تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  إصدارات المجلة»  الجزء الثاني من رواية الأبدية

الجزء الثاني من رواية الأبدية

عدد مرات المشاهدة :1521 - August 21, 2007

حسين عجة

الجزء الثاني من رواية الأبدية

حسين عجة  

الجزء الثاني من رواية.. الأبدية

الفصل السادس
سرمد الوقور
قبل بلوغي الثالثة من العمر، ولأسباب، ما زلت أجهلها لليوم، رغم  تقدم عمري، قرّر والدي ، بإصطحابنا معه، مغادرة بلدة الزبير والرحيل صوب العاصمة. قد تكون عائلتي، في ذلك الزمن، غير البعيد جداً، واحدة من أكثر أثرياء البلدة وابعدها إستقراراً، لا من ناحية بحبوحة العيش المادية وحسب، بل وأيضاً على مستوى تداخل العلاقات، وتعقدها أحياناً، فيما يتعلق بالقبيلة. مكانتها مثلاً بين القبائل والشخصيات المعتبرة، إن كانوا من كبار الشيوخ أوالأعيان، وقد تشمل القائمة بعض موظفي الدولة، من الخيرييّن، وحسب. إذا ما دقق المرء جيداً بالملفات. على أنواعها.  بالطبع، لم يكن تحمل جميع ما يحدث من متاعب وما يتولد عنها، من فترة إلى أخرى، من هموم وأحزان، بالأمر الهين. ذلك لأنها تظل، الهموم والأحزان، عالقة، لزمن طويل بوجدان المرء وبالتالي تؤثر على مجمل سلوكه. مزاجه، أو طريقة ردود أفعاله على الحيز الذي يعيش فيه. وأحياناً حتى خارج حيزه، أو المكان الذي تلقى فيه قطرات حليبه الأولى. فردود الأفعال تستطيع، إذا شاءت، حرمان أحدهم، دون علمه، من مشاركته نظرة الآخرين العامة للأشياء. ولربما طرحها بعيداً عن تفكيره. ولو لفترة قصيرة. فيما في الحقيقة، هو من سَيُطْرحَ به خارجاً، ويُعزل عن مُتعِ البقية. الغالبية. غير أننا نن، عندما كنا فتية، لم يكن بمقدورنا الإلتفات لخطورة الوضع. ذلك لأننا أما كنا مولعين، إلى حدّ الهووس، مثلما كان يقول لطيف الركاع، بنظرية التفرد. أو بحكم ما إسماه البعض منا، في حينها، تشكيلته الذاتية، أو شخصنته التي قد يساهم المحيط ببلورتها. بيد أن فهماً كهذا لم يكن صريحاًً أو علنياً، ولا حتى عفوياً. كان ضمنياً ومبالغاً به، بعض الشيء. لم يتبناه أحد يوماً، على المكشوف وبحضور جميع شخوص البلدة. على أية حال، لا يمكنني القول حالياً  بأن حياتنا كانت تفوق حدود الإهتمام العادي للفرد بشؤون وجوده اليومية. ولا تقل عنها. يُضاف إليها قلق لا إسم له. أو ما إسماه أحدهم بـ "اللامسمى"، والذي لا علاقة له بالمجهول. وذلك ما فهمته متأخراً جداً، بفضل رجل عابر، وكثير الإهتمام بمواصلة دربه، الذي بدأه منذ ما يفوق على نصف قرن.  بيد أنه لا يمكن الإدعاء، من ناحية ثانية، بأن أي منا كان يفهم حقاً موقفه، أو يمكنه التحكم بتفاصيله بصورة محكمة وكاملة. أعني ترتيب البيت، من ناحية، وتكريس وقتاً لا يستهان بثقله لتمشية أمور وطلبات من كانت الحياة، أو طبيعة الفرد وتكوينه العائلي، يدفعانه للتوجه نحو الغير. ومن ثم طرح مشاكله أمامهم، أما دفعة واحدة، أو سردها تباعاً. العديد من العوامل كانت تجعل البعض من أقربائي يتخيلون أحياناً أشياءً مبالغ فيها عنا. في الغالب من نوع تلك التي لا يمكن حدوثها في أسرتنا، وبين أعضائها. أو ضمن جدران دارنا، التي كان يحرص أبي أن تكون سميكة ولا ينفذ عبر طابوقها لا صوت آدمي ولاغيره من الأصوات. الموسيقية مثلاً، وليس بالحصر، كما يقول رؤوساء التحرير في هذه الأيام. ولا الأصوات التي تصدر عن الكائنات المحيطة بنا. بلغة ثانية، بمقدورالمرء القول بأن مناخ وأرضية بلدنا، أي نوع الحياة والروابط  التي كانت سائدةً بين الناس، لم تكن لتسمح لدارنا أن تظل دائماً في منآى عن الإحتكاك، ومن ثم خلق ما هو مشترك ما بين سكان الدار، من ناحية، والحيوانات المنزلية المعروفة، تلك التي دجنها أو أنسنها آدم ونسله، الذي أعقبه، منذ  ما لا يعد ولا يحصى من القرون، كالكلاب والقطط، من ناحية ثانية. صحيح أننا عرفنا، في أوقات محدّدة، بعض المخلوقات الأخرى، التي لا علاقة لها في الظاهر بالكلاب أو القطط تقدّم  من أصقاع بعيدة جداً لزيارتنا، ولم يكن بمقدور أي منا تخمين دوافعها الحقيقية، للقيام بتلك الزيارة، والتي يفهم الجميع بأنها لا بد وأن تكون مكلفة للغاية. على أية حال، الشيء الوحيد الذي بمقدور المرء تخيله وقوله هو أن تلك الكائنات لم يكن لديها أقل فكرة عن شكل حياتنا، أو الطريقة التي يتم فيها تفاهمنا، بعضنا مع الآخر. كانوا يأتون على شكل جماعات، وإن كانت محدودة العدد، لكنها قوية العدة. غير أنه كان من شبه المستحيل قدوم أحد منهم لوحده. أبداً.  سوى ذلك الرجل الغريب الأطوار، الذي كان يُقدّم نفسه بإعتباره رئيس فرقة التنقيب والآثار، عما كان يُسميه مهد الحضارات. كان متعالياً وذو لسان سليط، سيما مع اولئك الذين يعملون معه. أجانب أو من أهل الضيعة.  بالمناسبة، لم يكن يفهم أية مفردة من لغتنا. كان هناك معه مترجم، هو الآخر لا يفهم سوى الفصحى، لا يفارقه ولو لحظة. أما لأن رئيس الفرقة كان يخشى شيئاً ما يعجز عن تحديده، أو لأن المترجم يشعر بخطر ما يُهدّد حياته، بدون رئيس الفرقة. كان الأثنان، في الحقيقة، يُشكلان نوعاً من التسلية لسكان البلدة، الأطفال والعجائز خاصةً. إذ لو ناديت على أحد منهم، عمداً أو بالسهو، لوجدت الآخر حاضراً قبله.  وذلك ما كان يدفعني على التخيل بأن اولئك الناس كان يعانون، حتماً، من العزلة والنفي القاسييّن. ذلك ما كنت أفهمه منذ صبايّ، إذا ما صدقت ذاكرتي. ومن ثم لا بد وأن فرقة التنقيب قد كونت لنفسها فكرة مزيقة، ولا أقول صورة بشعة، عن سلوكنا العام حيالها. ولربما أيضاً فيما يتعلق بإشياء لا علاقة لها بها. كأفعالنا، مثلاً، والتي كانت غالباً ما توصف بالخشنة، الصعبة، وحتى الهمجية. أحياناً، كانت تلك الجماعة لا تخفي كراهيتها العلنية لنا. كراهية غير مفهومة، صادمة حتى، مع أن أي منا لم يتعرض لها بعدوانية تذكر. لا أثناء تلك الأزمنة الغائرة في قدمها، ولا في الحديثة منها. وهذا ما كان يخلق عندنا الكثير من البلبلة. المؤلمة بحد ذاتها. فبالقدر الذي كانت تزداد فيه وتتفاقم عزلتها، القصدية والمُدبرة سلفاً حيالنا، وبالقدر الذي كنا نحاول فيه الإنشغال بأمورنا البيتية، بالقدر ذاته كانت تلك المجموعة تتوجه نحونا بنوع من القسوة النقدية، أو تصب مرارة لومها علينا جميعاً. وكأن كل واحد منا قد أصبح البلدة بكاملها. بدورنا لم نكن حمام زاجل، من النوع الإليف والذي لا يقوم إلاّ بنقل الرسائل. كذلك من العدالة القول أننا لم نفرش أمامها السجاجيد الحمراء، أو المزركشة الألوان، ولم يفكر أحد منا تقديم شربت الزبيب أو "البلنغو" لها. بيد أن كل ذلك لا يمكنه تفسير تعاليها على أهالي البلدة. جميعاً. صغارنا وكبارنا، معاً. حكمائنا وزعراننا، في آن.  وهذا ما لم يكن  يُخفى حتى على أكثرنا غباءً. صحيح أن منْ كانوا يكبرونا في السن قد قرّروا، لوحدهم، وكما يبدو ضمنياً، أي دون أن يفتحوا شفهاهم، التعامل مع تلك الجماعة بما هو أفضل.  لتحاشي الصدام المباشر معها. مثلما يعللون سياستهم أزاءها. ولكي يبقى الجميع محافظاً على برودة رأسه، يعنون بذلك البلدة والعاصمة. فمن المؤكد أن تلك الجماعة ما كان بمقدورها الوصول إلى هناك، بلا علم الدولة، المركز، دون علم المرحوم عبد الأله، مثلاً، أو نوري على الأقل. لكن، يقول البعض، لسوء الحظ، كلما مر الزمن وطالت مدة بقاء تلك الجماعة هناك، كلما كانت تتعاظم نظرة إحتقارها لطريقتنا في العيش. فهي لم تكف ساعةً عن  التفاخر بإمتلاكها، إن لم يكن هيمنتها على قيم وعادات، ثقافة وطرق في الحديث، والأمر عينه، فيما يتعلق بتبادل القبلات والمضاجعة، تختلف نهائياً عما نمارسه نحن، من جميع جوانب تلك النقاط. أو المشكلة. القيم وما شابه. كدت أقول القيمة. أما القيمة الفائضة، أو مرقة القيمة الطيبة، في حينها. وذلك، في اعتقادي، ما كان يدفعها على التشبث العنيد، وغير المجدي بتعاليها وكراهيتها لما كانت تطلق عليه ضعفنا الطبيعي. من ناحية أخرى، كنت في كل يوم أقول : "إنشاء الله أنتهت"، الأبدية. مع أني لم أكن الشخص المكلف بمتابعتها. أعني فصولها. وكأن للأبدية نفسها نشرة أحوالها الجوية. ومع ذلك، لم يكن بالإمكان تسوية الأمور بطريقة ترضي الجميع، كما صرح محمد مرهيج، جارنا وصديق والدي الحميم. ومن ثم أضاف : قد يكون هؤلاء الناس، ما زالوا يعيشون في زمن غاية في التقهقر، بالرغم من المظهر الخارجي، فيما يتعلق بالدوافع. وكأن هناك مظهرين. لكنهم، أكد صديق والدي الحميم، وذلك ما ينبغي الإعتراف به ونحن مرغمين، قد أحرزوا منافع كثيرة من التنقيب، وغيره من الأعمال المُعتَمدةِ على قضبان الحديد، ومن ثم نقلوها لكل الإنسانية. عبر شط العرب. أو خليج الخنازير، في كوبا. بحثاً عن منافعها، الإنسانية، أو ما قد يفيدها، لمقارعة الشر، وجعل البشر بغالبيتهم يتمتعون بفضائل الماء والكهرباء، مثلاً. غير أنهم في العمق، والكلام ما زال لمرهيج، ظلوا على حالهم، ممهورين بغرائز المكان الذي قدموا منه. فبدلاً من تطويعها، غرائزهم،  لصالحهم هم في المقام الأول، ومن ثم بما ينسجم مع تقاليد وطرق الناس في البلدة، حيث قدموا بغية الإقامة الدائمية أو شبه الدائمية، كما يقولون. بدلاً من ذلك صاروا يحسبون أنفسهم أكثر معرفة ودراية بإنساب الناس هناك، وكذلك إمزجتهم، بالرغم من قيض الزبير، الذي لا يطيقه أحياناً حتى ابناؤه الذين ولدوا فيه. اللهم إلاّ إذا كانوا من كتاب القصة القصيرة، مُتذرعين بإستغلال الطقس، أو إستعماله على الأقل كديكور لتبريز شخوصهم. على أية حال، كان بمقدور أي فرد التأكد، دون مبالغة تذكر، بأن الزبير والدار ظلا، ربما لقرون، يعيشان نوعاً من الإنطواء على الذات، لكن بمحافظتهما على معايير الحياة اليومية، التي يمكن قبولها غالباً، في مجتمعات مصغرة وضيقة كبلدتي. فهذه الأخيرة ربما كانت تعيش، مثلما يبدو لي الآن، بطريقة قد تخول بعض االمعنيّين الجدد بالإقتصاد، في أعوام الثمانينات مثلاً، بوصفها بالإكتفاء الذاتي. دون الإكتراث بتعميق ما يصفونه. والحق يُقال. لكن، ومهما يكن، كان الإنطباع السائد عنا والذي ساعدنا كثيراً على ترسيخ مقامنا هناك، وجعل غالبية سكان البلدة يكنون نوعاً من الأحترام لنا، يعود إلى عراقة أصولنا، مثلما يعرف الجميع. وكذلك لرفقنا بالكائنات القادمة من بعيد. بإسم الضيافة، ومعاملة أبناء آدم وحواء بطريقة رحيمة ومعقولة، مثلما كان يعاملهم الأب. أنا لا أمزح، هنا، في مطلق الأحوال. من المفهوم أن لا تكون لدي ذكريات غنية وكثيرة عن تلك المرحلة. ذكريات، أو صور عالقة في الذهن، قد تعين المرء في لحظات بعينها من وجوده، على فهم ما حدث له. أو تغدو، في المستوى الأدنى، بمثابة تعليل للمصادفات العارضة التي حورت مجرى حضوره. أي المطبات والأفعال، المُدركةِ نوع ما، التي قام بها بوعي، مثلما تُرَدّد بعض الجماعات، أو بخضوعه لإرادة غريبة عليه، ولا يفهمها، مهما كانت إدعائاته قوية ولا تتزحز. مثلما تُردد جماعات أخرى. ذلك لأن إرادة الفرد تظل دائماً محذوفةِ تقريباً. أو مشغولةً بملذات وكوارث أقوى منها. الناس تقول أشياء لا عد ولا حصر لها، لكنها أول منْ يتخلى عنها. لثقلها. أو بمرور الزمن. أو لأنه ليس بمقدورها، الأشياء، أن تظل، ببساطة، عالقةً في حاضرتها. أو صومعة ذاكرتها. بيد أن هذا لا يعني تقديم ذرائعاً لنسيانات الناس وتخليها عن معتقداتها السابقة. قد أشبههم، من هذه الزواية. وحسب. نسيان لا يقل وقاحة عن باقي النسيانات الأخرى. الباقية. أو المُتبقية. قد يقتضي الأمر وجود أحدهم لإرشادنا. مع أننا ما عدنا نؤمن، بل نقاوم من يحاول إقناعنا، بعدالة توجهاتنا. أياً منها. لسنا بحاجة للتوضيح، لا على ذلك الدرب المستقيم. العدالة وما شابه. ولا على نقيضها، الدرب المُؤدي حتماً للذة بعينها، لكنها، ومهما طال العمر، قصيرة. لكي لا نقول مقتضبة. إذ يمكن لمفردة كهذه إيقاظ مفردة ثانية، لم نكن نتوخاها. أو نتحاشاها. أو نتفادى صداها. وذلك بإسم: "طه ما إنزلناه عليك لتشقى". لا أثناء الحفل ولا خارجه.  بيد أنه ينبغي، حفاظاً على الإبجدية، عدم الخلط، ما بين التذكر والنسيان. بحكم الجيرة القائمة بينهما. أو لإستباق الزمن. قد أكون، أنا نفسي محضوضاً، للإفلات من معضلة كهذه. لكن من يدري، قد تقبض علي، أما بحكم خطأ سيحدث في الحاسوب. أو لأني لم أحصل بعد على هديتي الموعودة، في عيد رأس السنة، الكرسمس، في لغة الأنكليز، بابا نويل في لغة النورماندي والحصى المنتشرة على ضفافه. وبالعربية؟ عيد ميلاد. منْ؟ سيدنا المسيح. لم أستلم، إذن، بعد هديتي من محافظة البلد الذي أقطن في أحد طوابقه منذ ما لا يقل عن ربع قرن. كل ذلك لم يحدث بحكم  صدفة سعيدة، أو حنين مخيلتي للصحراء. البَريّة والبريئة، في آن. البيداء التي تفتح ذراعيها لشعراء مثلي، على أمل تعذيبهم في سراديب الجوازات، فيما بعد. ذلك ما حدث لي أثناء زيارتي الأخيرة لأحدى مدن البيداء، بعد وفاة شقيقتي، وبإلحاح من بنتها. تحت ذريعة زيارة المرقد الفلاني، كوصية من المرحومة. طُلَبَ مني الحضور إلى السرداب، وتم أخذ طمغات أصابعي، مع أني كنتُ أتمتع بجواز سفر أجنبي، يحمل فيزا ذلك البلد، التي دفعتها كباقي السواح. لبلد الزيارة. الذي قصدته بشوق، بعد ربع القرن ذاك، وبعد تناولي، أنا نفسي، أكثر من ربعية عرق، قبل أن أخلق لنفسي ذرائع السفر. هناك، قالوا لي : المُستهدف ليس أنتَ، ولكن من معك. لم يكن آنذاك أحد بصحبتي، أو العكس، لم أكن أنا في رفقة أحد، اللهم إلا بنت الأخت تلك ووالدها البالغ من العمر سبعين عاماً. كان صائماً. قبل حلول شهر رمضان بإسبوعين. على الأقل. أما لمضاعفة البركة، مثلما يقول. أو لغسل الديون السابقة، كما تقول بنته، التي تم سحبنا إلى السرداب، أنا ووالدها، بسببها. لا لشيء سوى أنها كانت شابة، أو فاتنة بعض الشيء، إذا كان المرء يفهم ما يقول. إضافة إلى الفتنة تلك، كانت والحق يٌقال تحمل بيدها قنينة فانتا، أو ميرندا أمام الجميع. عذراً، لم أعد أتذكر نوع القناني جيداً. أو بالأسلوب المطلوب. بعد ذلك، أي بعد إنتهاء التحقيق، ولماذا أنتم هنا، ولأي غرض تريدون زيارة الضريح، ومن هي والدة الشابة، وما علاقتك أنت حامل الجواز الأجنبي بوالد الفتاة، أي زوج تلك التي تسمونها المرحومة. إكتفيت بالقول : المرحومة التي تتحدثون عنها هي شقيقتي. زهرة جبر مدلول الرديفي، من بلدة الزبير، عاصمة أبو الخصيب، أو العكس. في النهاية، أي بعد ست ساعات من الإنتظار، وحينما هدّد السائق الذي كان يقلنا بتركنا هناك، ولأني كأوروبي بالتطبيع، حاولت إقناعهم بلا جدوى إحتجازنا، وجعلنا ننتظر طيلة النهار، وقسم لا يستهان به من المساء، سيما وإن جوازاتنا، نحن جميعاً، بما فيها جواز تلك التي كانت تحمل قنينة الفانتا أو الميرندا، أمام الجميع، صالحة وسليمة. جديدة. لم تُستَعملَ بعد. بختمها وطوابعها الأميرية. غير مغشوشة.  بل وحتى عذراء. لا أثر لأي مرض معدي أو ساري المفعول عليها. البوسوبورتات. فيما بعد، آه أيها الفارق العظيم الذي كنت عزيزاً، يوم ما، على قلب برغسون ما بين الزمن والديمومة، ختموا لنا الجوازات، وإلقوا بها علينا، كما يلقي المرء بعظم منخورعلى أحد كلاب النجمة الحمراء السائبة. تلك التي لم تذق لا قطعة لحم ولا رائحة عظم، منذ سنة أم المصران. أو قبلها قليلاً.  أو مثلما كان يتلذلذ أطفال البرازيل، قبل لولوا، بعظم ينتمي لذلك الفخذ، أو تلك العشيرة. لذا تحدثت، في البداية، عن البيداء كمولدة وقابلة لإنتاج تعذيب الجوازات، في السراديب. لم أقل بالعصي والهراوي، أو الصوندات الكونكريتية، أي المُعززةِ بحلقات سلاسل، كما كان الأمر في مسقط رأسي. وقد لا يزال. من يدري؟ وكيف له أن يدري؟ و ما فائدة أن يدري؟ هذا إذا ما أوصلَ أحدهم الخبر حتى عاصمة أبو الخصيب. المزدحمة بالأخبار، أو التي لا تعرف سواها. كعادتها. صرت أتحدث كصبري النحات. فهذه زبدة أبديته. إذا كان ما ظل منْ يهتم بالزبدة، قبل هروعه وإلقاء نفسه على الحليب لوحده، أو إنتظاره لحين تخمر الحليب إلى لبن. تحت ذريعة التواضع. شعار المرحلة الجديد، ليس في الزبير لوحدها، ولكن هنا، في قلب الحي اللاتيني، حيث يقيم صبري النحات. وهكذا دواليك، تلك التي يجهل الجميع منشاؤها الأول. إذا ما كان لديها واحداً، بالطبع. أما النحات نفسه، إذا ما إنتهينا من موضوع الجوازات والأضرحة، فيمكنني تعريفه بالمفردات البسيطة والعابرة التالية، على طريقة وأسلوب نوري عبد الملك، عندما كان يتحدث عن الزمكانية : صبري النحات، شاب ذكي نوع ما، وقد أكنُ له شيئاً من الأحترام، لكنه لم يخدمني يوماً بما هو نافعٌ. أو ما كان بمقدوره جلب القليل من النور لمخيلتي، المعتمة تقريباً، والتي كانت في أمس الحاجة لمنْ يعينها على الإنطلاق، أو، لمسامحة الكل، الذهاب نحو المريخ. بغية توسيع عوالمي. في الحقيقة، قد يمكنني القول بأن صبري النحات أضرني أو حتى أساء لي، على مستوى التعابيرالمُنتقاة، أو السائبة لوحدها، كغزلان أمير ربيعة في السابق. أكثر من المعونة التي يدعي تقدّيمها لي أحياناً، كراوي، يمسك على خيوط الأبدية بيده، مثلما يتوهم، أو كشخصية من باقي شخوصها، إذا ما فلت خيطها من بين أصابعه. لكن، في مطلق الأحوال، لم يخطر كل ذلك على بالي، بقوة ملكة داخلية، ولكن لأن والدتي، المغفور لها، لم تترك، حسب تقديراتي، أية شاردة أو واردة تغيب عن بالها، وبالتالي سرد تفاصيلها وتواريخ حدوثها عليَّ. لا أستطيع الجزم ولا نكران إذا ما كانت قد روت كل ما روته لي لأحد  من أخواني أو أخواتي. أو جميعهم، في لقاء واحد ومختصر، بحجة ليس لدينا وقتاً كافياً، والقاعة محجوزة إلى حد الساعة الخامسة وليس أكثر. غير أني كنت، بلا ضجيج، أو مُداهنةً، أكثرأولادها إصغاءً. لأمي وحسب. مع غياب إحساس كهذا من جدول حسابي، نهائياً، في كل مرة أتذكر بها من أنا. من الممكن للمرء تخيل مخيلتي في حينها. عدم قدرتها أو عجزها غالباً عن تحمل جميع تفاصيل ما كانت ترويه لي من تشابكات أو مصائب الواقع، آنذاك. وبالرغم من هذا كنتُ، بفضل حساسية ما، أصغي لما ترويه بإنتباه وإجلال، قلما تجدهما عند طفل بمثل عمري. لا مجال للمبالغة هنا. كانت سيدة  ورعة للغاية. هي وصديقتها حورية، الخياطة. فالبيت لم يكن يخلو يوماً لا من البخور ولا من التنشير، كذلك لم تبطل شفاه والدتي وصاحبتها من البسبسة :  أستغر الله، أستغر الله، أعوذ بالله أعوذ بالله، من شر الشيطان الرجيم. من شر الشيطان الرجيم. وبالفعل، كانت الملائكة تظهر تقريباً أمام نظري، حتى أني حاولت مرةً الإمساك بواحد منها، أو على الأقل التعلق بإهداب ردائه، الأبيض، الناصع، الطاهر، أو الذي لا يمكن رؤوية نوعية النسيج المصنوع منه. مخيلة طفل. أو إختلاط  حب الوالدة برقة وترف الملائكة. كما تعرفون. على أية حال، كانت تلك  التي إنجبتني  على طريق البسبسة، دائماً. فبعد ما تنتهي من الأعوذ بالله، تبدأ مع : "مسينا بمساك ونطلب فرجك ورجاك، أغفر لنا عيوبنا، على كثرتها، وإسترعلى غوايبنا، اولئك الذين لم يحالفهم الحظ  يوماً للذهاب أبعد من مقهى دعير ومن ثم العودة، مهزومين إلى الدار، محملين  بالرقي، أو المشمش الحموي، أو التيكي، في إسوء الأحوال، في أوقات القيض الذابح، ويا أرحم الراحمين".لكني، و بالرغم من قساوة الفصول، لم أكن أحسب، منذ ذلك العمر، بأن الحياة بإمكانها فعل أي شيء آخر سوى متابعة تسلسل أيامها العادي. ولربما كان ذلك ما دفع  بشقيقتي الكبيرة نجاة على القول مرةً : سرمد فعلاً حكيم.  يمكنني أيضاً القول، قبل حدوث ما يمكن له أن يحدث، المشؤوم كالعادة، بأن حورية كانت أقرب لي، برهافتها وجمال طباعها، من كل عائلتي. ما عدى والدتي، بطبيعة الحال. سر لا ندركه جميعاً حتى مع تقدم أعمارنا. تلك هي حالتي. من ناحية ثانية، كان والد حوريه، الشيخ حاتم النواري، أمام وقارىء  المسجد الأكبر في تلك البلدة، يحب والدتي وكأنها شقيقة أبنته. إنسان غاية في الدماثة. لذا إعتاد الناس على  مناداة والدتي وبنت إمام المسجد بالأخوات، في المحلة.  وفي حدودها المرسومة ضمن معاهدات دولية لم تكن تقبل للنقاش وحسب. أما اليوم؟ فلا أعرف. ولن يدعي أحد، بما في ذلك كذابو السليقة، حسب ظنوني، معرفة قضية الحدود، ومنْ يُحَدّد. غالباً ما يتم الحديث عن المجموعة السُباعيةِ، والتي يكتشف المرء، فيما بعد، بأنها كانت ثُمانيةَ. عندما يُضيف إلى حساباته روسيا "الكي جي بيه"، أو شبه القارة الهندية. ذات النفوس العالية، المتقدمة في مجال بيع وشراء الحديد والمكتظة بالكوبرا. وإصحابها، العاطلين عن العمل، الذين شرعوا، منذ فترة قريبة، بالمطالبة بحقوقهم المشروعة. والذين يقف صبري النحات إلى جانبهم، حتى وإن كان مغمض العينين. بحجة أن واجبهم في العيش يقتضي ذلك من الآخرين، وإن كان على حساب هؤلاء. ضمن ما يُسمى بحملة التضامن،أ و تمتيع الفقراء مرة واحدة في العام من فُتات موائد هيلرا كلنتن، أو نانسي ريغن، أو حتى كريمة الشاه السابق، نورا أو سُميه، مثلاً. فمن وجهة نظر النحات، يتركز واجب شبه القارة الهندية على تأمين حياة كريمة لمواطنيها، طيلة العام، بما فيهم مُلْعِبيّ أفاعي الكوبرا، وليس في نهاية عيد الفطر فقط.  لكن، كطفل، لم أكن أفقه، بالتأكيد، بكل ما كان يجري أو يحدث بين الكبار. ولا حتى بجزء منه، إن كان ذلك يتعلق بالسن، أو غيره. ن من ناحية أخرى، كنتُ طفلها المُدلل، كما يقولون، أو الأكثر قرباً منها. أبن لا يُفارق أمه طواعية، أو يدعها هي تفارقه، إلاّ عند الضرورة، التي يُقررها البالغون، أو أصحاب الدخول العالية، ومن ثم يفرضونها عليه، كما على الباقي، إذا ما بقي، نيابة عنه وعنها. أحياناً. إذا لم يقتلعوه بالقوة ويلقوا به في زواية بعيدة من غرف البيت الواسع والمتعدد الغرف. وكذلك الممرات، التي لا تقل وحشة عن عتمة الغرف، ينبغي تذكر ذلك جيداً. حسب معلوماتي. ووفقاً لأسلوب كل واحد منا، بمعالجته لأزمة الموقف، أو التخفيف من بربرية لغته، وذلك أضعف الإيمان. لكن كيف؟ يبدو أن أحداً لا يريد أن يعرف. أو أنه قد فلت من أيدي الكل. فالجميع، مثلما تقول هدية بنت محيسن، القريبة من صبري النحات، متفقون على خلاصة كتلك. بحيث أنه لم يعد مفهوماً سبب التطاحن الحاد بيننا، أو هكذا نتظاهر، مع


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن