تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  إصدارات المجلة»  الموت والشيطان

الموت والشيطان

عدد مرات المشاهدة :1559 - March 04, 2007

قاسم طلاع

الموت والشيطان

تأليف: بيتر توريني  
ترجمة: قاسم طلاع  

بيتر توريني كاتب مسـرحي (دراما)، روائي وشاعر، ولـد عام في اليوم السادس والعشرون من الشهر التاسع عام 1944 مـن آب ايطالي وأم نمسـاوية. نزح والـده ارنستو توريني من ايطاليا عام 1930 بسبب الوضع السياسي في ذلك الوقت الذي كانت فيه الفاشية تحكم ايطاليا تحت قيادة موسوليني . في النمسا وفـي كير نتن ( Kärnten  ) تعـرف على الـزا ، القادمة من شتايرمارك وتـزوجـا فـي مدينة كلاكن فورت . فـي أثناء الحرب العالمية الثانية نزحت عائلة توريني إلى سانكـت مـارغارتـن ومـن بعـدها إلى سال ماريا حيـث استقروا هنـاك. كانت مهنة توريني ( الأب ) هي النجارة حيث فتح محـل يمارس فيه مهنته حيث أجاد فيها إذ كان يعتبر هـذه المهنة ليس حرفة فقـط ، وإنما فن يجب الإبداع فيه.
أما توريني ( الابن ) فقـد دخـل المدرسة واستمر فـي دراسته إلى أن حصل على شهادة من ألمعهد التجاري عام 1963 بعد أن أنهى دراسته الثانوية. بعـدها تـرك عـائلته وبـدأ العمل فـي وظـائف مختلفة حتى عـام 1967، حيث تفـرغ للعمل الكتابي بعد عرض مسرحيته " صيد الفئران" عام 1971على واحدة من أشهر المسارح الأوربية في فيننا " مسرح الشعب " باللهجة العامية والنجاح الذي حازت عليه من قبل جمهور المسرح والنقد السلبي من قبل كتاب النقد المسرحي التقليديون، الذين اعتبروا " أن عرض هذه المسرحية بهذا الشكل ( المقصود هنا اللهجة العامية) هو كارثة وتدنيس لحرمة المسرح، واعتبروا أن شخصياتها هي نموذج أزمة لغة يعانيها الكاتب". وحول الظروف التي صاحبت كتابة هـذه المسرحية، يقول توريني " كنت  في عام 1967 موظف فـي إحدى مكاتب الإعلانات التجارية الأمريكية فـي فيننــا، في النهار اكتـب كـلمات دعـائية، وفـي المسـاء أطلق عنان الخيـال فـي البحث عن حرية الإنسان البعيدة عن إي شكل من أشكال القيود. لقد كان هذا  بالنسبة لي وضعا ازدواجيا خليط بين الأمل المؤجل وخداع الذات.
إن الجيل الذي ترعرع فيه توريني ، هو جيل بعد الحرب الذي حاول الابتعاد عن أي التزام إيديولوجي بالمفهوم التقليدي وحاول خلق مفهوم متأثر بالأوضاع العالمية والداخلية ... فكانت كوبا وفيتنام وتمرد الطلبة في أوربا عام 1968 هي أهم المصادر التي اعتمد عليها في حركته اليومية إضافة إلى موقفه المتشدد من الحرب الباردة وما صاحبها من سباق تسلح أثناء وجود المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي ولم يكن هذا فقط ، وإنما مواقفه الايجابية إلى جانب نضال شعوب العالم النامي وحركاته الوطنية ومحاولة فضح العلاقة ، بأي شكل من الأشكال ، بين النظم الرأسمالية الغربية والأنظمة المرتبطة بها من بلدان العالم النامي ومسرحيته " الموت والشيطان "  تطرح تلك العلاقات المرتبطة مع بعضها البعض ( السلطة .الكنيسة. .. تاجر السلاح ) وتاجر السلاح هذا شخصية مهمة تلعب دور الوسيط بين سلطة الرأسمالية والنظم التابعة لها. أما الكنيسة تلك المؤسسة الدينية التي يعتقد الكثيرون من الناس بأنها مؤسسة حصرت وظيفتها في الأمور الروحية ، فإن الكاتب يكشف حقيقتها على أنها مؤسسة لم تتخلى عن دورها السياسي والمشاركة مع الدوائر العسكرية في تخطيط وتنظيم الانقلابات العسكرية ضد الأنظمة التي لا تتناسب مفاهيمها مع مفاهيم الدوائر الاحتكارية الحاكمة ( ليشيتسكي  ( هو أحد شخصيات مسرحية الموت والشيطان ـ تاجر السلاح  وهو يخاطب القس المتمرد على الكنيسة  ) - والآن إليك ، أيها السيد القس ، لماذا تتطلع علي هكذا..؟ هل تعتقد ، أن الكنيسة تزدري وتستخف من أمثالنا ..؟ كلا ، يا صديقي ، كلا . هل سمعت عن الانقلاب الذي حدث في غرب أفريقيا ..؟ وهل تعلم من الذي شارك في التخطيط لهذه المهمة ..؟ بعض من كرادلة الفاتيكان .).
الجدير بالإشارة هنا، أن شهرة بيتر توريني العالمية لا تعود لكونه شاعرا يكتب الشعر،  وإنما لكونه كاتب مسرحي (دراما) نصوصه المسرحية ترجمت إلى أكثر عشرين لغة، ولم يصدر له لحد الآن سوى مجموعتين من القصائد، الأولى كانت قد صدرت في عام 1982 بعنوان " الرجوع بعض من الخطوات " (  Ein Paar Schritte zurück  ) وهي مجموعة من القصائد كتبها أثناء إقامته في إحدى المستشفيات يصف فيها حياة الطفولة التي عاشها في مدينة مسقط رأسه بكل تناقضاتها. والمجموعة الثانية " من أجل الحب " وهي نصوص شعرية تكملة للديوان الأول من ناحية التطور البيولوجي للمؤلف، إذ يصف فيه تلك المشاكل النفسية والجنسية وعلاقة الآخر " عاطفيا " وخزن الصورة أو الواقعة في العقل اللاواعي وتحريرها في ساعة الانفراد على شكل مشابها للشريط السينمائي... أي معاناة الكبت " الجنسي " التي يبدو أنها كانت واحدة من المشاكل الرئيسية التي كان يعاني منها الكاتب، كما أكد عليها أكثر من مرة.
لقد كتب توريني لحد الآن ما يقارب ثلاثين نصا مسرحيا ورواية وشعر منها يوسف وماريا (مسرحية) واقعة حول مدينة فيننا (مسرحية) اغتيال طفل (مسرحية) القبض على نستروي (رواية) الحب في مدغشقر (مسرحية) .... الجدير بالذكر هنا، أن جميع مسرحياته عرضت في أشهر مسارح فيننا (مسرح البورك  Burgtheatr، المسرح الأكاديميِ Akadmietheatr  ).
شخصيات المسرحية
 
كريستيان بلي، 43 سنة، قس في ناحية من النواحي الصغيرة.
السيد غيترسلو، 62 سنة ، خادم الكنيسة.
الأب الروحي مانسيتي، 36 سنة، سكرتير الأسقف.
رودي هوفمان، 18 سنة، شاب عاطل عن العمل.
ولفغانك بيرغر، الملقب بالذئب الجميل، 40 سنة، يعمل في ناد ليلي ( ملهى ليلي ).
كارين، 26 سنه، مومس.
12 رجلا عجوزا ( كبار السن ) وهم زوار النادي الليلي.
دكتور بيتر فليفريت، 29 سنة، صاحب حانة، أكاديمي عاطل عن العمل ( في اختصاصه ).
الفريد شنفايس، 50 ستة. مدمن على الكحول، بروفيسور سابق في حقل الرياضيات.
ماجـده شنايدر، 61 سنة، مدمنة على الكحـول، بائعة سـابقة فـي إحدى الـمحلات التجـارية
( Supermarkt ).
بيتر باول سينجر، 32 سنة، صحفي.
ألما هان، 72 سنة، من نجوم السينما ومعلمة تمثيل سابقة.
فرانس أندريه موليير، 34 سنة، صاحب مكتب للدعاية والإعلان التجاري.
فالتر ليشيتسكي، 52 سنة، تاجر أسلحة.
افليين ليشيتسكي، 19 سنة، ابنة تاجر الأسلحة، مصابة بمرض النحافة.
أروين فيشر، 39، وزير الدفاع
20 شخصا من مدراء وسياسيون ورجال من الدعاية والإعلانات التجارية.... الجميع يرتدون ملابس تنكرية.
8 مساعدين من صيادين وهم يرتدون بدلات الصيد  واضعين على رؤوسهم قبعات مزينة بالريش.
جثة إيراني.
2 جثة مصريين.
جثة تركي.
جثة بائع ورد سوري.
جثة كردي.
11 شخص يمثلون السياسة والاقتصاد في بدلاتهم الغامقة.
2 من الشرطة، الاول شاب والثاني أكبر منه سننا.
صوت مسئول الشرطة.
دور الأب مانسيتي والعامل في النادي الليلي وتاجر الأسلحة يجب أن يقوم به ممثلا واحد.
 
المشهد الاول
 
خشبة المسرح خالية تماما، مظلمة... تخترقها أضوية خافتة، تسقط أشعتها من الأعلى، كما هي في الكاتدرائية أو مخزن لعلف الحيوان.
في مقدمة المسرح علق حبل مشنقة.
هدوء ( فترة ليست بالقصيرة )... لا حركة على خشبة المسرح.
من خلف المسرح ( الكواليس ) يظهر رجل عار، ليس عليه سوى قطعة لباسه الداخلي، يحمل كرسيا وجهاز مسجل. يتحرك ببطء إلى الأمام حتى يصل إلى مقدمة المسرح، وهو يبتسم. يضع الكرسي وجهاز المسجل على الأرض.
هذا الرجل هو القس كريستيان بلي، قس في واحدة من الضواحي صغيرة.
 يضغط على زر المسجل.... تسمع الحان موسيقية كنائسية. يصعد على الكرسي... يضع الحبل في رقبته، وهو ينظر إلى جمهور المسرح.
بعد فترة.... 
يظهر من خلف خشبة المسرح اثنين من الرجال. السيد غيترسلو الخادم العجوز، والأب مانسيتي سكرتير الأسقف. يحمل خادم الكنيسة في يده ملابس القس.
يتقدمان بحذر وبطء نحو القس بلي.
مانسيتي يحمل في يده طبق من فاكهة الكرز.
غيترسلو: السيد القس! هل من الممكن النزول وارتداء الملابس...؟ إن ما تفعله هنا غير لائق.
صمت....
القس بلي يتطلع إلى الجمهور وهو ثابت في مكانه لا يتحرك.
مانسيتي: أنا الأب مانسيتي سكرتير الأسقف. أليس من الأفضل أن نتحدث مع بعضنا..؟
صمت....
القس بلي ينظر إلى الجمهور وهو ثابت في مكانه لا يتحرك من مكانه.
مانسيتي: هل هناك مشكلة تعاني منها، وما هي...؟
صمت....
القس بلي ينظر إلى الجمهور وهو ثابت في مكانه لا يتحرك.
مانسيتي: لقد أنهيت دراسة اللاهوت بتفوق. وبعد ثلاثة سنوات من العمل في البعثات التبشيرية وذهابك      قسيسا إلى واحدة من الضواحي وفي الآخر انتقالك إلى هذه المدينة الصغيرة، وبغض النظر عن تلك النزعات الغريبة التي تقوم بها، كانفرادك مع نفسك ( لوحدك ) ولأيام معدودة، وسماعك للموسيقى الكلاسيكية، فإن هذا لم يكن السبب بوجود دعوى ضدك. لقد ثمن الأسقف جميع الأعمال التي كنت تقوم بها أيام شبابك. أنا أحب الكرز. هل تحبه أنت أيضا...؟
يرفع مانسيتي طبق الكرز إلى القس بلي.
بلي ثابت في مكانه لا يتحرك.
 
مانسيتي: الكرز هو الثمرة الوحيدة التي تؤكل كما تنمو. واحدة بعد الأخرى. البرتقال لا يؤكل إلا عندما يقشر والتفاح يقطع وكذلك الكمثرة أيضا. ولكن الكرز.... أرجوك أن لا تفسر هذا خطأ... طبعا.... بإمكان المرء أن يأكل التوت الشوكي والفراولة والفاكهة الزرقاء حبة بعد أخرى، إلا أن هذا غير طبيعي، لأنه من الأفضل لو يأكل المرء اثنين أو ثلاثة حبات في مرة واحدة... وقد يحدث أحيانا، وهذا نادرا، أن يأكل واحد منا ثلاثة حبات من الكرز. على المرء أن لا يقطع أو يمضغ الكرز في فمه، وإنما بلعه بالكامل، كي تبقى محتفظة بقيمتها. وهذا ما تعلمته من أحد زملائي من رجال اللاهوت.... لقد تداولنا في اليوم التالي من الاجتماع شكوى المجلس ألكنائسي المرفوعة إلى الأسقفية والتي تدعي، بأنك في خطبتك الأخيرة وقفت على المنبر صامتا لمدة طويلة، بعدها نطقت بكلمة واحدة. هل هذا صحيح...؟
صمت...
القس بلي يخرج رأسه من الحبل وينزل من على الكرسي.
الأب مانسيتي يتنفس الصعداء.
القس بلي يرفع صوت الموسيقى ويصعد على الكرسي ثانية.
يضع الحبل في رقبته وهو ينظر إلى الجمهور.
مانسيتي: ( بصوت عال ) تريد أن تكتشف ماهية الخطيئة... هكذا قلت في مرة من المرات.... ولكن ماذا تريد أن تكشف...؟ خذ مثلا ورشة تصليح عربات الماصدا ( 626 )، الذي يقع بجانب بيتك. فإذا لم أخطأ، فإن صاحب هذه الورشة يشرب كل يوم قنينتين من البيرة بعد تناول غذائه الذي تجلبه له زوجته، فينام. أما زوجته، فتستغل هذه الفرصة وتقوم بممارسة الجنس مع العامل على واحدة من مقاعد عربة الماصدا. والعامل هذا متزوج. اشترى شقة، أعتقد شقة مزرية. ولكي يتمكن من دفع أقساطها المرتفعة، دفع زوجته للعمل، فوجدت لها مكانا في إحدى معامل صناعة الأصباغ، الذي سبب لها أضرارا صحية. أما طفلها فقد وضعته عند جدته الورعة، وهو مصاب بالتهاب القصبات الهوائية. وطبيب هذه المدينة الصغيرة يكتب لها ولطفلها وكل من يعاوده أدوية لا تحصى من المضادات ( Antibiotika ). وتمكن من عمله هذا جمع ثروة طائلة وبنا له حوض سباحة مجهز بأحدث وسائل التدفئة وشقة، لا تعرف عنها زوجته، يلتقي فيها مع ممثلة مشهورة... فأين ما أولي وجهي أرى الخطيئة... الخطيئة في كل مكان... إنها ابتذالا يحدث في كل يوم وفي كل لحظة. ولو لم أكن أعرف، بأنني ممثل الإله على الأرض، لاعتقد الناس، بأن الشيطان قد استحوذ علي. أنا أتمسك بالكرز. نعم، أنا أتمسك بالكرز.
صمت....
القس بلي ثابت في مكانه والأب مانسيتي يراقبه ( ينظر إليه )
مانسيتي: أن الأسقف يعرض عليك الاقتراح التالي: أنك مصاب بمرض نفسي. الدخول إلى مستشفى الأمراض العقلية، والخضوع للعلاج على نفقة الكنيسة ( الأسقفية )، وسيشغل وظيفتك قس آخر لأجل غير مسمى.
صمت....
القس بلي ينتزع الحبل من رقبته. ينزل من الكرسي، ويزيد من قوة صوت المسجل. يصعد على الكرسي، يعلق رجله في الحبل ويقذف الكرسي إلى الجانب، ويبقى معلقا ورأسه إلى تحت، متأرجحا يمينا وشمالا وهو يضحك بصوت عال.
مانسيتي: كيف يبرر الطبيب لزوجته غيابه المتكرر...؟
يبرر ذلك، بضرورة حضور المؤتمرات الطبية. ولكي يثبت ذلك، فقد كان يقدم لها تذاكر مزورة يحصل عليها من صاحب إحدى مكاتب السفر مقابل كتابة وصفات طبية لابنه المدمن على المخدرات، والتي يأخذ مقابلها من صاحب إحدى الصيدليات، الذي له علاقة بتجار المخدرات، الذين لهم علاقة بتجار الأسلحة...
وبسبب ضحكات القس بلي وصوت الموسيقى العالي، يصبح صوت مانسيتي غير واضح.
 
المشـهد الثانـي
 
تنقطع الموسيقى الكنائسية.
هدوء.....
الساعة الثانية عشر ظهرا.
تظهر مدينة الصغيرة ومن خلفها حقول زراعية مع أعمدة كهربائية. على جهة اليمين موقفا لمحطة الباص، بدا وكأنه مصنوع على شكل " كوخا ".
يجلس الشاب رودي هوفمان، وهو أشقر جميل طويل القامة، عاطل عن العمل، على  المقعد الطويل عند محطة انتظار الباص.
يظهر القس بلي من بين الحقول وهو يرتدي لباسا مدنيا ويحمل معه جهاز مسجل وكيس نايلون ظهر منه جزء من رداء القسس.
رودي ( ينادي ): السيد القس!
يضع القس بلي جهاز المسجل على الأرض ويرفع يده إلى رودي.
رودي: إلى أين تريد الذهاب...؟
بلي: إلى العاصمة.
رودي: معنى هذا عليك أن تأخذ الباص.
بلي: أحبذ السير على الأقدام.
رودي: إلى العاصمة...؟ تحتاج إلى يومين سيرا على الأقدام.
بلي: وما ضرر هذا، مادمت أبحث عن شيء ما.
رودي: عن أي شيء...؟
بلي: عن الخطيئة.
رودي يضحك.
رودي: لهذا السبب لا تريد أخذ الباص.
صمت...
رودي يتطلع إلى بلي.
رودي: يقول البعض عنك، بأنك مصاب بالجنون. هل هذا صحيح...؟
بلي: أنا في طريقي لترك هذه الضاحية.
رودي : وأنا أيضا. أن من له هدف في الحياة، عليه الذهاب من هنا وترك هذه الضاحية. وكان هتلر قد ترك ضاحيته وذهب أيضا. هل تعتقد ، أنني قوي البنية...؟
بلي: لا أعرف، أنني لم أراك في المدة الأخيرة إلا نادرا.
رودي : أنا قوي جدا. لهذا أعطاني عضو مجلس البلدية رقم تلفون سيدة تبحث عن واحد مثلي.
صمت...
رودي لا يحيد النظر عن بلي
رودي: هل تعرف ماذا تريد أن تجعل مني...؟
صمت...
رودي لا يحيد النظر عن بلي.
رودي : هل تريد أن أبيح لك سرا...؟
صمت...
بلي يهز رأسه موافقا.
رودي : تريد أن تجعل مني ممثلا سينمائيا.
صمت...
رودي: هل تبحث فعلا عن الخطيئة...؟
بلي : نعم.
رودي: الكبيرة والصغيرة...
بلي: عن كل شيء.
رودي : السرقة مثلا...؟
بلي: لماذا لا... بكل سرور.
رودي يتطلع يمينا وشمالا، كي يطمئن، أن لا يراه أحد. يدخل يده تحت قميصه ويسحب شيئا ملفوفا بخرقة قماش.
رودي: هل تعرف ما هذا...؟
بلي: ( وقد عرف هذا فورا ) أنه مسدس.
رودي: هذا FN-Browning . طول الماسورة 24 سم. 12 طلقة أوتوماتك. عليك أولا أن تسحب الماسورة إلى الخلف كي تدخل الطلقة الأولى.
( يفعل هذا أمامه )
رودي: أما الطلقات المتبقية، فإنها تتحرك آليا واحدة بعد الأخرى. في ( فلم ) الأموات ينقرضون، يطلق الرجل الذي أسقط عنه الإرث الرصاص على أربعين جثة...
بلي: لماذا جثث...؟
رودي: إنها ليست بجثث هامدة فقط، وإنما جثث متعفنة، كانت قد أعيد إليها الحياة في المساء وأصبحت تشكل مجموعة من الزومبي ( Zombie ) آكلة لحوم البشر.
يتطلع رودي إلى بلي بعين من الشك والارتياب.
رودي: هل ستفشي أمري عند الشرطة...؟
بلي: أبدا... هل تسمح لي أن أمسكه...؟ إنني لم ألمس سلاحا في حياتي، لحد الآن، أبدا.
رودي لا زال يتطلع إلى بلي بعين من الشك والارتياب.
صمت...
يمد رودي يده إليه ويناوله السلاح. بلي يمسكه بيده، إلا أن رودي يأخذه منه بسرعة ويشد قبضته عليه بيديه الاثنين واضعا إصبعه على الزناد.
رودي: كما هو معلوم، أن العالم كروي الشكل، شبيه بكرة ملساء ليس من السهولة التوغل فيها أو اختراقها، وكل ما هو عليها يكون ملكية شخص ما... البيوت... الأرض... العمل... وعندما تريد أن تفعل شيئا، فإنك ستجابه ذلك الجدار، الذي لا يمكن اختراقه. الوظائف الجيدة لا يحصل عليه إلا أبناء الأطباء ومدراء البلدية والمؤسسات المالية... أما أنا فليس لي سوى طريق واحد... فعندما تطلق رصاصة على هذه الكرة، يحدث ثقبا فيها وتنفجر " ألمانيا لنا اليوم وغدا العالم". هل شاهدت فلم رامبو " 1 " ...؟ رامبو " 2 و 3 " لم يكونا بمستوى الإثارة التي كانت في فلم لرامبو " 1 ". ففي هذا الفلم يتمكن رامبو، في بادئ الأمر، من الانتصار على ثلاثة من الشرطة، بعدها على المدينة وفي النهاية على الجيش بكامله. هل عندك أطفال...؟
بلي: كلا.
رودي: والدي يشتغل نادلا في واحد من مقاهي العاصمة.
صمت...
فجأة يهجم رودي على بلي من الخلف ويضغط على رقبته.
رودي: توسل إلي لإنقاذ حياتك.
وكما هجم عليه فجأة، يتركه فجأة أيضا. بلي يدعك رقبته بيده.
بلي: لقد لمستني... شكرا لك....
رودي يتراجع بعض من الخطوات وهو يتطلع بريبة إلى بلي.
بلي: لقد سرقت نقودا من صندوق الكنيسة. هل تريد أن نتقاسمها...؟
يسحب بلي الأوراق النقدية من جيبه... يعدها ويريد أن يعطي نصفها إلى رودي. إلا أن رودي يوجه المسدس نحوه.
رودي: إذا ضغطت على الزناد، فإنك ستكون في عداد الموتى حالا. وتصبح كل هذه النقود ملكي.
بلي: هذا صحيح.
صمت...
رودي  يوجه المسدس باتجاه بلي ولا يغفل عن مراقبته.
رودي: ( بصوت عال ) من أجل أي شيء معك هذا المسجل ...؟ وهل معك أشرطة موسيقية أيضا...؟
بلي: نعم.
رودي: وأي نوع من الموسيقى...؟ هل يشتغل على البطارية...؟
يدخل بلي يده في الكيس ويخرج منه الأشرطة.
بلي: أي شريط...؟ باخ، موتسارت، هيندل، ريجر أم شوبرت.
رودي: أدخل شريطا وارفع الصوت عاليا حتى لا يسمع احد عندما أطلق الرصاصة عليك.
بلي: وأي شريط...؟ موتسارت " Klavierkonzert Nr. 14 in Es-Dur  " أو " das Forellenquintett " أو .....
رودي: أي كان. هذا سيان عندي.
يضع بلي شريطا في الجهاز وتسمع مقطوعة " Die Fantasie für Orgel, op. 40, Nr. 1 von Max Reger " .
يرفع بلي صوت الموسيقى عاليا ... رودي يرفع يده، فجأة، إلى الأعلى ويطلق الرصاص في الهواء وهو يضحك ويقفز هنا وهناك من الفرح وكأنه طفل.
بلي: هل تسمح لي أيضا...؟
يعطي رودي المسدس إلى بلي، الذي بدا فورا بإطلاق الرصاص في الهواء... يضحكون ويتبادلون الأدوار في إطلاق الرصاص حتى فرغ المسدس منها...
الموسيقى بصوتها العالي طغت على كل شيء.
 
المشهد الثالث
 
ينقطع العزف الموسيقى. الساعة الحادية عشرة مساءا في المدينة وأمام واحدة من محلات أو نوادي الجنس الرخيصة يقف القس بلي يحمل معه جهاز المسجل وكيس النايلون، وهو يتطلع على صور النساء العاريات. البواب ولفغانغ بيركر الملقب بالذئب الجميل عند المدخل ( عبارة عن ستارة معلقة ) يراقب القس بلي. الذئب الجميل يرتدي سترة كبيرة الحجم ( تلمع ). يصاحب حديثه الضحك باستمرار.
يتطلع على بلي يتقدم بعض الخطوات نحوه.
الذئب الجميل: أيها المعلم أنت غريب لست من هنا... أم ...؟
بلي: هذا صحيح.
الذئب الجميل: أنت قادم من الريف... أليس صحيحا...؟
بلي: نعم.
الذئب الجميل: أنا أشم هذا... أعطني فرصة أكثر في معرفة هويتك. أنت صاحب شركة بناء صغيرة في واحدة من الأرياف. خدعت مديرية إدارة ضريبة الدخل وقد نجحت في هذا عن طريق الرشوة، التي قدمت إلى مسئول هذه الإدارة عن طريق المنظم القانوني لحساباتك، والذي أدخلها هذا، بدوره، في سجل الحسابات على أنها قيمة الإتعاب التي يتقاضاها... أليس هذا صحيحا...؟
القس بلي يهز رأسه بالنفي
الذئب الجميل: فشلت...! لا بأس. دعني أحاول مرة أخرى. انك موظفا في واحدة من دوائر البريد... لوطيا وإلى جانب رعايتك لوالدتك لإصابتها بمرض العضال تعمل، طوعا، في دائرة الإطفاء وهذا موقف شجاع منك. ولكي تخفف عنك أعباء أيام الأسبوع، تأتي في نهايته، إلى المدينة وترفه عن حالك عندما تدع الآخر يفعل بك. وفي بداية الأسبوع تجلس في الدائرة لختم الطوابع. هل خمنت هذا بالشكل الصحيح...؟
بلي: أنا قس..
الذئب الجميل: معذرة لسموكم. من الذي قادكم إلى هذا المكان وعن ماذا تبحثون...؟
بلي: عن الخطيئة.
الذئب الجميل: لقد أصبت الهدف. أنا الخطيئة... أنا الشيطان. تعال هنا أيها الأب المقدس. دعني أفشي لك سرا... في أيامنا هذه لا يحتاج المرء في البحث عنها... أنها موجودة في كل مكان.... مطبوعة... مستنسخة على شكل أفلام ألف مرة، بل مليون مرة. إنها صارت بضاعة في عصر الصناعة... هل تفهم ما أقصد...؟  إلا أن انسب الأسعار هي التي عندي وفي حوزتي... عند الذئب الجميل. هل تريد أن ترى...؟
يفتح أزرار سترته المملوءة ( من الداخل ) صحف ومجلات جنسية وأفلام إضافة إلى بضائع أخرى لها علاقة بالجنس.
أنت يا ابن الرب...! تطلع إلى مملكة الخطايا واختر منها ما تشاء. هل تريد عمليات جنسية جماعية...؟ لأثنين...؟ أو ثلاث أو أربعة...؟ أم امرأة زنجية...؟ أم مع أطفال أو حيوانات...؟ هل تريد صحفا أم مجلات...؟ أفلام أم فيدو...؟ آه... فهمت، أنت تحب كل ما هو صوتي ولذا تحمل معك جهاز المسجل. هل يعمل على البطارية...؟ إنها مودة العصر. لقد مل الإنسان من مشاهدة أنواع الصور، ولم يبق لدية سوى الخيال.
يأخذ الذئب الجميل المسجل من يد القس ويضع فيه شريطا فتسمع تأوهات على أثر عملية جنسية بين امرأة ورجل.
الذئب الجميل: أطلق عنان خيالك لأعلى درجة من درجات الخطيئة وتخيل هذه الأجسام العارية كيف تلتقي بعضها البعض. ثلاثة أشرطة في علبة واحدة أرخص من.... لا، لا تريدها...؟
يطفئ الذئب الجميل المسجل ويخرج من سترته فتاة مصنوعة من المطاط.
الذئب الجميل: تخيل المساء وأنت تقف عند عتبة الكنيسة فتقدم البركة، بسرعة، لستة عجائز، كي لا تتأخر على مشاهدة البرنامج التلفزيوني " واحد يفوز فقط "، الذي سيبدأ بعد خمسة دقائق، إلا انك قد ربحت. امرأة جميلة سهلة الانقياد ومستعدة كل الوقت. تغلق باب الكنيسة وتسرع إلى أقدس الأشياء وأنت الوحيد الذي معه المفتاح... تفتح وتجدها مطوية بانتظارك... إنها الخطيئة. تأخذها وتذهب بها إلى غرفة النوم. تنفخها....
بلي:أنا أبحث عن شيء غير هذا.
يفتح الذئب الجميل سترته على وسعها.
الذئب الجميل: ابحث يا أخي... العرض هنا وافر لا ينضب والذئب الجميل لديه كل ما هو موجود في السوق... أم...؟
بلي: أنا أبحث عن الخطيئة بين البشر... بين إنسان وآخر.
يغلق الذئب الجميل سترته بسرعة خاطفة.
الذئب الجميل: آه... عرفت مقصدك... كيف أكون مغفلا إلى هذا الحد. ما قيمة هذه الكتب...؟ هذه الصور...؟ هذه الأفلام..؟ هذه الشواذ...؟ هل صار كل شيء رخيص ومبتذل إلى هذا الحد في هذا العالم...؟ هل من المفروض أن يعرض الجنس، هذا السر الغامض... هذا العشق الرقيق تحت أضواء السوق الخسيسة...؟ هل لا زال الإنسان حاجة يقدم جسده العاري سلعة للعرض...؟ ورغبته الجنسية بضاعة للبيع...؟ هل هذا هو الثمن الذي تريد أن تدفعه إلي خالقك يا أخي... أم...؟ الذئب


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن