانت هاجر تسرع الخطى خشية أن يباغتنا الليل قبل مغادرة الفج ، وتنكل ينا أصوات سجناء الفج القدامى ...
الشيعة ينادون الحسين وقد قرعت موسيقى الحزن النحاسية أجراس الكلمات ، وفي قريتي تشيع العروس نحو البرج عند مغادرتها القرية ليلة الزفاف على تلك الموسيقى النحاسية ، وتضحى الموسيقى النحاسية وشاحا للأحلام الدفينة ، للاستفاقة من ذكرى بعيدة قريبة إلى الشعور ، لقد ارتسمت ألوان الكهوف المتناثرة بلون داكن ، وطوفان الدموع والأشجان أغرق العيون تبكي الضحايا والجرحى النازفين دما ....
تساءلت عن تصميم الكهوف الغريبة ، فذلك الباب الصغير إلى أي منفذ يؤدي ؟ والتراب الأعلى من أرضية الباب ترى ماذا يوجد تحته ؟ كم أود ولوج ذلك الكهف ، لكن كيف يمكننا الدخول ؟ الأكيد أنه "دغرارة ثعابين" ؟ أو هو مضجع السجناء الذين ماتوا تحت التعذيب ؟ وراودتني الرغبة في قضاء الليل في ذلك الفج علني أستشعر المخاوف التي تثير الناس ..
فلماذا تخاف هاجر من الليل في هذا الفج ؟ هذا الليل الذي أودعته أسرارها في لوحاتها ، منبهرة بتلك الفوانيس الصناعية المستهزأة وتلك النجوم التي كانت خيرة تعتقد أنها تقرر مصير هاجر عبر إخراجها من الجبل ، ها هي هاجر تخرج من الجبل حقا ، وتحاول أن تملي عليها مصيرها عبر تلك السهام التي كانت تشير إلى إخراجها والتي كتبت بيد مشعوذ بارع على ما يبدو ... ليل كهذا قد يشعر هاجر بالخوف والرعب كلما روادتها الألوان الغامضة تحاصر طمأنينتها ... لن تستعيد ألوان البهجة الباردة في لوحاتها قريبا على ما يبدو ... ويبدو أن ليل الفج المعتم أشبه بعالم تقشعر منه وتجد أنها أضعف بكثير من أن تطأه ....
ولكن الدافع الذي كانت تفتقده هاجر كان يستفزني لأواجه تلك الألوان الباهتة والشاحبة ليلا ، وكانت لدي رغبة لحل الخيوط المتشابكة والرموز المعقدة الأشبه بأسرار الإبهام تقض مضجعي ، وتملكني الشعور بتمزيق ثقوب الليل القشيب الذي كان ينذر بالسقوط في إحدى الحفر ، بأن الريح ستذهب بصدى الروح عبر ذلك الليل المتجهم ....
لا أحد تجرأ على دخول الفج منذ هروب سكانه مع قدوم تلك اللبوة التي خالوها "عبيثة " لإحدى الجنود الرومان القدامى الذي كانوا يعذبون البربر في هذا المكان ، ولم يعتقد الدليل أن هذا هو السجن القديم في المنطقة ، بل هناك سجنان يطبقان عليه من منفذي البحر ... ولم تكن هذه السجون مذكورة في كتب التاريخ إذ لم تقترب منها معاول الباحثين بعد ، وكأن هذه المنطقة كتب عليها أن تحتفظ بأسرارها القديمة ...
فتاريخ الشمال الغربي ينحصر في شمتو وبلاريجيا ، فالسجن والثكنة العسكرية يقعان في شمتو ويبلغ مساحته بعشرين ألف متر ، السجن كمأوى للمحكوم عليهم بتلك الأشغال التي تهيئهم للقيام بأعمال بدنية مثل نقل رخام المنطقة إلى ايطاليا .. فالسجون العسكرية في القرن الرابع قبل الميلاد حقيقة ملموسة والخيال في هذه المنطقة لا ينطلق من فراغ بقدر ما يرتكز على شواهد تاريخية ... واستشعرت أن التاريخ يكرر لنا الدرس بأن هؤلاء الغزاة الذين بنوا السجون ونهبوا الرخام ... وحولوا أجسام البربر إلى طاقة للحفر ونقل الرخام ، وتعذيبهم كالعبيد ... وأن السفر نحو الشمال عبر الحرقة يكرر رحلة التفسخ والمحو ، فأن ييبدو الحارق دون ملامح وقد نهشه السمك أو قضى أعواما من حياته في سجون ما وراء البحر ، فهو يكرر رحلة العبودية والتلاشي ....
ولكن في هده المنطقة المنسية تغيب أبسط مظاهر مدينة ، وكتب عليها أن تبقى قرية جبلية ، تفتقد لآثار قديمة مثل حمامات سباحة ، أو معابد ، أو كنائس ، أو مسارح ، وكأنها لم تكن تصلح للعيش في التاريخ القديم وأنها بقيت مغلفة بالأسرار والصمت ، وتنذر من يدخلها أنه قد يتعرض للأذى ، فلا ملامح لوجود حضارة قديمة عدا بعض الشواهد الأثرية المتفسخة المشرفة على البحر مما يؤشر على أنها كانت ثكنة قديمة ....
فالشمال الغربي لم يكن منطقة معزولة ، فهناك في شمتو كنائس ومعابد ، وتعايش بين الرومان والنوميديين ، وشواهد على وجود ارستقراطية رومانية ، وتعدد الآلهة رومانية ، اغريقية ، افريقية ، و"معبد مسيسبا" ، لذلك توارثه أكثر من اسم ، بعل ، الإلاه سترونوس ... أفكار الدليل غير مبنية على حفريات ، بل هي مجرد تخمينات ... لكنها تسر لي بحقيقة واحدة أن الأرواح لا تعرف الصلاة في هذه المنطقة الجبلية ... إلا أن العتبات التي تنفذ للفج تشبه عتبات القبور المدرجة في شمتو ، فتلك الأيادي التي بنت مدرجات المقابر هي نفسها التي بنت عتبات الفج المدرجة ، وفزعت لما يعنيه لي أنني أتجول بين مقبرة قديمة أو سجن قديم ....
وطأنا البحيرة الصغيرة التي تحدث عنها الدليل والتي أضحت أشبه بسبخة صغيرة تحيط بها الحشرات والخنافس ، وتخيلت الخنافس تتلبس في صورة بشرية في ذلك الشريط الذي صوره شقيق هاجر عن جماعة الشيطان ، وأدركت لماذا أطلق على هؤلاء تسمية الخنافس ، وإن دلت تقليعات الشيطان على الجنون والهستيريا فقد دلت على تفشي الحشرات تحيط بهذه السبخة ، تنبعث منها وساخة هذا العالم ... وتنبعث من تلك الوساخة حالة انتشاء المخمورين يتلذذون كل ما هو حامض وجيفة ، كمن يقبلون على شرب "اللاقمي" الذي يمزج بين عذق النخيل والكحول ورؤوس الكلاب أو القطط الجيفة ، وذلك ما يعنيه انتشاء الغريزة الشيطانية ، وشعرت بالضيق ، وكأنني أسير معصوبة العينين في زقاق مظلمة تنبعث منها الروائح الزنخة . العطونة تستشري في هذا العالم ، في أنفس الفنانين والكتاب باحثين عن المتروك والمهمل ... فقد تحول الفن إلى عربدة ونشوة رخصية تذهب بكل ومضات النور ...
قرف الدليل بدوره ، وقرفت هاجر من رائحة السبخة ، وطنين الحشرات السامة ، والطحالب ، انبرت افعى سوداء في طول اليد تتنقل بين الصخور وتتسلل من بين الأشواك ، فبدأت أشعر بالرعب . وعدت اتخيل تلك اللبوة التي اقتحمت الفج ، وتلوثت البحيرة بعد موتها ، وتحولت إلى سبخة ، لم تكن اللبوة تلك غير الآلهة " سمخت " ، سيدة رسل الموت وسبب الأوبئة ...
ولكن خيالي سرعان ما استعاد بهجة الحياة في هذا الفج ، وبهجة البحيرة وهي تطهر سكان الفج من الهواجس وعذابات الأرواح الساكنة في هذا المكان ، ولكنني بت أرى صورة الموت الجاثمة على الفج ، قد تتحول إلى صورة لاستعادة الروح المتحررة من عباءة هذا الجسد ...وكان الدليل يتحدث بأن هذا الفج بناء في العمق ، على جدرانه رموز حبلى بالايحاء ، يدفن فيها سكان الفج أوجاعهم وغموضهم ...
شعرت بإرهاق شديد علني أزيل حالة الغموض التي تنتابني كلما انتابني القلق ، باحثة عن حلمي الضائع ، وشعرت كأنني معلقة بين السماء والأرض ، يضيق بي المكان ، فأتبع صدى المعنى الذي تلاشى في الفضاء البعيد ... أحيانا يشع بالنور فتنظلق ذاتي إلى تلك الأساطير التي تفتح خيالي على عولم مثيرة ، ولكن يبدو أنني وقعت في فخ الوجود حين غابت بي الأساطير في أعماق الأمم الميتة ، والدليل يشير إلى إحدى الكهوف التي يسهل دخولها واكتشافها ، وقد تعود على الاستراحة فيها وقام باجتثاث الأعشاب النابتة من بين جدرانها الصخرية ....

3

كان الكهف الأشبه بالقبر يعطيك انطباعا أنه مكان يعنى بتقديس الجسد وحمايته من التخثر ، وبقدر حرصي على الاستراحة من عناء المشي كانت حركات يدي هاجر متوترة ، وهي تستعجل المشي وتتساءل عن جدوى الاستراحة في هذا الكهف الأشبه بالقبر ، والذي لم يمنع تنظيفه من وجود بيوت العنكبوت تلتف بأركانه وتحبك بيوتها ، لكنني كنت أرصد لحظة تجل في هذه الرحلة الأشبه برحلة الميت نحو خالقه ، وهاجر تسأل الدليل : " لماذا تأخذنا للاستراحة في هذا القبر ؟ " والدليل يجيب أنه ليس بالقبر ، ولو كان كذلك لرسمت عليه صورة الجعل المقدس ... لكن هاجر كانت تشير الى تلك الرسومات والكتابات الملغزة على الجدران ... وتساءلت بدوري عن وجود الجعل في المقابر الموجودة في المدن الرومانية التي تتسم بطغيان الجانب الديني والعقائدي ، وبدا أن الحديث عن ذلك الكهف يحتاج منا إلى دعوة مؤرخ أو عالم آثار ، وكان الدليل عارفا برمزية الجعل المقدس الذي انتقلت صورته من مصر الفرعونية إلى أكثر من مكان على ضفاف المتوسط ...
وسألت عن أهم اللقى التي تتشارك فيها بلدان المتوسط شرقا وغربا ، فتحدث عن الجعل الموجود في شمتو ، فقد تجاوز الشرق والغرب المتوسطي نحو جمال الروح وجمال الفن ، وزهرة اللوتس الفرعونية وزخرفة ساكف ، وبامكاننا ان نرحل بين هذه اللقى في روما واسبانيا ومصر ، وسالته عن هذا الجعل ، فقال هو الالاه الذي أوجد نفسه بنفسه " خنفساء الروث " ....
جلست هاجر في ركن قصي ، تشتم زوجها الذي لم يصاحبها في رحلة هربها عبر الفج ، والدليل يفسر أن لا أحد تطأ قدماه الفج غيره ، وأن كل سكان الجبل يعتقدون أن الفج أشبه بغابة تعيش فيها الأفاعي والثعابين وتسكنه الحيوانات المتوحشة ، والأرواح المعذبة ، ولم تقتنع هاجر بدفاع الدليل عن زوجها الذي تركها تهرب مع غريب عنها ، ويقول الدليل إنه يراها في صورة أخته ، وأن لا شيء دفعه لتهريبها عدا توصيات زوجها ...
تصمت هاجر ، تجذب مرآة من حقيبة يدها .. وجهها عابس في المرآة .. ارتسمت عليه تعابير الإجهاد ، وكأنها تتصفح صورة شكلت معاناتها يوما ما .. تأملت وجهها ، اقتربت من صورتها في المرآة ، لمسته بأصابعها ، لكنه ظل غائبا هناك ، وحين يستحيل عليها لمسه تبعد المرآة . ظل وجهها يراودها ، كأنها تريد أن تطمس غروره ، وهو يتطاول على النظر إليها بكل جرأة ... كأنها تبحث عن هزة ما تحول من الوهم إلى حقيقة ، كأنها تريد أن تحول القلق إلى وجه غائب في المرآة .. وظلت المرآة كجدار يعسر اختراقه ...
لم أكن أريد إشعارها بالمواساة وأنا أربت على يدها ، أو الظهور كسند معنوي لا دور له عدا در الحنان على ذات حزينة تأبى الموت ، أبعد وجهي عن مرآتها ، تكره ذاتي أن تلعب دور المخادعة ، وكنت أمقت أن أرى انكسارات تعابير وجهها على صفحات المرآة ... وظل وجه هاجر في لحظات تأملها خبيئا وراء المرآة ... تتمثل صورة الجنين يتشكل في جو من القلق والإرهاق ...
كانت تجوس بطنها وهي تتلمس ذلك البرعم الذي بدأ يتفتح في هذا المكان الخانق الذي لا يتسرب له الهواء النقي ، وكأنها تسترجع عبير البراءة وندى التعابير المعطرة تنبعث في الروح ... وكنت أسترجع في عتاب هاجر للدليل صورتها في لحظات قسوتها ، تتحجر عاطفتها ، وهي تبدو قلقة ، تعبة ، تحاول تبديد العتمة كي لا تجهض عليها ... فتبدو كقطة ذات مخالب متحفزة تستعمل سلاح دفاعها إذا لزم الأمر.. لا ليست هي في المرآة ، تكاد لا تصدق نفسها أنها هي ، بل كانت ظلالها تستشعر ثقل الدروب وتستدعي لحظات الوهم ...
عملت قصار جهدي على نفض الغبار الذي يأتي به الريح ، لأرى تلك الروح الطاهرة البريئة تتغلف بالجسد الذي بدا يبعث على القرف وقد علقت عليه حبات السخام المتناثرة ... وسألت الدليل عن السبب الذي جعله يغامر بدخول الفج وهو البحار الذي تعود على الغوص في البحر ، قال إنه ليس صياد سمك ، بل هو صياد مرجان ، ومتجول على الشواطئ وبين هضاب الجبل باحثا عن أحجار ملونة ، ليصنع بها الدمى الحجرية واللوحات الفسيفسائية ، وسألته إن كانت تجارة المرجان مربحة ، فأردف أنه يصنع من المرجان عقودا وأساورا ، يلبسها للدمى الحجرية ، وبحلقت فيه هاجر وهي غير مصدقة ، وحاولت أن أغير الأجواء المتكهربة ، فسألته :
- ألا تغار زوجتك من الدمى ؟ وأنت تنفث فيها خيالك وتستدعي جهدك ....وتلبسها العقود والأساور ؟
- زوجتي لا تغار حتى من الدمى البشرية ...
فأردفت هاجر : مثل زوجي ...
سألته : وأين تصنع الدمى ؟ هل لديك ورشة ؟
- طبعا ، لدي ورشة في منزلي ...
- هل تريننا إياها بعد خروجنا من الفج ... أريد الكتابة عنها ...
وكانت هاجر لا تصدق ما أقول ، ولكنني بدوت جادة ...
- تكتبين عن الفنون ؟
لا ... أكتب رواية ...
- لا مانع لدي ...
هز رأسه مبتسما ، وسأل لم تعطشا بعد ؟
سألت هاجر : كم يلزمنا من الوقت : لنخرج من هذا الفج المرعب ...؟
- نرتاح قليلا ، ثم نمشي مدة ساعة على أقصى تقدير ...
عاد الاطمئنان إلى وجهها ...
وراودتني فكرة أن يؤثث هذا الدليل كهوف الفج بالأثاث الجنائزي ، ففي المقابر النوميدية القديمة لم تخل المقابر من أجسام منحوتة لأنصاف البشر وكأنهم يبحثون عن نصفهم الثاني في رحلتهم نحو الخلود في ضل الحياة الجديدة ، فلم لا تؤثث هذه الكهوف بالدمى الحجرية ؟؟ ولم لا يستعمل الرخام الوردي والأصفر واجهة لهذه الكهوف كما استعمله الرومان لبناء واجهات القصور والمعابد ليتشكل هذا الفج من جديد ؟ .... فكهوفه الدائرية أشبه بالبزينة ، وهذا الكهف المشكل من الحجارة الكبيرة المصقولة أضحى أشبه ببزينة تحتوي على غرفة دفن واحدة .... واستحالت هذه الكهوف " البزينات " إلى مقبرة مدرجة تنفذ إليها عبر العتبات ، ولكن يبدو أن جثث البربر التي عذبت في هذا المكان ، قد رميت في البحيرة ، فتفسخت وتحللت ....
واستعادت ذاكرتي رحلاتي إلى قرطاج والهوارية وكوكوان أيام الطفولة ، وكيف شعرت أن تلك الأجواء الرهيبة التي اكتشفتها ستستحيل إلى خربشات على ألواح ما بدورها ، ودليل الرحلة وقتها يتحدث عن منافذ تحت الأرض لا يمكن ولوجها ، فكل من دخل هناك ، لم يعد ، لعله مات ، أو وجد طريقا جديدا ، وكان خيالي يتوه في المحاكمات الجنائزية ، أين ترسم على جدران المقابر صور لقرص الشمس يلقي بنوره على الحياة الجديدة ، محارب مقاتل يقاتل الأرواح الشريرة في رحلته نحو العالم العلوي ، رجل بصحبة حصان يشي بتنامي حركة الروح ، رجل عار وقد تحرر من عباءة الحياة الدنيا ، امرأة في وضعية تعبد تستجلي سر علاقتها بالإلاه ... والتحمت طقوس الموت مع الحس الفني في امتزاج بين الدين والفن على جدران تلك المقابر ...
وحين غادرنا ذلك الكهف وتنفست هاجر الصعداء ، كنت أرى تلك الرسوم والرموز مزخرفة على كل الأواني التي تصاحب الميت في تلك المقابر على تلك الجرار الفخارية والأمشاط والأجلام والتمائم ...الجعارين ، العقيق ، الآلهة المرسومة هناك هل هي للزخرف ام للتعبد ؟ ايزيس ترضع ابنها حورس ، بس يحمي الناس من قوى الشر ...
وسألت الدليل إن كان يحلم بتأثيث كهوف الجبل بالأثاث الجنائزي وبتلك الدمى الحجرية التي تلبس العقود والأساور المرجانية فابتسم وقال ، لو كان الأمر بيده لشرع في تنفيذ الفكرة على الفور ليعيد تشكيل هذا الفج المعزول من سكانه الأولين ليستحيل إلى مقبرة مصممة بحس فني وروحي تمر منه مختلف الحضارات : فرعونية واغريقية وفنيقية وافريقية كلها تنافذت في شمالنا الغربي وفي البلدان المتوسطية ... فالبحر سمح برحلة التلاقي بين فنون الحضارات القديمة ....
كان منفذ الخروج من ذلك الفج عبارة على قطعة أرض متسعة تنمو فيها الأعشاب والنوار وشقائق النعمان ، وكان الطقس في بداية الربيع مبتسما ، وبدأت ألوان الأرض تتزركش بمشاهدها الجميلة ، وشعرت كأننا نعود إلى الحياة بعد ما زرنا العالم السفلي ، الذي كنت بحاجة إلى تصويره بدوره ...
في ذلك المكان المبتهج جلسنا على جذع شجرة مقتلعة من الأرض ربما بفعل عاصفة قوية ، وخيم الصمت على الأعين تتفرس المكان ، وشعرت بالذوبان في عالم الصمت الذي بدا لي عميقا كالبحر ، وبدا الدليل كالمعلم الذي أخشاه واحترمه ، يشعرنا بضآلة الإنسان الذي لم يقو على دخول الفج ، ويعلمنا أبجديات الصبر والمجاهدة ، ووددت لو اختزن معالم عوالمه في تلك الدمى الحجرية واللوحات الفسيفسائية التي يبدعها ، وأدركت أن ظهور ذلك الدليل قد ملأ فراغ المكان وبدائيته وعذريته وخربشاته ، وأضاء فراغات الحكاية التي قمت بخطها عن الجبل ، وتوقفت فجأة عن التوغل في نتوءاتها ...
توحي قسمات وجهه بالهدوء والامتداد حتى في لحظات صخبه ، ففي صخبه صمت ، وفي هدوئه مرايا لهذا المرتع الأرضي البهيج ، وقد اختفت عن نظراته شرور الشياطين ، في ذلك المرتع ثمة حوض ماء صغير تشرب منه الطيور وتحلق نحو الأغصان ، ماء يخضب الروح العذراء ، يطهر طبقات من سخام الفج ، يينع خصوبة ، وهاجر تمسح على بطنها بلمسات لاواعية ... يستهويني مشهد الماء المتموج ، أداعب الماء بأصابعي ، يغسل هواجس قلقي ، يخضب الروح من جديد ....
تمتزج عناصر الماء بانفعالات النفس ، تتلبس بها ، تنفث فيها روح جديدة ، أتحسس الجمال الطبيعي بحواسي وبقلبي ، وكأنني أستريح على بسط الجمال بعدما أجهدت جسدي في تمثل ما يرتق ذلك القلق الكوني بأساطير الأولين وفنونهم ... وحين سألني الدليل عن الدافع الذي جعلني أغامر بدخول الفج مع أنه لا أحد يمكنه توجيهي بالقوة ، رددت أن المجهول يغوي خيالي لأسترجع روحا عميقة لا يدركها إلا من انتقل الى العالم السفلي .... وكم استشعرت لحظات الذهول في عودتي إلى عمق التاريخ ...أنصهر في أوتار الروح ، أشد إليها ....فكيف أهاب أسطر الخيال وهي مياه بها أغتسل ؟

ملاحظة : أشكر الباحث طارق العمراوي الذي أمدني بكتابه "جدل الحضارات" ، فمكنني من الغوص في آثار الشمال الغربي التونسي ....

4

لم يبق من ذلك الفج، ومن ذلك الكهف إلا ارتسامات وخربشات في الذهن. رموز تستفز الذاكرة لتحبل بعض الأحلام، وتضعها على الورق... كانت الدمى الحجرية تتراقص في تلك البقع الأرضية، وتسبح في حوض المياه. ولئن بدت تلك الدمى دون ملامح فقد كان جسدها مكشوفا في تلك البقعة الخصبة، وكانت تركض في اتجاه ذلك الفج الذي يغمره نور الشمس بكثافة....
كنت أبحث عن تلك الدمى في كتاب " لغز عشتار "، وكنت أبحث عن ذلك الكامن وراء تلك الأشكال الحجرية، وهل تتجه نحو المغاور وتسكن فيها ليلا، وتتلبسها أرواح البربر المعذبين... أيام الطفولة بقدر ما كنا نحب الدمى، فقد كنا نخافها ليلا، وكانت جدتي توصيني بعدم ترك الدمية على فراشي أو قرب وسادتي ليلا لأنها "تستلبس" وتتحول إلى غولة مؤذية، أما دمية القماش فأمرها أشنع ، فلا يجوز اللعب بها، فقد تكلمت حين سألتها طفلة صغيرة عن الغذاء وكانت تلاعبها فردت عليها، فلا مجال باللعب بالدمى القماشية، لا مجال للعب بالدمى ليلا، أما الدمى الحجرية فبدت تنطق بتلك الروح الكامنة في الحجارة الشاهدة على أحداث تاريخية من الزمن الخالي ...
ولكن تلك الدمى الحجرية في الزمن القديم كانت تشد إلى الأرض وتغرس في التربة، ويلتف بها الإنسان طقسيا، لكي تخصب هذه الأرض وتعطي ثمارها.... فقد بحث الإنسان عن مصادر الخصوبة منذ سكنه للكهوف ، وطقوس الخصب كانت تجعله يبذر في الأشكال التي يبتدعها ما يبدد مخاوفه ويبعث الروح في الطبيعة ، هي صورة من صور عشتار أو فينوس ، تنتشل هذه الدمى الفج من فراغ ، من روح الآلهة ...
وتنبري من تلك البقعة الطبيعية المزهرة زهرة اللوتس تنبت في ذلك الحوض ، وتبرز في صورة مبهجة في تلك الأشكال المرجانية ... لقد خرجت تلك الزهرة من المعابد والمقابر وأوراق البردي ومن المتاحف لتنمو براعمها في ذلك الجنين الذي تستشعر هاجر حركته في " حقل النماء " ... كان الخروج من الفج خروجا الى حالة الرؤيا وبداية تشكل المعنى عل أوراقي ... وكان رحلة كشف واكتشاف ... وكان عودة الى التاريخ ... الى اللوحات الفنيقية ، إلى جرار الفخار ... وتنقل بين الحيوانات المقدسة .....
أضاءت تلك العرائس الحجرية خيالي ، تذكرت عرائس الحلوى التي تذوب بين الشفتين ، وتترك آثار حلاوة السكر ، تصورت الكلمات بمشاهد الأعراس ، وأحلام الطفولة بالنوم على سطح القمر ، بعدما نعاهده بأننا لن نذنب في حق النعمة ، ولن ندنس الخبز لكي لا يعلقنا القمر من "شوافر عينينا" ، يوشي وشاح القمر عتمة الليل ، وينعش القلب ، وتنبعث الكائنات من صمتها وتهمس موسيقاها ، وتنبري هالات ملونة تظلل الأشجار ، وتنبعث روائح النباتات والأزهار ، وتفوح ليلا ... وفي هجعة الصمت والسكون وعلى هسيس أوراق الشجر وعطور الرياحين العبقة ، تتجول تلك العرائس بين الأشجار ، تقطف الثمار ... وتلهو في الحديقة ثم تطير نحو القمر ...
لقد حركت الرحلة عبر ذلك الفج بعض الأوتار النائمة في الذاكرة لأسترجع صدى تلك الأصوات الهامسة والروائح الطيبة ، وتلك الأغاني التي ننشدها تحت المطر " الشتا تصب والعزوزة ماتت " ، و الطقس المتناقض في "عرس الذئب" حين ينزل المطر وتشرق الشمس في الآن نفسه ، ويتشكل قوس قزح في الفضاء الرحب ، ألوان وصورة لا نلمسها لكننا نراها بالعين المجردة ، وتدهشني قدرة الرسم على الهواء .....
في دروب الجبل ضيعت خيالي وأصداء الطفولة وانجرفت الى حكايا الجنون والقسوة ... ولكنني الآن أتفرس في لوحات الطفولة وعليها ألواني الأولى وأشكالي الأولى وخطوطي الأولى ... اقتلع أشجان الجبل ، أحاول التطهر من مشاهد الحروب ، من قذارة الفن . تتلون الغيوم ... تشع الشمس .... أستعيد اللحن المتنشي كالحفيف بين ضفاف الوادي وأردده الآن بين كهوف الفج ... ويتضخم الخيال ويتضمخ بالأساطير ، بحكاية اللبوة سمخت ، بالصخور عثرت فيها على ظلي كآثار طيف .... تتبدد حكايات الفج المرعبة ، يروي قصص الغابرين ، أعود مضرجة بالحنين باحثة في أدراج الذاكرة وخبايا التاريخ ... عن أحرف الوجود ... أرى صوري الحالمة ، وأتلحف فجر طفولتي ...
في ذلك الكهف اتجه الذهن نحو التمعن والتركيز ، في البحث عن تلك الرموز الشعائرية الغائبة عن تلك الكهوف ، في تلك البحيرة التي تحولت إلى سبخة ، وكنت كمن يبحث عن تراث وعن صورة باقية للجدود وإن بدت في شكل بقايا لزمن اندثر وانتهى بحثا عن نقاط ترتكز عليها صور الحاضر ... الموت مرتسم على الجسد العربي على الشاشات ، على الهستيريا ، موت الصور البالية ، ربما تبدو دمية منحوتة من الصخر ، فاقدة لأحد أذرعها أو قدميها أكثر حياة من جسد عار يرقص رقصة الروح الذبيحة ، في ذلك الكهف يغيب ضجيج الخطب الرنانة والكلمات الهزيلة والأغاني الهابطة والكتابات المسعورة ...
كانت شواهد الذاكرة المتفسخة أرقى من جثث متحللة يرمي بها البحر ، وكان خبز الطابونة الذي تعده تلك المرأة البربرية أشهى من "جعالة الاخرين" ، وكانت الرؤى التي باغتتني في ذلك الكهف تبحث عن رموز مجسدة في نظرات ذلك الدليل الباحث عن غوايات الحياة في تلك الدمى الحجرية المؤنثة ، التي لا تشبه من قريب ولا من بعيد دمى هذا العصر التي تشدها الخطوط الواهية .... وكنت أدرك ان تلك الدمى الحجرية تقبض على المعنى المنفلت من الذاكرة ، لتكتمل في الذهن أو ربما بمعادن الأرض التي هي في حالة خلق وتحول دائمين ....
ولكن الأهم في هذه الرحلة نحو الفج نبذها للجمود الذي بدا يطوق ذهني باحثا عن حالات استرخاء بعد الحلم ... وراودتني الرغبة في رؤية الدمى الأيقونية ، تستنهض الحركة ، وتحرك اليد لتبحث في حركاتها الذهنية عن ظلال للماضي ... التحمت عناصر الخيال بحلم الإنسان القديم ... أتصالح مع ذاتي ، أرى ترسباتها الدفينة في حلم يبحث عن عمق التراث وأصالته إزاء كل أشكال التغريب .... وشعرت بشحنة الحركة تغمر كامل الجسم ...
أعاد ذلك المرتع الأرضي إلى أنفاسي روائح الذاكرة .. تلك الروائح التي تضمخ الإحساس الطفولي وتنطلق به من عالم ضيق إلى عوالم رحبة ، وتبعث في رائحة الشعر الذي الذي كان يتطاول بجرأة على كل الرموز المميتة ... وبين روائح الماضي وعبق الشعر ، يسترجع ذهني بيتين للشاعر القيرواني إبن رشيق وهو يشكل لغته الداخلية على ألواح المعنى :
الشعر شيء حسن ... ليس به من حرج
أقل ما فيه ذهاب ... الهم عن نفس الشجي
وراودتني الرغبة في توشية الرواية بأبيات شعرية تزيل الغم عن النفس التي استشعرت الخلاص ، بعدما نفذت من ممرات التاريخ القديم ... أستمع إلى همس أبيات شعرية تراود الصمت المطبق على المكان ... تعزف على أوتار الروح كما يبعث الماء المتموج إيقاع الفن العذب ... وهذا المرتع المبتهج أزال هموم القلق ....
بدوت مبتهجة وأنا أحاور ذاتي ، تطيب إحساسي بروائح عبقة ، ورسم خيالي صورا حالمة ، وكأن الزمن لم يترك تجاعيده على الخيال ، هاجر بدورها بدت على وجهها علامات الهيام بشعاب الذات التي غطتها ستائر الواقع الخانقة ، وكأنها تردد بيتا شعريا تعودنا على الاستشهاد بصدره ونغفل عجزه دون أن نعرف قائله ، وكنا نعتقد أنه مثل شعبي ، وكأن صاحبه أبو الفضل النحوي الغافي على عتبات الشعر في القيروان ، ينهض من جديد ، ويردد تمتماته الشعرية مكتملة :
اشتدي أزمة تنفرجي ... فقد آذن ليلك بالبلج
وبدا الدليل بدوره هائما في دروب جديدة تستفيق من كوابيس وفجاج الماضي ... ويتلون التاريخ بصور بهيجة بعدما كان يتصدر المراثي ، فإذا بملحمة الانفراج تلقي بنورها .. بعدما كان الدخول للفج دافعا لاستعراض صور التاريخ وآثاره وما نسجته المخيلة الشعبية من حكايا ... كأن كلانا ارتوى بعاطفة الأرض الخصبة فشعر بالانتشاء ونفض عنه همومه .... وكأن الذات تطوي صفحة الفج لتتصفح صفحة الحلم من جديد ...
يغويني خيالي بتفحص تلك الدمى الحجرية ، يستفيق الحلم من معادن الأرض ، يتلبس بالفن ، ينساب الإحساس يبعث طاقة الحياة في الحجر ، تمسك اليد المعنى كما يمسك الشاعر روح قصيدته ... تتشكل الدمى من رحم التاريخ ، تطل من شقوق الذاكرة ، تجوس يد الفنان هذه الدمى المتحجرة ، يبحث عن صدى لهذا الصمت في لحظات الإحساس بالجمال ... يتناثر غبار الحجر ، تلتف الملائكة تحرس تلك الحجارة ، تعطيها نورها ... ينعتق الدليل عن مادة دماه ، لكنه يخلع عنه ثوبه المتحجر ، ويفصل أشكال الحلم ...

5

لم تعد هاجر قادرة على دفع حياتها ... أكثرت الصلاة و صارت تنظر للسماء بعينين متوسلتين ، كي يغفر خطأها ، حين تركت أمها ، وهربت إلى بيت البحار لتتزوجه سرا ... تعانق أمها وتنام على ركبتها ، وكأنها بحاجة إليها لتحميها من هواجسها وكآبتها ، بدت كوليد يصرخ باحثا عن أمه الغائبة التي فارقته إلى مكان بعيد ، ثم التقاها ، فكم بدت ضامئة إلى دفئها وحنانها ... تسلل النور إلى وجهها ... وبدأت ملامحها العابسة تلين ، وعيناها تتطلعان إلى مغاور الحلم ... وكأن حياة خلقت من جديد ، ولم تعد تتراءى محنطة تعكس مرايا العجز والاستحالة ... تحققت أمنية بعثها ، وانكشفت النظرات الغامضة تتطلع إلى طريق النور ....
تتحدث هاجر عن ليلة البارحة التي قضيناها في النزل ، حيث وهبت الاطمئنان ليلا بعدما تحول إلى مصدر للتوتر واضطراب المشاعر مع ايقاع البنادير ... وإثر انتهاء الحضرة استشعرت الشجن اللذيذ يسرب الشعور بالدفء في الأعماق ، وحين نامت انصهرت في ذرات الحلم حيث لم تعد ترى سوى صورة زوجها يسخر منها ... ولم يختلف وجهه عن العريس الذي رحل ليلة الزواج وعاد يتمسح على عتباتها ، وأحمد الذي لبس قناع ابليس وشعر يوما ما أنه سيقدر على الاقتراب منها وتدنيسها ...
اختفى القمر الذي يبتسم في وجه الظلام ، ويناجي المستبشرين بضيائه ينير لهم سراديب الوجوم ... تجرعها وجوه هؤلاء الأزواج زعانف الشقاء ، تنهل من رحيق آلامها وعصارة معاناتها ، تتلاشى كل الصور وتستحيل إلى شظايا ، فلا تجد مكانا تدفن فيه أوجاعها ، وحين أفاقت فجرا ، تراءى لها الموت الذي يحدق بجنينها ، وهي تفكر في التخلص منه لمعاقبة والده ، عبثا ضاعت كل معاني السعادة الزائفة واكتشفت وجهه المهزوم ... لكنها تتجاوز التناقض بايمانها بتوالد الحياة من رحم الأنثى وعطاءات الطبيعة ، فهل تجسد الأنثى عطاء الطبيعة أم تقلبها وأعاصيرها ، أم تجاذبات الخصوبة والقحط ؟
تاه خيالي في تلك البقعة التي ينفذ إليها الفج عند الخروج ، بقعة تزهر آثار السنين الخوالي وتعيدك إلى الآثار المطمورة بعدما شيدت المعالم ، جمال الطبيعة في تلك البقعة أروع من رسم أي فنان ، حيث قثارة الطبيعة تضمخ الوجدان ، بتموجات الرحيل والرغبة في معاودة العودة ... لقاء بعد غربة ... انبعثت قدرة الاستحواذ على معاني الجمال بدموعها وضحكاتها ...
في لقاء والدتها كانت تبحث عن زخات مطر .. تنعش تربتها وتخضب روحها لتعيد رسمها بماء المطر يبعث فيها الروح من جديد ... وكانت تبحث عن شمس تشرق من جديد على ركبتها لتستمع الى نبضاتها الخافقة بمشاعر الرقة والعذوبة ... قنديل ينير الشجون ... نهر عطاء يروي الظمأ للالتحام بعناصر الطبيعة تنير دربها وتستأصل يأسها وتبثها آيات الحب والحنان ... فتحتمي بدفء جذورها ... فتناجيها وهي تقرأ سجايا قلبها وتعزف موسيقى وجدها وتهتز أوتار النشوة على أمواج روحها ...
لقد لمس عزف القثارة قيعان وجدانها ليصير حكمة جنونها ورحلة المجهول لفكرها المتعب .. تراها في شعورها وشعرها حين تختلط ألوان الليل والنهار ... أجدها تعزف بمزيج من الحب والانبهار بشجن الروح ، وأرى الستارة الداكنة تستحيل الى شعور غجرية حالمة بالانطلاق والرحيل الى مكان الاستقرار ، ومن ستار الشعر الأسود ينبلج نور الفجر في حديقة مرصعة بالورود الملونة ، وشذى الزهر ، وفراشة هاربة من الضياء تحلق حول الثمار والرحيق ... وحين يحل الظلام تلف بالنور الصناعي بعدما هجرت الرحيق ...
كم أرهق الواقع هاجر ... كم جعلها لا تشعر بعلاقات دافئة مع الناس ... كم تحس بحاجة للتخلص من صور الواقع من ذاكرتها ... صور تتكرر لرجل أرهقها وأنهكها ... ليست ذاتها ... في الأعماق تشعر أنها ناصعة ، نقية ، لديها طاقة للحب ... لكن مرورها بكل هذه التجارب ما جعلها تستخلص أن العاطفة إحساس باطني ... أما عاطفة الرجال فهي تغرق الأنثى بالكلام الجميل ، فتنزلق في عالم سحري اصطناعي ...
ما وعته أن الأشياء فقط تستحوذ على الرجل فيغلف بها سعادته الوهمية ، يبدو أن زوجها وقع في فخ الزمن ، وأدرك أن ذاته مقيدة حين طلب من عائلتها الاعتراف بزواجهما ، إذ لو كان الأمر بيديه لسلم مقاليد مصيره إلى الأعراف ...وكانت كلمات هاجر العميقة دافعا لتفكيري ليتأمل في القصد من الكلام ، فحين تحل لغة الاستسلام ، تغيب رغبة التحدي ولا تتعدى حالة الألم العقيم ....
و في إشارة هاجر إلى تلك الهوة التي تفصل بين الأغنياء وضعاف الحال ، ترى أن الغني يبحث دائما عن شخص يضمد فراغ الروح ، وأنها جبلت مثل أخيها على البحث عن نور مازال ينبض لدى البسطاء ، ولكن تجربتها لم تختلف كثيرا عن تجربة شقيقها ....
تسترجع رحلة الفج وتقص لأمها كيف كانت تستمع في ذلك الكهف إلى أصوات البربر المعذبة تتأوه بعدما فقدت قواها ... ولم يكف الغزاة عن ممارسة طقوس التعذيب إلى أن أصابت أجسادهم ، وحرمتها من حقها الطبيعي في الحياة ..
تتراءى لها ستارة من الظلام ... ينقطع حديثها وقد انتابها بعض التشنج المباغت ولم تهدأ إلا حين نامت على فراشها ....
وبدت أمها بصورة الفيلسوفة وهي تشرح لي وجهة نظرها عن الحياة ، فهي لا تحتمل مزاج ابنتها المعكر ، فحين اشترت لها قثارة حين كانت صبية يافعة ، فلم تكن تعزف إلا ألحان الشجن تنهك ذاتها ، وكانت تبحث عن طريقة ما تبعث الحياة في روح إبنتها الشاحبة التي كانت تمعن في تفحص مآسي بؤساء الجبل ، في حين أن أطفال هؤلاء الحفاة العراة كانوا يلعبون بمرح ، وتعلو ضحكاتهم المنطلقة تعزف أعذب الألحان ....
أول حادث أحزنها حد الاكتئاب هو إضرام أحدهم النار في بيت الدجاج ، أفاقت على صورة الفراخ المحترقة ، فأصيبت بهستيريا ، وحسبت أمها أنها ستبكي بحرقة إلى أن تصفو نفسها وتطمئن ، ولكن بدا ذلك الحادث كنكبة حقيقية وسلب منها خفقات بهجتها الرنانة ... قلقت عليها وهي تسلم معزوفة حياتها للشجن ... ولم تتركه يقتسم ما تبقى من بقايا روحها الحالمة ... فعلمتها الصلاة ، لأنها تدرك أن ما تمنحه الصلاة من طهارة أشبه ما تمنحه زخات المطر من خصوبة ، فكيف تتركها تسير في طريق الكآبة والصلاة تعيد نسغ الروح و تصهر ما تقطع منها ....
في عيني والدتها الخضراوين رأيت الحقول الخضراء والثمار الملونة تحيي الرغبة في الحياة ، وترفض أن تسلم شذى روح ابنتها ، وموسيقى قلبها للشجن كي لا يفتك ثمراتها ... ولمحت في قسمات وجهها بعض البأس ، وفي نبرات كلماتها الحنكة ، وفي حركات يديها القدرة ، وتوارت صورة ذلك الكابوس وهي تقطع ثوبها إلى نصفين وتطلق صرخات الألم ... فكل هذه الكوابيس لم تنزع عنها جلدها ....
تنتقل إلى الحديث عن إبنها وقالت أنه مضطرب كأخته وكثير التشنج ، ولكنه لن يقدر على إيذاء فراشة إذا واجهته برقتها ، ويفتك في لحظات بخنزير إذا وتره شكله العدائي ، كل المخلوقات التي يراها خاوية الإحساس ، وتتسم بالخشونة ، تنتابه رغبة في تمزيقها إربا إربا كحيوان ضار ، ولكنه يحمل الموسيقى في روحه ، وكل من يحاول إسكاتها تنبري حركاته صاخبة كأمواج تطفو عليها كائنات مسطحة من ورق ....
ففي حالات التشنج يغرق ولداها في أموج الانفعال ، ويرتميا في هوة لا يعرفان عمقها ، فتضمحل وتتلاشى الروح ، ولكن الصلاة هي العلاج الذي يلجآ إليه بدون وعي منهما ... وفي طقوس التعبد كانت ترتسم لوحة من الصور والظلال ، تحلم بالجمال بقلب خفاق ، يطفو على النفس والفكر ... تجتث زعانف السراب والألم والمرارة ليسبحا على أمواج الجدوى ويقتفيا آثار الخيال ، ويبدوان كطفلين يغسلان وجهيهما بمياه المطر ...

6

لم أدر من أي باب دخل ابنها الذي لم يتراء هذه المرة بملامح مكفهرة ، ولم يكن يدخن بضرارة ، بل يعانق والدته ويقبل جبينها ، ويقول أن أخته لم تخطئ لأنها تزوجت بالحلال ، ولكنها كانت تعيش ظرفا صعبا دفعها للهرب ، وأنه لم يتقبل أن تستقبلها أمها بعبارة لاذعة ، ففي عودتها تشبث برحم العائلة ....
يتأمل لوحة ربيعية رسمتها أخته معلقة في قاعة الاستقبال ليعلق : " كنت على يقين من عودتها القريبة ، فمن رسم هذه الروابي الخضراء واستشعر جمال الوجود ، فلن تأخذ منه الصدمات نور البصر والبصيرة ، ففي الألواح الطبيعية المزركشة كان يغمرها إحساس بكتابة الشعر ، وعلى زخات المطر المنهمرة على المنحدرات تنتعش دقات قلبها ، ويغني خيالها على وقع الأمطار وهمساتها ، وتثخن رائحة التراب المبلل نفسها بعطر الأرض"
يذكره مزاج أخته المتقلب بالخريف ، و سحبه المكتنزة بالشجون الدفينة ، سحب تحاصر صفائها ، تمتعها بلحظات أدبية ، لكنها كانت تدرك حتمية نزول المطر ليطهر الأدران والسخام ... تكتب بعض الكلمات أشبه بولادة على كفها حين تخترق صرخة الرعد أصداء النفس ... تزدحم الصور في الحنجرة البكر .... يولي زمن الصمت وتعزف اللغة ألحان البداية ... ما حدا بها أن تتوغل في رحاب الحياة الممتعة ، و أن تولي انتباهها عن الصور السوداء ، إذ تنتهي أسئلة العبث حين يلمع المعنى ... فتنبثق رغبة في الحياة من جديد ... ليخلص إلى أن الحياة فن ومعنى تنبثق من استعداد الشخص للخروج من زاوية نظر إلى زاوية نظر أخرى ..

في قرارة نفسي بدا لي أخاها ممثلا بارعا ، يعرف كيف يجسد الأدوار المتناقضة ، أو لديه بعض الازدواج في الشخصية ... فكيف تحوي لغته هذا الكم من الخيال والشعر والرسم والصور و يحاكي جمال الجنون ... وهو يتحدث عن الجانب المضيء في نفس أخته ، ذلك الجانب الذي يكتشفه من جديد كلما عاد إلى الجبل بعد أي سفرة ...

حين اقترب مني وسألني عن طبع ذلك البحار إن كان يحب أخته أو يطمع في مالها ..شعرت بقشعريرة تتسلل إلى وجداني فتشعرني بالرهبة المشوبة بالتساؤل المضني ، تنتابني لحظات تهرم الحياة وقسوة الزمن ... هاجر شعلة عطاء لكن وجهها بدا كسماء خريفية تمطر بالدموع المطهرة للوجع ...

... لا أعرف نوايا الآخرين -

وكيف ترين العلاج ؟ -

.. في فترة الحمل تحتاج المرأة إلى وجود زوجها ... الألم يؤثر على المولود -

... ذكية ، " نكركره " إذن ليعيش هنا ، وبعد الولادة لكل حادث حديث -
بعد الولادة ، لو طرد البحار ، ستشيخ لوحة الأمل المؤقتة ، يشيخ بصر الحياة ، ويكتسى الأفق بالظلام ، تنبري ذكرى الميلاد كورقة تقتلعها الريح . تنبلج حقيقة الذات كئيبة ، تحفل الموسيقى بلحن الشجن ، تحاصر الفرح بعزف يسكب الدمع . تنساب في المسامات ذكرى العبوس كأشواك القلق ..
ترتسم على وجه والدته تقاطيع العبوس ، وقد تراءت في حالة غضب .تتساءل : من قال إن لحظة الولادة ستنهي حالة كآبة هاجر ؟ وما هو مصير المولود : هل سيعيش بعيدا عن حضن والده ...؟
- إذا تبددت الوساوس لن نطرد البحار ... في النهاية لا أعتقد أن هذا الزواج سيستمر .. ما شد هاجر إلى هؤلاء رائحة السمك المشوي والطعام الذي تطبخه والدته ...
أيام الدراسة في باريس كانت زوجته العربية حريصة على جمال المنزل وترتيبه بلمسات خاصة ، وحين يعود من الدراسة يجد الأكل على الطاولة ، وقربه مزهرية موشاة بورود جميلة ، وبجانبها ورقة مطوية ، تعتذر فيها عن مشاركته العشاء ، بعدما جهزت له ما يريد من أكل ، ترتسم على وجهه علامات الضيق حين يجدها تغط في نوم عميق ، يزيح عن وجهها الغطاء ، ويأسف لشعورها بأنها مجرد طباخة أو عاملة تنظيف ... تراه غير قادر على العيش دون أكل ودون إطار نظيف ، لكن عاطفتها غائبة وروحها تغط في سبات عميق ... يذهب الى عشيقته التي كانت تترقبه على الفراش كلما تأخر عن زيارتها ... إلى أن تسطحت حياته مع المرأة ، وقرف من جسده الذي تحول الى آلة لا روح فيها ...

لقد تزوجها في باريس وكانت طالبة تدرس معه في نفس الكلية ... دعته مرة إلى العشاء ، فأعجب بطبخها ، و بتنسيقها لغرفتها ، عرض عليها الزواج فاعتقدت أنها لن تكون أكثر من طباخة ماهرة وعاملة تنظيف ، وفي الوقت نفسه كانت تلح عليه أن يعلن زواجهما أمام عائلتها وعائلته ... لكنه كان يرفض فتحولت إلى آلة مرعبة ....

صرخ فيها : استيقظي حالا

أفاقت بتثاقل ، وتساءلت وهي تتثاءب : ألم تجد كل شيء حاضرا ، ماذا تريد أكثر ؟

وكانت هذه الكلمات المتكاسلة كفيلة بتأجيج غضبه .. مسكها من كتفها ، وقال : هذا الأكل لا طعم له ، ولا أجده لذيذا بالمرة

نهضت ، وأزاحت الغطاء عن الطعام ، وأردفت : ألم تتعود على الثناء عليه ؟ وما الذي جعلك تتزوجني أصلا ... الأكل .. فحين زرتني في الشقة وطاب لك الأكل والعناية بالشقة تزوجتني على الفور

وضع يده على جبينها ، وتبين أن حرارتها مرتفعة ، طلب منها أن تغادر صباحا المنزل ، وترحل الى غير رجعة وغادر للسهر ...
وابتسمت والدته بمكر ، وأردفت ، " أولادي يدردرولهم في الماكلة ويسحروهم ، و السحر ما يحوكش فيهم ..... لقد حصنتهما منذ ولادتهما من العين ومن السحر ، فلا يحوك فيهما ، ويعودان إلى الصراط المستقيم بسرعة ..." ،
كنت أريد المغادرة نحو الشاطئ الصخري حيث السيارة رابضة هناك ، والسيدة منية تصر على أن الطريق خطر ، وتتساءل عن كيفية الذهاب هناك لوحدي ...
رغم اختمار وساوس السقوط تصر الذات على البقاء ... على محاولة زعزعتها ... يبعث في الطريق الخطر مشاعرا متشابكة لما يوحي به من انقباض ... تعكسها رحلة العودة إلى دروب شاقة تدرك الذات مسالكها ... لتحس أنها تسير في طريق آمن ، لكنها تخاف من تسلط وساوس الموت
سألني إبنها

أين هي عائلتك ؟ -
.. - لدي عائلة كبيرة ... ولكن لدي هامش كبير للتنقل
.... جميل ... لهم ثقة فيك -
- لي ثقة في نفسي ....
- أصيلة ... لا تتغيري ... استمري هكذا

ورحلة الفج هل أرهقتك ؟
قليلا -

أخذت بعض الصور ؟
نعم -

هل أشاهدها ؟ -
أتلفت ... -
أتمنى رؤيتها -

.. أدخل للفج وصور ما تريد ، فقد تعودت على الاحتفاظ بصوري الفريدة لنفسي -

7

تنطلق السيارة نحو الشاطئ الصخري ، تصطحبني هاجر لتأخذ لوحاتها من حوش حماتها ، ويرافقها أخوها ليتحدث إلى زوجها البحار وإن كانت هاجر عازفة عن الرجوع إليه . ويعدها أخوها بأنه سيسدد له لكمة قوية قبل أي حديث سيدور بينهما ، وحين يرتج ذهنه تحت تأثير الضربة سيدرك أن القرار ليس بيده وما عليه إلا أن يسمع الكلام ولا يفرض شروطه من جديد ، وكان تفكيري منشغلا بتلك السيارة التي تركتها رابضة على الشاطئ وقد تعهد البحار بصونها إلى حين عودتي لأخذها ...
في الطريق الذي صار أليفا بصوره المعهودة ، وعلى مقربة من النهر لمحنا خيرة تتحدث إلى كهل ترافقه سيدة أجنبية ، وتشير إلى ذلك الجسر الذي أعيد بنائه ... يتوغل وجه خيرة في خلايا الطريق ، يطل من وراء الستار ، من ذلك الحوش المبني بطريقة غامضة ، يؤدي إلى الأسفل عبر عتبات سلم خشبي ، وينفتح على الخلاء عبر فجوة كبيرة ... تنبري خيرة كالظل المنبري من وراء الستار ، وتكون نظرتها المقتصرة على رؤية عمودية محدودة تبحث عن يد تتشبث بها علها تنفذ من هلامية الظل إلى هلوسات الجسد يؤدي رقصته الملعونة ، كما الأفعى الراقصة على مزمار المهراجا ، تنثني وتنتشي ، تكشف غواية البدايات وطقوس الرغبة ...وفي نزولها إلى العالم السفلي الشبيه بذلك المنفذ المظلم تاه خيالي في تتبع تفاصيل ذلك الدهليز الذي لم أطلب منها أن أصوره ، وباغتتني رغبة في زيارة ذلك الحوش من جديد قبل توديع الجبل...
وجه خيرة وقد ارتسمت عليه خربشات ما تكتبه من كلمات متباعدة وندوب ما زالت بادية للعيان ، تكشف أن الألم قد حفر روحها وترك آثاره على ملامحها ... لكن خيرة لم تنبر هذه المرة بتلك القرطة التي تغطي بها رأسها وبتلك الملابس الطويلة التي تحجب جسدها .. بل ترتدي فستانا مكشوفا ، غربي الطراز ، ألوانه زاهية ألقت هالة من النور على وجهها ، تنبري بقايا الحروق على يديها ، وتشعر هاجر بالذنب وهي التي باغتتها الرغبة في خمش ذلك الجسد وتجريحه ، وحرق يدي صاحبته بالسجائر .
يقول أخوها إن خال خيرة عاد من فرنسا ليأخذها معه لتعالج هناك بعدما بلغه نبأ هلوساتها الغريبة ، ورغبتها المتواصلة في خمش جسدها وندب وجهها بعد كل شجار مع زوجها . ثم سيسجلها في مدرسة تعنى بتصميم الملابس ، لتتعلم الفصالة والخياطة ، وتتساءل هاجر بنبرات ساخرة عن ذوق خيرة ذات الأصابع الغليظة والنظرة الخالية من الفن ، ويرد أخوها أن خيرة ستتعلم الصنعة و " ستشربها " لأن تفكيرها خام وسيسهل تحويله وتشكيله لتشكل حياتها من خلال رؤية تختلف عن قسوة جديها ... خيرة التي لم تتعلم صناعة الخزف والفخار في حوش جدتها وانصرفت إلى محاولة اللحاق بأطياف خيالها وجدت الطريق الذي سيخرجها من تضاريس الجبل المتشعبة الأشبه بمنحدرات تنغلق على بعضها ... أما أحمد الذي لم يستطع أن يسطو على الحوش بعدما أمعن في نعتها بالجنون ، فقد طرده خالها وشتمه أمام سكان الجبل في المقهى ، بل بصق عليه وكاد يدوس على رقبته بحذائه ، فكتب له تعهدا بترك خيرة تسافر للعلاج وأمضى عليه في البلدية ، ثم أعطاه خالها بعض الدولارات وشتمه وحذره من "تعتيب " باب حوش والديه ثانية ...
تبدو نظرات خيرة حالمة بالجمال وهي تسير على حافة النهر ، وكأنها تروي لخالها حدث سقوط جدها حين انكسر الجسر ، وبدت كأنها تتابع خطواته لقطع الجسر الملتحم واتجاهه نحو طريق ينفذ به إلى مغارة بعيدة في أسفل المنحدر أشبه بالغور وهو يلوح بيده ويبتسم ويشق طريقه ... تطلب هاجر من أخيها أن يوقف السيارة ، فقد باغتها شعور مباغت بطلب الصفح من خيرة ... يتراءى ماء النهر متموجا ، يتدفق و ينهمر من المنبع الأول ، تطفو عليه تلك الكتب التي تزخر بها غرفة خالها لتحفر في روح خيرة نهر المعنى ، فقد رأت في مرايا الكتب الأديب ككائن جميل تعلقت بوحي كلماته لتكتب ما تشعر به ، وتشكل وجهها كما تريد ...
آن لها أن تتشكل كتاباتها من جديد ، وأن تصقل حركة يديها وأصابعها ، وأن يخضب ماء النهر روحها ببعض الأمل ، لتينع وتتزركش ، وتنبري كلماتها بين ثنايا مشهد جديد ... تنزل هاجر من السيارة ، تهمس في أذنيها كلمات الاعتذار ، وخالها يتطلع إلى المشهد ، وزوجته الفرنسية تلقي الابتسامات العابرة ، وقد بدا الفضول المهتم على وجهيهما ... تحتضنها هاجر بشدة فتفيض البهجة على ملامح خيرة ، وكأنها تعيش بشرى حلم ، وتنهض في صباح مشرق على صوت الراعي يشدو بمزماره الشادي ، لتبدو هاجر كالأم المحتضنة لابنها تفيض عليه بحنان أرق من الحرير نعومة ... يحملني مشهد العناق بين المرأتين إلى لحظة صفاء تبدد وزر الأحقاد المضمرة بينهما ... وتستحوذ على نفسي الحياة الجوهرية ... لقد استهواني مشهد در الحنان كزخات مطر متساقط ، تداعب وجه خيرة بلمساتها ، وتحضن مشاعرها بدفء ....
سأتذكر ما حييت ذلك المشهد العاطفي ... تقول خيرة إنها ستسافر بعد أيام ... لتودعها هاجر بقبلات وداع مخضبة بدموع الأسى ... تجسد الفن في صفحات ذلك المشهد ، انبعثت أنشودة عزفتها موسيقى الوجد على أوتار العاطفة واكتسى المشهد هالة من النور ، يناديك لكنه سرعان ما يرتد عنك ، يرتسم الحنان بين جذوع الأشجار العالية الملتفة بالنهر من الجهتين ، ورغم بهجتها بطلب هاجر الصفح منها فقد رأيتها مستكينة في أشواك أحزانها ، و تفحصت انطفاء بريق الارتياح ... خيرة التي لم ترتو بعطر الأمومة لم تشف من علة كآبتها بعد ...... أربت على كتفها وأسر لها بأنني سأزورها في الحوش بعد العودة من الشاطئ الصخري ، وقبل المغادرة للعاصمة .. وعندما تواصل السيارة شق الطرق الملتوية يرتع المشهد في لوحة خيالي ...
أطلب من خيرة أن تتوارى في برعم الوردة لتنهل من كأس الحياة وعطرها ، ولكن خيرة لا تنفي أن الحضن الدافئ وسادة أشواك ورحلة عذاب وأوجاع في الجسد الذي عانى من شروخ وحروق وندوب ... خيرة التي لم تعد تستنشق عطر الطهارة بعد رحيل والدتها ... ودنس جسدها ، تخزك بتلك النظرات العابثة بمشاعرك ....وعندما تبكي بحرقة تتمنى أن تصبح حطاما كي لا ترى ذلك الحزن مرتسما على وجهها الغض ... ترى في ندباتها ألم مر.. ألم افتقاد الأصل ، شعور بالغربة يحاصر غفوتها بالكوابيس ، خدر ينومها ويتحكم في حركتها لتغادر ليلا ذلك الحوش المغلق وتسير معصوبة العينين نحو المنزل المهجور ...
الزهرة البنفسجية ذات الجمال المنحوت ، وهي تطل على امتداد الطريق بين الأعشاب ذات السيقان الطويلة والأشواك ، تراها عند كل إطلالة على الطريق الملتوي ... وعندما تتوقف السيارة أمام عتبات الفج تتوارى صورة الزهرة كشعاع نور داكن ولا تترك وراءها سوى صدى الرؤية تتلمس ظلال الشعور الداخلي ، ذلك الشعور العذري الذي يباغتك في فج كفت الأقدام العابثة عن الدوس على أرواح البربر ومحق براءة سجاياهم ...
توحي ملامح هذا الثري بالسكون الذي لا يبعث فيك الطمأنينة ، ينجلي بصورة الوديع دون أن تنمحي ملامح قسوته ... تفحصت حالة الذعر التي انتابته وهو يقف على عتبات الفج ... التقدم أشبه بالسير نحو عالم مغلق يكبله بمشاعر الخطأ وهو يسترجع ما تلقاه من حكايات عن ذلك الفج ، تجعل كل من يتقدم لولوجه وكأنه مهدد في وجوده ، كأنه على شفا حفرة الرعب ، وأن أقصى ما يتوقعه شعوره بحالات الهلع والفزع ، فكيف يمكنه أن يدخل دون أن تحمل روحه خربشات تجسد بعض جذور المغامرة ، وكيف له أن ينزل العتبات في غياب كل إحساس برمزية روح الإنسان الباحث دائما عن أساطير تظلله للبحث في ما تركته من ارتسامات ... وكيف له أن يتقدم وهو لا يرى ما أختزن في عمق الإنسان ؟
روح لا تعرف المجاهدة والكلل ، روح غير رائية ، لا تشرق دوائرها النورانية على الفكر لتتحول الدوائر إلى رموز ... الروح مرآة لما هو صوري ، والفكر يكيف ما هو صوري إلى رموز أشبه بالطلاسم يرى من خلالها الإنسان واقعه ... لن تحل الروح طلاسم المكان دون أن تواجهه وتقتحمه وتكتشفه ... يبدو أنه لم يدرك بعد ما في عمق الفج من صور لروح الإنسان تقاوم النسيان ليستحيل المكان كما لو أن له امتدادا في الأعماق ... وحين تتراجع خطواته للوراء يدرك أن لا يقين يعرف الطريق إلى قلبه ... وأن الاكتفاء بتصفح الصور الملتقطة في ذلك الفج يضعه في دائرة السخرية ..
بعد تلك الوقفة المتسمرة ، المتجمدة ، يذوب السكون الجليدي ، ويعود الإحساس بالدفء يغمر النفس ، فتخرج الذات من عزلتها وتنشد الرحيل في ثنايا المكان الذي لم يعد يدعو إلى الاكتشاف بقدر ما صار يبعث الطمأنينة ، حيث ذلك النور الذي يضيء الفج المهمل بأشعة الشمس ، وكأنه يمسح عن المكان عتمة العناء المكلل بالبحث ، وهو يكشف ما يخفيه المجهول في الفج المنسي .... من دخل الفج وخرج منه لا يتسمر في تلك الوقفة الأشبه بالوقوف على أطلال الماضي ، فذلك الماضي لم يعد يوحي بالموت والرحيل بقدر ما يوحي بتشكل الروح من رحم الذاكرة البعيدة ، حتى تلك الصرخات التي تطلقها الأرواح الحائرة المعذبة ، فقد استحالت بدورها إلى ضحكات تتحدى الوجع عبر فتح الجروح ونزف الآلام لينهض الشعور من جديد وقد أطفأ نار الإحباط بين طياته ...
لماذا يهرب هذا الرجل من الفج ككل سكان الجبل ، هل يذكره بأحزان الماضي ؟ أي رعب يتسمر كحاجز أمام هؤلاء ؟ ... ما تبقى من ذلك الفج هو السحر الأشبه بذروة النشوة ، حيث لا تعزف الحياة مرحا وحبورا بل تتكامل فيها مشاهد اللقاء والرحيل ... الذهاب والعودة ... الغربة والطمأنينة ، تلك هي معان تحل شفرات الفج ، أن لا حزن أبدي ولا سعادة أبدية بل تتلون الروح في لوحة فسيفسائية هجينة تنبعث من قدرة الاستحواذ على الحياة بوجهيها ... لتعي أن التاريخ بقدر ما يحوي من مآس ودموع بقدر ما تتشرب به المجتمعات لتكتب رؤاها عبر الشعور بهسهسة الألم بين خلجات الروح ... نغادر عتبات الفج وقد تمثل لنا عجز ذلك الثري عن اقتحام فضاء المجهول ، وتنظر له أخته بشك وكأنه خيب ظنها ، لتتجه السيارة نحو الشاطئ الصخري ... حيث مراكب صيد السمك ومراكب الحرقة إلى الضفة الأخرى ...

8

يغير البحر درجة ألوانه، وتتحكم الرياح في حركة أمواجه ، لتعلو وتتسطح . تنظر إلى البحر فتبحث عن بعض رموز ذاكرتك في لوحاته المتحركة ، تحاكي ألوان السماء وحركة الريح ، البحر يجعلك ترى الأفق ، وتستشعر الحركة، هو مرآة للروح تتوق للذوبان في الأفق ، ومرآة للجسد يتوق للحركة ... ورغم صخب أمواجه أحيانا وتبدل درجات ألوانه ، فهو يبعث فيك سكونا رهيبا ... تنظر إلى البحر فيحملك إلى المجهول لتدرك حقيقة كامنة ، يحل الرموز ويبدد الغموض والأفكار المشوشة والرؤى المبهمة ، تكتب سطور ذاتك بحبر أمواجه ، وتشعر بحرية تتدرج بك نحو الرؤى ، وتشعر وكأنك استحوذت على فتيل الإحساس الفني ومبادئ التفكير ، فتنطلق من نقطة ارتكاز ثابتة ... وحين تمسك ماء البحر الشفاف تدرك أنك لا ترى ألوان البحر ببصرك بل بعينيك المفتوحتين على جمال المطلق وهو يرسم لوحة متحركة بألوان تبدو باردة لكنها تشير إلى لون الأزرق وتتساءل هل ألوان السماء ، فهل هي حقيقية أم انعكاس لألوان أخرى ...
على صخرة مرتفعة جلس شيخ تبدو على ملامحه علامات البأس والحنكة ، تشير إليه هاجر قائلة : " هذا حكاء الشاطئ ، يحلو له الجلوس على تلك الصخرة ويعيد سرد الكثير من طرائف الماضي لكل من جلس إليه " . اقتربنا منه فتظاهر بعدم التفطن إلينا .... وحين سلمنا عليه تأملنا وكأنه يرانا كأطياف ، ثم وجه بصره نحو البحر ...
" عسلامة عم الحاج ، البحر يغري بالتأمل ، أليس كذلك ؟
هز رأسه وابتسم وأردف : هو سن التأمل بنيتي ، لم يبق في العمر الكثير ...
- ربي طول في عمرك ، الأعمار بيد الله
-
- ربي يكبرنا في طاعته
تحدث ذلك الشيخ عن سبب وجوده في هذا المكان ، فهو المكان المحبذ له منذ أن كان صبيا أيام الاستعمار ، كان طائشا ، يصاحب الصبية النزقين الذين يتسلقون صخور الجبل ، ويقومون بالغطس في البحر من أعلى صخرة ، تلك الصخرة التي يجلس عليها الآن ، وتمر مراكب البحرية الفرنسية و يصوب الجنود نحوهم البنادق ليبتعدوا عن هذا الشاطئ الصخري ، ويضعون لافتات تحذير عليها صور هياكل عظمية لأشخاص ، وتصيبهم تلك اللافتات بعدوى الضحك ، ليستمعوا إلى شتائم الجنود الذين يرونهم في صورة أبناء الخنزير " كوشون كوشون " ، وحين تبين لهؤلاء بلادة عقول هؤلاء الصبية صاروا يطلقون عليهم عبارات السخرية ويقهقهون ، ويتركونهم يصطادون السمك ليطعموا بطونهم الخاوية ، ويقول أحدهم بلكنة عربية ركيكة " سلم على فاطمة ، وجيبوا معاكم فاطمة المرة الجاية " ، وكانوا يقصدون بفاطمة كل فتاة جبلية جميلة ... وأيام الحرب العالمية الثانية دخل أحد الجنود الأمريكان حوش والده وسأله " أين فاطمة " ، فأجابه " بحال خرجت " ، ففاطمة هي المرأة التي كان يحلم كل جندي أجنبي بالحصول عليها ...
وطفق الشيخ يغني أغنية تونسية ليضفي على حديثه مسحة من البهجة " يا فاطمة يا بنت العم ، راني عبد لحم ودم ... يا فاطمة ... يا فاطمة " ، تفاعلنا مع أغنيته وصفقنا لها ، وشعر الشيخ أنه جعلنا نصغي إليه ونحفل بعالمه وبتفاصيل ذاكرته ، وحين نهض ومسك عصاه خلنا أنه سيتركنا وينصرف ، ولكنه رفعها بطرف إصبعه ، وصار يتمايل ويغني " هي ملات الحلة الخمرية ، خرجت بمقروني نتصيد في الغابة صادتني هي " ، وتذكره تلك الأغنية بأجواء الطفولة حيث خرج الجنود ليصيدونهم ، فوقع العكس ، بعدما صاروا يرونهم في صورة حيوانات صغيرة مسلية ، وإذا حاول أحد الجنود الاقتراب منهم ، فيطلقون أرجلهم للريح ، وتتواصل قهقهة الجنود ، " كوشون كوشون ، يا لكم من
وسخين ..."
واستدرك الشيخ بأننا سنقول إنه يخرف ، أو خرف ، أو أنه في خريف العمر ، ولكنه يشعر بأنه طفل في هذا المكان ، وأنه مازال قادرا على الصعود إلى هذه الصخرة المرتفعة ، ففي هذا المكان ذاكرة تشعره بعدم الشيخوخة ... وحكى لنا عن عملية كسوف الشمس ، حين احتجبت الشمس في النهار ... وخرج النسوة بالمهارس ، وكسروا رؤوس الناس بذلك الضرب المتواصل ، ولكن ما بقي من الكسوف أن الشمس تحتجب لتجعلهم يفكرون في ما خلفه الدهر ، " وما يعجبك من الدهر كان طولو" ، "ونحن ولادي مصنوعين من فخار" ، "والفخار إذا تكسر ماعادش يرجع" ، ولكن هو " من فخار بكري ، والفخار الذي تصنعه النساوين في هذه المنطقة بدائي ولكنه صحيح ، والقلب صحيح ، والرب أدرى بخلقه " ... ورغم انه يدرك بأنه صنيعة فخار ، فلا ينفي أن قوة تتحرك داخله وتشحنه بالشباب ، صحيح أنه لا يمكنه الاستغناء عن العصا ، لكنه مازال يمشي ويتحرك ، ويحس بدبيب النملة ...
أخرج حقة النفة من جيبه ، ووضع البعض منها في أنفه وصار يعطس ، ومازحه ذلك الثري "محشش عالنفة"؟ "حشيشة ولدي، أما حتى هي غلات وتتقطع ساعات" ، مد له أوراقا نقدية ، وقال "من الآن لن تحتاج حق النفة من حتى حد، وتو نبعثلك صندوق نفة حتى لدارك" ، "انت ولد منه؟ " ، "ولد السطاح" ، "يا حسرة على أيام جدك وقت ما كان يملك كان معزة" ، "لا يا حاج، نحن أغنياء أب عن جد" ، "ما تسمعش الكلام وليدي، جدك كان قليل وزوالي، وبعد ما خرجوا لفرانسيس، قالوا لقى شكارة فلوس والله أعلم وليدي ما تلزنيش للكذب" ، امتقع وجه ذلك الثري وكأنه أهين وطعن في شرفه... وواصل الشيخ حديثه "شوف ولدي ، ناي مولود عام الميزيريا العالمية، أنت تعرف الي قبل كانوا يؤرخو بالمصايب الى عشناها" ، وعقبت هاجر "يقصد الأزمة العالمية في أواخر العشرينات" ، "يعني ناي بيك فايت الثمانين" ، وأعقب "مشاء الله" ، يواصل "عاد فتكم بالحديث الي قبل القيرا العالمية الثانية بشوية، كنا نلعبو في ها البلايصة، ماني حكيتلك، فتكم بالهدرة يلي جدكم السطاح كان يجي للجنود والعسكر متاع فرنسا، يقودلهم ويعطيوه الصواريد، وما كناش فاهمين علاش يعطوا فيه في الصواريد، وعلاه بقى هامل وزوالي وحياتو غارقة في المزيريا، عاد فتكم بالحديث كان يخبي في الصوارد باش الناس ما يعرفوش الي هو بيوع فرنسا، وبعد ما خرجوا الفرانسيس، خرج الصوارد المكنوزة وقال لقيت شكارة فلوس، على من تجد ها الحكاية" ، قاطعته هاجر "لكن عم الحاج البيوع متاع فرنسا تعرف اش كانوا يقولوا له: قداش عطاوك الفرانسيس؟ فرنك منقوب؟ ، أي عاد القوادة ما كانتش تعمل ثروة"، " كيف ما كنت نحكيلك بنيتي كان ياخذ في الفلوس رزم رزم ، يعطيهم أسرار الفلاقة، والمغارات الي يهربولها ويخزنو فيها السلاح ، الله يرحمه ما عملش الخير في بلاده " ...
وحين أكمل كل ما عنده أعاد اليه رزمة الأوراق المالية قائلا " الرزمة هذي تذكرني بالبيوعة وناي منيشي منهم، حتى لما كان العسكر يقولون لنا سلموا على فاطمة ، كان الواحد منا يخرج لهم لسانه ، ويقول لهم " فولكون يا أولاد الهرمة " ، ولكن الثري سرعان ما رد له المبلغ "ما حكيته ولم نكن نعرفه يستحق الكثير، وهذا المبلغ هدية مني لمساعدتك"، ثم غير الموضوع وسأله عن الفج إن كان قد دخله أيام الشيطنة الصبيانية.... أعاد الشيخ المبلغ إلى جيبه وقال "من أيام الرومان ما دخله حد، وفي أيام البايات والاستعمار، ولما كان الأتراك يرون كنوز الآثار القديمة ملكهم ويهدونها للفرانسيس تقربا حتى قبل الاستعمار، جاءت فرق بحث من الانجليز والفرانسيس، وقالوا إن الفج مزروع بالكنوز من أيام البونيين والرومان، وكيف ما وصلوا لأي نتيجة جابو جماعة غرابة من "بر المغرب" ، سألته : "ألم يكن سكان الفج من أصول بربرية؟" ، أجاب "بنيتي البربر ما يسكنوش في المغاغر، البربر يسكنوا كان فوق الجبال، مش تحت الأرض، حتى مغاغرهم الفوق، والبربر واشكون يقربهم ويقول لهم اعملوا هكا وديرو هكا... ما يقبلوش، عاتبته هاجر " معناها طلعت جدي بيوع ويبيع في أسرار المقاومة... " ، مش نجيب فيه من رأسي الكلام، وراني مازلت ما خرفتش ، ويقول المثل : "قالو يا بابا وقتاش نوليو شرفة ، قالو حتى يموتو كبار الحومة " ، نهض وأخرج لأخيها رزمة الأوراق من جديد ، وأردف " وليدي ما عندي ما نعمل بهم الصواريد ، واش مازال لي على القبر ، نخليكم في أمان الله " ، " والفج؟ " ، " الفج سكنوه الغرابة باش يحوسوا على الكنوز، شوية طلعتلهم عبيثة توصفت لهم في صورة لبوة ، هربوا وهزوا قشاشاتهم، وبعد رحلوا للمهدية باش يحوسو على كنوز تحت البحر، أما قد ما عملوا الطلامس كانت أرواح البربر أقوى منهم ففروا في الليل قبل النهار" ، "والدليل ؟، من هو، وكيف يسهل له الدخول للفج والخروج منه دون أن تتطلعلوا العبابث، "وليدي هذاك يخدم في معهد التراث ويعرف الثنايا الكل، بدا يلم في الحجر وبعد ولا داخل خارج على الفج ، يقولوا تولد في ليلة القدر وما يصيبه حتى مكروه ، ولد البحر والجبل والفن والدراسة ، ربي يسلم قرايته ..."
ورغم أن حديث الشيخ عابر فقد قال كل شيء واتكأ على عصاه وهو يتنقل بين الصخور بحذر، وبحذق شيخ خبر المشي بين المنحدرات ...
تتلف الذاكرة الأثرية للشعوب ، تنهب متاحف العراق مع غزو التتار الجدد ، تباع اللقى الأثرية والتحف واللوحات الفسيفسائية في المزادات السرية ، تنهب كنوز الماضي ، وتزين متاحف الآخرين، تباع أوطان من أجل حفنة من المال... لم يأت الاستعمار لنهب الأرض فقط ، بل جاء لنهب الذاكرة ، وإن لزم الأمر يستعين ب"الغرابة" لفتح الكنوز الغامضة بتمتمات سحرية... ولكن لعنة الفج أقوى من كل طلاسم السحر ...
خير الدين باشا يهدي الأنصاب الأثرية إلى باريس، وتعرض في متحف اللوفر في 1876.... يرسم الرحالة العربية وفرق البحث الأجنبية خرائط الكنوز، فبعد حفريات الفرنسيين في ثلاثينات القرن التاسع عشر ، جاءت حفريات الأنجليز في خمسينات ذلك القرن ، القنصل البريطاني سير ثوماس ريدا " أراد انتزاع نقيشة المزدوجة اللغة وقد كتبت باللغة اللوبية وباللغة البونية فحطم ضريح دقة في 1842" و " الباخرة ماجنتا التي حملت سنة 1873 ب1200 نصب انفجرت في ميناء طولون" ، وتعرض الأنصاب في متاحف اللوفر ومعرض بريطانيا ...
أيام الطفولة وحين كنا في مصيف طبرقة وذهبنا في رحلة إلى موقع "بلاريجيا" الأثري كان أحدهم يحدثنا عن سرقة عيني إحدى التماثيل لامرأة من طرف سائح وقال " لقد صنعت العينان من المعادن الثمينة " ، وكنا نتساءل كيف حصلت السرقة ، ونتساءل عن غياب الحراسة ، ورغم صغر سننا وقتها فقد ألقينا أسئلة عن سبب غياب الأمن في معلم ينطوي على عدة لقى أثرية ثمينة، وأفهمونا أن بعض البعثات السياحية تأتي لأغراض عديدة غير السياحة العادية ، فما الذي لم يطمع فيه هؤلاء الأجانب؟ ، طمعوا في الأرض والثروات والتاريخ ، حتى الحجارة لم تسلم منهم ...
الآثار لا تقل قيمة عن البترول ذلك ما علمه لنا درس غزو العراق، على أن القانون الموحد للآثار في العالم العربي ضبط في العراق في 1981 .... تتواتر القوانين ، تحاول حماية التاريخ ، فهل تقف مجلة حماية التراث أمام السرقات والنهب وطمع الأثرياء والعصابات في مضاعفة ثرواتهم؟
ولماذا يصر هذا الثري عن معرفة أسرار الفج؟ هل يحلم بالعثور على هذه الكنوز ليتاجر بها أم ليحتفظ بها لنفسه؟ ، وفاتني أنني لم أنتبه إلى طبيعة التحف التي تزين ذلك المنزل الكبير ... ألا يكفي أن جده كان بيوعا لأسرار المقاومة ، فهل سيكون بيوعا بدوره لأسرار الكنوز الأثرية ... ولماذا لم يخبرنا الدليل أنه باحث في حقل الآثار ؟ ، وحده الشيخ يمتلك كل التفاصيل ، الدليل يتتبع آثار الماضي ، يجمع الحجارة الملقاة هنا وهناك ، يدخل الفج الذي لم تزحف عليه أمواج البحر، ولم تؤثر عليه حركة الريح ...
تتحرك أمواج البحر، البحر بدوره يحتفظ بأسرار فعل الطبيعة والزمن في هذا المكان ، والحجارة الملقاة هنا وهناك وتراها بوضوح هي دليل تراه العين ، وللذاكرة لآلئ تغطيها الأصداف ، وللذاكرة جمال كامن تحت قشرة الأرض وماء البحر... وحيث تولي وجهك في هذا المكان ، فثمة وجه الذاكرة المنسية يذكرك بوجه الله ، وجه لا تراه العيون ، ولكنه يرى ما خفي وما ظهر ... والأقدام التي لم تقدر على دخول الفج تتعثر بين الصخور لتتصلب ملامح صاحبها تكشف عن حنقها ...

9

من هذا العلو بإمكانك أن ترى البحر بأوجه عديدة من خلال أكثر من زاوية ، و تحس أنه كل لا يتجزأ ، تراه كعالم يكتمل في باطنك لكنك تتسلل إليه بمشقة وكأنك لا تستطيع ملاحقة أمواجه إلى ما لا نهاية ، ومهما ادعيت تمكنك من مغالبة الموج ، فمجهودك سيتوقف بعد حيز معين لا تستطيع أن تتجاوزه ، وساعتها لا يمكنك إلا الاستعانة بأحلامك أثناء غفوتك الليلية التي لا يحدها حيز ، وقد تفاجئك بصور سباحتك إلى الضفة الأخرى وتلك المنافذ الأشبه ببناءات بين نقطة البداية ، ونقطة النهاية التي هي بداية لشاطئ على الضفة الأخرى ... وتكتشف أن ذلك المرج الذي يقسم البحر إلى نصفين قد بني بدقة ، و ينشطر البحر عبر ذلك المرج ...ينتابك قلق لأنك لا تستطيع تتبع حركة ومسار الأمواج ، وكيف تذهب الأمواج في جهة معاكسة للأخرى عند الذهاب نحو الشاطئ ، وتخدعك حركة الأمواج في أعماق البحر ...
وأنت تتأمل البحر تشعر أن معاناتك تكمن في عدم تمكنك من قطع البحر سباحة إلى الضفة الأخرى ، وأن البحر يمنحك بعض إشعاعات الإلهام كحالات حدس تضيء العقل المحدود العاجز عن فهم ما وراء المحدود ....وعندما تنتابك اللحظات الخالصة تنفذ الأوهام كما ينفذ الماء من بين أصابعك ... الحرية المطلقة لا سبيل إليها ...وتحقيق كمال الوجود استحالة ..وبلوغ ذلك المرج أشبه بالعثور على مركز الحدس في النفس ليشع على كل المسامات والزوايا والخلايا في الروح والعقل والجسد ... ولكن الإنسان لا يقبض إلا على لحظات هاربة سرعان ما تفلت كما الماء المتسرب من بين الشقوق في نفس مثقوبة بالوهم ... تبحث عن نواة الخلق للحياة المكتملة ...
لقد وجدت هاجر في هذا الفضاء الإطار الجميل والملهم ، بثت فيه معاناة روحها وهي تتأمل الشاطئ الصخري وما يزخر به من حركة ، ويبدو أنها عاشت الحب حقا عند زواجها بالبحار ، انبلج الحب وحرك أوتار جسدها وجمل كيانها . ولولا شعلة الجمال والإحساس به كفكرة وهي تعيش حالات الوجود السعيد لما تحررت من أقنعة وقيود عائلتها ... ولكنه الحب الذي يتلبس باللوحة في حالة صفاء . وكان نواة رسمها لسلسلة من اللوحات ...
فن ... جمال ... حرية ... فحب يتذوق الفن بالإحساس الداخلي ... تلتحم عاطفتها بعناصر الحياة الجميلة ... لا أعتقد أن إحساسها تشوه ... ولكن بعض اللحظات لا تتكرر .. وحين تغيب الحرية تجد صداها في النتوءات الخانقة والأشكال ذات الزوايا الحادة والألوان الداكنة ، ولعل ذلك ما أشعر البحار بالاختناق ... فمن يعيش مع البحر فهو لا يرسم بالألوان بل بالماء الشفاف في البحر والنهر والجداول والسواقي ... وتتوارى عنه كل الأشكال وهو يتفحص ماء البحر المتموج ، تنصهر كل الأشكال وتنحل كل المعاني في النفس لتبلغ حالة يقينية بأن الحياة تسري بين مساماته وبين ملامحه وحركاته .
كانت هاجر تحدث زوجها البحار عن غربة قاسية وموجعة تتسلل إلى روحها . . كانت تشعر أنها سجينة النفس والروح ، ولا أحد قادر على فهم لغتها المجهولة ..وكانت تفكر في الانتحار ، لكنها وجدت في الشاطئ الصخري ما يضيء نفسها المعتمة .. وبدأت تشعر بدبيب الحياة في أعماقها وقد خالت أنها ماتت ، وصارت تشعر بالحب بعدما برد قلبها ولم وفقد الإحساس بخفقانه ، وانتابتها رغبة في التمرد لتسترجع حقها في الحرية ... على ذلك بدت تميل كثيرا إلى الشجن وأحيانا يصعب أن تتخلص من حالة بكاء هستيرية ... ويغيب عقلها أو يتعتم وهي تهذي ... تنفعل وتتقد غضبا بسرعة ، وكلمات والدته الرصينة هي التي تهدئها ...
لم يكن يخطر له يوما أن يتخلى عنها أو يضعها في اختبار قاس ولكنها حدثته عن مرحلة جديدة ستجسدها عبر رسمها لسلسلة لوحاتها اللاحقة في حياتها الفنية ... مرحلة صناعة اسم فني ... ولكن ما هي المرحلة القادمة ؟ ...مرحلة رسم جسدها عاريا منذ أشهر الحمل الأولى ، إلى الولادة ، وهي ترضع ابنها حليب الأمومة ، فوجئ وتساءل إن كانت تنوي عرضها ، فأقرت أن الفن حرية وتمرد وهروب من القواعد ، تصاعدت الدماء إلى رأسه ، وحين أدرك أنها جادة صفعها بقوة .. وتساءل : الفن إذا عرى الرغبات فهل له رؤية ؟ وبعد ؟ لقد عاد الجسد الى طبيعته وكشفت أوراق التوت ؟ ألن ينهض الإنسان من جديد ؟ وما هو الفرق بين الفنانة التي تعري جسدها والعاملة في الماخور ؟ لا فرق عنده ... وهل هو طرطور ليقبل أن تعرض زوجته لوحات للعري الطبيعي ... ماذا سيقول لنفسه ؟ هل استغلت زواجها لتعرف طبيعة هذه الحياة الجسدية التي لم تعرفها من قبل ، وترسمها للعموم على لوحاتها ... لقد تزوجها عذراء وبدون تجربة ، لكن ذلك لم يشفع لها لتقنعه بوجهة نظرها ... ومن وقتها وهو يبحث عن طريقة ينهي بها هذا الزواج ...
هو يرى أن الفن الرديء هو الذي تكون غاية صاحبه الشهرة والظهور السريع ، لكنه يميل الى الفن الملتزم ، الهادف ، الصادق ، العائد إلى الروح ، ويمقت الفجاجة التي تبرز الواحد وهو يعري جسده أو يحكه وكأنه أصيب بداء الجرب ... من يفعل ذلك في الطريق يدخل السجن أو مستشفى الأمراض العقلية ، ومن يفعل ذلك في الفن يصل إلى أعلى المراتب ... مأساة هاجر أنها تحن إلى خطيئة لم تقترفها بل هي نتوءات القلق وبعض الأفكار العابثة ، وذلك ما هدم كل الذي بنته، وهي بذلك تدور في دائرة مغلقة ، لذلك باغتها بقراره ليختبر إرادتها ، وتأكد أن دوافع الحياة والفن عندها معكوسة ...

الفنان الحقيقي كما يقول هو الذي يحول فنه إلى سلاح يشهره في وجوه الجميع ، لا أن يسكر حد الثمالة ويخلع ملابسه ويخرج عاريا ويقول : ها أنا موجود وقد تعريت من كل أوراق التوت ... وعرائي هو التحدي الذي أشهره في وجوهكم .. هذه الصورة لم تعد صادمة ، فكم من كهل وقور خرج في القيلولة يجوب الشوارع يبحث عن فريسة وهو يعري نفسه ، ويخلع سرواله ، أو سكير يتعرى أمام المارة فتقتاده شرطة الأخلاق الحميدة ...
الفن الحقيقي عنده في السباحة والغوص والصيد ... فن مثير بأسراره الرائعة . يسبح في عالم البحر ليكتشف امتداد الأشياء والتحامها بأعماق قلبه ويقرأ أسطر الفن التي تنحت بالانفعالات ، يغوص ليرى صور الأحجار والنباتات والأسماك . يرى لوحات متحركة ... عالم عميق جميل يشبه أعماق الروح ، وهو يعثر على حجرة منحوتة أو متفسخة الكتابة أو نحتتها الطبيعة وحين يأخذها يشعر وكأنه أفقد لوحات البحر بعض تناسقها ... ولكنه يرنو لتأمل تلك الحجرة ، ويقربها إلى أذنه كالصدفة ليستمع الى صوت البحر في لحظات الوحدة ، وهو يقلب الحجرة يجد فيها أكثر من مشهد وواجهات يطل منها على نفسه وينفذ منها الجمال .... ناولني الحجرة وطفقت أتأملها فشعرت بدوري أنها تحل رموز الروح في لحظات الانصهار الباطني والذوبان في تفاصيل المعنى ، في تلك اللحظات الخارقة يتشكل الجمال في حجرة تجسد ما اختلج في داخلها ...
وفي النهاية أقنع نفسه أن لوحات هاجر غير حقيقية ، وتساءل : هل هي متعاطفة في أعماقها مع معاناة خيرة ؟ ألم تحرق يديها بالسجائر ؟ ألم تحبسها في غرفة ورمت لها الأكل والماء وعاملتها كما يعامل العبيد ؟ هل هي متعاطفة مع هدى الفلسطينية و هل شدتها صورة والدها الشيخ الذي اغتالته أسلحة البحرية الاسرائيلية ؟ معاناة خيرة يعرفها كل سكان الجبل ، ومعاناة هدى الفلسطينة أقوى من أي مشهد ، لا تحاكى لا في اللوحات ولا في الخيال . إن لم تكن هاجر ثائرة في الحياة وصاحبة إرادة فكيف ستكون فنانة حقيقية ؟ ربما لا تخرج هاجر عن قطيع فناني "عقاب الزمان" ، يعبرون عن غريزة الحيوان ويتحدثون عن روح الإنسان ... وهاجر تلك التي عراها من أوراقها لتكتسي بثوب جديد ويرسم ملامحها بتعابير جديدة استطابت حالة العراء . أراد تجريدها من بذور الموت وزرع بذور الحياة ولكنها أحبت أن تبقى كأرض جرداء بلا كساء ... ماذا لو نظرت للسماء لتبحث عن زخات مطر ... مطر يتطلع إليه كل إنسان لينعش التربة ويخضبها وخاصة أيام الخريف الرمادية ... ربما ما يشغل هاجر المشاركة في معارض للفنون الجميلة ، ولدى أخيها من العلاقات مع القائمين على الشأن الثقافي ليكرسوا ابداعها في مختلف المعارض داخل البلاد وخارجها ... لذلك نفض يديه من صاحبة هذا الفن وترك مصيرها ومصير فنها لعائلتها ...
وباغتتني أسئلة ملحة بدوري ، هل الفن حالة تصعيد أم إعلان لإرادة الحياة ... وإن لم يكن الفن بحثا في جوهر وجود الذات وتحرر من الوهم ... فهل يتسول الفنان لحظات النشوة الحسية . تفر الروح ، فيستعين بأشعار الصوفية . يلبس الصوفي الروح بالحس في حين أن هؤلاء الفنانين يلبسون الحس بالروح ، فلا يمكن تصديق رؤاهم عن تجلي الروح ومعانقتها للأعلى والجسد يتمرغ على أوحال الشهوة ؟
الجسد ما إن يعلن عن نفسه حتى يتلبس باللوحة ، جسد يطل من اللوحات يعلن عن حرية تصدم من يتفحصه ، كانت هاجر تعيش حالة الهرب ، والتمرد على عائلتها وكانت تريد أن تمعن في هذا التمرد حين تتحول لوحاتها إلى مركز الاهتمام الأول ... وكأن جسدها يمد اللوحة بكل أدوات الرسم ... الجسد اكتشاف ... "وبحث عن لاوعي كامن وراء الجسد" ... والجسد مغامرة ... والجسد كشف ... والجسد طابو ...وستتكرر تلك المعزوفة الكلامية التي تطلقها فنانات هذا العصر ...ولكن هل يقبل الزوج الذي تلبس أمه الملية البربرية وتجاهد الحياة القاسية بالعمل دون كلل ، و"يتعرق" جبينها بخطوط الشرف أن يقبل بهذا ؟
تحاول هاجر كما أردف أن تجمل طلبها المجنون ... وهي تفسر له أن حبها له هو نواة هذه التجربة الفنية ... فجسدها لا يحمل غريزة الحيوان وليس مجرد آلة جامدة ، وترسخ لديها الاعتقاد أنها تعيش ارهاصات معرفة عالم مختلف في علاقتها به ، نحتت جسدها ، وارتأت أن تعيد تشكيل هذا الجسد المنحوت على اللوحة ....وكان الجمال الجسدي ما جعلها تعشق أشكال جسد المرأة وهو في حالة حمل ... وأن طبيعة جسد المرأة وتغيراته هي التي أغرتها لتتبع تفاصيل تكوين الجنين وتحوله إلى مولود مكتمل ، وتتدفق الحركة الأبدية . وفي تشكل جسدها مع تطور الحمل ستبعث فيه طاقات الإحساسات المكتشفة لأول مرة وستشحن لوحاتها بالحياة ... ومن لم ير جما الجسد الأنثوي في حالة حمل واحتضان الوليد وهو يتدحرج من للأسفل فلم ير لوحات الفن الحقيقي التي تجسد المرأة ...وهي لا ترسم لمشاهد ضرير ...
أتناول مفاتيح السيارة ، وأقول : ربي يعوضك ، ويكتبلك بنت الحلال ....
هز رأسه وقال : رد بالك على روحك ...

10

يبدو أن الحياة لا تهبنا الاطمئنان إلا ليلا ... أنصهر في ذرات الليل حتى صار الصمت يبعث في الذهن بعض الخدر ...كنت أفكر في تفاصيل الرواية وأنا أطل على الأشجار المتعانقة ، تنبري شخصياتها كأطياف تخدع الرؤية وتستحيل إلى ظلال متحركة مع حركة الريح ... القمر مشكل في صورة أبراج ولكن النجوم غائبة أو ربما هي مختبئة وراء السحب ...أنهكتني شخصيات الرواية وهي تناجي السماء بقلب معصوب ، وكان عليها أن تتسمر وتقتات من ذكريات محنطة ، تدق على أنفاس القلم المرهق ، فيتراءى ذلك الزمن الغابر حتى خلت أن النهر لن تتجدد مياهه وأن القحط لن يغتسل بماء المطر .... يرتوي القلم من جراحات الشخصيات ، جراحات مفتوحة لن تندمل بعد ، وهي تقطع تلك الدروب الجبلية ... تبهجك بخضرة غطائها النباتي ، وبعض الأعشاب ذات الأشواك المدببة ، تجرع المارين زعانف الشقاء فينهلون من رحيق المعاناة ...
تتحول الشخصيات إلى كائنات ملعونة تعبث بصمت الليل وتدخل علي حالة من التناقض ... تتلاشى كل الصور حتى مساحة قلمي تتحول إلى شظايا ولن يجد قلمي مكانا يدفن فيه أوجاع تلك الشخصيات ... شخصيات قد تكون استيقظت ليلا ، لتقتحم الظلام أو يناديها الظلام ... تشبه كائنات أخرى تعيش في العلب الليلية أو في الكاباريهات أو عيون تحرس الأماكن المعزولة ، أو خفافيش الظلام ، أو اللصوص المتسترين بالظلام ...من قال إن الليل ستار سميك يجثم على الجسد ويخدره ... كل الرغبات الدفينة تستيقظ ليلا وتلتف بالجسد ... كل التأوهات المحمومة تلتقطها الأذن ليلا ... نفوس قلقة من نوم يسلب منها حرية الجسد في الحركة ...قد يكون قلق من موت فجئي يزج الإنسان للعدم لتضيع المعاني وتتلاشى ...
من قال إن تلك الشخصيات تبحث عن الحقيقة في ما تكتب أو في ما ترسم ... من قال إنها شخصيات عاقلة وسوية ... من قال إنها شخصيات مجنونة ... ومن قال إنها شخصيات واهمة ... وهل تخفي تلك الشخصيات لغزا أو أسئلة لا تنتهي ... أو تتقلب حياتها مثل تقلبات الطبيعة من حولها ... كيف سأخرجها مني بعدما تلبست بي وأبت مغادرة ذهني وأخذت الكثير من وقتي؟ ... كيف سأغادر دروب هذا الجبل الذي أبى إلا أن تنفتح دروبه للاكتشاف المضني ...دروب تضعك في منطقة وسط بين الوجود والعدم ... يحدها الجبل من اليسار و تحيط بها من الجانب الآخر فجاج عميقة ، وصخور مدببة . والطريق يتشعب وينثني لتشبه حركة السير فيه طريقة سير الثعابين ...وبين الشك واليقين والحزن والبهجة تعيش تلك الشخصيات الساخرة القادرة على تغيير حياتها بسرعة ...وتواصل قطع دروب الجبل غير عابئة بما تركته فيك من انفعالات متنافرة ومشاعر متعاطفة ..
تزدحم شحنات متداخلة من المبالاة بقصص هؤلاء والعزوف عن تتبع مسار أحداثها ... وأختبر حالة مبهمة ...أتحسس طريق العودة من خلال النقطة التي انطلقت منها والتي مثلت أساس كل يقين بحقيقية أحداث الرواية ، ومثلت أساس كل شك حين تراءت شخصياتها كأطياف تكرر حضورها حلما حتى احتلت مساحة الذهن والورق ...كنت أحاول الاستحواذ على مادة الحلم المتكرر لتستحيل إلى حكاية ، وعن أقنعة تتلبس بكل الارتسامات التي التقطها الذهن ... وكان الخيال يلوح بتلك الرموز الذهنية ويحولها إلى كائنات محسوسة تخرج إلى تشعبات الجبل بصور غير غريبة عن واقع المكان ... تتشكل لي في هذا الليل كمفاتيح تحل أسرار حيرتي وأسئلتي الهشة ...كان على تلك الأسئلة أن تخرج للعالم الخارجي لتأكد حضورها من جديد ... فصور الماضي لا تنام في كهف الذاكرة للأبد ... قد يكشفها حلم أو صورة تشبهها في الحاضر ، وقد علمنا التاريخ بأنه يعيد نفسه رغم مرور العصور ...
أحاول أن أكون طرفا في حكاية ما كانت لتتطور وتنسج لولا عودتي إلى التراب الذي نشأت عليه والمنزل الأول الذي عشت فيه والقرية التي امتدت حقولها وشخصياتها وخرافاتها وأوهامها في ذاكرتي ... نقاط ثابتة في خط رواية أسعى إلى إنهائها ولكنها سطرت على خط لا محدود فأعجز عن المسك بطرفيها ... كنت أرى فيها ملامح النفس البشرية .. نفس موشاة بالأحلام والأوهام والجنون ، ومشبعة بالرغبات في اكتشاف العتمة والتعلق بنور البصيرة ... ولكن الأسرار المخفية تحاكي صمت الإلاه عن عالمه ، وعجز الإنسان عن قطع شاطئ البحر من الضفة إلى الضفة سباحة ودون توقف ... أو أن يعيش دون نوم أو دون ماء أو دون أكل ... يشبه الإنسان آلة تتحرك بالطاقة وحين تشيخ وتهرم لا تنفع معها كل طاقات العالم ... والروح التي تتعايش مع الجسد في رغباته تتبرأ منه في النهاية وتعود إلى خالقها ... والشخصيات التي نسجها خيالي لن تعيش بدورها في ذهني إلى ما لا نهاية ، ولن أنسغها بروحي إلى ما لا نهاية ، ولا بد لهذه الروح أن تخرج من تلك الشخصيات وتتركها للزحام ...
ولكن الشخصيات تتشبث بك ولا تتركك كقطط الشوارع التي تتكاثر في منزلك ولا تتمكن من الإمساك بها لتلقيها بعيدا عنك ، وحين تضع لكل واحدة منها سمكا في سيارتك ، وترمي كل واحدة منها في مكان بعيد تفاجئ أن كل تلك القطط قد عادت إلى منزلك ، كيف عادت ؟ كيف وجدت طريق العودة ؟ ولم تصر على إقلاق راحتك ، وعلى التمرغ على كل شيء والاستلقاء هنا وهناك والإنجاب في منزلك ، وتحت فراشك ، وفي يوم عيد ميلادك ... كل ذلك لا تجد له جوابا ، ولكنك لا تستطيع إيذائها كي تذهب للأبد ، فقط أنت تريد إبعادها عنك ومع ذلك فهي تصر على البقاء ...
كل ما أعرفه عن تلك الشخصيات ينتهي مع كل سطر أكتبه ، فأنا لا أعرفها تماما ، بل صادفتها ، وحاولت معرفة أسرار حياتها كاملة ، ولم يكن من الصعب علي معرفة الكثير عنها ، فهي شخصيات على وشك إطلاق صرخاتها ليسمعها الآخرون ، وكأنها كانت تنتظر من يصغي إليها ، ولكنها لا تكشف لك عن نفسها كاملة ، فهي لم تتعود على لحظات المكاشفة مع ذاتها ، ولكنها تعاني من تأزم لأن عوالمها مهملة والآخرون يتفحصونها من الخارج كتلك الصورة التي عثرت عليها ، صورة خيرة المتحجبة وهاجر في هيئة شبه عارية ، ومع الصورة تلك الورقة المكتوبة بخط ساحر مشعوذ ... كانت تلك الشخصيات كصور تتعرض للأذى ، وكانت الصور تتبادل الأذى ، وكانت تلك الصور بيد الراقصة ، تلك الراقصة التي لو خيروها بين الرقص بالأوراق المالية والرقص بتلك الصور لما اختارت الصور لتعكس كل شماتتها على هؤلاء الأوغاد المتسترين بالملابس أوبشرف العائلات العريقة ليداروا ما سكتوا عن الحديث عنه ..
هي شخصيات لا تعرف نفسها وتكاد لا تحيط بها كاملة وكأنك تتفحصها وتتحسسها في الظلام وكأنك تنزل درجات ذلك السرداب في أسفل حوش جد خيرة ... تبحث عن جسدك التائه منك ، وأنت داخل اللاشيء ، فقط خطواتك تتحسس درجات السلم وتخشى من السقوط و تمسك يدك بطرف السلم وبالفانوس في ذات الوقت ... وحين يقول خال خيرة بأن ذلك السرداب كان مخبئا للمقاومين الجرحى أيام الكفاح المسلح لطرد المستعمر ، فإنك ستتحسس تلك الآلام الفضيعة التي أصابت أجسادهم تحت طلقات بنادق الجنود الفرنسيين .. ولم لم يكن ذلك الدهليز مكانا للتعذيب في عهود مضت ، فلا شيء يحتويه الظلام غير آلام الجسد والروح ...وماذا سيحس الراقد في العتمة ؟ هو كذلك الرجل الذي تحدث عنه كيركغارد إنسان نائم على الفراش ، يشعر بألم فضيع ولا يستطيع أن ينهض .
ولكن تصور نفسك وأنت تقترب من ذلك الإنسان وتحدثه عن حياته ، ملامح الناس الذين عرفهم ، أحاديثهم ، خرافاتهم ، ألا تشعر أنه سيبدأ بالتشبث بيدك ويطلب منك أن تجعله ينهض من ذلك المكان وينفذ خارجه ، ألن تتبدد بعض أوهامه التي أصابته بالهستيريا ، ألن يستيقظ الجسد من خموله ؟ هكذا أراد خال خيرة أن يفعل ... خيرة تعيش في سرداب ، ولا بد أن تجد من يسرد لها تفاصيل طفولتها ... وذكرياتها الجميلة قبل مشهد موت والدتها غدرا ... لا بد لجسدها أن يبرأ من الشروخ النازفة ، ولا بد من عمليات تجميل تمحو آثار الحروق والندبات ، ولا بد من تعليمها ولن تنزل درجات السرداب ثانية ...
حين كان خالها يافعا ، كان والده الفظ الغليظ يطلب منه أن يقضي عطلة الصيف في العمل في الحقل ، وكان عليه أن يفرز الغلال في صناديق حسب الجودة ووضع الغلال المضروبة على حدا لتوزع على العمال لاحقا ، و خطر له أن لا يلتحق به حين شعر بحاجة للنهوض متأخرا ، وقضاء اليوم مع رفاق الدراسة في المعهد في صيد العصافير ، عاد والده مساء مقطب الجبين ، كاظم الوجه ، ولم يسأله عن سبب عدم التحاقه به للحقل ، بل حبسه في ذلك السرداب لينام على أرضيته دون أن يفترش حصيرا ولا كيسا ... شعر بالرعب ، واضطر لإغماض عينيه كي لا يفاجئه الظلام الدامس ، أسند رأسه على يديه ، وصار يتخيل تلك الخرافات التي تحكيها عجائز الجبل عن تلك الجنية التي تتلبس بالذكور كلما ناموا لوحدهم ...
هو الآن لوحده وغائب في عالم لامرئي ، ولكن الجنية تراه ، شعر بالحرارة تغمر كل جسده ، تصبب منه العرق ، وشعر بتلك اليد تجوس كامل جسمه ، وتتحسسه ، وشعر برغباته تشتعل ، فانصرف عنه الخوف وشعر بمتعة ممارسة عادة لا تمارس في العلن ، وصار يتسلل ليلا سرا إلى ذلك السرداب كلما نادته تلك الجنية المشتعلة بالرغبات ، وحين تفطنت والدته إلى صنيعه اعتقدت أنه أصيب بمس من الجن ، فأغلقت باب السرداب ووضعت أمامه خزانة كبيرة ، ومن وقتها صار ينتظر الظلام لا لشيء إلا ليشعر بمتعة اللقاء بتلك اليد التي تحرك يده لتتلمس ما بين فخذيه ...
تتحدث المرأة الفرنسية عن عادات زوجها القديمة وهي تتحدث عن جسد عربي مكبوت يعبر عن رغباته في الظلام ، ولا يترك حرية للجنسين للتلاقي والعيش مع بعضهما في سن المراهقة ، وقالت إنها لن تمنع أبنائها من العيش بحرية في تلك الفترة الحرجة ....
عندما التقته في باريس ، وكان ذلك قبل الزواج ، كان على هيئة توحي ببعض الخوف من المواجهة ، والاكتفاء بتفحص عالم الجامعة الغريب عنه ، وحين اقتحمت عالمه ، كان يحدثها عن ذلك الكبت الذي يحدث لديه مرارة في الحلق ، وشعوره بعيني والدته تترصده في الظلام كعيني قط متوثب لتخمشه بأظافرها وتقول له : " عيب "، أو " الولد ممسوس " وكان والده السيد الفظ الذي لا يقبل النقاش يدعوه أن يصرف كامل طاقته في العمل في الحقل أيام العطل ليعود متعبا ، مرهقا ، تسخن له أمه الماء ويغتسل في القصعة ثم يتعشى ما كتب وينام ...وكانت والدته تحتفظ بكل الدنانير التي يتلقاها جراء عمله الشاق في صرة بدأت تكبر وتتكوم مع مرور الأعوام ، وحين صار يدرس في الباكالوريا : سألها إن كانت ستسلمه ماله ليواصل دراسته في الخارج ، فرحبت والدته وزغردت وطلبت منه أن لا يعود إلا ومعه شهادة كبيرة تعلقها على باب الحوش ، وحين ذهب هناك ، والتقى زوجته التي صارت تنتقد أسلوب والدية في التربية ، صار لا يقوى على العودة ، وكره تلك الأيام التي قضاها في الجبل ، ولم يعد يرغب في العودة إليه ثانية ، وكاد يفقد الذاكرة تماما ...
تذكرت عبارة والدته التي أجابت بها خيرة وهي تهم بالسؤال عن خالهاالغائب " العزوزة هازوها الواد وهي تقول العام صابة " ...

11

بعد طرده من الحوش بدا أحمد كدرويش يرقص تحت المطر رقصات دائرية أشبه بالراقص الصوفي ، لا بد للجسد أن يرتخي ويحلم وهو يغيب صور الأشياء من حوله ، يحلم بكونه موجود في غيابه عن العالم ، لا مجال لنبش الذاكرة أو تركيب الصور بالطريقة التي تناسب الرغبات التي تود التعبير عن نفسها ، يتلاشى كل شيء من حوله وهو يدور ويدور ولا يخرج من الدائرة والأطفال من حوله يضربون على علب الطماطم الفارغة والبراميل القديمة الملقاة ...
هل غاب أحمد عن الوعي ، هل ارتخى جسده ؟ هل نام ؟ هل غابت كل خطوط تفكيره ؟ هل فقد الرغبة في السير في منعطفات الجبل ... يدور ويدور إلى أن يغمى عليه ، ويكف الصبية عن التهريج ويهرعون بعيدا بعدما اعتقدوا أن طاقة جسده قد نفذت وللأبد . هو يحلم الآن ويسترجع بعض صور الذاكرة ، يقرأ خواطر خيرة فيستشعر عمق المآسي ، يتفحص لوحات هاجر التي ترسمها في حالة قلق فيشاهد لوحات غامضة تبعث فيه الشعور بالرهبة لقتامة ألوانها وشحوب الوجوه التي تعاني بؤسا باديا للعيان . حيرة وقلق حول مصير مبهم لإنسان مهدد في وجوده دائما ...
وحين تأتي سيارة إسعاف ، و يضع الممرض الآلة الطبية المزودة بالأكسوجين على أنفه ، ويحمل نحو العناية المركزة ، ويعزل في غرفة صغيرة ، ويجثم جسده هناك ، يفتح عينيه ببطء ، لا يرى إلا الفراغ ... لا أشباح ولا ظلال ولا أطياف تزوره أو تلقي عليه نظرة ، ولا خطوات تتجه نحوه عدا خطوات الممرضين الذين يبدلون له قارورة السيروم ... كان أشبه بقط ملقى في الشارع وهو يحتضر ، ويرى العابرون أنه قط بسبعة أرواح وسينهض أكثر شراسة ، غير عابئ بالأشخاص الذين لم يهتموا به وتنصلوا منه وهو على فراش الغيبوبة ... لكنه سيفيق من جديد ، وسيسلك طريقه نحوهم ، وسيباغتون بعودته وهو يتمسح على أرجلهم ليعيش في محيطهم ..وحين يسألونه : ألم تمت بعد ؟

يجيبهم على لسان أبيقور : " أتعرفون لماذا يشقى الإنسان ؟ لأنه يترك شؤونه للآلهة معتقدا أنهم وحدهم سيدبرونها ، ولأنه يخاف الموت ويخاف الآلهة ، وأمام دهشة الأثنيين قال : طالما كنا على قيد الحياة فالموت غير موجود ، فإذا وجد فإننا نكون قد صرنا إلى اللاوجود ..."
وبعدها صار يتحدث عن جمال الغيبوبة التي تنتشي فيها النفس وتسترجع كل المشاهد الباعثة على إثارة السخرية ـ يعيش الذهن انتشاء غامضا ولوحات تضيء وتظلم و كأنها لعبة الأنوار أو لعبة الأقدار ، تستعرض حكايات القدماء ... يتفحص وجوده الداخلي ، ويصبح همه الذي يشغله ويقض مضجعه بعد الإفاقة ، مصافحة أحلامه وهو متشوق ، متحرق ومصمم على حل حبكة التوتر ، و يدرك أن خيط النور الذي رآه ليس وهما أو زيفا...
تتصل به هاجر ليجري معها حوارا حول رحلتها الفنية على الشاطئ الصخري ، كانت تريد أن ترسم صورة للقراء الذين سيكتشفونها بصورة الفنانة المغامرة التي صورت معاناة الشباب الراغبين في الوصول إلى الضفة الأخرى ، ومراكب هؤلاء الذين يقبضون آلاف الدينارات . وحاول أحمد أن يضخم حساسية الفنان ورغبته في تغيير الألوان الداكنة المرتسمة على أمواج البحر كبقايا البترول التي تلوثه وتصبغه بالسواد ، ويحلم بتطهير اللوحة من النتوءات ... وقال في تقديمه للحوار ، ذلك التقديم الذي أملته عليه هاجر بأن الفنان صاحب رؤيا ولكنه صاحب رؤية في البداية ، فهو لا يكتفي برؤية أعماق الأشياء بل يرى أيضا كل ألوان الحياة على شكل بانوراما من صور بيئته وأنه لن يحقق وجوده ويبني ذاته ويؤصل كيانه وينحته دون أن ينطلق من الرؤية والمشاهدة وتفحص الصور ... وما يحرك الفنان الجانب الإنساني ، والرغبة في التغيير والتفكير في من حوله ليكون شخصية مؤثرة وفاعلة ...
حين ولت وجهتها للبحر أحست بوطأة الحياة وهي تجاهد خطاها المتعبة على الصخر .. وانتابتها رغبة في تكسير طوق الجمود وتوليد حركتها الذهنية محاكية حركة الأمواج ، لكنها تركت البحر إثر ذلك ليتخبط في ظلماته الحالكة وعلو رفعته الموهومة ، بعدما تحسست مواطن الجمال ، وما يبعثه البحر من ضياء وعتمة على اللوحة ... فما أروعه شعور عندما اكتشفت ارهاصات الذاكرة المنسية كتلك الآثار التي يبتلعها البحر في ذلك يتوعد الآخرين بنسيان الماضي العالق في أعماقه ...
لقد تغذت نفس زوجها بشحنة وخز الموج ، لقد سكت عن أخطاء أصحابه اللذين يهجرون الشباب للضفة الأخرى خلسة ، ما جعلها ترفض أن تواصل العيش هناك وأن يولد ابنها في مرافئ المخاطرة والتيه . ولكنها ترى أن النفاذ إلى البحر من مكان آمن والانفتاح عليه من جديد ، سيجعلها تتجشم رحلة العمق ، عمق البساطة في أشكال الموج ، وعمق المشهد على سجيته ... فرحلت عن الشاطئ الصخري لكي لا يجرفها العيش فيه عن الصمت عنه ... وكان عليها أن تخرج من مأزق الانغماس في ذلك الواقع ... وكان عليها أن تختار بين الصمت وبين التعبير وكشف الحقيقة بطريقة مرئية ، عبر معرض الصور وسلسلة اللوحات ...
وقد أشعرها الصمت بعسر عملية الرسم ورسم الأفكار التي اختمرت في ذهنها ، فهي تحس وتشعر وتتنفس على اللوحة ثورتها على كل صور القبح لأنها تبحث عن الجمال الروحي ، ولكن كيف لها أن تقنع زوجها البحار بأنها لا تعيش في برج عاجي ، بل هي تبصر العالم من كوة الضوء التي تريد أن تلقي أشعتها على الألوان الداكنة في الحياة ، ضوء يسحر العين بين طيات الذاكرة ... ضوء انبلج من قلب أحب فأعاد الروح إلى تمثال الجسد وقد كان أشبه بالصنم ... وصارت أشكاله في حالة تحولها أشبه بالأشكال الجوهرية و أجمل ما فيها نقوشها وزخرفها ورموزها ... وصارت الروح وجها للجسد ، والجسد أضحى بدوره وجها للروح ، وتلك التيمة الجامعة بينهما لا تعرف السكون ، وحين لم يفهم زوجها البحار رؤيتها تنصلت من آثار زواج سطره القدر ...
كان الحوار على غاية من الإتقان ، ولم أعد قادرة على فهم أسباب الانفصال بين البحار وهاجر ، ورواية كل واحد منهما تختلف عن رواية الآخر ، ولكنني طفقت أستحضر مشهد حسم العلاقة بينهما ...
********
الجبال لا تتلاقى والرجال تتلاقى ... مثل معهود تعود الرجال على التفوه به في كل عراك بين رجلين ... وتتوقف اليد عن توجيه لكمة حين تتعلق نظرات صاحبها بحجارة منقوشة على رف مهمل في الحوش ذي الجدران المتآكلة ، تولي اليد وجهتها وتتجه نحو الحجرة التي تبدو منحوتة بإتقان ، وقال صاحبها : " تبدو الحجرة كقطعة أثرية" ، فأردف البحار أنه عثر عليها أثناء غوصه في عرض البحر . عرض عليه الثري أن يشتريها منه لأنه مغرم بجمع الحجارة المنقوشة ، يتناولها البحار من يده ويعيدها إلى الرف ، "هي حجرة وليست تحفة ، نقشتها الطبيعة ولم ينقشها الإنسان القديم" ، " هل يوجد الكثير منها ؟ " ، تأملها البحار جيدا وأجاب بعلامة من رأسه تدل على الإمكان ...
لم يقتنع أنها منقوشة بفعل الطبيعة بل بيد الإنسان القديم ولكن الرسوم والكتابات تشوهت وطمست ملامحها بفعل تآكلها وتحلل لونها ، فالبحر هنا يردم جزءا كبيرا من المعالم الأثرية ، وعرض عليه أن يبحث عن مجموعة أحجار متناثرة في عمق البحر ، وسيشتريها منه بثمن مغر ، ابتسم البحار وطمأنه بأنه في كل عملية غوص سيبحث له عن تلك الأحجار المنقوشة ، المتآكلة ، فابتسم الثري بدوره وضرب على يد البحار ، وأخرج علبة سجائره الرفيعة ومد للبحار سيجارة ، وأشعلها له ، ثم أشعل سيجارته وطفق يدخن ، ويخرج الدخان من رئتيه ونظراته ساهمة ...
تخرق هاجر الصمت قائلة إنها جاءت من أجل أخذ لوحاتها ... و رد البحار بسخرية : تلك اللوحات الجنائزية ، لم تعد معلقة على الحائط ، وخطر له أن يضعها جانبا هذا الصباح ، فهو يبحث عن لوحات حقيقية في واقع الحياة ...لوحات لا ترسم بألوان دهنية أو زيتية أو مائية أو أي لون أشبه بالأصباغ التي تغطي وجه المهرج ، هو يحبذ لوحة مرسومة بألوان الزياتين والنخيل والكروم والتين والتفاح والنعناع والإكليل والزعتر ليشتم منها روائح الثمار والأعشاب ، ويستشعر أنها نابعة من الأرض . يشتم روائحها ويقطف ثمارها ويروق له طعمها حتى وان كانت حامضة أو تناولها قبل نضجها ...
هو لا يحب ما كانت تصفه له بالظل في كل مشهد بل يريد أن يرى شمسا تشع على البحر وعلى الصخور وعلى الحوش وعلى جسده ليرى خيوطها الذهبية كدرر تلمع على صفحات البحر ... يريد أن يحتفظ لنفسه بصورته كبحار يرى في الصراع مع البحر والطبيعة ما يرسم حريته ... علاقته بالشاطئ الصخري كعلاقة الإنسان بوطنه ، هو منحوت في كيانه ولا يستطيع أن يفسخ ما نحته البحر على الصخور الناتئة فأعاد تشكيلها ، لا يريد أن يولي وجهه عن بقايا الآثار الشاهدة على التاريخ الذي يحمله إلى غابر الأزمان ، فيكفي أن يطل على عتبات الفج من بعيد ليري عصور ما قبل التاريخ ، ويتخيل حياة من سبقوه ، والحضارات التي تداولت على هذا المكان دون أن تجرده من بساطته ..
ردت هاجر أن لوحاتها ليست موضوع تهريج ، بل شخصت المكان وواقع العرب المهزوم ، واستمدت تلك المشاهد من الواقع ، وهي لوحات كانت تشعرها وهي ترسمها بأحاسيس متناقضة في النفس التي لا تسير على وتيرة واحدة ، وأن ما نعته بالتهريج ناتج عن عدم معرفته بخاصية الألوان والتكنيك ، وكل ما استشعرته في هذا المكان موسيقى الكائنات الطبيعية وألحانها المتباينة المختلفة بين عزف الرياح و صوت أمواج البحر ... وكانت تشعر في وجودها في هذا الحوش بالعزلة التي يبحث عنها الفنان كلما أرهقه الواقع ... ونفثت في هذه اللوحات آلامها وتوقها للسعادة ، وما عاشته بين جنبات هذا الحوش كان صادقا وعميقا ... وكانت تستمتع بالمعاني التي تقودها إلى إنسانيتها وهي كامنة في عناصر الطبيعة وموسيقاها على هذا الشاطئ الصخري ، ففاضت عاطفتها وتجلت روحها ، وتسرب الجمال إلى كامل خلايا رسوماتها ...
كانت متأزمة وعلى شفا لا توازن مع واقعها ، لكن ذلك ما دفعها للإبداع الحقيقي لترسم المشاهد الأفضل بعد تجارب مريرة مع الناس ، وصارت تكره فيهم التجارة بالعواطف والشباب والأرواح والأوطان ، وكانت تبحث عن تحفز الهمم بملامح صلبة ...تواجه واقعها ... ولكنها عاشت خيارين إما أن تعيش معه أو مع عائلتها ... تعيش في هذا الحوش كهاجر الهاربة عن عائلتها ... أو تنفصل عن هذا العالم لتعود إلى واقعها ... وترى أن حياتها معه وفي هذا الحوش لم تكن سوى فترة أو حالة لن تتكرر ثانية .
وحين يحاول أخوها رأب الصدع ليعرض عليه أن ينتقل للعيش في منزلهم الجبلي الكبير ، يرفض البحار أن يعيش في دارهم الكبيرة ببذخ ، فهو سعيد بعيشه في هذا المرتفع الصخري وفي معايشته للبحر ، هذا المكان هو حلم لا يريد الخروج منه ، وهو لوحة جمالها أرع من هذه اللوحات المعلقة على الحائط ، بجمال صخوره المنحوتة وطبع أهله وطيبة الأمهات البربريات ، يتلحفن ب"ملياتهن" قرونا من الزمن ، يرى في تقاطيع جبينهن عمق البحر وكرمه ... هو مغروس هنا ولا يستطيع أن يغادر الميناء حيث مرفأ انطلاق الرحلات نحو عمق البحر ومنبع الإلهام ، يكفي أنه يستمع إلى أساطير الفج هنا تتردد على مر السنين ، لم تمحوها الأيام ، فهو صرح وهو حصن ، فكيف ينسلخ عن المكان الذي رسم ذاته وجمل حياته ؟
ترد هاجر ببرود : أنت الخاسر في النهاية ....
نور وهمي وألوان مخادعة ... هكذا وصف لوحاتها وهو يمدها لها ....
قاطعه أخوها : رغم ما مرت به هاجر من تجارب فمازالت في بداية الشباب وهي كأي طالبة تتعلق بشعارات فضفاضة ، تجذب ذوي الحساسيات المرهفة لأنهم شعروا بالظلم وبالحلم في عيش حياة مثالية لا يحتملها الواقع ، يحنقون على ما بدا لهم مزريا ، وحين يدخلون معترك الحياة أو يحصلون على بعض الامتيازات يتخلون على كل شعاراتهم ... هاجر صاحبة عاطفة حساسة ورقيقة ، لكنها مصدومة بمشهد احتراق الفراخ منذ صغرها ، تتحول إلى فتاة سادية في لحظات ، وتصبح هشة العواطف وطالبة للصفح في لحظات ، اندفاعها ما يجعلها تريد الحصول على السعادة في حلم مؤقت أشبه بالمخدر ولكنها تنهض بسرعة منه ، ترتمي في حضن وسرعان ما تنسلخ عنه حين تنهض على واقع زري في هذا الحوش القديم ذي الجدران المتآكلة ، وحسنا أنه فهم شخصيتها ليسهل الطلاق بالتراضي ...
تدخل العجوز البربرية ، وتقول إنها وابنها سعيدان بالعيش في هذا الحوش الذي اتسع لابنة الأثرياء ، ونامت فيه بهدوء ، وحلمت بالسعادة ، وإن رأت أن الحوش قديم ومتآكل الجدران فربي يوجهها خير ...

تعانقها هاجر وتردف أن هذه المرأة علمتها شعائر الطهارة وهي تنهض فجرا وتتهجد ، وتنهضها بدورها لكي لا يفوتها " فراق الأقسام " وليعطيها قسمها بالحلال ، وشعرت أن تلك المرأة لونت حياتها بلون الفجر ، ورغم قسوة تقاطيع وجهها المتغضن فقد كانت ملامحها تتجمل بالبشر وهي تحضنها حين تجدها ساهمة وقد غطت الدموع وجهها ... قالت إن ما وجدته في صدر هذه العجوز روائح النباتات الجبلية العطرة وأريج النوار وشقائق النعمان ومنبع الوحي بملامحها القاهرة للزمن ... ففيها صبر أيوب وإصرار سيزيف ... تجاهد الليالي وهي تسهر بجانبها وهي تهذي أو تبكي ، تسامر النجوم ، وتهدهد عليها كالطفل الصغير ، تهديها راحتها دون شعور بأي مزية ، فهل ترد على هذه المحبة بالجحود وهي ترى أن ما تحمله من عاطفة لهذه العجوز أشبه بنهر لا ينضب وسماء مكتنزة بالسحب ...
في هذا الحوش استقبلتها العجوز كشمس تضيء عتمة النفس المثخنة بالشروخ ، فالتحمت مع ذاتها في عالم بديع ، يطل على مراكب الحراقة وتجار البشر ... لكنها لا تستطيع البقاء في هذا الحوش للأبد وتشكر لهما حسن الضيافة ، في حين اعتذر أخوها للعجوز وقبل جبينها وصافح البحار بحرارة ، وكرر رغبته في اقتناء الحجارة المنقوشة المتفسخة الراكنة في أعماق البحر ... يبتسم البحار ببرود ويهز رأسه ...

12

أزيح الستائر الداكنة ، وأفتح النوافذ لتتسلل أشعة الشمس إلى غرف المنزل من كل المنافذ ، وترسل ببهجتها ونورها في كل ركن من الأركان.. ولكن الزوابع الطارئة سرعان ما تحجب الشمس و تغطي السماء بغيومها الرمادية.. أحكم غلق الشبابيك وأسدل الستائر الداكنة وتتعتم الغرف ، وأشعر بحاجة للتدثر بالغطاء.. تندفع الأمطار بغزارة على السقف وعلى الجدران وأخال أنها ستنفذ إلى الغرف.. تناهى إلي رنين الجرس ، تساءلت: من تجرأ على زيارتي في مثل هذا الطقس.. ذهلت حين لمحت سيارة هاجر.. كيف وصلت في هذا الطقس الماطر؟ وكيف عرفت عنواني؟ نعم.. هي من تقف وراء الباب الخارجي وقد بللها المطر..
بدت كفراشة مذعورة وهي تندفع كطفل صغير.. السماء مكفهرة بالغموض وحبلى بالماء والحياة والحلم.. ولكنها تنبري كمن تحسر من الزمن أو كتائه في طرق متشعبة.. استلقت بملابسها المبللة على أول كرسي اعترضها.. واسترخت وكأنها منتشية بالاستماع إلى زخات المطر تنهمر كترانيم عذبة..
دمدم الرعد وومض البرق.. خرجت من ذهولها، وهي تخرج مجلة من حقيبة يدها.. وتقول إنها لم تنجح في منع البحار من الرد على أقوالها في الحوار الذي أجراه معها أحمد.. وقالت إن رئيس التحرير لم يكن قادرا على حرمان البحار من حق الرد الذي تقر به كل تشريعات الإعلام في العالم.. تناولني المجلة لأتصفح ما ورد فيها.. رد البحار على حوار رآه مفبركا من طرف زوجته السابقة وهي تتقمص دور المقدم والسائل والمجيب كالطائر الذي يغني وجناحه يرد عليه، ذلك البحار الذي لم يواصل دراسته الجامعية ، وتعلق بالبحر، وخير العناية بوالدته العجوز، كان صاحب رؤية بعيدة المدى تتماهى مع رؤية كل بحار خبر أعماق البحر، وغضب أمواجه كلما حرك الريح درجات انفعالها..
يقول البحار بنبرات ساخرة مغموسة في المرارة.. " ينسلخ الواقع عن الخيال وتتبرأ هاجر منه، بعدما أضناها الشقاء، ماذا سيضيف لها الخيال، أهذه الأصباغ التي تخفي النفس؟ وتمسخها وتمحقها؟ ماذا ستضيف هذه الأصباغ التي وارت عنها حقائق الأشياء ورمتها في مفترق الطرق، وهذا التمزق هو نتاج لجهد ضاع صدى وعصفت به الرياح من كل جانب، هذه المشاهد التي تجذب الناظر إليها ببريقها وألوانها الزاهية وكلما اقتربت منها اكتشفت مدى زيفها وقذارتها..
وشعر أنه مجرد شيء تافه تلاعب به خيالها لا لشيء سوى لأنه كان منبهرا، منجذبا إلى أكبر خدعة عاشها، هكذا هي حياة كل شخص، لا يشعر بزيف الخيال إلا إذا نقل له الشعور بالغثيان.. من هي هذه الرسامة في جوهرها؟، عواطفها ليست صادقة ، تتقمص المحبة لتغطي الفراغ المقيت أو خيباتها الكثيرة ... جاءت للشاطئ الصخري لتهرب من وضعها المأسوي ، لم يستغلها وتزوجها ، عاشت أياما في الخيال وكأنها تلبس ثوبا جديدا مريحا يستجيب إلى وهمها بالحرية ...
وإذا واجهتها بالواقع فهل سترى الحياة جميلة دون إغراق في الوهم ؟... ستكون الحياة حقيقية حين تحكم زمامها وتعرف كيف تقودها ، ولكن السياقة تحتاج إلى احترام إشارات المرور ، وكل ما يسير بنظام في هذا الكون كتعاقب الليل والنهار، وتعاقب الفصول الأربعة ، وإن كانت هذه الإشارات لا تناسبها فلا فائدة من السياقة لأنه لن يقبل أن تشاركه امرأة قيادة الحياة إذا لم تكن تملك إرادة ... لقد علمه البحر أن لا شيء قابل للصدفة ، وأن كل تهور قد يؤدي للغرق ... وهاجر قبلت بالوهم حين لم تتفطن عائلتها إلى وجودها في الشاطئ الصخري ، ولم تسمع بخبر زواجها ، وحين علمت بالأمر فهل مازالت تقبل بالعيش هنا ؟ ولكنه اختبر مواجهتها للواقع ، فإن لم تكن قانعة بحياتها الجديدة وأقنعت بها عائلتها فالجبال لا تتلاقى ..."
وتتواصل نبرة انفعاله من خلال الرد : " يا للدنيا المراوغة ، ملعون من يصدقها ، تمر عليه كالآلة المتحجرة ، وكل فرحة ما هي إلا خدعة تزرع الشوك في القلوب الصافية . هب أن هذه المواجهة تحتاج إلى ركح مسرحي أو ملعب كرة أو حلبة مصارعة ، فلمن سيؤول الفوز ؟ سيكون للقوي الذي لا تهزه النكبات ، لكن إلى متى سيقبل أن يعيش مع إمرأة تعيش على أشواك أحزانها ، التي غرستها في زاوية مظلمة ؟ سيرفض إلى آخر رمق من حياته أن يبدل عيشه ، وأن يكون عبدا لإرادة غيره وهي بدورها لن تكون سيدة إلا إذا خرجت من الحرية الواهمة ، الضيقة إلى حرية المشاركة المنفتحة على العيش في هذا المكان المنفتح على البحر . هو يريد وجودها إلى جانبه حرة ، وتقبل أن تستمع إليه في لحظات الاختلاف ... لكن للأسف هناك من عاش رحلة الصراع وتقمص دور المغير لحياته ، ولكنه سرعان ما ينسلخ على آرائه ، وربما لأنه يرى أنه آمن بعقم تلك الأفكار التي تنطفئ في لحظات ، أو ربما كانت أحلامه هذيانا ... هي أحلام البؤساء يعيشون حياة شخصيات أخرى في فضاء مريح ومخدر .."
بدا زوجها البحار مختلفا يوم الرحيل ، صافح أخاها بحرارة ، وكان يدرك أن دروبهما مختلفة ، فهو مشدود إلى البحر وهي تحلم بالتحليق في لوحة عارية من خربشات البشر . لم يستطع البحار فهم عالمها ولم يودعها بأسف ، وشعرت يومها بيد ترفعها من الشاطئ الصخري وتأخذها إلى مكان حلمها القديم ، وراودتها الرغبة في العيش في بلد غربي ... وقامت بتسجيل نفسها في كلية الفنون الجميلة في بلد أوروبي لم تذكره ، وكلفت المحامي ببيع المنزل الذي اشترته لها عائلتها في البلفدير ، وهي بصدد حزم حقائب السفر دون أن تعلم أحدا ... وحين سألتها عن رغبتها المستمرة في الهرب عن عائلتها ، قالت إنها تحلم بحرية أكبر لتحيا كما تريد ، فقد سئمت ذلك المنزل الجبلي بمن فيه ... وهل خيرة أرفع منها لتنتقل للعيش في فرنسا ؟
قالت إنها اكتشفت منذ مدة أنها بنت متبناة حين عثرت على ورقة التبني بين أوراق والدها وهي تبحث عن صورها القديمة لتضعها في ألبومها الخاص ... بكت يومها كما يبكي طفل صغير في غياب والدته رغم أن من يحتضنها منحها العطف والرعاية ... أحست أنها غريبة وأنها تبحث عن حنان الأم الحقيقية كرضيع تشده رائحة والدته ، وتهدهده لمساتها الناعمة وتداعبه أصابعها الرقيقة ... من تكون أمها ؟ وكيف سمحت لنفسها ببيعها ؟ هذا ما لا تريد أن تعرفه .. رحيلها الطويل ما زرع في نفس هاجر ألم الفراق ... وكيف لصدر أمها أن يأوي متاعبها وقد سلمتها وهي رضيعة ؟ ... الذكرى تشعل غضبها ، فما بالك باللقاء ... فالعائلة التي ربتها منحتها العطف وعاملتها كطفلة مدللة ..
حين عثرت على ورقة التبني دستها بين دفتي كتاب ، لتشعر كلما تفحصتها بأنها عاشت مخدوعة ... لم تشكر هذا القدر الذي انتشلها من الفقر على ما يبدو ، وصارت تشعر بأن العواطف لا تدر بمال ... و ولكنها لا تريد أن تعود إلى حضن الفقر ، وانتابتها الرغبة في خمش الآخرين بأظافرها ، وإن لزم الأمر حرق أجسادهم بسجائرها ... و رأت أنها لا تختلف كثيرا عن الفراخ المحروقة ، وشعرت أن الجميع حرقوا قلبها وما عليها إلا أن تحرق قلوبهم ، و تعاقبهم بطريقتها ... وأدركت أنهم يصارعونها بقيم بالية ، لا تغفر لهم خطاياهم ...
تريد الرحيل وقد داهمت العواصف حياتها لتحرر نفسها من عالم محاط بجدران باردة عل الشمس تعكس ظلالها على نفسها .... تعبث العواصف بأوراقها المخبأة ، وقد بدت الذاكرة حافلة بالأسرار وهي تسرد شريط الماضي ، وتريد أن تنأى عن صورها وتفاصيلها في دروب أخرى ..لا تعيش فيها بذات منشطرة بين حلمها والقيم التي تصارع حريتها الفنية ... زوجها السابق وقبل أن تتم إجراءات الطلاق سمح لها بالسفر ... يريد أن يتنصل من علاقته بها حتى قبل أن يتم الطلاق ، ولم يهمه إن كانت ستهرب عن عائلتها أو تسلك أي سبيل آخر ، ولم يسألها عن صحتها ووضع الجنين وكأنه يتبرأ منه ...
في ذلك المقهى المطل على البحر أخبرها أنه سيرد على ما ادعته في الحوار المفبرك ... كانت تتأمل البحر ... ثمة طيف يناديها ، ولكنه سرعان ما يختفي في البحر ولا يترك أثرا يدل عليه ، ليعود صوت الموج كرجع الصدى ... لم يبق لها إلا أن تلمس ماء البحر بيديها ، ترى وجهها التائه في سماء روحها ، وفي النهاية ترى أن السفر أشبه بتصفح ورقة بيضاء ، ولن تحمل معها غير ورقة التبني التي حفظتها في كتاب مع زهرات الياسمين لتشتم ماضيها معطرا ، وتنبري كلمات التبني كبيرة وفضفاضة تتراءى من وراء تلك القبة البلورية التي حفظت فيها .... تمر العاصفة ، تنبعث روائح زهر البرتقال والليمون لتغمر هواء الغرفة بعطرها .... تغادر هاجر لتلتحق بخيرة ... فلم يعد الجبل قادرا على تضميد جراح الأنثى ...
تتسارع الأحداث لتخط تلك النقلة من حياة قاسية على الروح وعلى الجسد ... وتحلم هاجر برسم لوحات العري هناك بحرية ، ولن تتقيد بآراء النقاد المنشطرة بين مواكبة الفن الحديث ، والنظر إلى الفنانة ككائن مدنس ...
رحيل يخلف نقاط استفهام عن عبثية الفن في واقع يجعل الفنان في الصفوف الأمامية ليثور على قوانين وأعراف المجتمع ، ويشعره في الآن نفسه بأنه لا يعيش خارج القانون والأعراف وعادات الجماعة ... وما عليه إلا أن يحلم بأنه خارج القيود ... وقد يكون هروب هاجر أفضل من بقائها في واقع منشطر ، يرفعها متى شاء وينزلها إلى الحضيض متى شاء ...

13

وأنا أخط تفاصيل الرواية ، كنت أحاول البحث عن صورة أحمد في كتاباته التي سلمتها لي خيرة في أول لقاء دار بيننا في الحوش الجبلي ... وضعت المقالات التي كتبها أمامي ، وطفقت أتتبع مسار أفكاره ، و باغتني انطباع أولي بمسخه لصورة المثقف ، فكل هؤلاء الذين تربينا على أفكارهم ، مسخهم أحمد ، وشتمهم ، وصور بعضهم بصور حيوانية ، يصغر المبدعين وينفخ في المرتزقة ... ولمحت على الركح أشباح كتاب ومثقفين ، وتساءلت من يكون هذا الشخص لينكل بالمبدعين والمثقفين ؟ فهل يعيش خلطا بين الشخصية الحقيقية والأدوار التي يؤديها ويجسدها ؟ هل لديه ميول واستعدادات توجهه نحو الشر ؟ وهو القادر على آداء كل الأدوار التي تسند إليه .. هو دقيق الملاحظة ، يتفحص كل الشرائح بحنق ، يختزن في ذاكرته كل مشاهد التحقير وينتقم لنفسه في كل دور ... تتفجر كل طاقات التدمير لديه ، لأنه ينغمس في دور تمنى أن يعيشه أو يعيش جزءا منه ليعيد الاعتبار إلى نفسه ... وفي تلك الحفرة المليئة بالفراغ ينتفخ كدجاج الماكينة ...
التقيته ، وتحدثت معه كثيرا عن كتاباته ، وكلما سألته عن سبب مسخه لشخصية معروفة يجيب بأنه أول من بدأ بالسخرية منه ، ولكن سيده الذي يشغله قادر على التنكيل بأي كان ...فهل تحولت الخصومات الأدبية إلى تصفية حسابات شخصية ... تذكرت تفاصيل حكايته ... عصا والده والفراخ التي حاولت التحليق وبيض اليمام الذي سقط من السلة ، وزوجة والده التي كانت تلبس ملية والدته وتجلس في مكانها على العتبة ... قيم تلقن بالعصا أو بالسوط ... وسألته عن سبب ربط علاقة محرمة مع زوجة والده ، فرد " حين حنق على والده سكر مع رفاق السوء وهجم على الحوش وهو يلعن والده ويذكره بمشاهد التعذيب ، يذكره بذلك اليوم الذي ربطه على الشجرة وطفق يضربه بالسوط ، يقول له والده " يا كلب عليك أن تحترم للاك ، فهي أمك الجديدة ، وهي القادرة على حمايتك من التفسخ ومصاحبة رفاق السوء " ، وكان يتفرس في نظرات العهر المنبعثة من عيني زوجة والده ، و أدرك أن الشرف الذي يحافظ عليه والده بالسوط هو شرف مدنس ...
لم يختلف وجه والده عن جد خيرة وعن وجوه الرجال في الجبل ... "وجوه ذات بأس ، زبانية ينفذون العقاب دون رحمة ... أذهان قديمة ترفض وتقاوم كل حركة احتجاج على واقع مفروض بالقوة ... لا يعني لهؤلاء فن الحرية وخاصة للفتاة الجبلية غير الدنس ، لا بد للإبن أن يتحول إلى آلة لا تكل أو إلى حمار يحمل الأوزار ، وينظر إلى الأبناء دائما كصغار لا يحاطون بالعطف بل بالسخرية والحنق من أي حركة حرة يصدرونها ... نظراتهم دونية قاسية وباردة ومحقرة ومتعالية ... تلك هي نظرات الرجال في الجبل ... وما على الأبناء إلا الخضوع والطاعة والتقدير ..."
وهو يتحدث عن هؤلاء بدا كضحية يتحدث عن جلادين من الحقبة النازية ، يرون أن أي حركة تخالفهم غير لائقة ، حتى ما يبيحه الدين وما يبيحه القانون فهو محرم في سبرهم ولا يجوز ... التقاليد المتحجرة لا تتزحزح وتعاقب بقسوة ، "الروس المربطة" هي التي ظلت تفرز هذه الشخصيات المعطبة لتنتجها فئات أخرى وهي تمشي على جثثها وتسطحها وللأبد ... هو ضحية لهؤلاء ، وخيرة ضحية أيضا لهؤلاء ، فالفتاة الصغيرة إما أن تزوج أو تحبس في البيت إذا لوحظ عليها بعض الشرود ... الرجل سيد البيت والكل يكيلون له التقديس والتقدير ، فهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة ...
ما عاشه بقي راسخا في ذاكرته ، يمنعه من مسايرة خطواته ، ففي كل خطوة هناك ذكرى توجهه لتحل محله ، أوامر جائرة توجهه كآلة خرساء مبرمجة ، لن يكون مستقلا وخطاياه الكثيرة ما جعلته يقف على حافة الهاوية ، والعقاب ينتظره ، وهناك من يمسك يده بقوة ، ويخيره بين دفعه للسقوط في الهوة أو يمنحه حياة يتحكم هو بها . وما عليه إلا التصرف كطفل يخاف من العقاب ومن كلمات سيده الجارحة واللوم الجارف الذي يلقيه عليه في حالة غضب ...
فهل من الممكن أن تتحول الدمية المشدودة بالخيوط إلى إنسان له كيان ؟ ، يحاول أن يتقول بأنه كان رافضا للتقاليد الثقافية وللأصنام التي عششت في الأذهان وأنه جاء ليحطم هذه الأصنام ، وفي قرارة نفسه يدرك أن خيوط الأوهام أشبه بخيوط العنكبوت تلتف بذاته ، ذاته التي اغتصبت منه ولم يعد قادرا على استرجاعها .. هو يبتلع كل لحظة ريقه المر ، وصورة الأب الذي زرع الخوف في أعماقه مازال يباغته ، ولكن هذه المرة في صورة ذلك الثري الذي حقره وهو يضخم صورته أمام الآخرين ، وهو يدرك بأن شحنات مؤلمة ، ونار أجاجة تنفجر كالبركان في قلمه وهو يهم بشتم الآخرين ، ويكتشف في نهاية المطاف بأنه معقد ، مرتزق ، غير مبدع وحانق على الإبداع ، وأنه بائس ...
هو في النهاية ضحية لفئة ثرية لا تقيم للتقاليد وزنا ، وتمنح الحرية المطلقة لنفسها ، وما يعنيها المادة فحسب ، أما الروح فهي سلاح البؤساء القانعين بوضعهم . حياة الفئة الثرية المتفسخة خرجات وسهر وتعاويذ شيطانية ، ورقص دنس ، وطقوس وأقنعة ، قلق وفراغ روحي يبثونه في فنون انحدرت بالذوق ، وهم يدركون أن السمعة تشترى بالمال ، وحدهم الشيوخ قادرون على كشفهم والسخرية من ماضيهم ، و لم لا يخصص مال العمالة والقوادة للمستعمر إلى مال للتبشير بفنون تمسخ المجتمع ... عقل متفسخ ، استغل أخطاء شخص محطم وحوله إلى قناع له ، وقد غاب عن الصورة ، ووضع أكثر من بسيط محطم ناقم ليتفوه بكل خزعبلاته ...
في النهاية اقتنع بأن القوي هو الذي يفرض رأيه ... وأن فرض ذلك الرأي يقوم على تجميع أصحاب الذوات العقيمة والمشلولة لتعبر من خارج الذهن الحر . وتملح تربة الفن والإبداع عبر كل ما يميت هذه التربة ويمنع النمو الطبيعي الذي يخصب الذات ... فكان يحسد كل مبدع يعبر عن نفسه ، فيفتعل الأكاذيب ويشي به كذبا لكي يزيحه من طريقه ... والواقع المتدني ما هو إلا مرايا تطل منها جثث الذوات المعطبة ، الشاذة ... وما هو مصير الطفل الذي يترك في الشارع ليواجه مصيره المبهم ؟ واقع مفتوح ، دون أسوار ، غرف دون جدران ، ولكنه واقع عيني ، يستهين بالروح والشعور ، وهو موجود ... بذوات ميتة ...
الكائنات تحدث موسيقى متناغمة على إيقاع العواصف والزوابع ، حتى تلك الرياح الحمراء والصفراء والبنية التي ارتأت المخيلة بأنها تحجب رؤية العفريت فقد كانت ترسم لوحة تخفي حركة الفنان الداخلية ، ورغبته في الحياة وبقاء الحياة على الأرض برفع العفريت المنذر بالخراب ... كل ما يشيع الروح على هذه الأرض يسمو بالفن ، حتى ألحان الريح الجنائزية فهي تتوعد السكون والموت وتنبئ بالحركة العابثة بطمأنينة ما ... كيف تفرز الساحة الثقافية أشخاصا قتلت فيهم الأحاسيس والمشاعر والجمال الروحي ؟
كيف يمسك أحمد القلم ويحاكم الإبداع والمبدعين وهو لم يكتب سطور إنسانيته ويبدع كيانه ، كيف يمكنه أن يكتب في غياب ضغط الشعور الإبداعي ، من سيتذوق كتاباته إذا لم يعبر بصدق أو بعمق ... كتابات دون نكهة تعكس أزمة مع الذات ، لا يخاطب صاحبها فكرا ولا عاطفة ، كيف سيقيم الإبداع بدون نزعة إنسانية والاحتكام إلى ملكة الذوق ، بدون تجذر في الواقع ...
الانصهار في روح الفن كولوج البحر وبلوغ أمواجه العذراء تطهر المبدع من الرسوم والخربشات العالقة على روحه ... يعيش تجليات الفن وهو يمشي ويتنفس ، ويرسم رموزه الخاصة ويقدمها للآخرين ... المبدع كائن حساس يتأثر بالجمال فيغرس فيه ملكة الذوق الفني كلما اقتلعت عواصف الحركة توترات القلق ، روح تحن إلى مناهل الجمال والعذوبة .. حركة أشبه بالفوضى الداخلية التي تسهل الحالات البدائية ، تقتلع بذور العنف لكي لا تتشوه نفسيته . المبدع من خرج من الشعور بالرتابة نحو عالم أرحب ، يتمرد على القيود ليرسم حريته . المغامرة تدفعه للاكتشاف ... ليس الإبداع مغامرة مرعبة بقدر ما ترنو نحو الاكتشاف . براءة تترعرع بالحب ، طفولة تمتد في أعماق النفس ...
يحاول أحمد أن يتفحص لوحة يعتقد أنه رسامها ، يرى نفسه صاحب الحل والعقد وهو يتحدث عن جماعته أو شلته التي تقبض على منابر بيد من حديد ، وحين تفلت المنابر الكبيرة من أيديهم فلا ينفكون على شتم تلك المنابر ومن يسيرونها ، وتنتابني ضحكات سخرية ، وأنا أقول له " لكل مقام مقال ، ومكان المرتزق خارج المنابر الكبيرة ، وكل واحد على قد جرمه وقد مغرفته " ، ينظر لي بحقد ، وكأنه يتوعدني ، فأجيبه " قال له يا بابا الحبل هازو الواد ، قال له الأب طرفه في يدي "...


14

تاه أحمد بين منعرجات الجبل وهو يهذي ويقول ما لا يفعل ... لقد التحم هذه المرة بلاوعيه ولم يستطع العودة إلى حالات الوعي ... يحدث الآخرين عن انتظاره للرؤيا ، فحين يعيش حالة الرؤيا سيصبح شاعرا كبيرا ، ولن يهتم بوجود الآخرين الذين يكتب عنهم حسب الطلب ... في النهاية وجد نفسه في الشارع ... لا مأوى ولا عمل يعيله ... كم غيب الحقيقة بالأوهام ، وتقمص أدوار شاهد الزور ، وهو يضيع الآن في ضبابية الكشف ...يبحث عن خيرة التي غادرت نحو عاصمة النور ... يحاول الاتصال بهاجر ولكن جوالها مغلق ... لقد طلبت منه أن يصطحبها للمطار لتسافر خلسة عن عائلتها ، فلم يمانع وهو يتلقف لفافة الدينارات ، وتعده بأنها ستسفره إلى هناك في أقرب وقت ... فيحلم بالعيش تحت تلك السحب الداكنة التي تغطي سماء ذلك البلد الأوروبي ... وهي تنزل من سيارة الأجرة وهو يرافقها ويحمل حقائبها توقفت سيارة سوداء ، نزل أخوها ورجالاته ، مسك أخته من مرفقها وجذبها إلى السيارة واختفت من يومها ، أما هو فقد اتصل به رئيس التحرير ، وأعلمه بأنه وقع التخلي عنه للمشاكل التي سببها للمجلة ولافتراءاته التي يعاقب عليها القانون ...
يجلس على الأرض ويحفر التراب بأصابعه وكأن السماء لن تمطر دينارات ، ولن تجود عليه بالإلهام ... يتجمع الصبية حوله ، ويقولون إن الحفرة الصغيرة التي حفرها صالحة للعب الكجة ، يشاركهم اللعب كطفل صغير ، ويجيبهم بأنه شاعر والزمن لا يعنيه و هو لا يبالي بعقارب الساعة لأنه يبحث عن الرؤيا التي يذوب فيها الزمن ... ويقهقه الصبية ويسألونه عن الرؤيا فيقول هي الحلم ، ويقول أحدهم " كلنا يحلم كل ليلة ، أم تريد أن تحلم وأنت مستيقظ وتحلم لغاية الحلم في عالم الخيال ..."
ويأتي أحدهم بدربوكة ويقول له : "احلم وأنت ترقص كما فعلت المرة السابقة ، لكن إياك أن تدور حول نفسك كالدراويش ، وإلا سيغمى عليك" ...ويقول أحمد بأنه "عمل بالراي" وأن الجسد هو الذي يحتوي الشعر ويهتز طربا بنشوة الرؤيا ويسحر كل البدايات ... ورغم أن الصبية لا يفهمون كلماته الأشبه بالطلاسم ، فما يهمهم هو أن يرقص أحمد وهم يتداولون على ضرب الدربوكة ، وسرعان ما تعتريه الرجفة ويغمى عليه ، ويقول النسوة بأن أحمد تحول إلى درويش صاحب بركة ... وأن الدروشة طهرته من الدنس ، وأنه الآن صار صاحب قلب نظيف ويتكشف على المجهول ...
وكانت فجوات الوهم ، والروح المثقوبة أشبه بغربال تنفذ منه ارهاصات الإبداع ولا تعلق في النفس غير الخربشات على أرض جرداء ... يتحدث عن نفس بائسة ، مفتتة عمل على أن يجعل منها نفسا متماسكة تداهم وتهاجم من خلال الدور الذي أوكل إليه ، لكنه كان يدرك أنه يرمم بناء هشا وأنه يتجمل بالمساحيق التي تزيف باطنه ... إلى أن أرهق وهو يبحث عن لحظات خيال وعن الرؤيا ليبدد الأوهام ...الحقيقة مرة ... أوجاع ... عدم القدرة على العيش بتوازن في غياب والدته ... ولكن هل تجدي الدموع ؟
تحترق نفسه كما تحترق كل ورقة يشتم فيها الآخرين ، أو يتطاول على حرماتهم ، أو يحاول تصغيرهم ، يرى هاجر تمسك بسيجارتها وتطفئها على تلك الورقة لتترك عليها أثر إدانة ، ويرى هؤلاء الذين نعتوه بالمرتزق وقد حرقوا قلبه بنظرات الاحتراق ... كان يحلم بأنه قادر على إيذاء الآخرين مهما علا شأنهم ، المهم أنه ينتظر تكليفه بذلك وسيفاجئ من كلفوه بأن أحقاده الدفينة مشحونة بالنقمة على هؤلاء ...فقارب النجاة لم يتكسر ، وحين يحول أسماء هؤلاء إلى حطام ، سيجمع ذلك الحطام ويدوس عليه برجليه ...وتنبعث من عينيه تلك النظرات الباردة الشامتة ....
يدرك الثري أن أحمد يتقمص دور الدرويش ليفصح عن الذي كلف به ونفذه بمهارة ، وحين وقع التخلي عنه حول الدروشة إلى تصفية حسابات قديمة بعد خيبة الأمل الموجعة ، فكلف من يكتب عنه مقالا يهاجم طريقة كتابته ، فإلى متى تعول المجلة عن كاتب غير مبدع ، في حين أن الثقافة إبداع أو لا يكون وقدرة متفجرة بالمعرفة أو لا تكون ، فهل يتحول الكاتب إلى مرتزق ليصنع بمشاكساته المزعومة نجومية خادعة ؟ وهل فرغت الذات العربية من الروح وهي تتبنى طروحات الآخرين الممعنة في تدنيس الجسد العربي وإفراغه من الروح ، وتحويله إلى جثة تنبعث منها الروائح الكريهة ؟
تستمر حياة أحمد على شكل نقاط في سطر ليس له حدود ... حياة هشة كبلور يحتمل الكسر ...أوراق تشوه بحبر، ثم سرعان ما ترمى في القمامة أو من خلال فجوة في الجدار .. شهادات تقدير مزورة تهدى له ، ثم سرعان ما يتبين أنها من ورق لا تعطى إلا إلى المرتزقة ، يكتبها هؤلاء الذين يرسمون الخطوط المستقيمة التي تسير في اتجاهات محددة ... وتنقلب حياة أحمد إلى أسطر منحنية منكسرة ... مشاعر تنقبض وتتضخم .... حركات مد وجزر ... بعدما طرد من المجلة بدا بصورة متفرج رديء غير قادر على تحليل المشهد بعدما كان متشبثا بالحياة كمن يتشبث بالشجرة في العاصفة ، وإذا حطمت العاصفة تلك الشجرة ، فقد ارتجت حياته ونزف جسده ووخزته أشواك الشك ...

فهل سيتفرج على نفسه وهي تنهار ؟ أم يواصل تشبثه بالأساس المتين وبتلك الجدران ليعيد تعليق شهائده عليها ... عليه أن يتذلل إلى ما لا نهاية وأن يسجد على عتبة ذلك الثري ويطلب المغفرة ، و يعده بأنه عاش في بيئة مدنسة وشحن بالسفالات ، و يقنعه بأن كل هفواته ما هي إلا نقل لقلق عبر حركات لا مقصودة ... لقد رمت به الظروف في مفترق الطرق ، لم تبذر فيه طاقة الأمل ... يضيع ويتوه عن نفسه وللأبد ... لم يعد يشعر بنبض يقاوم وقد أضحى طرفا في لعبة لا يمسك بخيوطها ، ويتحرك كالدمية المؤذية أو كرصاصة في مسدس تمسكه يد مجهول ..يطلقها متى شاء وأينما شاء...
هل هو كاتب من فصيلة الكتاب أم من فصيلة الكتبة العبيد ، الهياكل الخاوية من المعنى ، الجماجم الخالية من التفكير ، جماجم مثقوبة تنفذ منها الفراغات ... يفتح له الباب ليدخل من ذلك الباب الكبير تابعا ، لا شيء مزروع في أعماقه والبوابة تنفتح ، وتسير الخطوات إلى بقعة جرداء ، ثمة غرفة تحرسها الكلاب ، ومن حولها الحراس ... لا مقدرة على الهرب ، لا شيء عدا تنفيذ الحكم الذي مورس عليه حين فكر أن يخرج عن النص الذي كتب له ، عليه أن يرضى بالبقاء وراء الجدران وفي الغرفة المغلقة ليضحى كائنا هلاميا في الغرفة السوداء ...
ويشعر أحمد بأنه اقترف خطيئة أكل التفاحة وما عليه إلا أن ينزل إلى الحضيض ...لقد أراد آدم أن يدرك مصيره خارج الجنة باحثا عن أصل وجوده في أرض خلق من ترابها ، يعود إلى معدنه الأرضي ... لم يكن آدم يبحث عن الخلود ... لقد عاش قلقا في مكان الخلد وتسربت الخطيئة إلى أعماقه ... كل شيء على الأرض آفل ومتعاقب ... والإنسان يموت ليحيا من جديد ... وكل الشعوب زودت موتاها بالذخيرة .... يدرك أنه حين يموت قد فقد النور الذي يجعله يرى أعماق الأشياء وأنه ينتظر ارساليات من السماء ولن تأتي لأنه يعيش على أرض ناقصة ولا مجال لإعمال العقل بل التخلي عنه ومواصلة تلمس سيره في العتمة ... وأن سيل الأكاذيب ما يجعله يواصل السير في دروب هذه الحياة ...
ولا يجد وسيلة لقهر الظلام إلا النوم والاسترخاء لكي لا يشعر بتقلبات الطبيعة تضج خارج الغرفة ... تعصف الرياح بشدة وعويلها يهدد بالخراب ... وينهض من خدر الرؤيا إلى حيث تلك الوجوه التي تطل من شاشات التلفزة في البرامج الإخبارية ، أشخاص يتحدثون عن الحروب الساخنة وعن الحروب الباردة ، وحروب الإعلام ... وجوه تخطط للتدمير وتطل من الشاشة بابتسامات صفراء وحمراء وسوداء ورمادية ، تشعل فتيل الأزمات وتتحدث عن السلام وعن إطفاء الحرائق ...كمن يحرق بسيجارته جسد بشري هش ويحرق المباني، و تتحول الأجساد والأحجار إلى غشاء وهمي للروح ...
تركن الجثث المشوهة في القبور لتعيش غيبوبة مطلقة ، تتعثر مساعي السلام ويسقط الإنسان في حفرة ذات نتوءات داكنة ، يرى تلك القتامة التي تلتف بالروح ، ماذا سيقول للزبانية ، وكيف سيقنعهم بجدوى وجوده ، وسيقول إنه مجرد ممثل ويقبل بكل الأدوار التي ستسند إليه وليس عليه أن يختار دوره ... أدوار تغذي شحنات الشر والكراهية وهي غير غريبة عنه بل يحملها بين طياته ، وكيف يهرب من نفسه وهو داخل نفسه ، و أبعد ما كان يتمناه أن يرسم صورة مثالية عن الواقع والذوبان في خضم تعليمات معقدة ، ينساق لها بآلية ، لأنه مات في هذه الغرفة وأضحى نواة في أرض موات ، فهم دوره جيدا ، دور غير عفوي ، يتجسد في واقع ما في غرفة ما ، في ظلام ما ... وأدرك أنه أضحى مؤهلا أكثر من أي وقت مضى لآداء الدور ... ورأى نفسه مشحونة بالعنف ، خاوية من القيم ...
في الظلام ارتخى فيه جسده و قد أضحى لا يأكل ولا يشرب الماء إلا مع الأقراص المخدرة ... كان يتلقى كل الدروس عن دور العراء في كشف كبت المجتمع العربي ، وعن تلك البراءة المتلبسة بالبدائية ... وعن الطفل الذي يكتشف جسده ... فنان يعري الجسد ، يكشف عن الرغبات الدفينة ، ويسترجع الحقيقة الناصعة ، ويخترق حجب الزيف التي قد تفصل الإنسان عن أعماقه ، وكل الشعوب نحتت وصورت الإنسان عاريا ، أفلا يعني أن الفنان يريد إن يصور الإنسان الحقيقي الذي أفسد الإنسان جوهره ؟ هو لا يعبد ذلك التمثال ، إن النحات إنسان قوي يصور رموز إنسانيته ... وهو يخلق الحياة في صورته العارية ...
وميول هاجر الفنية طفولية ... وهي تنضج عندما تتجاوز الشعور بالألم ... قد تغذي تلك الرؤية شذوذا ساديا وإمعان في إعلان العنف ، وأن الفنان شخص غير سليم ، وهي تعكس واقع النفس ... وهي تتوه في مسالك لا تعرف مداخلها ...
وصار يربط بين العري والبراءة ، ففي حالات التهذيب ينزع الفنان نحو البراءة ويشعر بنزوع نحو الخير ، يصير ملاكا ، يحس بالاسترخاء على لوحة عذراء كالحلم الأول يقص البساطة ، يحس كأنه يلامس تمثالا حيا ، يلامسه برفق ، لكنه لا يمكنه تشويهه ، تلك هي اللحظات المزركشة بالمشاعر النظيفة ، يشعر ببراءة الوليد في المهد حين يستشف لغة الكمون ، طوقت روحه بتلك المرآة التي استوعب بها المعاناة تصب في بحر المعنى ، وكأنه استأصل منه مكامن الأوهام وحطم استكانة السقم في ذلك الجزء المعتل في كيانه ، استقامت فيه وحدانية الأشياء والأشكال ...
من خلال حركة يد الطفل تنجلي اللغات الكامنة التي تخط وتصنع تركيباتها ، لغة عذراء كالغصن البكر الريان تود أن تلتحم بلغة الطفل ، تبدو كصور معنوية ، ففي القلب نور من اليقين لكن كيف ينهل منها كجذور الطهارة ؟ كان عليه أن يحول من تدنيس المقدس إلى عملية تطهر ، وكان عليه أن يقرأ المقالات التي سيضع عليها إسمه ، وأن يجمل العفونة ويرفع الدنس إلى أعلى حالات التجلي ... ولكن الحراس الذين يسخرون من حريته ، أطلقوا قهقهاتهم الساخرة وهم يرمون بمقالاته في أكياس الزبالة ، ويردد أحدهم " سكران وفايق ، برى عديها على واحد غافل ، دورك انتهى ، ولست أنت من يكتب دوره " ...


15

اتصلت بالدليل لأسأله عن تلك الفتاة التي تطل من البحر ، وتحيط بها سبع رؤوس رجالية ، فيبدو المشهد على شكل زهرة اللوتس التي تنبت على بحيرة ماء ، إن كانت تلك القصة حقيقية ، وتبرز للعين المجردة ، فذلك ما قرأته في بعض كتاباته التي أرسلها لي ، علني أجمل الرواية بذلك المشهد العجيب ، فعقب الدليل بأنها فعلا صورة تتشكل على الموج في جهة لا تقربها القوارب ، إذ تبدو على شكل هوة ، تشبه هوة كابريدس في البحر الأحمر ، وبإمكان العين أن تلتقط المشهد عديد المرات عند الشروق والغروب ، من المقهى المطل على الشاطئ الصخري ...

رتبت معه لقاء لأتمكن من مشاهدة تلك الصورة التي تبدو كمشهد مرسوم بريشة مبدعة تشبه ألوان قوس قزح ، صورة لا تلمس باليد ولكنها ترى بالعين .. المقهى المطل على البحر ذكرني بجلسة في مقهى في البحر الميت حيث ترتسم بانوراما من الألوان مساء ، ثم سرعان ما تغوص في البحر ، ولكن ميزة هذا المكان أن النباتات والأشجار العالية تبدو على شكل غطاء للجبل المكتسي باللون الأخضر ، أما الأمواج فهي في حالة حركة لا تهدأ تغيب كتلة الضوء في البحر الميت وتبدو الأضواء الاصطناعية تشع من القدس ... أما هنا فالأضواء النورانية تتشكل في هالات لزهرة اللوتس ...

تختلف الرؤية هنا فلا جبل عار ولا بحر ميت لا تسبح فيه الأسماك ولا تحط عليه الطيور ، فالطيور هنا ترسل أصواتا تخترق صمت المكان العالي المنفتح ، والعين تترصد مشهد المرأة والرجال السبعة ، ويعقب الدليل بأن هذه الصورة المرسومة على البحر يحتفظ موقع شمتو الأثري بنصب أثري لها ، وقد رسمت صورة المرأة والرجال السبع على خط واحد ، أربعة على يمينها ، وثلاثة على اليسار ، وفسر علم التاريخ بأنها تشير إلى المجالس اللوبية الإلاهية التي تميل إلى رقمي سبعة و ثمانية ... ولكن لا أحد قادر على ربط العلاقة بين النصب المكون من صور نصفية لهؤلاء وهذه الصورة المرتسمة على البحر عدا المهتمين بعلم الآثار ...

ولكنه كعالم آثار لا تعنيه هذه الصورة الطبيعية بقدر ما تعنيه النقائش على الحجارة التي تروي أسطورة ذلك المشهد ، وتفك بعض الطلاسم ، فقد عثر بعد جهود مضنية على حجرة كبيرة كتبت باللغة اللوبية تتحدث عن فلذات من أسطورة تلك المرأة ، حجرة مازالت قابلة لحل موزها وتمثل وثيقة أثرية مهمة ، تتحدث عن مجلس إلاهي توجست فيه تلك المرأة من قدوم الغزاة ، ليسرقوا كل المنحوتات الطينية والحجرية والبرديات من قبور الفج ، فقررت بعد اجتماعها مع مستشاريها السبعة أن تنقل الأثاث الجنائزي على قارب إلى مكان آخر ، ولم يكد القارب يشق عباب البحر حتى هوى في تلك الحفرة ، التي احتفظت بما نقلوه ، واحتفظ البحر بسر تلك الأثريات ، وبما أن تلك المرأة كانت تسمى بزهرة اللوتس الموجودة في كل اللقى الأثرية على شكل زخرفي عرفته الحضارات المطلة على البحر المتوسط ، فيبدو اتخاذها لشكل زهرة ، أقرب منه إلى ارتباطها بالمعتقد الديني القديم وهي تبدو على شكل رأس يطل على بحيرة ماء ...

تشبه تلك الصورة المرتسمة على البحر الصور الآدمية النصفية في موقع شمتو ، تشير إلى المجالس الالاهية اللوبية ، و تصاحب زهرة اللوتس الفرعونية ألحان جنائزية هي ترانيم الموتى في مواكبهم الجنائزية لمقاومة الظلام ، وتصاحب صورة المرأة على شكل زهرة ترانيم الطيور تطلقها في هذا الفضاء الآسر .. تبدو كظل لمشهد سماوي ولزهرة أسطورية "قادمة من الحقل السماوي" لتنجلي على شكل نبات ينبت على سطح البحر ولكنه سرعان ما ينغلق على نفسه في عمق الكمون ...

تنفتح تجاويف الجبل على خبايا الذاكرة ... وتتوعد أمواج البحر تلك الذاكرة المهجورة ، وتحاول سحبها إلى أعماق البحر المجهولة ...يحتوي أطلال الماضي و تتناثر الأحجار المنقوشة تحتفظ بأسرار الماضي ...نقوش محفورة لدى الباحثين عن الكنوز يستجوبون الحجارة غير قانعين بالمال الذي تضخه تجارة الفن ... وتسويق صورة مشوهة ومدنسة عن واقع الجماعات ... لا ينقبون عن التاريخ بقدر ما تستهويهم شهوة مضاعفة الثروات ... ذلك ما ردده الدليل وهو يتأمل ذاكرة الجبل محاولا تلمس الطرق التي تؤدي إلى الشواهد المخبأة ...

وسكان الجبل غير عابئين بدورهم بخبايا الذاكرة ، والطبيعة من حولهم تأسر أحلاما عديدة ، وترغمهم على عدم المشي في مسالك منبسطة ، ما يعنيهم رعي الماشية و التكيف مع طبيعة قاسية ، وصيد سمك البحر الشهي ، وتفويحه ببهارات الجبل ، تقرأ في نظرات أعينهم الرغبة في العبث بهدوء الزائر ، وهم يكرمونه بأشهى الطعام ، لكنهم في المقابل لا يتوانون عن رسم لوحة الجبل المتشعبة على وجوههم ذات الملامح المخادعة ...

الجبل أشبه بالحقل المتروك الذي لا يزرع ولا يحصد ... مجال الحفريات لا يشمله ، ولا شواهد يقرأ من خلالها الدليل بعض آثار الماضي إلا الحجارة التي عثر عليها ، تقوده إلى الكنوز المدفونة في البحر ... وهو يعول على ذلك البحار ( زوج هاجر السابق ) في جلب الحجارة المنقوشة حتى وإن بدت متفسخة ومتآكلة ... وفي كل مرة يكتشف أن أغلب الحجارة التي يجمعها البحار هي منقوشة بفعل الطبيعة ولا بيد الإنسان وذلك ما حدا بهيئة البحث عن الوثائق التاريخية ، بالتقليل من جدية البحث والحفر في الجبل إلى أن تتضح مسالك الدراسة ، رغم البناءات الأثرية المشرفة على البحر والتي غيب البحر جزءا منها ... ورغم قلة السياح الذين يأتون للجبل ، وقد تزايد عددهم بعدما صارت الحجارة ذات النقوش الطبيعية تباع لهم مع الصناعات التقليدية المصنوعة من الخشب ...

كل حفرية مبنية على دلائل أولية ودراسة لواقع المكان ، وسواء كانت الشواهد الأثرية دالة على ثكنات أو ملامح مدينة ممحوة الملامح ، فللإنسان القديم قدرة على ترك التحف والكنوز في رحلة الميت نحو العوالم العليا التي يتحول فيها من رحلة الظلام إلى رحلة الصعود والعيش في العالم الآخر ... وكان الدليل يدرك أن ذلك الثري يشاركه البحث عن الحجارة المنقوشة ، ولم يقتنع أنه مغرم بجمعها والاحتفاظ بها بل كان يريد بيعها لذهن منشغل بهذه الكنوز التي ينطوي عليها الجبل ، ذهن منشغل بالنهب والتخريب وسرقة ملامح الآخرين ...

تنعكس الشمس على ماء البحر ، وتطل على صفحة الماء المتموج صورة لفتاة تسبح في البحر ، ثم سرعان ما تغوص تاركة رغوة الموج على شكل " زهرة " ، ففي هذا المقهى الجبلي المطل على البحر تعاود تلك الفتاة ظهورها أمام العين المجردة ثم سرعان ما تغيب في الأعماق ، يقر الدليل بأن الخيال الذي يبدو على شكل صورة بادية للعيان ، قد يعدو صورة أسطورية يحلم الناظر إليها بأن يمسكها بين يديه لكي لا تظل مجرد صورة تخدع النظر ..

الكائنات المائية تبرز على شكل زهرات نابتة في البحر ، يطل منها وجه فتاة جميلة ، قد تبدو كزهرة اللوتس أو كزنبقة ، وحاول الدليل أن يربط بين تلك الصورة وأسطورة زهرة اللوتس التي تنبت في المحيط الكوني ، يشرق الإلاه رع ، ولكنها في هذا البحر الصخري قد تكون خيالا يعبث بالنظر ، وقد تكون انعكاسا لصورة غيمة متحركة ، أو هي حلم لمن يمسك بها ، تهبه أسرار البحر وكل ما يحويه من كنوز راكنة بين طياته ، ويرى البعض أنها حين ماتت لم ترم الأمواج بجثتها على الشاطئ بل فتحت لها مغاليق البحر وبواباته السحرية ، وأصبحت صورتها التي تتراءى تمنع بعض البحارة من السباحة في تلك البقعة العميقة خوفا من النفاذ إلى عالم آخر لا علاقة له بهذه الحياة ...

يدخل الثري ، شقيق هاجر مع بعض رجالاته للمقهى ، وكأنه يقر بأن لا زيارة تفوته في هذا الجبل ، يجهز له صاحب المقهى طاولة في المكان الذي يختاره ، فطفق يدخن وينفض سجائره في البحر ، كان يتحدث مع شخص لا أعرفه ، وأحاط به رجالاته وكأنه شخصية مهمة ، لا تتحرك دون حراسة ، يتصل بالدليل على هاتفه الجوال وهو على بعد أمتار منه ، ويعلمه أنه كان يبحث عنه ليستشيره في شيء ، وهناك من دله على وجوده في هذا المقهى الصخري ، لكن يبدو أنه جاء في وقت غير مناسب ، ويردف الدليل بأنه على استعداد للاستماع إليه على طاولته ، فيبتسم الثري ويقول بأن الضيفة لم تعد غريبة عن الجبل ، وما ينقصها إلا الانتقال للعيش فيه ...

أردت السؤال عن هاجر ، ولكنه سبقني إلى القول بأنها في القصر الجبلي منقطعة عن العالم الخارجي ، فلا يمكنها الاتصال بأحد لا بالهاتف ولا بالنت ، لأنها صارت كالعصفور الهارب من القفص ، وتقول أمه بأن هناك من كتب لها سحرا في ساق عصفور ، فما إن يطير ذلك العصفور إلا وتحاول أن تطير عن المكان ، ويبدو أن من يسحرها يجدد سحره في قدم عصفور مهاجر ، فأرادت التحليق خارج الوطن بعدما صارت تهذي وتخترع حكاية تبنيها .. وهي تتداوى بالقرآن في القصر الجبلي إلى أن تشفى تماما ويبعد عنها السحر بمشيئة الله ، واستدرك أنه جرب أن يكون علمانيا ، ولكن للسحر تأثير لا يمكن إنكاره ...

كان الموضوع الذي يريد التحدث فيه للدليل بأنه ينوي بناء حديقة أسماك ، وكل ما يريده حجارة منقوشة لتكون الأحواض المبنية بالحجارة المزخرفة تحيل إلى البحر ، وبما أنه خبير بالحجارة الملونة والمزخرفة ، ويحسن رسم اللوحات الفسيفسائية بالحجارة فهو يريد منه أن يساعده في تصميم حديقة أشبه بمركب ترفيهي تتزاوج فيه ألواح التاريخ وبعض أشكال زخرفه مع أشكال الطبيعة ، وهو يحتاج منه إلى كل المراجع التي تدخله إلى بوابة التاريخ في هذه المنطقة ، وقال إنه سيكون ممنونا لو عثر أحدهم على أحجار أثرية ، فهو مغرم بتوشية هذا الحوض بكل ما هو أصلي ، ويجيبه الدليل بأن تلك الحجارة الأثرية هي ملك للدولة ، ولا أحد يستطيع بيعها ، وفي كل الأحوال لم يعثر على حجارة منقوشة بيد الإنسان القديم ، ولو كان الأمر كذلك لتجندت كل فرق الحفر بكل المعاول للحفر والبحث عن الشواهد الأثرية ..
كل ما يريده هو بناء مركب ثقافي وفني أشبه بقلعة تاريخية ، والمنطقة التي تحتوي على أصل ومادة هذه المنحوتات الطبيعية والحجرية تحتاج إلى أياد خلاقة وأذهان موجهة ...
وحين يغادر يتساءل الدليل عن نواياه الحقيقية وفي كل الأحوال فالرجل مغرم بكل ما هو بدائي ، مرة يشرع في إنجاز فلم عن عبدة الشيطان يصور بعض مشاهده في المنزل المهجور ، وحين لم يحصل على تأشيرة العرض ، صار يبحث في التراث ، لو كانت نواياه صادقة ستنهض هذه الجهة سياحيا ، ولكن هذا سيشكل خطرا على الدراسات الغير معلنة عن الكنوز الأثرية في هذا الجبل ، الذي يتبادل مع البحر أدوار حجب الأسرار ، وتفعل فيه الطبيعة المتوحشة فعلها في الأجساد والنفوس ، وترسم ملامحها القاسية على تقاطيع الوجوه المتغضنة ...

16

تستيقظ النفس ، وقد تلقت ذلك المنال وذلك الوعد بحياة جديدة في صباح جديد ، صباح تغنى به الشعراء وتشوفوه برؤاهم يتبدد فيه الوهم وتضحى النفس في حالة صفو ، قادرة عن تمييز الحقيقة عن الوهم ... لقد استيقظت من حلم طويل وكأنه لم يمر في لحظات ... قبل الحلم كنت قد وضعت نقطة النهاية ل"أدراج العودة" بعدما تاهت عني شخصياتها ، واختفت وراء الأسوار والجدران . وبقدر ما آلمتني حكاياها ، ونهاياتها المبهمة ، بقدر ما تركت ظلالها على نفسي وهي تحل رموز الألم ، و بقدر ما تحول ألم هؤلاء إلى معاناة محفورة على الأجساد ... بقدر ما آلمني قسوة الدهر وصروفه وتقلباته ، قسوة القدر وسيطرته على أفعالهم ، يحاولون رتق الشرخ ليعيشوا سكينة مؤقتة ولكن دون جدوى ...
تجمعت شخصيات الرواية في غرفة الجلوس ، وقد عرفت طريق المنزل ، ويبدو أن هاجر هي التي دلتهم على عنواني ، بدت في أعينهم نظرات التحدي ، وقالوا إنني سطرت قصصهم بطريقة لم ترق لهم ، وأنني ربما شوهت ملامح التمرد التي اتسموا بها ، وأنني حولت حركات التمرد إلى ضعف . في النهاية قالت هاجر "لقد جئنا لنكلمك بضمير الجمع المتكلم ، لأننا اكتشفنا أننا نشترك في ملامح ترسمنا متشابهين في لوحة واحدة" ... لم أكن مقتنعة بأن تمثل هاجر كل هؤلاء الشخصيات للتحدث بضمير نحن ، ولكن بما أنهم حلوا جميعا بالمنزل ، وبما أنهم يحسنون الكلام ، ولا يعاني أحد منهم من التعثر في النطق ، أو عدم الوضوح في التعبير عن النفس ، فلم أر بدا لكي تعبر كل شخصية عن نفسها ...

لم أكن أرى أن البشر متساوين حتى وإن نشئوا في بيئة واحدة ، وأن كل الاستدلالات لا تنفع مع البشر ، كأننا نقول أن أ يساوي ب ، وب يساوي ج ، وج تساوي دال ، وكأن الفردية التحتية مختلفة ، ولغة باطنية واحدة لا تختلف عن الآخر . لم يرق لي ضمير نحن ، وارتأيت أن الأحاسيس خاصة ، والتفكير يتغير من شخص إلى آخر وأن الاختلاف كبصمات الأصابع يلاحظ من شخص إلى آخر . وأن لا أحد يتكرر في نسخة أخرى ، حتى وإن أعلنت هذه المجموعة تمردها فهو تمرد فردي ، ولم ينضو هؤلاء داخل حركة لها هدف ما ، ثمة توتر وصراع بين الشخصيات وكان من الأجدى الحديث مع أنوات لا مع ضمير الجمع .

تقف هاجر على الكرسي ، وتلبس ملامحها الجدية صورة خطيب . ذكرتني وقفتها بهؤلاء الطلبة الذين احترفوا إلقاء الخطابات في الجامعة ، منديين ، متوعدين ، ثم صادفتهم بعد سنوات على الكراسي ، ووجدت نفسي مدفوعة لمشاهدة مسرحية تشبه فصولها ما يتلفظ به المرتزقة ، وهم يقولون كلاما لا معنى له ، ويكتبون تقاريرهم بكثير من الحنق ؟ وتمنيت لو يصعد أحمد بدوره على الطاولة ليكتمل المشهد ، ولن أصفق له في النهاية ...
لماذا جاء هؤلاء ليعبثوا بأوراق الرواية ...
تقول هاجر إن الأنا هي التي ترسم حدود وجودها ، ومن العنف تنبع الأنا ، ولولا ذلك العنف الذي ينتابها في حالة غضب لعبرت عن حدود تمردها وأخذ حقها بالقوة ... وعندما تترك كلمات الآخرين تتحرر وتعلن عن حضورها ... لهذا اختارت أن تتكلم والآخرون يسمعون ... وهربها هي لغة يسمعها الجميع ... لغتها هي لغة جديدة تحل بها محل لغات الآخرين ... الأنا عنفتهم لتخرج عن فضائهم ... فلا أنا تنبع من الضعف واللين بل بالصلابة ، فحين تعنف الآخرين تشعر بالقسوة والثبات ...

ويتدخل أخوها قائلا إنه حين فوض أخته لتتحدث بلغة " نحن " لأنه لا يقر بفرديات تحتية مغلقة ، فكل أنا تتواصل وتنفتح مع أخرى ، لقد تكونت الأنوات من تحولات باطنية مختلفة لكنها تبقى مرتبطة بالاجتماعي ، بما هو ضد تجلي الأنا ، ولكن تنجلي الأنا حين تعبر بحرية حتى في حالة الخدر والغياب عن الوعي فهي تعبر عن الذي يعيش في باطنها ... وكلمات الآخرين لم تعد تعني لها أي شيء ، فلا انتماء إلا إلى الأنا ، هي ضد الاجتماعي ولامادية لغة المجتمع ، هي التعمق في عالم غامض سريالي ، لا تتغلف بلغة الاجتماعي .. هي لغة تتصور في عالم الأنا ولا شيء غير الأنا ...

في النهاية تتعرى خيرة من أقنعة القسوة ، أكتشف صورتها الجديدة وكأنها صورة بكر قبل أن تخمش وتجرح ، أما النظرة فقد بدت أكثر لمعانا ... تنعكس من بريقها تجليات العاطفة تقوي في النفس الإصرار ... كانت تتحدث عن الشعور بالاضطهاد الذي شرحته لها زوجة خالها الفرنسية ، والتي حولت شعورها بالاضطهاد إلى قضية في جمعية " النهوض بالإنسان على النت " الاضطهاد حافز ليتساءل الإنسان عن قيمته و الخروج من قوقعة التهميش ، هل هو موجود دون أن يكون هو ، يستيقظ على فجائع عاشتها النفس ، وجودها في حوش جدها لم يكن أرفع من عدم وجودها ، يتساوى الوجود مع عدم الوجود ، فهل هي لعبة بين أيديهم أو قطعة طين يشكلونها بأصابع غليظة تكورها وتسطحها ... وهي تقبل على شرب الأقراص والخروج إلى عالم مجهول ليلا كانت تتعرى من أقنعة الآخرين ومن مخاوفها ، وصارت تشعر بكرامتها .. لم تمانع زوجة خالها في ظهورها في ذلك الشريط في صورة طبيعية ، وارتأت أنها كانت تعيش تجليات الأنا المبدعة وهي تكتشف المجهول الكامن طياتها في ذلك الدور الذي مثله عقلها الباطن ....

لا خيار لها إلا أن تعلن حريتها في واقع يحترم رغباتها الدفينة ، فملامحها فيها تعبيرات يحبذها رجالات السينما ، وهي ستدرس وتتعلم وتتحرك ولن تعتزل الناس بل ستقاوم ماضيها الملتبس في الجبل ، وستعود إلى الجبل بعد سنوات وهي تركب سيارة وتضع علي عينيها نظرات شمسية ، وستبني منزلا كبيرا على أنقاض الحوش ، ولن يجرأ أحد على نعتها بالخبل ، ولن يجرأ أحد على خمش جسدها أو حرقه ، بل سيقول سكان الجبل " الحجرة ما تذوب والمومس ما تتوب " ، وستقاومهم كما قاومتهم الراقصة التي تعلمت الرقص في المدينة وصارت تدعى للرقص في حفلاتهم التي تنتهي دائما بالعراك وبقذف الحجارة ...فمازالت تستشعر ذلك الغموض وهي تعيش حالة انعدام الفهم لذلك الحزن الذي يسري في الأوصال ، وتسعى إلى حل حبكة الشجون عبر قلق عارم ، كان القلق ينفذ بها نحو الخلاء وعالم خاو من المعنى ، نحو حالات أليمة ... وفسرت لها زوجة خالها أن نفسها مرضت وأرهقت وأصيبت بحالة ارتباك أمام عسر فهمها وإدراكها لما تعيشه ... ولكنها هناك استشفت الراحة بعد الوحشة ... وتبدد كل غموض حول عقلها الباطن ....
تنفذ من تلك الشقوق لغة منتشية ، هي تعبيرات حركية تجسدها الحروف ... تبتكر صورا جميلة ، تطرزها على الأقمشة ، إن روح تلك الصور المبدعة تثلج النفس وتبدد التوتر ... حين تحسن خيرة التعبير عن وضعها الجديد ، تفيق في صباح جديد ... تتبدد فيه الهواجس وتتبلور تقنية بناء الذات ...قبل تلك اليقظة كانت النفس تعيش مزيجا من الموت والحياة ، جسد شبه ميت يتنفس بعض الأحلام والكوابيس ، كان يعيش في تيمة وسط بين النوم واليقظة ، أعماق خامدة لا تتبصر فيها ... غير قادر على بعث الحياة الباطنية ... حياة ظاهرة وموت باطني ، تلك الحياة الظاهرة تجعلها تتصرف في كثير من الأحيان عبر دوافع لاإرادية لأنها تريد أن تحلم ، أن تتخيل ، أن تراجع صور ذاكرتها وأن يعيش لحظاتها الراهنة بمنظار وردي ... واكتشفت أن صوت خيرة قد تبدل واستبدلته بصوت زوجة خالها الفرنسية بعدما فقدت صوتها للأبد ... فكيف تنسج حرير الكلام ، والعنكبوت تخيط خيوطها في ظلام نفسها الحالك ..

لكن هذا الإحساس بالانطلاق لم يعد مجرد خيال أجوف ، وليس مجرد حالة صوفية مصطنعة ... لم تكن حياتها سعيدة في حوش جدها لأنها كانت سجينة في قفص الوجود ، هناك تحولت التخيلات إلى أوهام من يعبرون عن رغبات مغلوطة في فهم الأشياء ، وتنخرط في دوامة القدر بمآسيه ونكباته المسيطرة على أنفاسها ...

أما أحمد الذي تعود على تدبير المكائد وتشويه الحقائق وشتم الآخرين فقد ، أخذ لنفسه مكانا في هذا المجلس و هو يلبس لباسا رسميا ، ولم يكن يتكلم ليدافع عن نفسه بل ليدافع عن ضحاياه خيرة وهاجر ، فآخر ما توصل إليه ذهنه أن تلك الشخصيات النسائية لم تكن ردودها تنم عن غياب الحركة الذهنية ، حركة تسعى لتبديد الغموض ، بعد الإحساس بالضيق والاشمئزاز إزاء لا معنوية الأشياء والحياة كما تراها عقول أسياد الجبل . وكان يتتبع تلك الشخصيات ويستفزها لتثور على وضعها وترى واقعها بوضوح ، ولم يكن يقل استفزازا عن هذا الثري الذي يجلس بجانبه ، فقد كان يطلب من أعوانه أن يوهموا بعض الضيوف الذي يختلف مع أفكارهم بالترحيب بهم وهم يتفسحون بهم بين منعرجات الجبل ، ولكنهم يأخذونهم نحو طرق متشعبة خطرة ، ليصابوا بالهلع " وفجعان الذئب أحسن من قتله " ، ثم يتصل بهم ليعودوا بهم للنزل ويفرحوا بهم ويقدمون إليهم أشهى الطعام ، لا بد أن يخض هذه الشخصيات ويرجها لتنهض من سباتها ... هو نفسه مولع بتسليط العنف على كل ما هو خارج عن الذات ، عنف ما كان يعبر عنه بضراوة لولا هذا التحدي بكل من يواجهونه بأفكار متناقضة في شكلها عقيمة في جوهرها ... ولم يكن يعتقد أنه يتوهم وهو يتقمص شخصية نيتشة أو شخصية نبي يحطم الأصنام ، بل كان يرى أن المطرقة التي كسر بها الرؤوس هي المطرقة التي تعلن عن وجوده ... وعبرها صار قادرا ومريدا ، عبر تحطيم الجماجم الخاوية وتكسير الأغلال المثقلة بالأوهام ...
لم يعتقد أنه آداة بل هو صاحب أنا تسعى لمصارعة العالم بصلابة إرادتها الرامية لبناء أسسها وهو يقف على حافة الهاوية ... ولم يكن يشعر بالرهبة والخوف وهو يقترب من عريس هاجر ويوسوس له ، لأنه دخل في مواجهة عنيفة وكان ينتظر جزاء تلك الحركة القوية ... فقد قام بتلك الحركة عن وعي وكل ما كان يحز في نفسه أن يختصر نهايته في مأساة مرتقبة ... فالغلبة تبقى دائما لقوة غير منظورة تعثر سعيه نحو الخلاص وتركه سجين الصراع بأنه يخاطر من أجل التضحية بروحه وليس من اجل بناء أنا صلبة وحرة ...

فهو يرى نفسه في صورة مناقضة تماما للصورة التي رسمتها عنه ، تقترن بطولته الفردية بالمخاطرة بالحياة ، ومن اليسير أن يخلص البطولة الفردية من عقدة المخاطرة لأن شعوره بالخوف والرهبة يعبر عن معاناة البطل من المصير ونسف جهوده ، فقد صمد أمام الخوف من المجهول الذي تقرره قوة هو عاجز عن مصارعتها ، وحين يتحول إلى صورة لتلك القوة ويتماهى معها يذوب فيها ، وينتفخ ، وتتضخم نفسه وهو يؤدي الدور ويلتحم به لأن اتقانه لذلك الدور لم يكن نابعا من مخاطرة تتأرجح بين الوقوع حينا والصمود أحيانا ... لم تكن خطواته مهتزه ولم ترتعش يداه وهو يخطو نحو الهدف ....

وبعدما استمعت إليهم وهم يغنون على نفس الموجة وينشدون ذات اللحن ويمجدون الأنا تتهجد في خيمة نسجها العنكبوت ، ينتهي الحلم وقد تحولت تلك الشخصيات إلى عناكب تلتف بزوايا الغرفة الأربعة ، أرفع نحوها المكنسة ، وأزيحها ، وأستمر في النوم لأباغت بزيارة شخصيات أخرى ، توقظني من نومي وتدعوني لاكتشاف بزوغ الشمس ... كانت تلك الطفلة التي غابت عن المنزل منذ مدة وكان معها ذلك الطفل الذي كان يتحدث عن فجاج الجبل وآباره الفارغة وتردد الصوت في الخلاء والدروب التي توصل للقرية ، ولكن فاجأتنا العاصفة ، وتلونت الريح يومها وحجبت الرؤيا وخرج الأطفال مبتهجين برفع العفريت الذي كان يصدر صوتا ، ويهدد الجبليين بالتهامهم وامتلاك الجبل ...

17

أفتح عيني بتثاقل ، وأحاول أن أستبدل تفاصيل الحلم بوهم الرؤية ، كيف تكتب دون أن تتحاور مع أطياف شخصياتك ، وكيف تسمح لهم أن يقتحموا حلمك ، و كيف يحاولون أن يرتسموا من جديد في صور ترفع من وقارهم ، وترتفع بهم ، ما الذي يضيرهم لو كاشفوا أنفسهم ؟ . هم لم يدركوا أن لحظات الكتابة تنصهر في أعماقي وأنا أراهم كأطياف لشخصيات تستحيل إلى ظلال ، أو كدمى تاركة بعض الخيوط تحركها وبعض الأصوات تتلبس بها ، كان علي أن ألغي تلك الشخصيات وأن أنحت جروحها على أجسادها لترى جروحها بوضوح ، كان علي أن أشير إلى أذهان تنخرها الأوهام ، وأن لا أجعل هؤلاء يجرؤون على رؤيتي في صورة مرآة يراجعون عبرها ذكرياتهم وشعورهم بقسوة الذاكرة وهم يعلنون عن أنوات مهشمة ... لم يتحدث أحدهم عن إحساسه بالحياة ، عن الخلق ، عن بذور الأصل ، عن رحم الأم ، عن تراب الجبل ، عن معادنه ، عن عيونه المائية ... بل جاؤوا ليقولوا إنهم على حق وأنهم أقوياء وأنني شوهت ملامحهم ...
شخصيات ذات عواطف مضطربة ... كيف لمن يعيش بدون فيض قلبي أن تعنف ذاته شرور الحياة ، كيف للغة لا تستوعب العالم بدلالاتها الخاصة للأشياء و لا تتصور العالم بوعيها لأعماقها أن تعلن حضورها ؟... تصدع شروخها كل التراكمات الدخيلة عن ذاتي ، تستحوذ اللغة على رحيقها من تلك الشروخ التي تثخن نفوسهم ، وحين تكتسي لوحات الكتابة باللون الأحمر و تتجلط الدماء التي تسال ، تكون تلك الشخصيات قد نزفت ورحلت عن الحياة وعن اللغة إلى غير رجعة ، فلم تكرر حضورها حلما و وهي تدوس على تراث أجدادها وتتوق إلى الاكتساء بشحمها ولحمها في غياب الروح ...كيف لي أن أكسي تلك الشخصيات الخطاءة بنور المعنى ؟؟؟؟؟

كيف لي أن اقرأ في أسطر العنف تجلي الإرادة ، وكيف لهؤلاء الذي يستمدون قيمهم الفنية من ال الآخرين أن يتحولوا إلى قدوة أطبل وأزمر لها وأنا أدرك أنها انسلخت عن واقعها وللأبد ، وكيف لي أن أجعلها شخصيات بطلة ، متحدية ، ثائرة ، وهي تجهض على قيمها بفؤوس الآخرين الذين رفعوا شعارات ضد الأنا ... ولم لم تكن لهم القدرة على إقناع الآخرين بأن ثقافتهم تنبذ العنف ، فهل قدري أن أنصاع لشخصيات تتبنى شعارات تدنيس المقدسات لترضي نرجسية الآخر ، ويراها الآخر شخصيات مهزوزة يتحكم في ثقافتها وفنها ..

ليس من حق أحد أن يدنس الروح التي تتجلى بالرؤى وأن يتلقى صكوك الغفران من تلك الوجوه من وراء البحار التي تهديك جوائز رضاها لكنها تحتقرك ... وترمي لك بعض دولاراتها على الأرض وتنحني لتلتقطها ...كيف لفنان ورجل فكر أن يخلع كل صور ذاكرته ويعيش بذاكرة الآخرين ... تعتقد تلك الشخصيات أنها تصارع العالم وأنها تخمد الصورة التي تميت الذات لتحيا بفعلها العنيف دون أن تشعر بالخطيئة ... كيف أحس بمعنى الحياة في مواجهة عنف يمارس على ذاكرتي ؟
كانت الطفلة قد شهدت قدوم هؤلاء الأشخاص حلما لتعيش معنى الغموض ، يلبس سؤال الغموض كنه الحزن الذي يسري في الشرايين ... يكره كل واحد منهم صورة الذنب ، يخطئ ، يتحدى الآخر ، يعاقبه ، يعيش وحشة الذنب لكنه يشعر بالراحة المطلقة ، يفلت من نسق لغة الأجداد المتحجرة ، يبحث عن لحظات صدق مع ذاته ، فيكتشف أنه فقد براءته ... وفي عمق الانبتات لا مكان لأصل أو جذور ... سطور مغلقة ، إحساسات منفلتة ... إحساس بتدفق بنبضات الحياة ، تفك أحرف الغموض بإحساسها وإدراكها ... اللون الأحمر ، التجربة ، المخاطرة بإرث الماضي ، يتدخل العقل النفعي ... ويغيب كل شيء ....

كنت أعتقد أن لغتي منفتحة على من يحملون جذور الأنا ، وأنها تنبع في لحظات صمت ... لغة كامنة تستحيل رموزها إلى صور الأحاسيس في إطلاقيتها ، تنعتق عن كل الحواجز ، تتحرر من كل العقد ، تخلق الوجود ، أحاول إضاءة أبعادا أدبية على شخصيات سطحها فكر دون روح وفن دون جذور ، كنت أحاول الانفتاح على ذوات مغموسة في غياهب العتمة ، لترتقي بذاتها من طور الاختيار الخاطئ وتتصالح مع ذاتي ، لم أكن أقر أنها ستكون معزولة عني ، بل ثمة ذكريات تجمعنا ، لأكتشف أنني أحاول خلق صورتي في تحرري من صور الواقع وأن لا مناص لي إلا مواجهة تلك الشخصيات وقد تحولت إلى أشباح ...

وحدهم الأطفال يستشعرون الحياة وهم يركضون ويمرحون ويرتعون ، ويعبقر الإحساس الطفولي كل الفنون ، بصدقه ، بانصهار اللحظة داخل الزمن ... خارج عالم ترتبه وتهندسه أياد غريبة ، عالم جاهز ولا مناص لنا إلا أن ننحني له وندخله يقظين أو منومين ، نحمل معنا خطايانا ونرميها في هوة النسيان ، ونرمي بخطيئتنا على الآخرين ونحن نلذع ذواتنا بسياطهم ، يا لنا من ملاعين ، مجذوبين ، منصاعين ، لا نكتفي بتمزيق سجلاتنا بل نمعن في تشويهها وتمزيقها بسادية ، ثم نبدي الطهر والتطهر ، وكانت اللغة هي التي تمارس عنفا على من عنفها بخزعبلاته الواهية ...
تراءت الشخصيات كأقنعة لثقافات الآخرين ، ذوات هزيلة ، ثورة على الازدراء والحرمان ، ماهيات اصطناعية ، يؤطرها قصد عقيم ، فرديات جوفاء لا يحركها قصد فاعل ، حرية العبودية ... لكنني أرى الإبداع ينطلق كهؤلاء الأطفال ، تجل للغة الكمون وحقيقة الروح ، في مكان ما في تلك اللغة الباطنية تبصر للأعماق ، ليست الكتابة تراكمات خارجة عن الذات ترتب عالما مغلقا ... الماهية كل منصهر وليست مجزأة ومقسمة بل هي رافد لكل الأنوات ...

كان الصدق هو الباعث الأساسي لتكون الأنا ، ذلك ما تلفظ به البحار ، وهو يرى نفسه في صورة فيلسوف تكون باطنيا وروحيا ، تمخضت فلسفته عن حيرة وجودية وهو يتأمل البحر والأمواج ، فعاش حيرة ودهشة و تقاذفه الشك ... وكان شعوره بوجوده هو الذي جعله يفكر وهو يتأمل صور البحر وخط الأفق وحركات المد والجزر وغضب البحر و هدوئه الرهيب ووشوشاته الليلية في ليالي الصيف . وبدا أنه والبحر والفضاء كائنات واحدة تلتقي في تيمة واحدة ....

أما ذلك الدليل ، الباحث في الآثار ، الذي يستدل من النقوش المكتوبة على الحجارة ملامح حضارة تسكن في أعماق البحر ... كان يرى أن الفن تعبير عن دهشة عند جمع الحجارة الملونة وفرزها ، وخلق الدمى الحجرية ، وتوشية اللوحات بالفسيفساء ... لم يكن يريد دخول لعبة الفن من بوابة الآخرين وإملاءاتهم ، بل كان يرسم ملامح ذاته وهويته في جمع ما تناثر من صور الماضي المجزأ التائه ... كان بدوره يرفض كل ذات هزيلة تتبنى حرية الآخرين ... الذهن المبدع يحتاج إلى ثورة فكرية تصور لوحة التاريخ الصامد ... الفنان الباحث عاش تحولات جذرية قلب كل التصورات المأسوية على عقبها وهي تتعقب الذات والذاكرة ....

وسخرا كلاهما من تصوف أحمد المباغت بعد خيبة طرده من الحوش ومجلة المرتزقة فقد توقف شعوره بالاضطهاد والتهور ، فكان تصوفه ردة فعل أمام خيبته المادية بعدما أمات روحه وللأبد ، فعوض عن خيباته بماهية اصطناعية ، وكان يتحدث عن الرؤيا وهو يدرك أن كلامه تزلف ونفاق ... لم يختلف الإثنان على أنه أمات إحساساته مبعث الحياة ، وعجز عن إيجاد مخرج ، فأعطى صورة واهمة عن تساميه إلى الألوهية ... فكانت نهايته عزلة مفروضة يضفي عليها روحا اصطناعية ... فتلاشى في سراديب الظلام ...

ما بقي من سطور الرواية تلك الإحساسات العميقة التي لم تعبأ بها شخصيات الرواية وهي تتأرجح على كل الحبال ، إحساسات تجعلك تنتشي وتتمرد وتثور وتقوي ذتك عبر الكتابة ، لا أن تتركها تفلت منك ، أو أن تتركها عهدة في أياد فقدت القدرة على الإمساك بإرثها ... لم يكن اللحن المنبعث منها يشبه موسيقى الصيادين المتوحشين ، ولم تكن الكلمات التي تردد صداها تشبه تمتمات الهنود في الغابات البدائية ، لم تكن الأغنية منغلقة على ذاتية ضيقة بل كانت تجد لها مرددين ، لهم إحساسات مشتقة من تحتيات اللغة ...

أبعد ما كنت أفكر فيه أن أغلف شخصياتي بالوهم وأتبنى ذلك الوهم واعتقد أنه حقيقة على يقيني بأنه تكيفات خيالية ، قد تخلصهم من حدة المآسي ، من قسوة الحياة ، لكنها لا تحلق بي ولا ترقى بتفكيري ... لم تزود فكري بالحيوية ولم تبعث في موسيقى الروح ... تلك الموسيقى التي تعبر عن مهارة فنية ترتقي إلى الفكر ... تعبر عن تمثلات لحياة أكثر جدوى ...لا تسب لي شعورا بالازدراء .. وتساءلت : لم لم تحقق تلك الشخصيات وجودها الجميل باطنيا ، لم لم تشعر بوجود غاية تتحرك من أجلها ، لماذا رهنت حياتها في أيادي الآخرين ؟؟؟
وشعرت بالمسافة تتباعد بيني وبينها وفي ذات الوقت كنت أبحث عن صور طفولية ، عن شهوة المغامرة والغوص في عمق البحر ، عن الرغبة في اكتشاف التاريخ ، ووجدت ظلالا تطل من وراء الأبواب والنوافذ عند استرسال نور الشمس وهي تحفزني لأنهض ... فاليقظة أجمل من أوهام شخصيات روائية شقية ...

وكان على القلم أن ينهي حياة هؤلاء ليخلص الروح من الغموض والشعورات المبهمة ... ملهاة الإنسان أنه بدأ حياته طفلا ، طفولة لا تتكرر لحظاتها إلا عبر تطهير النفس من أدران الشخصيات المهزوزة ، يغتسل الجسد ، وكلما تدفق الماء شحن بالحركة والانطلاق ، تتنفس الروح ، يتواصل خيط التفكير ، إلى أن يتشابك مع شجرة الورد ، وتنبعث روائح تحييه وتحييني ....وتشابك مع أذهان أخرى ترى الشجرة بوضوح ، وتنبعث إليها الرائحة العبقة ، تشد إلى الشجرة كمن يتشبث بتراث الماضي الغني بالحقائق والاكتشافات وطاقات الخيال ، وحين يستنشق عبير الورود وتمتلئ الرئتان بالهواء النقي ، ينهض القلم المتثائب من جديد باحثا عن تفاصيل جديدة لرحلة البحث عن الذات .

أنهض من الفراش ، أقرأ عناوين الصحف ، كانت العناوين مكتوبة بخطوط عريضة تهاجم مطربا يحيي حفلة في فلسطين المحتلة ويهتف بحياة ناتنياهو ... أقرأ الأخبار على صفحات الفايس بوك كان المثقفون والفنانون يتحاورون عن التطبيع الثقافي مع العدو بحرارة ، وكأنهم في برنامج "الاتجاه المعاكس" ، وهم بين رافض ومؤيد .. من قال أن روايتي التي بدأت بحدث الاعتداء على غزة ستنتهي بمعارك التطبيع الثقافي مع العدو ... ولكن وأنا أحفظ نصوصي في أدراج الذاكرة ... أعود إلى ذاتي أتأمل الأحداث من النافذة وقد أزحت الستار قليلا ...




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (5 تعليقات سابقة):

هيام الفرشيشي في 08/ 10/ 2010
هيام الفرشيشي الأستاذ سيد إبراهيم

يسعدني أن تكتشف كتاباتي في خضم النسيج الإبداعي المتدفق من هنا وهناك ... وللاكتشاف سحره وجاذبيته ... أرجو أن لا تفلت كتاباتي عنك ... ويسعدني أن تكون وفيا لها ...

مرحبا بك دائما
وأحيي تعليقك
السيد إبراهيم في 08/ 10/ 2010
السيد إبراهيم رائعة أنتِ حين تنقدين وحين تكتبين ، جاء اكتشافى لك مؤخراً ربما من جهلى أو انشغالى .. سامحينى .. أدركتك .. وإذن لن تفلتى منى بعد الآن .. خالص مودتى ودمتِ مبدعة .
هيام الفرشيشي في 30/ 9/ 2010
هيام الفرشيشي الأديب بولس آدم

شكرا جزيلا

أرجو أن تكون الرواية ممتعة ، وفسحة للسفر عبر الخيال الفني .. أشكر اهتمامك ومتابعتك ... وأنا بدوري تهت في تفاصيل " ضراوة الحياة اللامتوقعة " ...

تقديري ومودتي
بولس ادم في 29/ 9/ 2010
بولس ادم الأخت المبدعة هيام الفرشيشي

تهنئة حارة بمناسبة صدور أدراج العودة التي هي صفحات من السفر الجواني المثير ، حصلت على قراءة ممتعة لرواية جميلة فشكرا لك
هيام الفرشيشي في 23/ 9/ 2010
هيام الفرشيشي الشاعر المبدع كريم النجار
هيئة ادب فن الجميلة

شكرا جزيلا لهذا الإخراج الجميل للرواية
أرجو أن يكون مضمونها بنفس الجمال

امتناني
ومحبتي

هيام الفرشيشي
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
3.67
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل