تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  إصدارات المجلة»  الجزء الأول من رواية.. الأبدية

الجزء الأول من رواية.. الأبدية

عدد مرات المشاهدة :1939 - June 03, 2007

حسين عجة

الجزء الأول من رواية.. الأبدية

حسين عجة  

الفصل الأول
عندما التقيت للمرة الأولي بصبيحة بنت عناد، والتي ستصبح فيما بعد سكرتيرتي، لم أكن أحمل أو أضع من فوق أنفي عوينات زجاجية بعد. فعينايً "الطبيعيتان" لم تكنا قد أشارتا علي، ولو من بعيد، على درجة ضعفهما، أو القوة التي كانتا تتمتعان بهما آنذاك. لذا كنت أفكر، أعتثقد، بأنه  كان بمقدوري رؤية الكائنات والأشياء بوضوح. في الليل والنهار. ومن كلا الجنسين. دون إرتكاب حماقات أو أخطاء جسيمة، هائلة، أو طفيفة بحقهم. أو بحقي أنا. أخطاء أو خطايا.  قد تحصل بحكم خلل طاريء أو مزمن في نظري، بالطبع. بعلمي أو بدونه. مثلما يحدث غالباً. لكن هل يمكن تصديق ذلك؟ أعني تمتع المرء بقدرة التمييز ما بين الأفراد والكائنات من كلا الجنسين؟ أو حتى الجنس الواحد. من دون إرتكاب أخطاء، أو حماقات، على الأقل؟ لا أدري. أو ما عاد الأمر يشغلني، بالدقة، في الوقت الحاضر. أو تقريباً. ولقول الحقيقة، أظهرت لي تجربتي اللاحقة، أو ما أعتدنا على تسميته هكذا، أعني صبيحة وأنا، لم يكن سوى وهم بسيط. عادي. أن لم يكن مبتذلاً. لكن دون التفكير بعواقب المفردة. على حد تعبير صادق الملة، الذي لا يضيف شروحاً موسعةً، في حالات كهذه. لم تكن ثقتي بنظري لتتجاوز، إذن، في أفضل الإفتراضات وأكثرها تماسكاً، حدود الثقة الساذجة التي يغذيها المرء، يعززها، ولربما في كل لحظة، في نفسه، أوعنها. أو بالأحرى عن قدراتها المتخيلةً دائماً، بالطبع. بغض النظر عن ظروفه الذاتية والموضوعية، ومهما كانت أحوال العالم؟ يتساءل الملة من جديد. كما كان يحصل دائماً. أعني من قبل. من قبل ماذا؟ لا أعرف. قد يكون من قبل صعود أو سقوط أحدهم. مثلما أظن. بيد أن الظن أثم. في نظر البعض، على الأقل. ذلك ما يفهمه الجميع، كما أتصور. لتغيير المفردة وحسب. وإلاً؟ سيختفي كل منطق للأشياء. ذلك ما تعلنه فجأة، أو تصرخ به بغتة، وكأن ثمة من أفعى قد لدغتها، صبيحة بنت عناد. منطق الأشياء؟ نعم  يضيف الآخر، موجهاً كلامه لي : أنتَ ما زلت تمارس ذات اللغة. وبعد لحظة، القديمة. ذلك ما يردده دائماً علي، بالطبع. وكأن هناك واحدة قديمة والأخرى جديدة. كما يبدل المرء أحياناً إحذيته. مع أنني رددت على مسمعه مرات ومرات، القضية، أو ما نحن بصدده، لا علاقة لها باللغة. حسناً، يقول الملة، آنئذ، لكن : أنظر إلى أين وصلت بك الأحوال؟ صحيح، من الاجدر تحاشي تعابير كهذه، تقول صبيحة. وكأنها ترغب، في وقت واحد، مقاطعة صادق ، حتى تتناغم معه بصورة أفضل، وأن توجه ليً اللوم بشكل سريع وعابر، لكنه أكثر إيلاماً، وفي النهاية، حتى تقول هي أيضاً رأيها، أو وجهة نظرها، فيما يتعلق باللغة والتعابير. بالطبع. أو لنقل كانت صبيحة تجيد تقنية تجاوز كل شيء، ليس اللغة وتعابيرها وحسب، أو ما يسمى التقاليد والإخلاق المتعارف عليها، بل أنا والملة أيضاً، إذا ما أقتضى الأمر، أو إذا ما تعلق بمسألة ابداء رأيها، أو وجهة نظرها. أعتقد أنها الأقوى من بيننا نحن الثلاث. أو أنها ستكون كذلك. في يوم ما، إن لم يكن في القريب العاجل. غداً، على سبيل المثال، أو بعد غد. أو مهما طال الزمن. فالقوة لا علاقة لها، كما يبدو، بالزمن، سيما إذا ما كانت هناك إرادة كتلك التي تتمتع بها صبيحة وراء رغبة إمتلاك القوة، التي يقول عنها البعض : من المحال إمتلاكها مرة وإلى الأبد. مهما يكن، أن تكون بنت عناد هي الأقوى منا  نحن الثلاثة، فذلك ما أصبح عندي شبه مسلمة تقريباً. بالرغم من أنها تقول، ضاحكة كالعادة، لا يجب عليك تصديق أشياء كهذه. أنت من أحب، ولا يمكن تخيل حياتي بدونك. الخ.. وهذا معناه، أنت الأقوى، من بيننا نحن الثلاثة. تتحدث صبيحة بصيغة الجمع المؤنت، بالطبع. والملة؟ أوف، الملة لا شيء، مقارنة بك. مع ذلك، لا شيء يشير على أننا سنصل إلى نهاية ما : ألا ترى  في أي زمن نعيش؟ بالطبع، قلت بدوري. ولكي أخفف من احتدام الطرفين، أو إحتدام السكرتيرة وحسب :  حقكما، لم أعد أعرف في أي زمن أعيش، وكمثال على ذلك، كنت قد بدأت عملي، دون التفكير به. إذ لم يكن اللون الطاغي على المكان، في تلك اللحظة، أقل عتامة مما هو عليه الآن. فعملي لم يبدء اليوم، أو حتى البارحة. بيد أن لا أهمية لذلك، كما أعتقد. ومع هذا، واصلت دربي، إذا لم تخني ذاكرتي، التي ما عادت تحب شيئاً آخر أكثرمن ذلك، أي الخيانة. الخيانة؟ أعني الذكريات، أو الذاكرة التي ما أن تذكر شيئاً حتى تخونه. لكن بدلاً من لفظ تلك المفردة، التي يقول البعض عنها صادمة، تحبذ سكرتيرتي القول نسيان. الذاكرة التي تنسى شيئاً في اللحظة التي تكون فيها على وشك تذكره. أو قد تذكرته وحالاً تنساه؛ تنسى الشيء ذاته الذي تتذكره. وكأن ما تتذكره هو النسيان بعينه. أو تخون شيئاً آخر سواه، أو تنساه. أو تتخلى عنه. تتركه لوحده، أو تدع واحد آخر غيرها يتذكره نيابة عنها. إختصاصي، مثلاً. ربما لأنها تخلط بين الأثنين. بحكم الشبه. أو علة داخلية. أعني طريقة عملها. عند الشيخوخة، مثلاً. أو قبل عملية الدفن النهائة، عندما يدخل المرء طوره الآخير. كان علي القول طوره الذي لن يغنيه بعد اليوم. لكن هل عليه إستبداله بطور آخر؟ سؤال غاية في المعقولية، يضيف الملة. فألإطوار أنواع، مثلما يعرف الجميع. وهي بدورها تعاني من هزات، أو مهازل. تقبض على شيء، لكي تسقطه حالاً في سلة الأهمال. النسيان؟ تسألني صبيحة. أو ما أن تقبض عليه، حتى تجعله ثانية يفلت منها. أو أنها تقبض على جميع الأشياء، دون أن تعرف ما الذي ستفعله بها. من هي؟ الخيانة التي أتحدث عنها وحسب. كأبدية. صحيح أنا أقوم بذلك أحياناً، دون حساب. لكن، أحياناً فقط. وليس دائماً. فقضية الحساب لا تحتاج إلى من يهتم بها. هي التي تهتم أو لا تهتم بالجميع. أي اللاأحد. أي حساب، أي شورجة؟ يقول الملة. هل بقي ثمة من حساب. نعم، حساب الآخرة. أين؟ هنا أو هناك. ما الذي يجعلك تفكرين بأن الطوبغرافية هي العلم الوحيد الذي يمكن أن يعيننا على التعرف على ما يحيط بنا؟ على أية حال، من ناحيتي، واصلت دربي بالطريقة التي كان علي بها مواصلة درب ما. بالرغم أن بعض المارة، ولا أقول كلهم، كان ينظر لي بريبة وحذر واضحين. لكن هل يمكن للريبة أن تكون واضحة؟ وقبلها : الدرب والطريق؟ نعم، أصبحت أتحدث هكذا. تارة أقول الطريق الذي كنت قد سلكته، بغية الشروع بعملي، لم يكن أقل قتامةً آنذاك عنه في الوقت الحاضر. وتارة الدرب الذي ظننت إختياره بغية إنجاز عملي، لم يكن أقل سوداوية وعتمة عنه الآن. وبالرغم من ذلك، لا يمكنني إنكار وجود فوارق. ما بين الوقت الذي شرعت به والوقت الذي لم أشرع به، أي الحاضر. بدء الأستاذ، قالت السكرتيرة، بدهشة يصعب حقاً معرفة كنهها. والحذر؟ أنا أترك الحذر، في الوقت الحالي على الأقل، جانباً. رددت عليها، من دون التيقن من أهمية رد كهذا. لكنه، ومهما يكن، كان بمثابة رد. وواصلت : ما أهمية أن أكون حذراً حالياً؟ وحيال أي شيء؟ ولمن؟ أعني لحماية من؟ قلت لصادق الملة مباشرة : لم أعد أعرف كيف أكون حذراً. ولم أعد أفكر بعملي. أعني، أن كان قد شرع وتواصل، أو أنه شرع ومن ثم أنقطع. لا بد وأن تكون ثمة من أسباب. لمحت لي صبيحة. ومتى كنتَ تفكر به أو بغيره من الأشياء؟ أو بغيره من الأخرين؟ أردف الملة. قلت في نفسي، قد يكون ذلك وجه الحق. وهل تعرف ماذا يعني بالدقة التفكير؟ ومتى جربت، في كل حياتك، أن تكون ولو مرة واحدة حذراً. لفت إنتباهي لذلك ثانية صادق. كدت أقول له : صدق الله العظيم. لكني، بدلاً عن هذا، قلت، دون أن أعرف لماذا، كلا. لكنها قطعية. من دون تأكدي أو فهمي الكامل لمفردة قطعية. غير أني أشعر بها. من أعماقي. أو هذا ما أعتقده. حينئذ، لم تكن صبيحة بنت عناد لوحدها من زمَ شفتيه، بل صادق الملة معها. لا لأن مفردة قطعية قد أخافتهما، فذلك ما أمنع نفسي حتى عن مجرد التفكير به. ولكن لأن التفكير بمثل هذه الطريقة، أعني عندما يتضمن على إجابة كتلك، فمن المفهوم أن يظل واحدنا مزموم الشفتين. في أيامنا. بيد أن كل ذلك لم يغير شيئاً من الموقف. أي موقف؟ تساءلت صبيجة. تلعثمت أنا. هذا لا ينفعك أبداً، أردف صادق الملة. حسناً، ذلك هو في تقديري مصير الجوقة. فنحن ثلاثة، كما يبدو. أو بالأحرى، واحد زائد أثنين. غير أن ذلك لا يعني أي شيء. من وجهة نظر جمعة الصدفي، على الأقل. فلكل يعرف، كما اظن، بأن الأساسي عند الصدفي هو الواحد والمتعدد. وليس واحد زائد أثنين، رد الملة قائلاً. إذن، لم كل تلك الثرثرة؟ أو هذا الإدعاء، وما هو موقع الصدفي، في قضية تافهة كهذه، ردت بنت عناد بدقة وحكمة بالغتين. أعني سكرتيرتي. سكرتيرتي؟ ذلك ما بدأت به عملي. لكن في ماذا؟ ما عدت أتذكر. فالشيء الوحيد الذي أعرفه عن موقفي، عن وضعي "الحياتي"، أو الوجودي، ما دام البعض يفضل ذلك التعبير، هو أنني عاطل عن العمل. ليس اليوم أو البارحة. قبل عام أو عامين. جيل أو جيلين. منذ زمن أبعد من كل تلك الإزمنة مجتمعة. لكن، هل يمكن تسمية وضعي ببطالة عمل وجودية؟ لا معنى لجمل مثل هذه، عند جميع الحاضرين. اولئك الذي كانوا معي، في حينها. في شبابي، مثلاً، كانت نجاة الصغيرة تتمع بصوت ناعم جداً، ولم تكف عن الترديد يوم أو يومين، سنة أو سنتين، جيل أو جيلين. نجاة الصغيرة، أو شحرورة الوادي، أو نجاح سلام. أو غيرهن. فذلك  مالم يعد له من أهمية. تذكر أو لا تذكر. وقد أكون تعلمت ذلك منهن. أعني مضمون القول، أو طريقته. البعض لا يميز بين الأثنين. ما بين القول وطريقته. أما أنا، فكلا. أميز. لكن فقط إذا أقتضى الأمر. وتلك هي حماقة ترديد أشياء كهذه. إذ ما الذي يمكن فعله عند الإقتضاء. أو القضاء. مثلما يقول المرء قضاء وقدر. أو قضاء قلعة سكر، وحتى سوق الشيوخ. ذلك ما تعلمته، مثلما ذكرت، منذ زمن بعيد. وكأن للزمن علاقة بالغناء، أو الأشياء الوجودية! قال بسخرية لا ترحم لفتة أبو الهيل. ومع ذلك، ما زلت أتذكر بغرابة نادرة، لا تخلو من شيء من التفاخر، الذي ولدها عندي ما قالته لي صبيحة في اليوم الأول من لقاءنا الاول : "بودي الإلتحاق بك كسكرتيرة" لن تنفعني الآن أية محاولة لوصف دهشتي آنذاك. وبماذا رددت عليها؟ قلت لها : كل ما أعرفه أننا رجل وأمرأة. قلت ذلك لصبيحة، التي التقيت بها في بيت صديق ومن ثم عرفتني على صادق ابن عمتها : هل تتذكرين لقاؤنا الأول؟ كلا. عندما قلت لك :  أنا لا يهمني أمر السكرتيرات. لكنها لم ترد. أما لأنها لم تكن ترغب القيام بذلك بحضورابن عمتها، صادق، أو لأنها تعتبر ما أقوله أنا مضحكاً. لكن، لم الإلحاح على ذلك الموضوع. ما الذي يجعلني أقوم بمحاولة معرفتة؟ لا شيء لم يخطر ببالي طرح سؤال كهذا. على صبيحة، أو على غيرها، يتعلق به أو بغيره. كفى. بالطبع. نحن نضع قد للدقة. الدقة الشرطية. مثلما يعرف ذلك رجال النحو. هذا كل ما في الأمر. تعني كل ما في الأمر من غموض. غموض؟ أو معقولية في الموقف الذي نعيش؟ أعني أنا وهي. وهل ثمة من ثالث؟ كلا. فإذا كانت القضية تتعلق بصادق الملة، أو بغيره، فهي، كما يبدو، لا بد لها من التعلق بشيء ما. أو بأحدهم، وقتياً. غير أنه إذا كان تعلقها مرهوناً بالملة، فأنا أستطيع التخلص منه بلمحة بصر. أو هذا ما بدى لي، في حينها. متى؟ ما جدوى المشاكسة على هذه الشاكلة؟ أية شاكلة؟ عفوا. قد أكون خاطأً بتسميتها بالأبدية. فذلك ما لم يرق لهما. خلص. لكني، في البداية، قلت : يؤرقهما. لماذا؟ أنا لا يؤرقني أبداً أن تكون الشفاه، شفاه كل الناس مزمومة، أو حتى مذمومة أو ملطخة. مزمومة بالفلين. مذمومة بقدح الكلمات. وملطخة بالخراء. كم كانت دهشتي كبيرة وأنا اسمع الملة يلفظ المفردة الأخيرة، أعني خراء. ألا يكفينا دوي المبردات والمولدات المقطوعة الكهرباء، تساءلت بنت عناد. ثم فكرت أنا، أو وجدت، لا أدري كيف، بأن شيئاً مثل ذاك لا يقال في لغتي الأم. أو ما كان ينبغي أن يقال. لكنه قيل. وماذا؟ لا تكمن الصعوبة هنا. في هذه النقطة. نقطة الام؟ كلا، بل نقطة الذي ينبغي أو لا ينبغي. البعض يسمي هذا خراء. شخصياً ليس لدي أي أعتراض على تلك التسمية. أو أني أجدها ملائمة تماماً. ملائمة، بالنسبة لمن؟ تساءل الملة. ملائمة للبشر. أو الناس الذي يستخدمونها، كما يقول سياسو هذه الأيام : لا يتعارض ذلك لا مع مصالحي الشخصية ولا العائلية. والحزبية؟ مرة أخرى، ظل الملة معقود اللسان. ذلك لأنه يحب، كما أظن، تأملي من حين إلى آخر. أو كما إزعم. أي حزب؟ تساءل من جديد. وبعد أقل من ثانية أضاف : أنت تعرف جيداً أنني لا أنتمي لأي حزب أو جماعة. ولا إتحيز لأحد. وكأن التحيز كان عنده  لأحد. كلا. لم يكن يوماً كذلك. كان دائماً حباً وتحيزاً للواحد الأحد. وهذا شيء مختلف، بطبيعته، على حد تعبير جمعة الصدفي. صديق الملة. وها أننا أربعة. ثلاث رجال وأمرأة. سأقوم بعدهم فوراً : أولاً صبيحة بنت عناد، سكرتيرتي، ثانياً، صادق الملة، أبن عمتها، والذي لا أعرف ما علاقتي به، وثالثاً أنا. وفي الأخير، جمعة الصدفي، الذي نجهل أنا وصبيحة علاقتنا به. أو لربما تعرف هي نوع الصداقة التي لا تربطني به. فمن ناحية المنطق، المجرد، العام، أو العاري، لا يمكن القول بأن لصبيحة علاقة بأبن عمتها. ما دام ذلك أمر طبيعي. وبالتالي، لا علاقة أيضاً لها بالصدفي. إضافة إلى ذلك، الصدفي لا يحب النساء. ليس كثيراً، أردت القول. من ناحية ثانية، لا يتمتع الصدفي دائماً بوضع يمكنه من الحضور الدائمي معنا، نحن الثلاثة. لكنه، وعلى أية حال، يحضر من حين إلى آخر. وذلك ما لا يمكن الإستهانة به. اللهم إلا إذا كان المرء أبلهاً. أو لا يسعفه الإدراك على تصور أهمية تشابك العلاقات. مثلي، في البداية. أقصد في المرة الأولى، أو الثانية، التي عرفني عليه الملة في أحدى بارات السعدون. غاردينيا، أعتقد. إسم البار؟ في تلك الأمسية كنت مع منعم راشد وزهير عبد الله، وإذا بالملة والصدفي يدخلان، يسلمان، ثم يجلسان من دون دعوة، وها أن منعم ينادي لكل واحد منهم على ربع. ربع ماذا؟ أبيض. مسيح أو مستكي؟ لا أعرف. أو أنه يصعب علي الآن القول ما كان عليه ذلك اليوم. بعد أكثر من ثلاثين عاماً. وفي ذلك الزمن. أي زمن؟ وقت النائب. أو النائم، كما كان المرحوم ميخو يسميه. غير أني لا أبالغ إذا ما قلت : عندما يكون الصدفي حاضراً، لا يقول أشياءً إعتباطية. أو لا يقولها على عاهنها. أو عاهرها، من وجهة نظري، لقول الحقيقة. فهو أما أن يبقى دائم السكوت. أو دائم الثرثرة. بالمناسبة، هو لا يسميه سكوت، بل سقوط. يقول أنه يحب تلك الكلمة. لماذا؟ لا أظن أن بمقدور أحد الرد على سؤال كهذا، لأنه إذا أستطاع، فذلك سيكون معناه كشف إسرار الصدفي، دفعة واحدة وإلى الأبد. كدت أقول الأبدية. إذن، لنقل أن الصدفي كان يفضل كلمة سقوط على سكوت. مجرد تفضيل وحسب. ما الذي سيخسره المرء لو إستخدم من تلقاء نفسه تعابير كهذه؟ في الواقع، لا شيء. يحب الصدفي مفردة سقوط على سكوت.  خلص، يرحمكم الله. فقط شيء كهذا لا يروق لصبيحة. وذلك ما يجعلني في حيرة من أمري. أحياناً، أنشد نفسي : هل تحول كل شيء في حياتي إلى طلاسم، إلغاز؟ فهي تتدعي أنها لا تسمي الأشياء إلا بإسمها. ومثلها المفضل، مثلما تردد ذلك دائماً : أن يسمي المرء القطة قطة. أو الأبيض أبيض. والأسود أسود، الخ.. مرة كنت معها، في بيت أختها سهام، كما أتذكر، عندما شرعت، لوحدها، بأنشاد نشيد قول الأشياء "هي كما هي عليه"؛ وعندما تجرأت، أمام كل الناس، أعني أفراد عائلتها، بسؤالها عما تعنيه بذلك، أي ما جدوى أن تقول بأن القط قط، والأبيض أبيض، والأعور أعور، والحافي حافي، والسماء سماء، والقاتل قاتل؟ طالما أن أحداً منا لن يتجاسر يوماً ويقول عكس ذلك. أعني تركه لحياته تمر بترديد تفاهات كهذه؟ لا يمكنك تخيل حالة الغضب الذي غدت عليها. نعم، صبيحة بنت عناد. حينذاك. والتعابير التي تملكت وجهها. لكن سهام، لحسن الحظ، أو والحمد لله، كانت قد هدأت من روعها. أحاطتها بذراعيها، كالعادة، وبدأت بتمليس شعرها برقة لا نجدها، خاصة اليوم، إلا بين الأخوات-الصديقات. اللواتي يعرفن بعضهن البعض. ثم قالت لها بلطف مبالغ بطراوته، كما أتخيل : شوفي صبيحة هو ما كان يقصد أن يسيء لك، أو يجرحك، أو يستهزأ بك، أو يحط من قيمة ما تقولين. فنحن جميعاً نعرف أنه لا يجرأ على ذلك. وإذا ما جرأ عليه يوماً، فلن يكون هنا. ولكن بعيداً، في مكان آخر، أو عالم ثان. ربما في الآخرة. أين؟ عندما يطرده الرفيق الأكبر. مثلما يفعل مع الجميع. أو كما كان يفعل ذلك. عندما كان أكثر شباباً ونظارة. ومن ثم أكثر قسوةً وغلاظة. أستغفر الله، قالت صبيحة، إذن لماذا لم يتكلم مثلك؟ بنفس الطريقة. أنت تعرفين لماذا، ردت عليها سهام. كلا، قالت صبيحة. أنه ينتقد التعابير فقط. أو الخطابات، مثلما يسميها. أو عموماً، ما يطلق عليه الآخرون إسم : اللغة. هذا كل ما في الأمر. يا حبيتي. أنا؟ بقيت صامتاً، بطبيعة الحال. لأن ذلك كان أولاً بين أخوات، من أم وأب واحد. المغفورله عناد. رئيس عشيرة الشريعة. إذن ليقلهم ثانية، مثلما تقولينه أنت. قالت صبيحة لأختها. لكن لماذا؟ سألتها سهام، بحكمة، والحق يقال. لأن الحقيقة تكمن في الثانية. ردت صبيحة. أي بقولها مرة أخرى. هكذا بالدقة، وبدفعة واحدة، رد جمعة على عبد الرحمن الذي دخل للتو إلى البار. نفس البار؟ نعم. حسناً، والراوي؟ في الواقع، كان الراوي يحتقر كل بارات السعدون، وليس غاردينا فقط. الدليل على ما أقول هو أنني أنا من يروي الآن قصة صبيحة وسهام. وليس أي واحد آخر. وفاضل الجندي، هل كان معكم؟ فاضل كان بعده في الناصرية. وما جدوى معرفة إذا كان فاضل الجندي معنا أو لا. إذا لم تحدد في أي فوج، أو ضمن أي كتيبة، أو متى بدء ومتى أنهى خدمته. أذا أخذتني أنا، كمثال، فذلك لن يعينك على تقصي الحقائق. فأنا دفعت بدل الخدمة العسكرية. لهذا، لا أعرف عنها أكثر مما تعرفه أم حسن عنها. البدل كان مئة دينار، في وقتها. كان ذلك مبلغاً.  بالتأكيد دفعته، أو والدي هو من دفعه، لكن بعد ما دفعه ماجد بن حناوي، مهما بدى الأمرغريباً. عند البعض. وكأنه هذيان محض. خالص أو عاري. سيما إذا ما ترافق قول الحقيقة مع شيء من الصراخ. هذا ما أكده لي الملة مرات عديدة، والحق يذكر. الحقيقة، وقولها لا يتطلبان الصراخ. بل وحتى يبغضانه. وهو يسيء لهما. الصراخ. في رأي صادق، ولربما من وجهة نظر سكرتيرتي أيضاً. الهدوء ينفع كثيراً قول الحقيقة. فيما يضرها ويسيء لها الصراخ. كان ذلك لا أقول شعار المرحلة، بل كلمة السر. بجسدها ولحمها، كما بقولها. حينئذ، لم أعثر على ما أقوله. فالمرء لا يعثر على أشياء كثيرة، في لحظات كتلك. غير أن الوجع الذي شعرت به لم يجعلني أتخيل أي شيء آخر سوى سكين حادة. وما جدوي السكاكين، في الوضعية التي أجدني فيها؟ سرعان ما رددت على نفسي. أو الموقف الذي يجد العالم نفسه فيه؟ العالم؟ ومن الذي تطرق لشيء كهذا؟ تساءلت صبيحة والدهشة لا تفارق وجهها الجميل، الوقور والطفولي، بطبيعته. قلت لها، بفرح صبياني، أنا.  ماذا تعني؟ في البدء، لم أكن أعني أي شيء. فالسكين لم تكن سوى صورة. متخيلة. بيد أنني لا أقول أنها لن تؤذي أحداً فقط لأنها متخيلة. العكس تماماً : لا شيء يؤذي كالمتخيل، إذا كان بالفعل متخيلاً. وما موقع السكاكين، أو غيرها، في الكون الذي يحيط بنا. كما يقول خبراء الفلك. لكني عندما لمحت بأن أجابتي قد سببت لها نوعاً من الضيق، أو عدم التصديق، أضفت التالي : لا يمكن لأحد أن يكون منفصلاً قطعياً عن العالم. أولاً. ومن ثم صمت. كان غضبها قد وصل إلى ذروته. كما أتخيل. فواصلت : ومن ثم، لا يمكن فصل حالتي عن تلك التي يجد العالم نفسه فيها. أو ضمنها. مفهموم. كتبت أولاً مهموم. ثم غيرت. آوه أية عبقرية! بادرني صادق الملة بسرعة فائقة، ووجهه ينز منه العرق والسخرية معاً. حسناً،عندما تحدثت، قبل قليل، عن السكين وحاجتي أو عدمها لها، كنت أود القول بأن لا نفع للسكاكين في عالم يكتظ بأسلحة أكثر فاعلية وأشد فتكاً. بما لا يقاس. أي هذر! تقول سكرتيرتي، كدت أقول زوجتي، لكثرة ما أشتهيها، في تلك اللحظة. وكأن المرء لا يشتهي سوى زوجته. يكفي نفاقاً، قال الصدفي، باتفاق تام مع الملة، الذي لم يجرأ عبد الرحمن يوماً الرد عليه علانية. ولا حتى بالمثل. عن طريق ضرب أمثلة موحية ولها دلالاتها، مثلاً. ولا حتى ميخو أو أنا، أو أبن حناوي، الذي يخشاه عادة الصدفي والملة ومنعم وميخو وأنا سويةً، بالطبع. هل كنا متواطئين معه سراً، دون أن يعرف أحدنا لمَ ومتى؟. وما نفع هذه الـ "لمَ"؟ إذ يمكنني القول، أنت لا تخافه ولا تخشاه. إضافة صبيحة بدلع، ما زالت دموعي تتذكره أفضل من ذاكرتي. هل كانت دموع تماسيح؟ لا أعتقد. أو في الحقيقة، لا أعتقد الآن بأني كنت أعتقد به حينذاك. ولا هو أيضاً. بالمقابل. قد يختلف موقف صبيحة عن موقفي من الملة. أو يختلف موقفها من موقف الملة مني. ولربما أذهب أبعد من ذلك لأقول : أنها قد لا تحترم الموقفين. إن لم تحتقرهما. لكني أخشى المبالغة، عند هذه النقطة. أو غيرها من النقاط. فالنقاط ذاتها متعددة ولا تحصى : الأبدية. إسم تعبي. في النهاية. هنا أو هناك. قبل كل شيء، هناك نقاط العبور، نقاط التفتيش، نقاط الأخذ والرد، نقاط الخصام، أو النزاع مثلما يقولون. بما فيه الإشتباك المباشر. أو المتأخر قليلاً. الدامي، أو العامي. من يعرف؟ ثمة أيضاً نقاط الإبجدية، التي لا يفهم بها أحد. بالرغم من كل ما قيل ويقال. لا ينبغي أيضاً نسيان النقاط التي يحرزها أبطال كرة القدم. أو التنس. والمضربة بشكل خاص. لكن، لماذا لم أتمكن ولو مرة بالرد على الملة بالمثل؟ إحباط. أنت تشعر بنوع من الإحباط، أو الدونية حياله، قال لي يوماً شاكر الدليمي. لكني لم أفهم ما قاله. ولا يمكنني اليوم فهمه بشكل أفضل عنه في السابق. وإلا سيكون بمثابة نفاق من ناحيتي. حتى وأن لم يحدد المرء من أية ناحية بالدقة. إذ يبدو أنه لم يبق للنواحي من يهتم بها. أية ورطة؟ أغاني العمر التي تأتيني من كل جهة وصوب، مثلما كتب مرة نصيف الشرقاوي. "جيب ليل وأخذ عتاب" رد عليه منعم الذي ما زلت أحس بقربه القريب. كلما داهمني الصمت. منذ متى؟ من يتذكر. اللهم إلا مريم. أي مريم؟ كلا. لا. ليست العذراء. بل زميلتنا التي كانت تعمل معنا في نفس محل البقالة. أو البقلاوة. ليس ثمة من فارق كبير بين الأثنين. خاصة في مدينة لندن الكبيرة. فهناك من يبيع البقالة والبقلاوة معاً. أما على نفس الزبائن، أو على كل


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن