أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 |
رواية.. مجرد لعبة حظ
عدد مرات المشاهدة :3113 - May 19, 2007
ابراهيم درغوثي
ابراهيم درغوثي
تذكـيـــــر
أمس الذي مرّ على قربه * يعجز أهل الأرض عن ردّه « أبو العلاء المعرّي »
أنـا بثـيـنـة
أمس الذي مرّ على قربه * يعجز أهل الأرض عن ردّه « أبو العلاء المعرّي »
أنـا بثـيـنـة
أنا بثينة زوجة فائز الرّابحي.
أنا امرأة مصنوعة من نار البراكين ونور الشّمس.
امرأة عصريّة جدّا تلبس التّايور والميني جيب والدّجين الكابس على الرّدفين والمضغوط على الفخذين. ولا تخجل من النّظرات الّتي تعرّي لحمها كلّما هبطت من سيّارتها لقضاء شأن من شؤون الحياة.
أنا امرأة ترفع في وجه العالم إصبعها الوسطى ولا يطرف لها جفن. لأنّها تعرف أنّها أسطورة. أسطورة خارجة من بطون مدوّنات التّاريخ. هل صادف أن رأيتم سطورا تلملم ذاتها لتتحوّل إلى لحم ودم؟
أنا بثينة فائز الرّابحي سليلة تلك الأسطورة. سأحكي لكم حكايتي. سأقول كثيرا من الكذب وقليلا من الصّدق. سأخلط الحقّ بالباطل وأرمي به في وجوهكم. أرميكم بخليط من الأوهام والحقائق. أوهام كالحقيقة. وحقيقة أغرب من الوهم !!
أنا امرأة تخطّت التّاريخ يا سادتي الكرام. جئتكم من هناك. من صحراء نجد، من الرّبع الخالي ! من عرْق الرّمل الكبير في مشرق الشّمس! جاءكم صوتي مع ثغاء النعاج وصهيل خيل الفرسان. جئتكم بين دفّتي ديوان شعر أو في مخلاة راعي إبل.
أنا بثينة فائز الرّابحي. سأحكي لكم حكايتي. فلا تصدّقوها. هل تصدّقون الآن خرافات الجدّات بعد أن امتلأت البيوت بأجهزة التّلفاز والإنترنات والهواتف النّقالة؟ وأنا سأحكي لكم خرافة. سأقصّ عليكم قصصا عجيبة عن الإنس والجان وعلي بن السّلطان ومجانين بني عامر وعمران. سأوهمكم بأنّني صادقة. وسأصدقكم القول حتّى تتوهّموا صدقي كذبا.
أنا بثينة فائزالرّابحي أعترف بين أيديكم وأمام أبصاركم وفي حضرة الملائكة التي تسجّل خطاياي في كتاب مسطور لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه أنّني سأقتل زوجي هذه اللّيلة.
اللّيلة سينتهي كلّ شيء. فلن أعود على قراري. لن أتراجع أبدا. قبل طلوع شمس الصّباح أكون قد قتلته. لن أطلق عليه النّار. فأنا الطّالعة من بطون كتب التّراث ودواوين الشّعراء تأبى أن تدوّي رصاصة في حضرة الموت. أنا ابنة « الأصفهاني » سليلة كتاب « الأغاني » لن ألوّث يدي بدم طلقة مسدّس أعور يرى الموت بعين واحدة. سأستعمل في قتل زوجي فائز الرّابحي خنجرا يلمع حدّه لمعان عيون القطط البريّة. راودتني فكرة قتله بقبقاب. أضربه به على أم رأسه وهو يغطّ في النّوم ولكنّني استهجنت هذه الفكرة حين اكتشفت أنّني قادرة على خنقه بوسادة. أضع الوسادة على وجهه وأضغط حتّى تنْقطع أنفاسه ويسلم الرّوح. وألحّت عليّ هذه الطريقة إلى أن اكتشفت أنّ الجواري كنّ يستعملنها في القصور السّلطانية لقتل الملوك العاجزين عن إرواء شبقهنّ فتركتها جانبا. وقلت سأدسّ هذا الخنجر النائم تحت وسادتي في قلب زوجي. سأدسّه برفق حتّى لا أوقظه من النّوم. فهو في كلّ الأحوال زوجي. وبيني وبينه كثير من المودّة والحبّ. بيني وبينه « عيش وملح » وغرام ومرح ونكد كثير. سيواصل زوجي نومه حتّى الصّباح. ولكنّه لن يستمع فجرا إلى رنين المنبّه الذي أقلق راحتي على مدى عشرة أعوام. عشرة أعوام وأنا كاتمة غيظا لو وزّعوه على العالم لدُكّ دكّا دكّا. عشرة أعوام وأنا أتحيّن فرصة أفجّر فيها نيران الجحيم التي تملأ صدري. فرصة أشتعل فيها وأشعل العالم من حولي. سأنتظر دقّات المنبّه وسأرقب يده تخرج من تحت الأغطية لتكتم أنفاس رنين الجرس. لكن اليد لن تخرج هذه المرّة.
سيدقّ المنبّه لروحه هذا الصّباح ولن تردّ الرّوح على ندائه. فالأرواح لا تعرف أصوات الأجراس المصنوعة في « تايوان ».
أنـا بثـيـنـة
أنا بثينة زوجة فائز الرّابحي.
أنا امرأة مصنوعة من نار البراكين ونور الشّمس.
امرأة عصريّة جدّا تلبس التّايور والميني جيب والدّجين الكابس على الرّدفين والمضغوط على الفخذين. ولا تخجل من النّظرات الّتي تعرّي لحمها كلّما هبطت من سيّارتها لقضاء شأن من شؤون الحياة.
أنا امرأة ترفع في وجه العالم إصبعها الوسطى ولا يطرف لها جفن. لأنّها تعرف أنّها أسطورة. أسطورة خارجة من بطون مدوّنات التّاريخ. هل صادف أن رأيتم سطورا تلملم ذاتها لتتحوّل إلى لحم ودم؟
أنا بثينة فائز الرّابحي سليلة تلك الأسطورة. سأحكي لكم حكايتي. سأقول كثيرا من الكذب وقليلا من الصّدق. سأخلط الحقّ بالباطل وأرمي به في وجوهكم. أرميكم بخليط من الأوهام والحقائق. أوهام كالحقيقة. وحقيقة أغرب من الوهم !!
أنا امرأة تخطّت التّاريخ يا سادتي الكرام. جئتكم من هناك. من صحراء نجد، من الرّبع الخالي ! من عرْق الرّمل الكبير في مشرق الشّمس! جاءكم صوتي مع ثغاء النعاج وصهيل خيل الفرسان. جئتكم بين دفّتي ديوان شعر أو في مخلاة راعي إبل.
أنا بثينة فائز الرّابحي. سأحكي لكم حكايتي. فلا تصدّقوها. هل تصدّقون الآن خرافات الجدّات بعد أن امتلأت البيوت بأجهزة التّلفاز والإنترنات والهواتف النّقالة؟ وأنا سأحكي لكم خرافة. سأقصّ عليكم قصصا عجيبة عن الإنس والجان وعلي بن السّلطان ومجانين بني عامر وعمران. سأوهمكم بأنّني صادقة. وسأصدقكم القول حتّى تتوهّموا صدقي كذبا.
أنا بثينة فائزالرّابحي أعترف بين أيديكم وأمام أبصاركم وفي حضرة الملائكة التي تسجّل خطاياي في كتاب مسطور لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه أنّني سأقتل زوجي هذه اللّيلة.
اللّيلة سينتهي كلّ شيء. فلن أعود على قراري. لن أتراجع أبدا. قبل طلوع شمس الصّباح أكون قد قتلته. لن أطلق عليه النّار. فأنا الطّالعة من بطون كتب التّراث ودواوين الشّعراء تأبى أن تدوّي رصاصة في حضرة الموت. أنا ابنة « الأصفهاني » سليلة كتاب « الأغاني » لن ألوّث يدي بدم طلقة مسدّس أعور يرى الموت بعين واحدة. سأستعمل في قتل زوجي فائز الرّابحي خنجرا يلمع حدّه لمعان عيون القطط البريّة. راودتني فكرة قتله بقبقاب. أضربه به على أم رأسه وهو يغطّ في النّوم ولكنّني استهجنت هذه الفكرة حين اكتشفت أنّني قادرة على خنقه بوسادة. أضع الوسادة على وجهه وأضغط حتّى تنْقطع أنفاسه ويسلم الرّوح. وألحّت عليّ هذه الطريقة إلى أن اكتشفت أنّ الجواري كنّ يستعملنها في القصور السّلطانية لقتل الملوك العاجزين عن إرواء شبقهنّ فتركتها جانبا. وقلت سأدسّ هذا الخنجر النائم تحت وسادتي في قلب زوجي. سأدسّه برفق حتّى لا أوقظه من النّوم. فهو في كلّ الأحوال زوجي. وبيني وبينه كثير من المودّة والحبّ. بيني وبينه « عيش وملح » وغرام ومرح ونكد كثير. سيواصل زوجي نومه حتّى الصّباح. ولكنّه لن يستمع فجرا إلى رنين المنبّه الذي أقلق راحتي على مدى عشرة أعوام. عشرة أعوام وأنا كاتمة غيظا لو وزّعوه على العالم لدُكّ دكّا دكّا. عشرة أعوام وأنا أتحيّن فرصة أفجّر فيها نيران الجحيم التي تملأ صدري. فرصة أشتعل فيها وأشعل العالم من حولي. سأنتظر دقّات المنبّه وسأرقب يده تخرج من تحت الأغطية لتكتم أنفاس رنين الجرس. لكن اليد لن تخرج هذه المرّة.
سيدقّ المنبّه لروحه هذا الصّباح ولن تردّ الرّوح على ندائه. فالأرواح لا تعرف أصوات الأجراس المصنوعة في « تايوان ».
أنـا فـائـــز
أنا فائز عبد الدّائم الرّابحي. جاء أجدادي إلى « الدّخلة » في منتصف القرن الثامن عشر بعد أن هجّجهم البايات من بلاد الهمّامة. فهربوا من مواجهة البحر واستقرّوا في القرى البعيدة عن الشواطئ. وظلّوا يحلمون بالصّحراء وبحليب النّوق وبالغارات على القوافل والأمحال.
عشت طفولتي في منزل تكتظّ مخازنه بغرائر القمح والشّعير والفول والحمّص واللّوبيــــــاء
والجلبان وبصناديق ملأى بالمشمش المجفّف وشرائح التّين وبخوابي زيت الزّيتون وبقوارير العطور المقطّرة.
تعلّمت في الكتّاب كلام الرّب. وحفظت عن ظهر قلب حكايات الأجداد. ثمّ ذهبت إلى المدرسة.
كم كان عمري يوم جلست جنب « بثينة » على طاولة الدّرس؟ عشر سنوات ! ربّما!
« بثينة » بنت الرّوميّة. طفلة لا تشبه بناتنا. شعرها قصير. وتنّورتها مزدحمة بورود الرّبيع. وصوتها يعلو دائما فوق أصوات أولاد الفصل. كانت الشّيطانة الّتي يهابها الأطفال ويخافون الاقتراب من ساحتها. هذه الشّيطانة أدخلتني دار والدها من الباب الخلفي. وفرّجتني على عرائسها التي تتكلّم وتغمض عينيها إذا وضعت يدك بلطف على بطنها وتبول على فستانها إذا قرصت حنكها الصّغير. تبول العروس عطرا لذيذا فتّانا. تضع بثينة بعضا منه على أرنبة أنفي وهي تضحك وتكركر وتخبط الأرض برجليها. وأنا الخائف الوجل لا أعرف بماذا أردّ على دعاباتها إلى أن تدخل أمّها الدّار فترطن بلغة عذبة وهي تشير بيديها إلى وراء الباب. فأعرف أنّ والدها قد عاد إلى البيت. وأعرف أنّ ساعة المغادرة قد أزفت. تضع هذه المرأة الغريبة في يدي تفاحة أو إجّاصة أو عنبا أو غلالا أخرى لا أعرف أسماءها وتطبطب على كتفي بلطف وتدفعني خارج الباب.
***
هذه الشّيطانة علّمتني كل شيء.
رأيت أوراق اللّعب أوّل مرّة في بيتها. حرّكت أمام عيني مجموعة من الأوراق الملوّنة فيها نسوة وشيوخ وشبّان. كلّ واحد منهم يحمل وجهين. سمّت لي شخصيّات اللّعبة: ريْ الكبْ، وكوّال الدِّيناري، وموجيرة البسطون، والسّبعة الحيّة ولص السّباطة والسّينكو والكواطرو والتّريس والدّو. وطلبت منّي أن أختار ثلاث أوراق. اخترت الأوراق فاختطفتها منّي خطفا وقرأتها كمن يقرأ في كتاب ثم صاحت: نُوفِي ! أنت سعيد الحظِّ يا صاحبي! أنت أسعد طفل عرفته! ثمّ اكفهرّ وجهها وتغيّرت سحنتها وبدأت تصغر وتصغر وتصغر إلى أن صارت في حجم عروس من عرائس الطّين التي تلعب بها أخواتي في البيت. وتحوّل وجهها إلى وجه عجوز شرّيرة. التفتت يمنة ويسرة فرأت مكنسة. اختطفتها وامتطتها. فطارت بها في أرجاء البيت. صارت تخبط الحيطان جيئة وذهابا وهي تلقي على مسمعي نبوءاتها:
« طرقنا ستتقاطع في يوم من الأيام يا صديقي وسيسيل فيها الدّم ».
ظلّت تردّد هذه الجملة أكثر من ساعة وهي ترغي وتزبد وأنا قابع في ركن من أركان البيت يأكل الذّعر من قلبي ويشرب من دمي إلى أن استعادت روحها القديمة فعادت إنسيّة كما كانت. تشرب الكوكاكولا. وتمضغ الشّوينقوم وتسألني:« لماذا أنا خائف هكذا؟ »
هذه الشّيطانة سأنتهي من أمرها هذه اللّيلة.
عند الفجر ستصل سيّارة مصحّة الأمراض النّفسية.
ستصل السّيّارة قبل طلوع الشّمس.
لقد حدّدت مع المدير ساعة الوصول.
قلت له:
- لا أريد أن يكتشف الجيران فضيحتي!
أريد أن يتمّ كلّ شيء بهدوء.
وتمنيّت على الممرّضين أن يخدّروها في بيت النّوم وأن يكمّموا فمها جيّدا قبل الخروج بها إلى الشّارع.
قلت لهم:
- لا تخافوا! سأدسّ السّم لكلاب الحراسة قبل الذّهاب إلى النّوم.
أنـا بثـينـة
هذه الدّنيا لعبة كبرى يشرف عليها ساحر ماهر يحرّكها كيفما يشاء وأين يريد. هي لعبة حظّ. « كَارْطْهْ ». فيها ما تحبّ وما تكره. فيها « القَرْعَه» وفيها « النّوفي ». تقمير يا عزيزي- تقْميرْ في تقْميرْ وأنت وسعْدك. مشْكي الأوراق وارشم. لا يهم أين يكون موضع الرّشم في كاغط رشّاحي، على زند فاتنة، فوق ردف مومس، على رمل الشاطئ، فوق ظهر رجل هوى، على اسفلت الشّارع الرئيسي لمدينة باذخة، بين شقوق حيطان سور رباط قديم، على صكوك بنكنوت، على كمبيلات… لا يهم فقط مشكي الأوراق وارشم. تعلّم كيف تستعمل « لصْ حفيّظ » واقدم ولا تتردّد. « فلص حفيّظ » يأكل ولا يشبع أبدا. يجمع كلّ ما يقع تحته « موجيرة السّباطة» و « الرّيْ ».
شكّبْ. وامض. لا تلتفت أبدا وراءك. فهذه اللّفتة قد تكلّفك حياتك. كأن يصدمك جرّار البلديّة مثلا أو يدهسك كمْيون مازوت تابع لشركة « طوطال ».
لا تلتفت، وارشم على الحيطان بقلم البيك الجاف، وعلى الأرض بالطباشير وعلى كاغط الكريدي بقلم الرّصاص وعلى سبورات الملاعب الرّياضية بالكهرباء. المهم في هذه اللّعبة الكبرى هو تسجيل انتصارات الأبطال وهزائم السّذّج الّذين يقامرون بالدّخول إلى هذا العالم العجيب باندفاع الأبطال وطموح الشّباب دون أن يخافوا سطوة هذا السّاحر الذي لا يطرف له جفن وهو جالس على قمّة « الأولمب » يحرّك بيادقة من بعيد مرّة بأشعة اللّيزر ومرّات بالضّغط على أزرار لوحة كمبيوتر جبّار.
وأنا. أنا « بثينة » بنت « الرّومية » صرت مجنونة بهذه اللّعبة. لعبة الورق المسكون بالنّساء والشباب والشّيوخ المتوّجين بالذّهب. تيجان عجائز الكارطة تدمي قلبي حين يغير عليها « لص » كب تافه. فأرفض انتصار إخوتي على أوراقي وأبعثر فرحتهم بالّصوص المرفرفة كالفراش بين أيديهم.
إخوتي علّموني اللّعب بالكارطة.
كنت الصّغيرة المدلّلة. وكانوا مهووسين بهذه الأوراق.
في الأوّل لم يلتفتوا لبكائي. قالوا أنت صغيرة لا تعرفين خلط الأوراق. وضحكوا على سذاجتي وأنا أزوّج الملكات بالخدم والملوك بالإماء وأفرّط في « السّبعة الحيّة » بسهولة. ولمّا أمضّهم إلحاحي وكثرت شكاياتي. وعلت نهنهتي. نهر أبي صلفهم وغلظة قلوبهم. فعلّموني لعبة « لص حفيّظ ».
قالوا: « الرّي » يأكل « الرّيْ »
و « الدّامة » تأكل أختها
و « الفالاي » يأكل أخوه
و « السّبعة » تأكل « السبعة »
و « اللّص » يأكل الكل.
فاحتججْت: « لماذا يأكل « لص » الكارطة كل الأوراق المعروضة أمامه؟
قال أخي الكبير: « لأنّه « لِصْ » يا عزيزتي.
وأضاف بفرنسيته الوافدة من وراء البحر:
C’est un voleur ma chère petite sœur !
حتّى صرت أكره « اللّصوص » وأردّد كلّما رماني الحظّ بأحدهم: ! - Te voilà, espace de voilaفيقهقه اخوتي. ويشتري الخاسر منهم ورقتي الملعونة بالحلوى والكلام المعسول.
وكبرت. وكبر معي هوسي بهذه الأوراق.
ذات صيف. وأنا أتخطّى مراهقة صعبة عاد أبي من إحدى سفراته مصحوبا بامرأة تضع في أذنيها حلَقٌ وعلى زندها أساور فضّة وتزيّن جيدها بعقود خرز وودع وأصداف بحرية صغيرة. ولا تملّ من تحريك أوراق الكارطة بين يديها. لم أرها أبدا فارغة اليدين. خلال الأسابيع التي قضّتها في ضيافة أبي حوّلت الغرف إلى حديقة تزدان بالأوراق الزّاهية الضّاجة بالملوك والملكات. كانت تبسط أوراقها أمام أبي وتقرأ له بخته وهو صامت كصنم من حجر الصّوان. وأنا أراقب المشهد من بعيد. إلى أن دعتني يوما لمشاركتها لعبتها. رأيتها تهمس في أذن أبي ورأيت الصّنم يبتسم. كانت ابتسامة غريبة فيها خوف وألم وسعادة ولذّة. وتمادت في الهمس فرفع أبي عينيه ودعاني أن تعالي يا صغيرتي.
اقتربت من المجلس وأنا أرتجف. كانت أمّي قد أخافتني قبل أيام من هذه المرأة الغريبة. قالت: لا تقتربي من تلك الغجرية حتّى لا تخطف قلبك كما خطفت قلب أبيك !
جلست على طرف الفراش فأوسعت لي المرأة الغريبة مكانا قرب والدي. ورمت لي الأوراق في حجري وهي تقول:
- أنت منذورة لهذه الأوراق يا عزيزتي فلا تهربي من قدرك!
وعلّمتني سحر اللّعبة. سبعة أيام وسبع ليال وأنا أقرأ في كتاب الغجريّة إلى أن حفظت السّر الكامن في الأوراق.
صباح اللّيلة السّابعة والفجر على الأبواب طلبت منّي أن أرافقها في جولة قصيرة في المدينة العتيقة.
قالت: زائر « الحمّامات » كشارب الماء الزّلال في يوم قائض كلّما استزاد منه ازداد عطشا.
أردت أن استأذن أبي في الخروج فمنعتْني من ذلك بخشونة بدعوى أنّه نام قبل قليل وأنّنا لن نبطئ في العودة. ووضعت رجليّ في خفيّن. ودفعتني أمامها. مشينا تحت أشجار الياسمين والبرتقال حتّى وصلنا الشّاطئ. وقفتْ طويلا وهي تستمع إلى صخب الأمواج ثم أشارت إلى بناية بين أقدام أسوار ” الرّبط” قلت: هذا جامع « سيدي بوحديد » قالت برأسها أن نعم. فذهبنا إلى الجامع. طافت بالتّابوت وهي تهمهم وتتمتم ثم وضعت على الخشب عقودها وخرزها وودعها وأساورها وحلقها وخرجت. تبعت خطاها فرأيتها تتّجه صوب البحر مغمضة العينين. في البعيد رأيت قرص الشّمس يخرج من الماء ويسكب فوق اليمّ حمرة قانية. ورأيت الحمرة تتحوّل تحت رجليْ المرأة الغجرية إلى بساط. مشت الغجرية على البساط باتّجاه الشّمس. رأيتها تبتعد وتبتعد إلى أن احتضنتها الشّمس. فأفقت من ذهولي وبدأت في الصّياح. صحت كالمجنونة إلى أن بحّ صوتي. فتجمّع حولي عدد كبير من الصيّادين. سألوني عن أمري فحدّثتهم بخبر الغجرية التي ابتلعتها الشّمس. تبادلوا فيما بينهم نظرات شكّ وريْبة. وقال كبيرهم أنا هنا منذ منتصف اللّيل وما رأيت أحدا يقترب من الشّاطئ. حلفت بربّ النّاس أنها خرجت من دارنا والآذان ينادي للصّلاة. وأنّني زرت وإيّاها قبر « حارس بحر الحمامات » قبل قليل. وتعالوا معي أريكم دليل صدقي. مشوْا ورائي وأنا أردّد: « سترون برهاني وستعرفون أنّني من الصّادقات » إلى أن دخلنا المعبد.
رأوا على التّابوت أسلاب المرأة الغائبة. ورأوا بريق الانتصار في عينيّ. اقتربت من التّابوت ومددت يدي إلى العقود والحلق والأساور. لففت العقود حول جيدي ووضعت الأساور في يديّ والحلق في أذني وجريت باتجاه دارنا.
في الصّباح، وأمّي توقظني للذّهاب إلى المدرسة رأتني مزْدانة بفوضى المرأة الغجريّة فارتاعت. سألتني عن هذه الزينة الغريبة التي أتزيّن بها فما وجدت لذلك سببا ولكنّني تثاقلت في التّخلّص من هذه الأدباش، حين رأيت نفسي جميلة في المرآة وأنا أغتسل.
ووضعت أمي فطور الصّباح على الطاولة.
فأفطرنا وأفطر أبي. وظلّ مكان الغجرية شاغرا.
ولم يسأل أحد عن غيابها.
من يومها ازددت جنونا بأوراق اللّعب. صرت لا أملّ من تحريكها بين يديّ. أقرأ من خلالها بخت صديقاتي وأحبّتي ولا أتورّع عن قراءة البخت لمجْهول يصادف طريقي.
أقف أمامه وسط الشّارع، فارعة كالنّخلة الباسقة. يكتظّ جسدي بفورة الشّباب ويملأ عطري ما بين السّماء والأرض.
أخرج من حقيبة يدي الأوراق. والرّجل يتابع حركاتي بعينيْن وجلتين ولسان حاله يقول: « ما هذه بشحّاذة فحالها أحسن من حالي ». أخلط الأوراق أمام دهشته وارتباكه، مرّات. وأمدّها إليه. أطلب منه أن يختار ثلاثا منها. يتردّد لحظة ثمّ ينظر في عينيّ فيبهره جمالي: شعر أصفر. وخال على الخدّ كنقطة عنبر في صحن مرمر. وغمّازتان لذيذتان. ونهدان نافران مستعدّان للعراك. وثغر باسم لا يترك له فرصة للمراوغة والهروب.
يمدّ الرّجل يديه ويختار الأوراق.
أخطفها قبل أن يتراجع وأقرأ النّتيجة:
«! Trois dames »… نهارك نساء يا سيّدي!
أهمس بهذه الكلمات في أذن الرّجل وأنا أعيد الأوراق إلى حقيبة يدي. وأمضي تاركة ورائي رجلا يسبح في ارتباكه.
يتمتم الرّجل بكلام بذيء ويمسح شعر رأسه ويسوّي ربطة عنقه ويعود إلى الطريق.
وأعود إلى عبثي ومجوني واستهتاري.
أقف وسط ساحة ملأى بالسّيارات والصّخب.
أختار رجلا وأقف في وجهه.
الرّجل أنيق ومهذّب.
Bonjour monsieur! -
ينتبه الرّجل مبهوتا. يدفع نظّارتيه قليلا إلى الوراء ويردّ على تحيتي:
- نهارك أسعد الأيام، آنستي!
أدفع له الأوراق دون أن أترك له فرصة للتّفكير.
- اختر من فضلك ثلاثا من أوراقي.
! Trois cartes s’il vous plait monsieur -
كالمسحور يختار الرّجل الأوراق فأخطفها منه قبل أن يعود إلى رشده. وأقرأ بصوت مرتفع:
” ستّة كبْ ”
” تريسْ ديناري ”
و ” لصْ سباطه ”
يومك « قَرْعهْ 1» يا سيديٍ !
يدفع الرّجل مرّة أخرى نظّارتيه إلى الوراء ويبتسم ببلاهة.
وأهرب.
أتركه واقفا في مكانه وأهرب.
فجأة، يتحوّل هذا الرّجل الأنيق إلى مهرّج يجري ورائي ويقذفني بسباب ما كنت أفقه معناه في تلك الأيّام:
- يا بنت شارع سيدي عبد الله قش!
التفت إليه. أبوس السبّابة والوسطى والإبهام وأرميه بقبلة. وأمضي…
أنا بثينة
جميل أحبّني بعد أن خاصمته لأنّني رفضت أن أستعرض أمام التلاميذ قصيد: « هي البدر حسنا والنّساء كواكب ».
قلت له أنا بنت الرّومية، الشقراء، المغرورة بجمالها:
- أنا البدر يا أستاذ، والنّساء كواكب.
فغضب ودوّن أمام إسمي، في دفتر الأعداد صفرا.
فصرت أذكّره بليالي الكرى، وبوادي القرى، وبالوالي الذي أهْدر دمه، إلى أن وقع في الشّرك. أركبني على درّاجته النّاريّة وخرجنا نتفسّح فوق رمال الخليج.
ما رأيت « الحمّامات » جميلة، فتّانة، كما رأيتها في تلك الأيام.
كانت المدينة قد خرجت لتوّها من شرنقة القرن الخامس عشر. وتجرّأ أهلها على الخروج من « الرّبط » دون أن يخافوا صليل سيوف «النّورمان»
وقراصنة الرّوم وجنوة. تركوا وراءهم بيوتهم الصّغيرة العابقة بذكرى الزّمن القديم. وتجرّأوا على الجبل والغابة. افتكّوا منهما مواقع تطلّ على البحر، بنوْا فيها مواطئ قدم للجمال والسّحر الحلال.
وذاع صيت هذه المدينة في الآفاق البعيدة. حكت الجرائد والمجلاّت المصوّرة عن هذه الجنّة العذراء القابعة على مرمى حجر وراء صخور جزيرة مالطة. فتحرّكت ملايين الدّولارات تحت الأرض البور. وتحرّكت آلة الزّمن فنبتت القصور الفاخرة في كلّ مكان. وأينعت عشرات النّزل فوق رمال الذّهب.
في تلك الأيام كانت لذّة البقاء مع الأستاذ أثمن من العودة إلى البيت. كنت قد نسيت الخوف. ونسيت أهلي وسطوة أبي.
أبي الّذي دفن جدّه في الرّمل ثلاث بنات وأورثه عشق الرّوميات. قال إنّ واحدة من نساء الجدّ عشقت. بحارا روميا وهربت معه إلى « جنوة » فحلف أن ينكح هو وَأولاد سلالته نساء الرّوم إلى يوم الدّين. وأن يئد إناث البيت ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وظلّ الجدّ يبرّ بوعده إلى أن اشترى من سوق النخاسة في تونس امرأة يشعّ النور من جبينها. انجبت له بعد عام بنتًا كنور الضحى. رعاها وربّاها إلى أن بلغت ثلاث سنوات. ذات يوم سأل أمّها أن تلبسها أجمل ثيابها. وأن تزينها وتعطّرها وأن تسرّح لها شعرها إلى أن صارت البنت كملاك الجنّة. فأمسكها من يدها. وقصد كثيب رمل يبعد عن القرية عدّة كيلومترات. في الطّريق تعبت البنت فحملها على ظهره. وعطشت، فسقاها من ريقه. وجاعت، فأطعمها من لحم كتفه وغنّى لها إلى أن نامت.
حين وصل الكثيب، أنزلها، وبدأ يحفر. أحرقت الشّمس البنت فأفاقت. ورأت والدها يعالج الرّمل فأعانته على حفر قبرها. حفرت بيديها الصّغيرتين وهي تضحك وتغنّي إلى أن كبرت الحفرة فسقطت فيها. أهال عليها الجدّ الرّمل وعاد إلى البيت. وهو يدخل باب السّقيفة سمع رنّة خلخال ورأى البنت تجري باتّجاهه ففتح لها ذراعيه ودسها في قلبه. ونام ثلاثة أيام مسكونا بالحمّى والعرق الغزير.
حين أفاق طلّق نساءه وطلب من خدمه أن يحضروا
المؤلف: ابراهيم درغوثي
قيم هذا المقال
زدنا ايها المتألق دوما
المحلق في سماء الادب والفن
ايها الشاعر المبدع والناقد الاصيل
تحياتي
الاستاذ صالح المحترم
الكمبارس ليس لها دلالة تكملة المشهد بل هي جزء من المشهد مثل ما للمثل والبيئة والاكسسوار وغيرها من مفردات العمل الدرامي تلفزيون او ...
كم من الصعب أن نفرأ بعين ناقدة هذه اللوحة الشعرية التي عبرنا من خلالها
المشرق العربي من المحيط إلى الخليج لنلامس منبع الحضارات : بغداد..
التي مهما ...
م "عيناكِ، يا بغـدادُ ، منـذُ طفولَتي شَـمسانِ نائمَـتانِ في أهـدابي
لا تُنكري وجـهي ، فأنتَ حَبيبَتي وورودُ مائدَتي وكـأسُ شـرابي "
*****************************************
*****************************************
هذه القصيدة الرائعة الخالدة ...
نص باذخ شعرا
تقبلي مروري
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
كما دائماً.. لن يحدث إلا أنت


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك