تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  إصدارات المجلة»  أضلّل أقداحي بماء غيابك

أضلّل أقداحي بماء غيابك

عدد مرات المشاهدة :999 - February 03, 2007

صلاح حيثاني

أضلّل أقداحي بماء غيابك

صلاح حيثاني  

أنقُضك كهُدنة وأبنيك كجِدار
 
أنسَى نِسياني
مثل شِخصّ نَسِي نفسه
في فَم ِالسمكة
وأْصْعد
وفي الحقيقةِ كنتُ أهبِط
ولا أُميّز في هبوطي
عقارب  الساعة التي كانت تَدُبّ
تحت إبهام قدَمِي
 
أَنْسَى نسياني و أُحْصِي الغسق
ثمّ اترُكه يتخبّط  في أحشائي
وثانية أتذكر إننى كنتُ أتأمل
و في الحقيقة كنت أصرخ ثمّ أركض
ثمّ اصرخ ولا أقِف
مثل سنتين كبيستين خلف بعضهما
حتّى بلغت النهر
فقُدتُه من عُنقه الطويل
ومنحْتُه خراب الغسق
ورغم كلّ ذلك
نسيتُ يدي تلوّح لغيابك
وهو يبتعد خلف جهةٍ لا ترَى نفسها
أيتها القديمة  كالصَولة
إننى انقضك كهدنة
و ابنيك كجدار
و كلّما نظرتُ إلى المرآة صَرخْتُ:
إنها تَرَاني
ثمّ أنْسى نفسي
مثل شِصّ نسِي نفسه
في فَمِ السمكة
و أعودُ  فأنقضك
و أتَطلّع إلى  خرابِك
وفي يدي
ساعةٌ  بلا عقارب
وصيفٌ بلا رائحة .

 
الرجُلُ بما يَتساقطُ من بياضِه
رجلٌ
يَسقَطَ من فَمِهِ
وهو يَمُدّ  رأسَه باتجاه الكلام
امرأة
تُرشد سائحين قدامَى
إلى مائدة
تَظهرُ في أحلامها.
 
الصوابُ
خطأ من الأخطاء .
 
الصعودُ
حيلةُ
الهاوية .
 
كلما دخل الحطّاب في الفأس
دخلتُ في الشجرة .
 
أيتُها البهجة
يا مَن تَتشَبّهين بي وتَعْنين في الأصْل سِواي
إننى بآلاتٍ صَدِئة اهبِطُ إليكِ
ألتقِطُ عِظامَ صَيْحتك
وأعيدها إلى فمي
أصِلُك ، وفي الحقيقة أصِلُ شبيها
يُحصِيني إلى الضِدّ
ثمّ يَحدُث أنْ أتذكر أشياء جَمّة
وفي مراتٍ أخرى أتذكرُ أنها لم تحدث  قط
وأن الرجال الذين تَعقّبوا شَبيهِي إلى نُقطتِه
ثمّ   تبادلوا عَلامَاته
ما كانوا لِيواصِلوا وقوفَهم الشاق
في  النقطة .
و أيضا المرأة التي كانت تقود الأدِلاءَ
إلى شيء شبيه بِعِظام جِيادٍ ضريرة
تَخرُج من البئر .
أو شقيقين يُصغيان إلى بعضهما
كأن الفَقْد هواء بِمقابِضَ بيضاء
أُعِدّتْ على عَجَل
 
سوى امْرأة
تَحمِل اليّ  الجَمرة
كنتُ أمدّ رأسي باتجاهِ الكلام
ولا أسقُطُ
من فمَي   ..

لا تَعْبُر الصّيفَ يُوسُف

لا تَعبر الصيف يُوسف
لا تدْفع ِ الهواءَ
لا تُومِئ لأُمي بيَدكَ الكبيرة
حتى لا تقْضِي في غرفتِها
ما بقيَ من أيامِها
لا تتذكّر ِالأعمى
حتى لا يَرى نفسَهُ في الحُلم
ويستيقظ مَذعورا
لا تَعبر الصيفَ يُوسف
لا تعْبُره أخي
لا تعْبُر البيتَ
حتى لا تَستيقِظ على أبوابهِ
ذكرياتُ قبضاتنِا الصغيرة
.. كأنكَ  تتدفّقُ إلى المرايا
بِصُورِك الكثيرة
هكذا في كل مرّة
لا تتذكّر الكتابَ
حتى لا يَقرأ نفسَه
لا تتذكّر حبيبَتك
حتى لا تموت في فِراش ِزوجها
لا تتذكّر حَملاتنا الطويلة ونحن
نشتَهي  النساءَ كالفاكهة
كأني أريدك الآنَ أخي
وكأن الصّحراء بقيافتِها المَلساء
تُعدّ للغائبين كَمَائن مُحكمَة
.. كأن الصيف يَتطلّعُ إلى صورتِه في المِرآة
ويموتُ من الحَرّ
وكأنّنا كلّما عُدنا بكَنزٍ
اقتسَمَهُ أعداؤنا
لا تعْبُر الصّيف أخي
لا تعبره
وارْجِع إلى نقطتِكَ
لتموتَ
مثلَ نَبيلٍ في مَجاعةٍ
قديمة .

 
مِثلما تَسْقُطُ ثمرةٌ في نِسيانِها

يدي تُشيرُ إلى غِيابِك
بقُوّة الأمل
وأنتِ تتذكرينَ يداً جديدة
كانت تُشير إليكِ هي الأخرى
اليد التي كنتُ سأرفع بها نسيانِك
قبل أن يَسقط إلى الأرض
مثلما تسقُط ثمرةٌ في نسيانها
وتُصبحُ شجرة .
ومثلما تنامُ الكلمةُ وهي تَحْلُمُ بعائلة جديدةٍ من الأفكارٍ
أتعقّبُ النظرةَ التي سقطتْ
من تحديقيَ الطويلِ إليكِ
أتَعقّبُ نسيانِك
في سعادةٍ تُشبهُ قَدَحاً
مُلِيءَ بالماءِ حتى غَرِقَ في نفسِه
 
توقّفي في الجهةِ التي تُشيرينَ إليها بغيابِك
توقّفي في السّبتِ
لأنه أحَدٌ مُتأخِّر
تَوقّفّي في الماءِ
حتى لا يَشرَبْك ويَعْطشْ
كان صمتي يَهطلُ من فَمي
طويلاً ...طويلاً
حتى صِرتُ أتعثرُ بِهِ
كلّما عبَرتُ عُبوري
إليكِ
ريشةٌ في يدكْ
خيرٌ من عَشرة ِعصافير
على الشجرة

كلمَة في شِمالِك
خيرٌ من كتابٍ في يَميني
 
و مع كل ما تذكرتُهُ
كنتُ أنسى يدي على الطاوِلة
أو نظرَتي التي أرسَلتُها بعيدا
لتَجِدَ غيابِك
وبعد أيام ٍتَرجعُ عَمياءَ
لأنها لم تقع
عليكِ
يدي التي كنتُ سأرفعُ بها نسيانِك
سأرفعُ بها الثمرةَ
الناضجة
وأقدّمُها إلى غيابِك
مثلما يقدّم القدحُ نفسَه
إلى الماء

 
تَقِفين وثِمارُك غائِبة

 
طوالَ الليل
مثل نبع ٍ يشربُ نفسَه
كنت أريدكِ أن تتعرفي على الفرق ِ بينَ رجُلين
أحدهُما يقودُ النهرَ من عُنقه الطويل
بينما يتَحدّث  الآخرُ عن إشارتِك
التي  لا يمكن أن تكون موجودةً من غيرك
أو أنها موجودة ٌ لسِواكِ
وأنها تلزمُكِ مثلما يلزِم الماء القدح
حدث هذا عندما حَدّثتك ِعن قبيلة من البدو
تاهَت في الجبال
وضَربَت خيامَها على القمّة
أتذكر انك لم تُشيري إلى شيء
ولكنك أخيرا قلتِ : 
لا بأس , كلّ ثمرة تضلّ الطريق إلى شجرتِها
انظري , إننى اكتُبُ كما أتحدّث تماما ً
ولن أجِدَ  ما يدعوني إلى تفادي الكافَ ونُقطتها
عندما خرجتُ لم تكن مخطوطَتي معي و
و لم أتذكرَ أنى قلت :
إنها نفْسي وانّ لنفسي يدا ً ترفعُ بها القدَح
أو  تُواجِهني على الطاولة
كما كان يفعل صديقي جاسم مانع في هور مجنون1
قبل أن يذهبَ ليعودَ بقدمِهِ التي  نسِيَها في الأرضِ الحرام 2
ومن هناك رأيناهُ يطيرُ دونَ أن يبتسِم
لأن نفسي كانت تترُكني جريحاً في الملجأ
و تَظهرُ في شارع ٍ مُزدحم
لم  تكن تُخبرني أنها كانت تُريدُ لصوتي
أن يَخرُج  من فمِها
أو أن اشرَبها مثل  نبعٍ يشربُ نفسَه
ولا حتى أن أقودَها كما أقودُ النهر
من عُنُقِه الطويل أو ساقِه الوحيدة
كانت تقول : السعادةَ هي  أن  تتذكر انكَ لستَ حطاباً
لتُطارد الشجرةَ  من  غابةٍ إلى أخرى
ولكنكِ منذ ثلاثةِ  أيامٍ تكمُنينَ حولي
وتتركينني أتفقدك كلما  وجدتُك
كالأب الذي يتفقد أبناءه صَبيحَة اليوم التالي مِن الحرب .
 
لماذا إذن تُغَطينَ قدَحي بماءِ نفسِك ؟
لماذا تُهدّدينَ الكتابَ بجيشٍ من الأفكارِ العاطِلة ؟
 
انظُري إلى الثمرة
ستسقطَ مِن تِلقاءِ نفسِها وترتطمُ بالأرض
ولكن المسافةَ التي تَفْصِلُها عن الأرض
تساوي  تماما الوقت الذي يفصل صَيْفَينِ طويلين عن بعضهما البعض
انه الزمن الذي تسْتغرِقه نظرتكِ التي تخرُج من نفسِك
قبل أن ترتطم بالثمرة
ومع ذلك وجدتُك ، وشربتُك
هل قلتُ  ذلك  من  قبل ؟
صدّقيني , لم أتذكر مخطوطتي يوما
لأنني كنت احملها  معي دائما
وليس كما أخبرتُكِ  قبل قليل
ولو تركتها هناك  في مجنون مع نفسي
لكانت الآن تَدهن نسيانكِ بكيمياء مضادة
أو تهتفُ  بي :
 إنها جميلة كعبور لا يصل إلى نفسه
أريدك أن تعرفي الفرق       
 بين الصيف  وجماداته
وبين الجماد ونفسه
و أن تعرفي
 انه كان جميلا مثل لغز ميتافيزيقي
هل قلت  لك هذا من قبل... ؟
لقد ترَكَ أمى
مثل
أعمى
يقودُ
خِزانة ً
منْهوبَة
 
لم يكن قد سمِع بنقطةِ الكاف
ولكنه قال وقد عاد للتوّ من الحرب:
أُريد أن أُحصِى ثَباتي
أُحصى مسّاحينِ هَرمين خَلّفوا آلاتهم في مَلاجئَ  مُجاورة
وناموا في النقّطة
كان يقول : السرابُ جمالٌ مُعَوّق
 
أيّها  المُروّضون  خذوا البزاة كلّها
وامنِحوني هذه الرّهينة التي تلزَمني
كما يلزَم الماء القدح
 
لا  تقولي شيئا , فقط أصغ إلي ّ ..
أتحدثُ عن  ذئبٍ أشعثَ يُطاردني من
جملةٍ إلى أخرى
ويجعلني أتحدّثُ عن السلام الذي يُشبه هُدنة الحطّاب
أتحدثُ عنه أيضا , الرجل الذي كان يريد لصوتي
أن يخرُج من فمِه :
ومع هذا كان كلّما تطلع إلى القدح قال
انه يَغرقُ في ماء نفسه
وكان يقصد انك تقفين
مثل شجرة
تقفُ
وثمارها
غائبة
 ______________________________
 مجنون اسم لمنطقة في جنوب شرق العراق كانت جبهة لمعارك شرسة في الحرب الأولى

 
جَمْهَرةُ الشّبيه
الشّبيه : بابٌ يكمُنُ فيه الشخص
وعَدَمه
 
الشبيه : عذراء خَلبَت الرجل
فتزوّج شبيهتَها
 
الشبيه : ما  يَخرُج عني إليّ
و يُرشد طرائدي
إلى فِخاخِهِ
 
الشبيه : هو  الأخيرُ الذي
لا يَسبِقه أحَد
 
الشبيه : هو الأول الذي
يَسْبقه الجميع
 
الشبيه : تَحقّقوا  منه
انّه ما ليس هو أيضا
 
الشبيه : أَمام يَتدافع إلى خَلفِه
الشبيه : صحراء مَنَحتْني
قِيافتها المَلساء
 
الشبيه : حُفرة النون
والنقطة اسمُه
 
الشبيه : شَغَفني بمَوته
كنت أُحصى  الغسقَ عندما تفقّد جسمه
ولم يجدْهُ  في مكانه
 
الشبيه : تذكّرت أننى فاجأته
بنسياني
 
الشبيه : عميقا في بئره التي لم يَحفرها بعد
وجَدَني
الشبيه : ما يُبصِره  الكلام
ولا يَقِف عليه أحَد
 
الشبيه : نبّال آشوري ،
اكْتَمَل في وِحدته فانْفَرَطَ صفاؤه وذابَ عَقيقه
في الرّمْل
 
الشبيه : كلّما خرجتُ إلى حَدائقي أتفقّدها
وجَدتُه مقتولا
يتَخبّط في دَمِي
 
الشبيه : نقطة شَرِبها الحَرْف
 
الشبيه : رجُل باغتَ أعداءَه
في النقطة
 
الشبيه : أعمى , كلما رأى نفسَه في الحُلم
استيقظَ مذعورا
 
الشبيه : كم سَوف يُرشد الغُزاة
إليّ

 
أضلّلُ أقداحي بماء غيابك ...

حاولي فقط أن تتذكّري
ان الماء
سيئنّ كثيرا
قبل أن يلقي بنفسه
إلى القدح
 
2

كلّما استيقظ الماء
دبّت الحياة
في القدح
 
3

حلمتُ ليلة أمس
بأعداد هائلة من الصقور
تهدّد باحتلال المجال الجوي
للأرض
 
4

نعم سأفعل
تماما مثل شجرة فقدتْ ساقها الأخرى في حفلة تنكّرية
 
5

بعد ساعتين
سأكون هناك
وسأنتظرك
في المكان الذي لايمكن لأحد أن يكتشفه
أويهتدي اليه
حتى
أنت
 
6

هل تتذكّر الرجل الذي رأيناه في الصيف الماضي ؟
لم يكن يعرف انها غابة برنارد
ومع هذا كان يجرّ خلفه جيشا من الكائنات
وفي كلّ مرحلة كان يقف فوق كومة من عظام الوحوش الميتة
يثني على الغائبين
ويمسح رؤوس الحاضرين بريش عزلته
.. كان مرشدا سياحيا يا تيتوس
 
7

ذات مرة فكّرنا
ماذا لو أن للماء نفسا كما صنّف ابن سينا النفوس وجعل للنبات نفسا شريفة
كيف سيقذف ببدنه إلى الحريق ؟
في ذلك اليوم
اعتذرنا كثيرا إلى الماء
قبل ان
نشربه
 
كنّا جدّيين تماما
كما لو اننا قرّرنا قتله
بجرعات
هادئة
 
8

منذ سنوات وأنا أبعث لك بدمى كثيرة
كنت تفضّلينها لحيوانات غير معمّرة
مثل حياة الشعراء ( كما كنت تقولين )
وعندما سألتك في آخر مرّة :
كيف تجدين مكانا لكلّ ما معك من دمى ؟
حدّقت طويلا في الفراغ قبل أن تقولي :
ـ انها لا تحتاج إلى مكان
بعد
موتها
 
9

هذا اليوم لم أذهب إلى صديقي تيتوس
سيفتقدني الحارس حتما
في المرة الأخيرة شربنا الشاي رفقة سائح الماني فقد درّاجته في الجوار
كان يرفض أن يضع القبعة الواقية عن رأسه قبل أن يجدها
لم يكن يشبه هيرمان هسه
ومع هذا سألته : هل تجيد لعبة الكريات الزجاجية ؟
 
10

كنتُ أزخر بك وأنا أراقب الأشياء من نافذة الباص
مررنا بساعة ( أبرشية خودا )
كانت تبدو وكأنها في محاولة يائسة لتبديد عزلتها
عقاربها وعتلاتها الغامضة
تدبّ هي الأخرى بيأس
تشير الى 11:40
ماالذي يعنيه الزمن للساعة ذاتها ؟
أفكّر الآن بساعات هائلة تدّخر الزمن في أحشائها
ساعات تقشّر الوقت عن مادته
وتطلقه عاريا
كذئب أشعث
 
11

أضلّل أقداحي
بماء غيابك
 
12

قبل نحو ساعة زارني فيليب
أراد أن يضلّل المطر
بقبّعة عريضة
ذكّرتني بفاتحين قدامى نسوا سيوفهم في نحور طرائدهم
وعادوا مبتسمين
 
13

لم يكن حارس الأيائل الضريرة سعيدا
فلقد فقد غليونين في ثلاثة أسابيع
تحدّثنا عن البرد
وعن امرأة تعبث بأعصاب رجلين من أجل الذكرى
عن نمور فقدها المروّضون في الجوار قبل عامين ولم يظهر لها أثر بعد
عن جدوى الكتابة مادمنا قادرين على الموت
بطرق أكثر رحمة
 
14

أعددت القهوة على عجل
أضفت ماء الورد ( لم تكن فكرة البرت )
طعمها يبدو شبيها بطعم بخورات الخميس التي كان يعكف على صناعتها جمهرة من السحرة البيض في شير فضة
اطلقت عصافير العليّة إلى الحديقة
ولم أحفل بحكمة البرت :
 لا تطلق العصافير في ضوء خافت ، حتى لا تضلّ الطريق إلى نفسها
 
15

أحدهم يحصي الصيحة
ويقودها إلى الفم
أحدهم يحصي النّاجين
ويعدّ لهم مكائد بيضاء
أحدهم يبتسم
فقط ليبدو وسيما قبل أن يباغته قتلته
 
16

مارخيا التي رقصت معها للمرة الأولى منذ سنتين قالت: ليس عليك أن تموت لنصدّق، بل عليك أن تواصل موتك لنفعل ذلك .
لن يكون بالتأكيد هو ذاته الموت الذي ادّخره الحلاج لنفسه،
ولا الصوفي الذي كان يعكف على تقشير بدنه في الخلاء
ولن يكون موتا شبيها بموت ابن المقفع وابن برد، ولا حتى ابن المعتز
 سيكون موتا سهلا وليّنا، وكأنك تكتشف بغتة وأنت تفتح الباب، أن الفرات غيّر مجراه، ومن غير أن يكتشف أحد بعد
 إلى غرفة نومك .
17

أحيانا افكّر لو انني كنت سأموت هذا اليوم
وهذه الساعة تحديدا
ودون أن أجد من يجعلني أرحل مبتسما، ولو لمرة واحدة
كيف ستكون ملامحي حينها ؟
ربما ستكون محايدة تماما
كرجل عاد للتوّ بعد أن جاب الأنهار المالحة لأيام
في غواصلة عاطلة
 
18

أشياء كثيرة
تطاردني في طريقي إليك ...
.. جغرافيون تركوا مدوّناتهم في قطارات عاطلة،
متسلّقون فقدوا طريقهم إلى القمة وماتوا على السف،
متصوّفة ناموا في النقطة حتى اتّسعت عليهم،
عابرون دخلوا المدينة من الباب ذاتها ولم يصلوا ،
طرائد تتجوّل على الحافات وكأنها تفكّر جدّيا بانتحار جماعي ،
موسيقيون يعبثون بالصيف، كما لو انه خرزة سقطت من خاتم الأبدية ..
أشياء كثيرة في طريقي إليك
تقودني إلى غيابي
 
19

الرجل على الطاولة المقابلة
يفكّر بالصيف
يفكّر في المكان الذي لا يجب ان يذهب اليه
يفكّر في طيور قزحيّة غادرته على حين غرّة
يفكّر في طريقة لاتجلب انتباه أحد
للتخلّص
منّي
 
20

الصالة تدّخر كائنات تبزغ من جدرانها القرميدية
تبزغ من الساعة ببندولها العاطل
من الكرسيّ الوثير الذي أُعدّ من أجل رجل لم يأت
من قدح القهوة بيد صديقي سلام جعاز
من نظارة ميّ وقبعة زوجها مازن
من مسبحة خليل شوقي الذي كان يفهرس أيّامه خرزة خرزة
من أصابع ابنته النحيلة ،
من كتاب بندول فوكو الذي يظهر نصفه من حقيبة امرأة في عقدها السابع
من الشجرة القزحية التي تعثّر بها نصف المدعويين
من المرأة الحليبية التي واصلت جلوسها قرب باب الطواريء وكأنها تستعدّ للكارثة

21

تمسك سيجارتها ، كما لو انها آخر الأشياء الحقيقية التي مازالت تستحقّ ثقتها
22

كان صديقا لأبي
جيوبه تزخر بآلات غامضة
آلات تجعلني أعبر قوسي الجسماني
كان فلكيّا كلدانيا يأتي إلينا في أواخر الصيف
أخبرني أبي انه ادّخر آلة صدئة لقياس قطر الصرخة التي سيطلقها قبل موته بلحظات
باغته الموت وهو يحصي عزلاته في بيت مهجور في شير فضة
ومنذ ذلك اليوم لم تظهر آلته الفلكية الصدئة
ولم أعد قادرا على قياس قطر عزلاتي
 
23

الفلكي الكلداني ذاته
وجدت صورة له في البوم قديم
يبدو ساهما ونحيلا وهو يتفرّس في ساعات أبي القديمة
ربّما كان يحدس الزمن وهو يمخر في أحشائها وعتلاتها
أما أبي فلقد استقرّ على كرسيّه الخفيض واستسلم إلى صرامة أمي وهي توجّه الكادر باشاراتها الواسعة
وأنا
وفي إحدى المرات النادرة التي لم أتطلّع فيها إلى العدسة
أبدو مأخوذا بنظرة الكلداني
وكأنها ستبعث الحياة في ساعات أبي



أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن