مقطع مستل.. من السيرة الذاتية لشبيه همنجواي الحلي
أحمد الحلي
كتابة: احمد الحلي
نصوص: صباح شكر محمود
نجمة في راحة اليد
يعد الأدب الشفهي المكتوب احد أهم مصادر المعرفة الإنسانية ، وتاريخ البشرية حافل وزاخر بالمنجزات على هذا الصعيد ، منذ الفيلسوف الإغريقي سقراط الذي لم يدون شيئاً من أفكاره وفلسفته ، والذي اضطلع بذلك هو تلميذه ومريده أفلاطون ، مروراً بالحكيم الصيني كونفشيوس، ووصولا الى العديد من الأسماء التي خلدها التاريخ وأصبحت نجوماً لامعة في سفر الإنسانية الخالد .
وفي عصرنا الراهن ، وجدنا كيف ان عدداً من الروائيين والكتّاب يستمدون رؤاهم من شخصيات لها وجودها على ارض الواقع ، فيعكسون أفكارها ورؤاها ويقدمونها طازجة الى قرائهم ، ولعل ابرز مثال على ذلك ما فعله الروائي اليوناني الشهير نيكوس كازانزاكي في روايته ( زوربا اليوناني ) .
الذي نريد ان نقوله هنا ، ان مثل هذه الشخصيات موجودة دوماً وفي أيما مكان ، إنها موجودة وحاضرة حوالينا وبيننا ، وان كل الذي يتوجب علينا ان نفعله هو ان نكسر ولو جزئياً من حدة الهالة الأرجوانية التي نحوط بها أنفسنا ، وان نتقرب بما يكفي من هذه الشخصيات ، ننفض عنها الغبار الذي علق بها بمرور الزمن ونحاورها ونستنطقها بحنو وصبر حتى نصل الى العمق المطلوب من القاع الذي سيمنحنا بالتالي ماساته الأثيرة ، واحسب ان صديقي صباح شكر محمود أو ( أبا رياض ) بطل هذا النص هو واحد من هؤلاء الذين عاشوا ردحاً طويلاً من الزمن دون ان يكلف احدٌ نفسه عناء الالتفات الى هذه الخامة الظاهرة للعيان أو المنجم القابل للعطاء .
إنها دعوة إذن ، الى ان يقوم الأدباء والكتّاب بحملة استقصاء وتنقيب ، ليس في أمكنة الآثار القديمة لعلهم يعثرون على لقية أو كسرة حجر أو رقيم يتضمن كتابات مسمارية ، وإنما بين الناس الأحياء أو الذي انطوت صفحة حياتهم منذ عهدٍ قريب ممن تحمل تجاربهم الحياتية وذواتهم معاني وآفاق تستحق ان تدوّن وتقدم الى القراء الذين هم في نهم الى قراءة هكذا مدونات تنطلق من الواقع وان رفرفت بأجنحة الخيال في بعض الأحيان .
احمد الحلي
مقتربات أولى
تعرف مدينة الحلة ، وعلى الأقل الوسط الثقافي ومرتادو المقاهي (أبا رياض) جيداً ، بوصفه سميا وشبيها لارنست همنجواي ، ذلك الروائي الشهير ، صاحب المغامرات التي لايجرؤ أديبٌ على الخوض فيها ، كما انه صاحب الروايات التي شكلت منعطفاً في الأدب الانكليزي والعالمي ولاسيما لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية .
(أبو رياض) واسمه الكامل كما هو مدون في بطاقة أحواله المدنية ؛ صباح شكر محمود ، وتشير البطاقة أيضاً إلى انه مولود في مدينة بغداد عام 1941 بمنطقة الكرادة الشرقية ، أحس منذ نعومة أظفاره بان لديه ميلا فطرياً نحو الفنون والموسيقى التي جرفته باتجاه عوالمها الخلابة ،
وبدأت تباشير الرحلة الثقافية لديه مع كتاب ( ألف ليلة وليلة ) بطبعته المصرية المذهبة المتكونة من مجلدين كبيرين ، ثم وبفضل أساتذته في المدرسة المتوسطة يتعرف على الروايات العالمية المترجمة ليقرأ بشغف كل ما كان يقع في يده منها ،
شكلت الموسيقى ، كما قلنا هاجساً للفتى الصغير الحالم ، فحاولت أصابع خياله ، أن تتلمس سحرها، وتقف عند منابعها ، فشرع هو وابن عمته (سعيد) بادخار (اليومية) التي يحصلان عليها من أبويهما، وبالتالي اشتريا آلة العود الخاصة بالملحن محمد نوشي الذي كان يعمل خياطاً بالقرب من منزلهما ، غير أن نشوة الفتى بامتلاك العود العائد إلى محمد نوشي سرعان ما تبددت وتلاشت أمام هجمة الأب الشرسة محطماً الباب الذي كانا يتواريان خلفه هو وابن عمته ليتدربا على العزف، وليحطم بالتالي العود على رأسيهما ، وقد بكيا بحرقة وألم ، كما يذكر (أبو رياض) ، ليس لآلام الضرب المبرحة التي عانياها وإنما لأنهما وجدا عودهما الأثير محطماً وأوتاره مقطعة بغير رحمة ..
إلا انهما ، الفتى وابن عمته ، قررا مواصلة السير على هذا الطريق الوعر الذي سلكته قبلهما أجيال وأجيال من المبدعين الذين لم تنثني همتهم أمام عواصف الجهل والتخلف التي تحكم مجتمعنا، يتذكر أبو رياض ، كيف ان جذوة الأمل قد تم إحياؤها في نفسه من جديد على يد الفنان القدير منير بشير وأخيه الموسيقار جميل بشير ، لاسيما بعد ان تعرفا على المخاض المؤلم الذي مر به ، فرحبا به في معهد الفنون الجميلة الأهلي الذي كانا يديرانه أبان فترة الخمسينيات ، غير ان الفتى ما لبث ان ترك الدراسة في المعهد لسوء الأوضاع الاقتصادية التي كانت تمر بها عائلته واستيقظ في نفسه إحساس آخر بالانتماء إلى الأدب والشعر بصفة خاصة ، وقد تفتحت هذه الجذوة لديه منذ بداية سبعينيات القرن الماضي ، مع انه ظل محتفظاً ومتوائما مع خطه السياسي حيث قدم من كلماته وألحانه وأدائه وباللغة الدارجة أغنية ( يا مصر يا أهرام بابل بتقولك حرام ) وكانت موجهة آنذاك ضد زيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل ، وتمت إذاعة هذه الأغنية عبر إذاعة ( صوت مصر ) التي كانت تبث برامجها من بغداد .
يتحدث أبو رياض عن كيفية اكتشاف الشبه الخلقي بينه وبين الروائي العالمي (ارنست همنجواي ) فيشير إلى ان الناس والمحيطين به هم الذين انتبهوا أولا إلى هذا الأمر لاسيما بعد ان نمت ذقنه ، ويتذكر حادثة غريبة وقعت له في أعوام الستينيات ( لايتذكر بالضبط متى )، حين وجد نفسه يشهر مسدسه نحو رأسه محاولا الانتحار ، بسبب تعرضه لوضع اجتماعي قاهر ، حيث تمت الوشاية بابيه معيل العائلة الوحيد آنذاك وكانت التهمة الجاهزة الموجهة إليه انه ساعد في تهريب احد كبار تجار اليهود الأثرياء إلى خارج العراق ، إلا ان أبا رياض لم ينفذ ما اعتزم عليه ، إذ وجد ابنه ذا العامين فقط وهو يحبو إليه في ظلمة الليل ، فوضع المسدس جانبا وقرر مواصلة الحياة ، على العكس من قرينه همنجواي الذي مضى بالمهمة قدما .
ويوما بعد يوم أحس أبو رياض انه يتواشج مع شخصية ارنست همنجواي ، لاسيما في مزاياه الإنسانية وعلى صعيد المغامرات أيضا وان لم يصل إلى الحدود الدنيا من تخومها ،كما يعترف ، فقد احترف مهنة صيد الأسماك على نهر دجلة ومن ثم على نهر الحلة ، وحول سؤال وجهناه إليه فيما إذا كان يعتقد انه الشيخ في رواية همنجواي الشهيرة ( الشيخ والبحر ) أجاب أبو رياض بتواضع جم ؛ كلا ، فانا أجد نفسي الصياد في النهر ، إذ ان البحر بعيد عنا ، ولم نتعرف في حياتنا سوى على النهر .
Oh my god أو الله حي
ما زال في جعبة أبي رياض الكثير من الذكريات التي يتوق إلى البوح بها ، وتطرق حديثه هذه المرة إلى المرحلة التي تلت تأميم النفط العراقي في أوائل سبعينيات القرن الماضي ، حين أصدرت الحكومة ما أسمته ( سندات الصمود ) آنذاك لتعطيها للموظفين وتستقطع منهم مبلغا قدره 3 دنانير من الراتب وكان هذا المبلغ يؤثر تأثيرا كبيرا على مدخول العائلة ، فنظم ( أبو رياض ) أغنية ( الله حي ) وهي موجهة إلى الخالق لكي يساعده على الخروج من هذا المأزق المادي ، وقام بتأليف الأغنية باللغة العربية والانجليزية التي يجيدها ، وبعد السقوط وبالتحديد في العام 2007 أجرى تجديدا على هذه الأغنية في مضمونها ولحنها ، إلا ان الأغنية لم تجد لحد الآن من يخرجها إلى النور سواء على صعيد النشر أو الإذاعة وهي تتعلق بحوار الأديان وضرورة تآخي الجنس البشري وفيما يلي نص الأغنية بالانكليزية :
oH My God
My god help me
Do some thing for me
I am Angle From Babylon
Please My God don't Leave Me Alon
Make The World Happy
أما النص العربي فقد صاغه كالآتي ؛
بجاه كليم الله موسى النبي
بجاه روح الله المسيح النبي
بجاه حبيب الله محمد النبي اللهم اجعل السلام والوئام يسودان الارض !
الله حي ! oH My God
لا للتدخين
* قاد (أبو رياض) في العام 2000 والأعوام التي تلته حملة ضد التدخين وأسس منظمة باسم (لاللتدخين ) وكان شعارها ؛ ( السكائر من صنع الشيطان ، اسحقها .. اسحقها أيها الإنسان ) ، وقام بطبع بوسترات ملونة بهذا المنحى ، وتم إلصاقها في عدد من الواجهات المهمة بمدينة الحلة ، وكان نتيجة هذه الحملة ان اقلع عشرات المدخنين عن التدخين .
* وبالنسبة للقوة البدنية التي عرف بها الروائي الأمريكي ، والتي أهلته لان يقوم برحلاته الشهيرة في مجاهل الغابات في أمريكا وأفريقيا بغية اصطياد الحيوانات المتوحشة ، بالإضافة إلى كونه ملاكما محترفا ، فان ( أبا رياض ) أصبح سباحا ماهرا في وقت مبكر من حياته ، وعرفه نهر دجلة وكذلك شط الحلة ونهر الفرات في منطقة سدة الهندية ، وحصل على بعض بطولات السباحة واحترف الملاكمة أيضا متدربا على يد الملاكم ( محمد سلبي ) بطل العراق بالملاكمة في أعوام الخمسينيات كما برز في عدد من الألعاب الرياضية التي تتطلب القوة والجهد ، وقد حدثنا احد أصدقائه من الأدباء انهم كانوا قد خرجوا للتو منتشين من سهرة في مقر اتحاد أدباء الحلة ، فانتبهوا إلى جذع ميت لإحدى الأشجار يقف منتصبا بتحدي على مقربة منهم أثناء خروجهم فما كان من (أبي رياض ) المنتشي إلا ان أحاطه بساعديه القويتين وسط صياح الأصدقاء وتشجيعهم له بعبارة؛ همنجواي .. همنجواي ! وبعد قليل من الجهد استطاع ( أبو رياض ) ان يقتلعه من جذوره !
شبيه همنجواي
يتواصل صباح شكر محمود ، أو (ابو رياض) كما اعتاد الناس هنا في مدينة الحلة ان يطلقوا عليه ، في حديث الذكريات الشيقة الذي كنا قد أبتدأناه في نص سابق وكنا قد ألمعنا الى انه عرف بين أوساط مثقفي المدينة بشكل خاص بوصفه شبيهاً وسميّاً لـ(ارنست همنجواي) ذلك الكاتب الذي كان لديه ولع خاص بالصيد والمغامرات وركوب المخاطر ، وقد بات معروفاً لدى الجميع ان حبكة روايته (الشيخ والبحر) استقاها بناءً على تجربة شخصية له في صيد الأسماك على الرغم من الرمزية التي غلقت هذا العمل المهم الذي أهله للفوز بجائزة نوبل للآداب أبان فترة الخمسينيات .
وإذا استطاع (همنجواي) توظيف حيثيات تجاربه الشخصية ومغامراته في كتاباته الروائية والقصصية ، فان (أبا رياض) لم يتح له ان يفعل ذلك ، على الرغم من ان عملية استنطاقه الآن لم تكن بالمهمة الشاقة أو العسيرة ، فحديثه أشبه ما يكون بالمائدة العامرة التي تتوفر على شتى صنوف الأطعمة والاشربة والمقبلات ، وان احتوى بعضها على توابل كثيرة إلا ان محدثه يستطيع ان يختار وينتقي منها ما يشاء ..
قنابل الزينة
يتذكر أبو رياض بوضوح ، بأنه بين عامي 1948 و 1949 وتحديداً بين شهري نيسان وأيار من العام 1949 ان المظاهرات الصاخبة كانت تجوب شوارع بغداد ، وفي منطقة الكرادة الشرقية حيث ولد ونشاً ، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز العشرة سنوات حيث وقعت عيناه للمرة الأولى على أول تظاهرة تخرج من دار تطبيقات المعلمين وهي تهتف ؛ 0فلسطين عربية فلتسقط الصهيونية ) ، وفي تلك الأجواء الملبدة أعلنت الأحكام العرفية ، وتم قمع المظاهرات ، إلّا ان زمام الأمور كان يفلت في بعض الأحيان فحصل (الفرهود) لبيوت اليهود الموسرين من قبل بعض الناس ، وبالنظر الى ان السلطات اتخذت آنذاك اجراءً يخولها تفتيش كافة البيوت ، فقد ؛ " طلب مني ابي الذي كان يعمل تاجراً في الشورجة ان انقل قنبلتين كنا نحتفظ بهما على عادة الكثيرين من أهالي بغداد آنذاك لأغراض الزينة ، وأمرنا انا وابن عمتي الذي كان يكبرني بعامين بأن نتخلص منهما والقاءهما في نهر دجلة القريب ، والذي كانت مناسيب المياه فيه تنذر بفيضان وشيك ، حتى ان الماء ارتفع الى أعلى السدة في منطقة (السبع قصور) ، وعندما شاهدنا أفراد من العوائل اليهودية ، ونحن نسير بهذه الوضعية ، اخذوا يتصايحون بان (ابو فايق) والذي هو ابي ، يريد تفجير السدة ليغرق اليهود ، وشعر ابن عمتي بالخوف والهلع ، فطرح قنبلته في الشارع المؤدي الى نهر دجلة قريباً من بيت مدير أمن بغداد المرحوم بهجت العطية ، وولى هارباً ، فالتقطت قنبلته وحملتها على كاهلي ، وبذلك أصبحت احمل قنبلتين على كتفي الصغيرين ... "
وبعد ان يصل الى حافة النهر ، يقوم بإلقائهما ، فلم يحدث أي انفجار مثلما كان يتوجس ، وبعد مرور حوالي نصف ساعة على هذه الواقعة يمتلئ الشارع برجال الشرطة والجيش والأمن ؛ " وجلبوا معهم صياداً كي يرمي شبكته في المكان الذي ألقيت فيه قنابلي ، فأقتادوني الى مركز الشرطة القريب بصحبة والدي للتحقيق ، وبعد آن أوضح لهم ابي بأنه هو من كلفني بهذا العمل ، تم الإفراج عني وبقي هو موقوفاً لبضع ساعات ليتم الإفراج عنه بعدها بكفالة ، بعد ان استطاع إقناعهم بأن القنبلتين كانتا موجودتين في البيت لأغراض الزينة ، وكان الذي اشرف على التحقيق معه بهجت العطية بنفسه وكان حق الجيرة يحتم علية ان يفعل ذلك ، وعلى ما اذكر يضيف ابو رياض ، فان العطية كانت لديه عائلة تعيش ظروفاً اقتصادية متواضعة ، فلم يكن يمتلك بيتاً وانما كان يسكن بالإيجار ، مع الأخذ بنظر الاعتبار انه متزوج من امرأتين أحداهما تسكن معه في الكرادة الشرقية والأخرى أو الأولى فكانت تقطن في عرصات الهندية ، ومن المفجع حقاً ان أتذكر ، ان أبا غسان تم إعدامه بعد سقوط الملكية على يد محكمة المهداوي التهريجية في العام 1959 ، ويعتقد ابو رياض ان هذا الحكم انطوى على كثير من الظلم والتعسف حيث عرف عن بهجت العطية بين أهالي بغداد بأنه كان نزيهاً ومخلصاً ووطنياً في عمله ، بالإضافة إلى انه لم يتقدم ضده لتعضيد إدانته سوى شاهد واحد كان بيته مجاوراً لبيت العطية ومن بين المآخذ التي سجلها هذا الشاهد ضد العطية انه كانت لديه ثلاجة كهربائية في بيته وبعد تنفيذ الإعدام بحقه اضطرت عائلته في الكرادة ان تعيش وضعاً صعباً للغاية ، حيث لم تكن تمتلك ثمن الخبز التي تقتات به ، وكانوا يعتاشون على ما يقدمه الناس إليهم من صدقات ، كما ان والد ابي رياض الذي يمتلك شركة سيارات الحرية ، كان يقدم لهم العون المادي بين الفينة والأخرى ، أما ابو رياض نفسه فقد وجد في نفسه الحكمة الكافية لان يبكر في الخروج لصيد السمك يومياً في نهر دجلة ليعطي ما يحصل عليه الى هذه العائلة المنكوبة .
رفشان !! *
ويواصل أبو رياض حديثه ؛
"بعد ان اضطررت إلى الهرب من العاصمة بغداد بعد أحداث عام 1963 ، استقر رأيي ان استوطن مدينة الحلة ، وهو نوع من التواري عن الأنظار ، بعد ان راجت في بغداد بضاعة كيل الاتهامات بين الناس آنذاك ، وعقب استقراري في مدينة الحلة الوادعة والمتفتحة فأني شرعت باستئناف ماكنت قد اعتدت عليه من رحلات الصيد ، وفي احد الأيام ذهبت بسيارتي الى قضاء الكفل الذي يتضمن قبر النبي (ذي الكفل) بالإضافة إلى قبور عدد من أنبياء اليهود منذ عهد نبوخذ نصر وحاخاماتهم ، وعلى ضفة نهر الفرات رميت بسنارتي ، وبعد حوالي الساعة شعرت بآن الخيط يسحبني بقوة غير مألوفة فاعتقدت آن ثمة حوتاً صغيراً عالق بسنارتي ، سحبت الخيط بقوة شديدة ، وذهلت عندما شاهدت (رفشاً) كبيراً عالقاً فيها ، سحبته الى صفة النهر ، ولم استطع السيطرة عليه إلا من خلال جره من أطرافه الخلفية ، وبعد جهد ومشقة استطعت ان أضعه في الخانة الخلفية من سيارتي التي كانت من نوع (موسكو فج ستيشن) ، وفي طريق عودتي ، شاهد الزوار العائدون من النجف هذا المخلوق الغريب الكبير الرابض بسيارتي فتملكهم الفضول لمعرفة ما يكون ، واخذوا يحاذون سيارتي ويسيرون خلفي لكي يمعنوا النظر إليه ، ويبدو ان (الرفش) قد استمرأ هذا الوضع ، حيث أصبح نجماً فأستعاد ذاته وانتصب على رجليه واخذ يلوّح للزائرين من خلال زجاج السيارة ، واستمر هذا الاستعراض الذي هو اقرب شبهاً بزفة عرس الى حين وصولي الى تقاطع الحلة / نجف في مدينة الحلة ، وأخيراً وصلت إلى داري الكائن في منطقة الماشطة وخلال إنزالي لهذا المخلوق احتشد جمهور كبير من الناس ، كباراً وصغاراً ، رجالاً ونساءً يدفعهم الفضول لرؤية مأثرة (ابو رياض) الجديدة ..
وأخيراً استطعت إنزاله وسحبته إلى وسط حديقة بيتي وربطته بسلسلة حديدية هناك ، وأوصيت زوجتي (أم رياض) بالاعتناء به طيلة فترة دوامي في مصلحة نقل الركاب التي كنت اعمل فيها سائقاً لإحدى حافلاتها ،على أمل ان أقدمه هدية إلى حديقة الزوراء في بغداد في وقت لاحق ، وفي احد الأيام جاء ابو رياض ثملاً الى البيت فتراءى له الرفش تحت جنح الظلام حصاناً ، فامتطاه ، فإذا به يمشي به ، وامسك بعصا قطرها نصف انج وقربها من فمه فإذا به يقطعها بأسنانه الحادة بأسرع من لمح البصر ، وما ان شاهدت أم رياض هذا المشهد المروع حتى صاحت بي ؛ " لو الرفش يبقى في البيت لو آني " وقررت المغادرة ، وفي حقيقة الأمر ، فإنها بعد ان رأت قوة أسنانه فإنها خافت على أولادنا من بطشه ، فوافقتها الرأي وهدأت من روعها وقلت لها اطمئني سوف اقتل هذا المخلوق ونتخلص منه ، وبالفعل أحضرت عصا غليظة وضربته على أم رأسه ، ولكنني سرعان ما ندمت على هذا التصرف الطائش الذي ينم عن جبن ، وقررت ان أعود به إلى النهر ، وهذا ما حصل .
احد الأطفال من منطقة مجاورة ممن شاهد الرفش حكى لأخيه الأصغر سناً ما شاهده ، فاخذ هذا يبكي في الليل مطالباً أمه وأباه بأن يذهبوا به لمشاهدة هذا الكائن الغريب ، " وقد علمت بعد ذهابي الى الدوام ، بأن أم الصبي جلبت إبنها معها في الصباح الباكر ، وأخيراً أوصلوها إلى بيتنا دقت المرأة الباب ، فخرجت أم رياض ، فسألتها ؛ عيني ، هذا بيت ابو رفش ؟! قالت لها زوجتي متبرمة ؛ عيني ، عندنا في البيت (رفشان) ، رفش ذهب الى دائرته ، والرفش الآخر ذهب إلى النهر فأي منهما تريدين ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــ
*الرفش هو ذكر السلحفاة حينما يصبح كبيرا في السن ، وقد أشيع في الموروث الشعبي العراقي عن قوته وقدرته على اغراق السباحين الماهرين أساطير كثيرة .
عاصمة البلابل *
تعد مدينة خانقين التي تبعد حوالي 150 كم إلى شمال شرق مدينة بغداد واحدة من أهم محطات الاستراحة والاستجمام في العراق ، نظراً لوفرة بساتين الفاكهة فيها والمناظر الخلابة واعتدال مناخها ، كما ان هذه المدينة هي عاصمة البلابل بامتياز أو هكذا كنت اسميها ، حيث كانت أعداد البلابل بالملايين ، أو هكذا خيل لي ، وكان تغريدها لا ينقطع وخاصة حين تبدأ أشعة الشمس تصافح وجه الحقول ، وكان نهر الوند يخترق هذه المدينة الوادعة من وسطها ، وقد عرف عن هذا النهر انه مليء بالأسماك ، وكنت اقضي أياماً طويلة في صيد الأسماك في هذا النهر الرائع وكان مصفى الوند والمدينة المصغرة المشيدة بالقرب منه قد أقامهما الانكليز في أربعينيات القرن الماضي ، وتم تخصيص عدد من الدور للموظفين والمهندسين الانكليز آنذاك ، وهناك كانت تسكن عائلة أخي ، حيث كنت أنام عندهم ، وغالباً ما يساورني شعور بأن هذا المكان هو الجنة أو على الأقل هو قطعة منها ، ذلك ان كافة بيوت ذلك الحي كانت مرتبة ومنظمة تنظيماً هندسياً ينم عن حضارة وذوق رفيع ، كان كل بيت مجهزاً بأنابيب الغاز وموقد للتدفئة وفق الطراز الانكليزي ، والغريب في الأمر ان هذه المدينة التي رحل عنها موظفوها الانكليز أبان ثورة 14 تموز عام 1958 تم هدمها بالكامل بعد الحرب العراقية الإيرانية التي اندلع أوارها في العام 1980 لتستمر لمدة ثماني سنوات احترق فيها الأخضر واليابس وأدت إلى تقهقر العراق في الميادين كافة ، في حين كانت الأمم الأخرى كتلك الواقعة في جنوب شرق آسيا تغذ الخطى في هذه المرحلة بالذات لبناء دول ذات طابع عصري ومنتجة صناعياً وبتكلفة اقل بكثير من تكلفة الحرب الباهظة ، وعلى آية حال وقع المحظور واصطدم الفأس بالرأس كما يقولون ، وقد ورد من السلطات العليا ببغداد أمر هدم هذه المدينة الصغيرة أو (الحلم) كما كنت أطلق عليها ، وتم تفكيك مصفى الوند الذي يقع بالقرب منها ، بحجة ان هذا المصفى واقع تحت مرمى المدافع الإيرانية وإذا كان هذا الكلام ينطبق على المصفى ، فما ذنب هذه المدينة ، ان يصار الى هدمها وتحويلها إلى أنقاض وقد تبين لنا فيما بعد ان إزالة هذه المدينة من الوجود كان أمراً قد دبر بليل ، وانه كان بدوافع سياسية ، إذ ان بعضاً من سكنتها كانت لديهم ميول عقائدية أخرى ، وقد توفرت لدي قرائن عديدة مماثلة ، أقدمت فيها السلطات على إزالة أماكن بعينها بحجج ما انزل الله بها من سلطان .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*يوجه ابو رياض نداءه الى كل من يعنيهم الامر ( ونعني به ازالة المدينة النموذجية الملحقة بمصفى الوند بخانقين ) ومحوها من الوجود ، ممن تتوفر لديهم وثائق او شهادات بهذا الصدد ، من اجل تقديمها اليه على امل ان يصار الى اثارة الموضوع وفتح ملف هذه المدينة المنكوبة لدى الاوساط والمحافل الدولية والانسانية . وهو يرجو من هؤلاء مراسلته على الايميل التالي ahmad_alhaaly@yahoo.com
صائد مواد احتياطية !
لم يقتصر ما كانت تخرجه سنارة (ابو رياض) من الماء على الأسماك والسلاحف وأفاعي الماء ، وانما تعدتها الى أشياء وحاجيات أخرى هي جزء من ذاكرة النهر وما يمور به من أسرار ففي إحدى المرات علق (الشص) بشيء ثقيل ، فاستخرجه بعد عناء فإذا به مكواة قديمة الطراز مما كان يعمل على الفحم ، وفي أعقاب غزو الكويت راحت السنارة تستخرج متعلقات الحرب كالبصاطيل وأقنعة الوقاية من الغازات الكيمياوية وفي إحدى المرات استخرجت هيكلاً كاملاً لرشاشة أحادية ، ولعل أطرف ما يتذكره ابو رياض أن سنارته علقت أبان فترة الحصار بـ(جاملغ) أيمن لسيارة نوع مسكوفج ، فركنه الى جانبه واستمر بعملية الصيد ، وبعد قليل توقف احد السائقين بسيارته ، سائلاً إياه عن الثمن الذي يطلبه لهذا (الجاملغ) ، فرد ابو رياض ضاحكاً ؛ خذه مجاناً ، فانا لست بائع أدوات احتياطية وبعد أسبوع تقريباً ، إذا بنفس السائق يتوقف مستفسراً عما إذا كان قد استخرج الجاملغ الأيسر !
طائر الدراج
يصف أبو رياض طائر (الدراج) بأنه طائر ذو لحم شهي إلا انه مراوغ ماكر وعصي على الاقتناص ومع ذلك فانهم فطنوا إلى نقاط ضعفه ، كالأوقات التي تتطارح فيها الغرام والتي تشغلها عما حولها من أخطار ، وكذلك انبهارها بضوء مصباح السيارة عندما يحل الظلام فيقترب منه ،وعند ذلك نستطيع الإمساك به بسهولة ، ويتحدث عن واقعة طريفة مع هذا الطائر ، ففي إحدى المرات أصابوا واحداً ببندقية صيد ، فأمسكوا به وأسرعوا إلى قطع رأسه خشية ان ينفق ، فأخذ جسده المقطوع الرأس يرفرف في الدغل القريب وحين جاؤوا لأخذه لم يجدوه ، وفتشوا عنه في الأمكنة القريبة ولكن دون جدوى ، ويعلق ابو رياض قائلاً ؛ ان هذا جزء من مهارة الروغان التي يتصف بها هذا الطائر !
مرسوم رئاسي
من بين الأمور التي اهتم بها ابو رياض ، تربية البلابل وما يزال يتذكر احدها والذي أعطاه اسماً هو (حيدر) فكان هذا البلبل ينتقل معه أينما ذهب *، وفي إحدى المرات غفل (حيدر) عن نفسه قليلاً فهجم عليه قط كان متربصاً به ، فحزن ابو رياض كثيراً لفقده وقرر منذ تلك اللحظة ان يقلع عن تربية البلابل ، إلاّ ان ذلك لم يمنعه من أن يقوم بتربية إحدى القطط الشامية ذات الفراء الناعم الجميل ، وأطلق عليه تسمية (ميسون) ، وكانت على درجة عالية من الكياسة والتهذيب واللياقة ، حتى انه كان يعتبرها جزءاً من أسرته ، إلا انه فوجئ ذات يوم ان مجلس قيادة الثورة يصدر مرسوما يقضي بإبادة القطط والكلاب السائبة ، وان على الذين لديهم حيوانات أليفة في بيوتهم ان يذهبوا بها الى دوائر البيطرة القريبة على أمل ان يتم حقنها بالمصل الخاص ضد انتشار الأوبئة ، وبدلاً من أن يعطوها المصل زرقوها بحقنة قاتلة ، الأمر الذي أدى ان يدخل ابو رياض في شجار عنيف مع موظفي الدائرة ، ليخرج بعدها حاملاً جثمان (ميسون) ، ثم ليقوم بدفنها وفق مراسيم خاصة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
* يسمى هذا النوع من البلابل التي يجري استئناسها وتعليمها بـ ( البلبل المعلم).
نداء الأمومة
اعتاد الناس في العراق أبان فترة الحصار ان يبتدعوا وسائل وأساليب غير معهودة للصمود امام شبح الجوع وخواء المعدة الذي بات يتهدد حياة الملايين ، وازاء ذلك جلب ابو رياض في احد الأيام دجاجة ، وفي ذهنه مشروع لتربية الدواجن في حديقة منزله ، ليستفيد من بيضها ولحومها ، وبعد أن نفد بيض الدجاجة وأصبحت " كركه " حسب التعبير الدارج ، جلب لها عشر بيضات ملقحة من السوق ووضعها في كنها ، وما إن مضى الوقت اللازم لتفقيس البيض حتى أخذت الكتاكيت تطل برؤوسها الصغيرة ، إلا ان فرحة ابي رياض وعائلته لم تدم كثيراً ، فقد إلتهم الموت الفراخ واحداً تلو الآخر : واتى عليها جميعاً ، وتكرر الأمر في المرة الثانية والثالثة والرابعة وأخيراً قررت العائلة ان تنقل قفص الدجاجة إلى إحدى زوايا سطح الدار حتى لا تبصر أعينهم تكرار وقوع المأساة ، وبعد انقضاء المدة اعتادت العائلة على مشهد رؤية الأب وهو يصعد إلى السطح ثم لينزل وبيده واحد أو أثنان من الكتاكيت الميتة كان الجميع مدركين في التالي انه لم يتبق سوى بيضة واحدة يوشك كتكوتها ان يرى النور لفترة وجيزة ، صعد ابو رياض في اليوم التالي ونزل من دون ان تحمل يده أي شيء ، فأستفسروا منه هل رميته من فوق ؟ أجابهم ، كلا، فما يزال قرب أمه حياً ، ويساورني إحساس ان هذا الصغير سيعيش هذه المرة ، فاستفهموا منه وكيف عرفت ذلك ؟ أجابهم ؛ رأيت عجباً ، إذ أبصرت أمه وهي تذودني بشراسة عنه ، ثم رأيتها ترفع رأسها إلى السماء وتقوقيء بطريقة غريبة لم أعهدها في الدواجن من قبل فهمت منها إنها تطلب من خالقها ان يستبقي لها هذا الكتكوت الأخير استجابة لنداء الأمومة التي يبدو إنها لم تذقها قط ، وبالفعل عاش الصغير .
كيس طحين
ما زال الحديث متواصلاً عن فترة الحصار ، حيث وجهت الدائرة الحكومية التي يعمل فيها ابو رياض بوصفه سائقاً وجهته للذهاب بسيارته (البيكب) إلى بلدة المحاويل الواقعة إلى الشمال من مدينة الحلة بحوالي 20 كم لجلب بعض المستلزمات من مخزنها هناك ، وفي طريق الذهاب استوقف احد الأشخاص الواقفين على قارعة الطريق أبا رياض ، فتوقف ، فطلب هذا منه أن يقطر له سيارته العاطلة إلى بلدة المحاويل ، ظاناً ان بيكب ابي رياض سيارة شخصية، وافق ابو رياض على قطر السيارة مقابل مبلغ (10) آلاف دينار ، وفي اليوم التالي ، فوجئ ابو رياض بمدير دائرته وهو يستدعيه على عجلة ليقول له بلهجة صارمة موبخة لقد رأيتك بالأمس وأنا ذاهب إلى بغداد وانت تقطر بسيارة الدائرة إحدى السيارات المدنية العاطلة : فأنكر ابو رياض ذلك مصراً على انه لم يسحب أي سيارة ، فأصر المدير ؛ ولكني رأيتك بأم عيني هاتين فأجاب ابو رياض بذات الاصرار مبيناً انه لم يكن يسحب سيارة وانما كيس طحين !
شكر ومحمود
اقترب فراش الدائرة من ابي رياض ، وسلمه مظروفاً ، وقال له افتحه ، وبعد ان فتحه ، وجد فيه كتاب شكر وتقدير موجه من مدير الدائرة إليه لحرصه وتفانيه في عمله رغم الظروف الصعبة والرواتب الشحيحة ، وبدلاً من ان يفرح ، اغتاظ ابو رياض كثيراً فتوجه من فوره إلى غرفة المدير ، ليلقي على طاولته كتاب الشكر ، قائلاً له ؛ انا لست في حاجة لكتاب الشكر هذا ، فقال له المدير ؛ ولم ذلك ؟ قال، بعد أن استخرج من جيبه هوية احواله المدنية ووضعها امام عينيه فوق طاولته ؛ تأمل جيداً في اسميْ ابي وجدي ، إنهما شكر ومحمود ، فهم المدير المغزى ، فاستبدل كتاب الشكر بمكافأة مالية !
مأساة كلب
في رحلة تالية الى مدينة الشوملي ، التي طارت شهرتها من خلال الأغنية الذائعة ؛ عالشوملي الشوملي ، نارك ولا جنة هلي ، ابتعد ابو رياض كعادته عن أصحابه ليدخل في أدغال كثيفة ثم ليجد نفسه امام فضاء متسع وقبل ان يلتقط أنفاسه رأى كلباً ضخم الجثة يتوجه نحوه ؛ " تلفتّ يميناً وشمالاً ، قال ، فلم أجد أحداً فعلمت بأني المستهدف بهجوم الكلب المباغت هذا ، وبأسرع من لمح البصر وبطريقة لا شعورية وجدت نفسي ارفع يديَّ مقلصاً أصابعي وأخذت ابحث برجلي في الأرض مثيراً نقيع الغبار من حولي محاولاً إيهام الكلب بأن الكائن الذي يستهدفه ليس من بني الإنسان ، وانما هو وحش كاسر مثله وربما يكون أكثر فتكاً منه ، وبعد ان صار الكلب قريباً مني وأبصر هذا المشهد المروع ارتد على أعقابه هارباً . "
وبعد مرور حوالي سنة على هذه الحادثة التي لم يجرؤ بالحديث عنها لأحد فان مجموعته قدمت الى المكان ذاته لاصطياد طيور الدراج كعادتهم ؛ " فإذا رجل بدوي يتوجه نحونا ، وبعد أن ألقى التحية ، استفسر منا ان كنا نحن نفسنا الذين قدمنا الى المكان ذاته في العام الماضي ، فقلت له : نعم ، فقال ، لقد شاهدت عن بعد هجوم كلبي عليك وارتداده السريع ، والغريب في الأمر ان هذا الكلب وبعد مرور ثلاثة أيام ، أحسسنا انه أصيب بصدمة ثم مات بعدها ، فأرجو منك ان تخبرني ماذا فعلت له ، فقد فحصنا جسده فلم نجد أثراً لضربة فقلت له سأخبرك ماذا فعلت معه ؛ فقمت على الفور بتمثيل الحركة والهيئة التي اتخذتها دفاعاً عن نفسي ، وكذلك الصوت المزمجر الذي أطلقته ، فأحس الراعي بالخوف وعراه الاضطراب وساورني إحساس في تلك اللحظة الخاطفة بأنه ينظر إلي على إنني مجنون ولأخفف عنه قليلاً قلت له ممازحاً ؛ إن كلبك مات مخروعاً يا ولدي!
حجّي مو مستر !!
بينما كان صاحبنا يسير بملابسه ذات الطابع الاوربي وقبعته البيضاء ، ببشرته البيضاء المشربة بالحمرة وعينيه الزرقاوين، عائدا من رحلة الصيد على الشاطيء الذي لم يظفر منه بطائل ، اذ لحق به احد الصبيان قادماً من السوق القريب وامسك بردن قميصه صائحا به بوقاحة ؛ مستر.. كود فش ! فألتفت اليه بعد ان القي نظرة على الجهة التي قدم منها مبصرا عددا من بائعي السمك وامامهم بضاعتهم وهم يترقبون عودة فتاهم بصيده السمين ، فزجره بشدة ؛ ولك شتريد مني ؟ تريدني افش لك بطنك ؟ فما كان من الصبي المتذاكي الا ان تراجع قليلا والدهشة تعقد لسانه صائحا على جماعته ؛ ولكم هذا طلع حجّي مو مستر !!
الشهيد العائد
دخل أبو رياض بسيارته الخاصة من نوع موسكوفج في احد شوارع محلته الفرعية ، وعلى الرغم من ان الوقت كان ليلا إلا ان الشارع كان مضاءً بصورة كافية مكنته ان يرى شبح احد الأشخاص ،استغرب لأول وهلة وهو يراه يقترب من سيارته المتوقفة ، قال مع نفسه ؛ ربّاه انه هو بلحمه ودمه ،فرك عينيه وحدق بأتجاه الشبح المريب الذي اقترب من السيارة ، توقف ثم قال؛ اظنك عرفتني؟
- اجل ، اجل .. وكيف لي ان لااعرفك ، ولكن ...
- لاتكمل ، فأنا اعرف تتمة الحكاية ، فلأول وهلة خالجك شعور بأني شبح شخص ميت يتجول في دياره ، إلا انني لست كذلك ، وبأمكانك ان تلمسني لمس اليد ، لقد عرفت بل وتوقعت ان الجميع وكذلك أهلي يعتبرونني في عداد الأموات ، وقد اخبرني احدهم ان أهلي أقاموا لي مراسيم الفاتحة في مسجد المحلة باعتباري احد شهداء الحرب ، ولكن وكما ترى، فأنا لست شهيدا والحمد لله..
- ولكن ،الشخص الذي جاء احد جنود وحدتكم بجثته ، من تراه يكون ان لم يكن أنت ؟
ثم أردف قائلا ؛ ترى ، كيف تم تمرير هذا الأمر الخطير بمثل هذه السهولة ؟
- اعلمُ أيها العم ان الأمر عصيّ على الفهم حقا ،ولكن وكما تعلم ، فأن وحدتنا قد تم تدميرها عدة مرات ، وانها بمجرد ان يعاد تنظيمها حتى يُزج بها في اتون معركة جديدة ، وقد ضقت ذرعا من هذه الحرب المجنونة ، لذا اتخذت قراري بالهرب لبعض الوقت لانجو بجلدي و لالتقط انفاسى ، ولربما حالفني الحظ في اجتياز الحدود والهرب الى تركيا ومنها الى اوربا كما فعل ذلك بعض ا لمحظوظين ، وسأروي لك مافعلت بالضبط ، ففي آخر معركة اشتركت بها وحدتنا ، فاني نزعت قرص النعريف الخاص بي عن عنقي وبحثت بين جثث قتلى المعركة الذين سقطوا في الليلة الماضية ، فعثرت على ضالتي ؛ جثة شبه متفحمة بوجة مموّه الملامح ، فأستخرجت قرص التعريف الخاص به ودسست مكانه قرص التعريف الخاص بي ، ثم اني اتخذت طريقي في المسالك الوعرة في الجبال وهربت ، وحصل الذي كنت اتوقعه ، فقد ذهبوا بالجثة المتفحمة الى اهلي بأعتباره انا ، وها انت ذا تراني امامك ثانية بعد موتي ! تعجب ابو رياض من هذه الحكاية الغريبة ، وسأل الهارب العائد ؛ ولكن يبدو انك لم تطرق باب اهلك لحد الآن ..
- اخشى ذلك واتهيّبه !
فهم ابو رياض انه لايريد لامه وابيه ان يتفاجآ بعودته ، لاسيما وانه ابنهما الوحيد ، كما ان الاب مصاب بجلطة دماغية والام مصابة بمرض السكري منذ اللحظة التي جنّدوا فيها ابنها وساقوه الى الحرب عنوة ، وبعد تفكير قصير طلب الجندي من ابي رياض ان يذهب به الى بيت خالته في منطقة المسيب ، وان يطرق بابهم بمفرده في حين لايكون هو موجودا في لحظة اللقاء ، على ان يقوم بافهامهم خلال ذلك سبب زيارته لهم وهو ان خبرا جاءه من احد الاشخاص يتعلق بابن خالتهم الذي يبدو انه مايزال حيا يرزق ، وانه الآن موجود في مكان ما ،، وبهذه الطريقة يمهد لحضوره ، واغتبطت العائلة بالخبر بعد ان تأكد الاب من سلامة المخبر العقلية ، ثم انه ما لبث ان احضره لهم فعلت زغاريد الخالة وبناتها وهلهلن ابتهاجا بقدومه ، وشكروا ابا رياض على الطريقة الحاذقة التي اوصل بها الخبراليهم ومن ثم احضاره لابن خالتهم ، واصروا عليه ان يبيت ليلته تلك في بيتهم لاسيما وانهم يعرفونه حق المعرفة ، واثناء ذلك اتصل احد افراد العائلة هاتفيا ببيت خالتهم لينقل اليهم الخبر السار الطازج ، ثم امسك المعني نفسه بالهاتف واخذ يتحدث مع ذويه بحديث ذي شجون ودموع.....
لحية رئاسية
في العام 1982 وفي ذروة الهزائم العسكرية التي تعرض لها جيش النظام في الحرب العراقية الايرانية التي كان صدام يأمل منها تكريس اسمه وتسويقه على الاقل عربيا بوصفه قائدا عسكرياَ لايشق له غبار وبالتالي بطلا للتحرير القومي ، هذه العبارة التي تم رفعها والترويج لها على نطاق واسع على طول جبهات القتال من زاخو الى الفاو وعبر وسائل الاعلام والابواق المختلفة ، في هذا العام تم تجنيد ابي رياض في احد قواطع الجيش الشعبي ، وجرى ترحيلهم على الفور الى قاطع (ديرة لوك ) في محافظة دهوك ، واثناء ذهابه من ديرة لوك الى سرسنك بوصفه سائقا لاحدى سيارات التموين ، شاهد قائد الفيلق وقد ترجل للتو من سيارته العسكرية وهو بصدد القيام بجولة تفتيشية للقاطع ، ولما علم الجنود والمراتب بالخبر ارتعبوا وأصيبوا بالهلع ، وتواروا عن الانظار كما لو انهم فئران مذعورة تهرب من مخالب قط لاترحم ، وبقي ابو رياض وحيدا في وسط الساحة ، الا انه لم يأبه للامر ، ووقعت عينا القائد عليه وهو يتمشى بحذاء (الكيوة ) الشعبي بطريقة لا ابالية وملتحيا بلحية طويلة مشذبة ، جن جنون القائد وصاح به ؛ يا انت !تعــــــال، فأدرك انه المقصود ، فمشى اليه وهو يقول في سرّه ؛ سأجعل منك ايها القائد العفريت اضحوكة وعبرة ! اقترب منه بطريقة بطيئة ليشعره بعدم مبالاته به وازدرائه له ، وبعد ان صار قريبا بما يكفي لم يؤدّ التحية العسكرية ، فطاش عقل القائد وصاح بهستيرية ؛ ماهذة اللحية ايها المقاتل ، فقال له على الفور ؛ هوّن عليك ايها القائد فأنا على ملاك وزارة الاوقاف ! فما كان منه الا ان انحنى امامه الى الارض قائلا بخشوع ؛ آسف ايها الشيخ المبجل ، لقد ازعجتك ، وارجو ان تصفح عني ! ذلك لانه يعلم علم اليقين ان الشيوخ الذين هم على ملاك وزارة الاوقاف والمنسّبين على القطعات العسكرية
هم في حقيقة الامر عناصر مجندون في جهاز المخابرات او الاستخبارات العسكرية وان لديهم رتباً عسكرية عالية ودرجات حزبية مرموقة ، وهم مرتبطون مباشرة بديوان رئاسة الجمهورية ، وكنوع من التكفير عن الذنب طلب منه القائد ان يذهب بمعيته في الجولة التفتيشية وان يعودا معا الى مقر قيادة الفيلق حيث سيولم له وليمة فاخرة ..
فقال له ابو رياض بحدّة ؛ ان الجنود ينتظرونه ليجلب لهم ارزاقهم ، فوجد القائد نفسه في موقف لا يُحسد عليه ، فقال ؛ بارك الله فيك ايها الشيخ الجليل ، واني لشاكرٌ لك موقفك النبيل هذا مع الجنود الذين هم بمعيتك ...
وبعد عودته الى مقر القاطع دخل الى غرفة آمر القاطع والذي هو عامر الساعاتي ، فأخبره بما حدث له مع قائد الفيلق ، وطلب منه ، بحكم انه كانت تربطه به علاقة خاصة ، ان يخبر القائد اذا ما استفسر الاخير عنه ، ان يصادق على الكذبة التي جعلها تنطلي على القائد فصاح آمر القاطع ؛ استحلفك بالله ان تحلق لحيتك ، وان لاتوقعني في هذه المآزق التي يبدو انك تستمرئها وترتاح لها ، فقال ابو رياض بحدة ؛ اقسم بالله العظيم انني لن احلق لحيتي الا بعد ان يقوم عدي صدام حسين بحلاقة لحيته !!
اتركها ، فإنها سمكتنا !
روى لي ابنه رياض العائد من الأسر في إيران بعد أحداث عام 2003 بعد مدة عصيبة قضاها هناك ، روى حكاية طريفة وقعت أيام صباه مع والده ، فحينما ذهبوا للصيد في نهر الحلة في احد الأيام ، جلسوا هناك منذ ساعات الصباح الأولى عند حافة معروفة لدى أهل المدينة بـ (( السورة )) هي في حقيقة الامر بقايا ضريح لأحد الاولياء المنسيين ، والقوا سنارتيهما على أمل أن يصطادا بعض السمك ، وبقيا يرميان سنارتيهما ويخرجانها فارغة من الطعم ، شك أبو رياض ان ثمة جنيّاً يختبيء في أعماق النهر يقوم بسرقة ( الطعم) بهذه الطريقة الماكرة ، وارتفع صوت آذان الظهر من المرقد القريب ولكن دون جدوى ، بعد قليل جاء احد الأشخاص مرتدياً دشداشة بدراجة هوائية ، وأوقف دراجته بالقرب منهما واستخرج عدة الصيد التي كانت متخلفة وبدائية قياساً إلى العدة التي جلباها وبعد ان اتخذ مكانه من النهر رمى سنارته ، ولم تمر سوى دقائق قليلة حتى اهتز خيط سنارته فسحبه بقوة فإذا هو عالق بسمكة كبيرة تزن حوالي ( 2كيلو غرام ) امسك بها الصياد الوافد ووضعها في كيس كان معه ، ثم ذهب إلى دراجته وهيأها للانطلاق ؛ ( أبصر أبي هذا المشهد على مضض ، ثم ان الصياد لما أراد ان ينطلق بدراجته استوقفه أبي صائحاً به بحدة ؛ توقف ، إلى أين أنت ذاهب ؟ أجاب الصياد والدهشة تعقد لسانه ؛ أنا ذاهب إلى بيتي ، فقال أبي ؛ إذن فان عليك ان تترك هذه السمكة ،
- ولكن لماذا ، أليست سمكتي ؟!
- كلا ، ليست سمكتك ، فهي كانت تأكل طعامنا منذ الصباح ولحد الآن ، وتريد أنت بكل بساطة ان تأخذها منا هكذا ؟
واسقط في يد الصياد المسكين بعد ان رأى عزم أبي وانه لا طاقة له على مغالبته وبقي حائراً ماذا يفعل ، فما كان من أبي إلا ان أطلق ضحكة مجلجلة ثم قال مخاطباً الصياد ؛ لقد كنت امزح معك ، خذها هنيئاً مريئاً ، فهي سمكتك ، وهذه هي أحوال النهر ومقالبه
سمك مسكوف على مشارف القصر الجمهوري
عرف عن شبان منطقة الكرادة في ذلك الوقت ، انهم كانوا شباناً متطلعين إلى كل ما هو جديد في عالم الموضة والملابس مع احتفاظهم وتمسكهم بالقيم الاجتماعية التي درج عليها آباؤهم وتلقفوها منهم ، كما عرف عنهم حبهم وولعهم بتزجية أوقات فراغهم ولا سيما في العصر بالتنزه على ضفاف نهر دجلة اللصيقة ببيوتهم ، وقد اعتاد بعضهم على امتطاء زورق والتوجه به إلى منتصف النهر أو قريباً من الضفة الأخرى التي جرى تشييد القصر الملكي الجديد وملحقاته فيها ، إلا ان قيام ثورة تموز عام 1958 جعل تسمية القصر الملكي تتحول إلى القصر الجمهوري ، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان عبد الكريم قاسم لم يتخذه مقراً له وإنما كان يستقر في وزارة الدفاع ، حيث جعل القصر مكاناً خاصاً للتشريفات ، في إحدى المرات وبالتحديد في أواسط ثمانينيات القرن الماضي ، انزلق صاحبنا بزورقه إلى وسط نهر دجلة ، ولما صار في منتصف الشط أخذت تضرب انفه رائحة السمك المسكوف القادمة من الجهة المقابلة ، وقد كانت من القوة والنفاذ بحيث انها تملكت مشاعره وبعد ان جال ببصره رأى ضباطاً برتب عسكرية وهم يقومون بعملية الشواء، فرمى مرساته وأوقف زورقه قبالتهم وهو يتلمض في سره ، ومضى وقت قليل فإذا به يسمع اصواتاً تناديه ، فانتبه ورآهم يشيرون إليه ان يرفع مرساته ويقود زورقه إليهم ، ففعل ، وبعد ان وصل إليهم ، عرف انهم كانوا منتشين بفعل الخمرة الراقية التي يحتسونها ، وأدرك انه يقف إزاء ضبّاط كبار من المؤكد ان بعضهم قادة للفرق والفيالق العسكرية أو الأجهزة الأمنية ، إلا انه تمالك نفسه وقرر المضي قدماً ، كان أول سؤال يوجه إليه بطريقة مازحة ؛ لماذا نراك متوقفاً قبالتنا وتنظر إلينا ؟ أجاب على الفور ، عذراً أيها السادة ، فانا فنان تشكيلي وأي منظر طبيعي جميل يستهويني ، وكان السؤال التالي ؛ من أين أنت ، قال ؛ من منطقة الكرادة وبيتنا هناك وأشار إلى الجهة المقابلة، سأله احدهم مشككاً ؛ ان كنت فنان تشكيلي حقاً فهل تعرف الفنان نوري الراوي ؟ أجاب السائل وأعطى تفاصيل دقيقة عن الفنان ، سأله الضابط ذاته عن الفنان رافع الناصري فأجاب صاحبنا بان رافع صديقه وكانا معاً يدرسان في الابتدائية والمتوسطة ثم اخذ يتكلم وفق ما تسعفه ذاكرته المتقدة بشأن الفن والفنانين ، إلا ان سؤالاً أخيراً بقي في جعبة السائل ؛ ان كنت فناناً حقاً وتسحر مخيلتك المناظر الطبيعية فلماذا لم تصطحب معك عدة الرسم المعتادة ، أجابهم بثقة ؛ هنا يكمن سر اختلافي عن الآخرين ، فانا ارسم على لوحتي بعد ان أعود إلى البيت ما يظل عالقاً بذاكرتي ، لاسيما وأنا أرى في ذلك نوعاً من التحدي ، وعند هذه النقطة اسقط في يد السائل ، ودعوه إلى المشاركة في لذتهم وتناول السمك المسكوف بعد ذلك ، وصعد إلى زورقه ووعدهم بأنه سيرسل إليهم اللوحة بعد ان ينتهي منها ، بعدها ودعهم وعاد من حيث أتى ، فوجد أصدقاءه يجلسون في ذات المكان من الشاطيء ، وقد انتهوا للتو من تناول ( الهبيط ) وهو نوع من تشريب اللحم ، واعتذروا له لكونهم قد أتوا على نصيبه من الطعام ، فقال لهم بصدر رحب ؛ هنيئاً ومريئاً لكم ، قال احدهم ؛ ولماذا نراك منشرح الصدر هكذا ، وأين كنت ؟ أجاب ؛ كنت آكل السمك المسكوف هناك مع قادة القوات المسلحة ، حيث بمقدوركم ان تروا بقايا لدخان ما يزال تتصاعد !!
مقلب
عرف والد أبي رياض بين أوساط الناس في محلته بدماثة خلقه وطيبته واستعداده لتقديم المساعدة للآخرين ، إلا انه عرف أيضاً بولعه بتدبير المقالب مع الآخرين ، حتى وان جاء بعضها ثقيلاً ، ففي إحدى المرات ، والوقت كان خلال سني الحرب العالمية الثانية ، حيث شحت المواد الغذائية ولا سيما الأساسية كالرز والطحين والسكر والشاي ، الأمر الذي أدى بالحكومة آنذاك أن تتخذ قراراً باعتماد نظام البطاقة التموينية الذي تعرف إليه العراقيون ثانية في أعقاب غزو صدام للكويت ، ومن ثم الحصار الاقتصادي الذي تم فرضه على العراق، شاهد ( أبو فايق) عن بعد وهو يوقف سيارته نوع (بيكب ) ، شاهد حشداً كبيراً من أهالي المحلة تجمعوا أمام احد الدكاكين ، ولما استفسر عن الأمر اخبره احدهم بان الناس يقفون منذ ساعات في هذا الطابور الطويل على أمل أن يستلموا حصصهم التموينية المقررة ، اطرق ( أبو فايق ) ملياً ، ثم هداه تفكيره الى مخرج ، قاد سيارته باتجاه الحشد وتوقف بالقرب منهم ونزل من السيارة ، وصاح بأعلى صوته ؛ يا لكم من حمقى ومغفلين ، انتم تقفون هنا تنتظرون الماء الذي يتساقط من ( ناگوط الحب ) بينما أهالي المناطق المجاورة يهرعون الآن الى مكان سقوط إحدى طائرات التموين الانكليزية الضخمة التي سقطت بحمولتها ( عالبرة ) أي في الكرادة خارج ، وهم الآن منهمكون بالاستيلاء على جزء من الغنيمة السماوية ، فصاح الجميع ؛ وكيف عرفت ذلك ؟ قال ، ها اني قد عدت للتو من ذلك الطريق وشاهدت الواقعة بأم عيني وأخذت حصتي من الغنيمة ، فتحمس الجميع وهرولوا الى بيوتهم جالبين معهم الأكياس والأواني وأبناءهم واتجهوا صوب المكان الذي أشار إليه وأسرع ( أبو فايق ) الى استخراج البطاقة التموينية الخاصة بعائلته ، وذهب الى الدكان ليستلم منه المواد الغذائية بكل سهولة ويسر ، ولم يمض وقت قصير حتى عاد هؤلاء المغرر بهم من رحلتهم الشاقة وتجمعوا أمام منزله على شكل مظاهرة صغيرة غاضبة ، فخرج إليهم ، فتكلم احدهم بحدة ؛ لابد انك كنت تضحك علينا حين دبرت لنا هذه ( الداوركيسه ) ، فأجابهم وكأنه ينتظر ذلك منهم ؛ وما ذنبي أنا إذا كنتم مغفلين هكذا الى هذا الحد ، وكيف تعقلون ان طياراً انكليزياً يمكن ان يدع طيارته تسقط في غير المعسكرات التابعة لهم وما أكثرها ؟!
البو شجاع
تقع جزيرة ( أم الخنازير ) التي جرى تغيير اسمها الى ( جزيرة الأعراس ) في منتصف سبعينيات القرن الماضي بوسط نهر دجلة ، وهي جزيرة تمتد طولياً مع مجرى النهر بعرض حوالي 50 متر الى مسافة قد تصل الى 6 كم ، وتمتاز بان أرضها خصبة ورسوبية ومن اجل ذلك فقد انتشرت فيها النباتات والأدغال بشكل كثيف أغرى عددا من الحيوانات البرية ان تتخذها موطناً ومرتعاً وبالذات الخنازير التي تكاثرت بشكل كبير حتى ضاق بها المكان ، الأمر الذي اضطر بعضها الى العبور سباحة في الليل ليتجه صوب الكرادة ، وقد كان ذلك يثير فزعاً وهلعاً بين الأهالي الذين لم يعتادوا على وجود هذه الحيوانات بينهم ، وفي إحدى المرات عبر احد هذه الحيوانات واخذ يتجول بين أماكن النفايات فيما كلاب الحي تتجمهر حوله محاولة طرده بالنباح والهرير دون جدوى ، فتنادى بعض فتيان الحي واستخرجوا سكاكينهم وبعض الآلات الحادة ، ووجدها بعضهم فرصة لإظهار البطولة ، ووقفوا بوجهه ، إلا ان الحيوان وكمحاولة غريزية للدفاع عن نفسه هاجمهم واسقط أرضاً احد المهاجمين وكاد ان يفتك به ، وفي هذه اللحظة هجموا عليه هجمة رجل واحد وانهالوا عليه ضرباً وطعناً حتى خارت قواه وسقط أرضاً فأسرع احدهم الى قطع بلعومه بمديته ، وبعد ان اطمأن الناس ، خرجوا من بيوتهم وتجمهروا حول جثة الخنزير وكونوا حلقة حوله واخذوا يهتفون ويهزجون ، وكأنهم لم يقتلوا مخلوقاً مسكيناً قادته الى حتفه رائحة القمامة بل مارداً ووحشاً خرافياً ، وفي ذات الليلة تناهى الخبر الى أسماع أبناء المحلات الأخرى فأسرع احد ( المهاويل ) الى إطلاق تسمية (البو شجاع ) على أهالي الحي الذي خرج منه هؤلاء الفتية ، حيث بقيت هذه التسمية شائعة وجرى تثبيتها في بطاقات الأحوال المدنية .
ـــــــــــــــ
المهوال : شخص كان يعتبر لسان حال العشيرة او قومه وكان يجنح الى قول الشعر في بعض الأحيان .
أحلام صياد
نصوص
صباح شكر محمود
وليمة في زمن الحصار
يا لها من وليمة مريرة ونكدة
تلك التي أعدّت لشعبي
القائمون عليها لئام وكذابون
وسماسرة ولصوص من الطراز الأول
أفواههم تقيء الشعارات الطنانة
مثل مدفع عملاق يلقي بحممه
رؤوسهم بحجم ثمار اليقطين
بطونهم مناطيد تكاد تحلق بهم عالياً
جيوبهم منتفخة من السحت
تخبيء في طياتها أنين الفقراء
آناء الليل ،
يروق لهم ان يتقمصوا دور
آلهة الحكمة فيدعون على موائد سمرهم
عدداً من الشعراء الذين اعتادوا
أن يريقوا ماء وجوههم عند كل مائدة
وفي أمسياتهم الأكثر خصوصية
حين ينفلت زمام الشهوات
ينثرون فوق رؤوس المومسات
الدنانير التي اعتصروا لونها من دماء المتعبين
وكل اليتامى والأرامل
كانت الحوامل في ذلك الزمن الأعجف
يلدن براعم ميتة !
- إلى صديقي النهر -
أهمس على ضفافك
يا صديقي النهر
أذا ما غرقت يوماً
في قعرك
أبقني في رحمك المقدس
حتى تنهش الأسماك لحمي
بدل أن ينهشها
أخي الإنسان .
حصار الطيور
تهاجر الطيور حزينة
لا فضلات في مزابل المدينة .
أحلام صياد
حلمت بالأسماك
تراقص سنارتي
أسحبها وتسحبني
حتى سقطت من فوق
سريري ..
أمسكت بها
وهي الآن في قبضتي
بسطت كفي فلم أجدها
أنها أحلامي !!
واحة قلبي
كوردستان .. يا واحة قلبي
.. المتصحر منذ سنين
أمطريه بالثلج
وأغرسي فيه الخير
كوردستان ..
أنت جبالي وبحاري
.. وطيور بساتيني وأنهاري
يا نجمة قطبي وخط ناري
أني أحوم فوقها أبدأ
وأني أعوم تحتها أبداً
واهماً من عبث بليل
.. غير ليلك
أو غارقاً في دوامة
.. موج غير موجك
شلت يداي .. إن هما إلتفّتا حول
.. خصر غير خصرك
منشورة في كتاب شعراء الحلة أو البابليات
للدكتور صباح نوري المرزوك
أوتار
تشابكي يا أوتار موسيقى العالم
وأعزفي سيمفونية البقاء
لكوكبنا المذبوح
بسكين وحشية الإنسان
أعزفوا يا أحفاد بتهوفن وزرياب
لحن رفع الستارة
عن جريمة حصار الحضارة
أهتزي يا أوتار موسيقى العالم
وأعزفي
لتجف دمعة الأطفال في العيون
وتبقى زجاجة الأطفال مليئة بالحليب
أعزفي يا أوتار
لموطن النخيل والأنهار
منشورة في جريدة العراق 9/9 /1993
- أنا-
أنا وأكرر أنا وأنا
ما بين غضبين
غضب السماء والأبناءِ
لأني ألوّث الماء بالخمرة
ولأني الوّثُ الهواءَ
بموسيقى فاسدةٍ !
- رقصة الحروُف الأبجديةِ -
على خشبةِ مسرح ذاكرتي
تلتقي الحروف الأبجدية
وسط جنائن عراقية
يراقصُ بعضها بعضا
تتبادل الورد همساً
الفٌ يراقص باءً
فاءٌ تراقصُ نوناً
عين تراقصُ شيناً
وحاءٌ يراقص باءً
تتوقف الحروُف الأبجديةُ
عن الرقص
ليعلن عريف الحفل ألفٌ
عن ميلاد أغنيةٍ جديدة !
جريدة الجنائن
العدد 39 في 17 / 3 / 2001
وداعاً
إلى صديقي الناقد الراحل عبد الجبار عباس
وداعاً يا صديقي
وداعاً أيها الدافيء في خريفك وربيعك
الساطع وأنت في ظلام
قبرك الأبدي
وداعاً أيتها السحابة التي تمطر
أدباً ونقداً ذهبياً
وداعاً يا من كنت تأتي أماسينا
وخلفك تعدو قطعان الكلاب
وأنت تقود دراجتك الهوائية
وداعاً أيتها الكأس التي
فارقت شفاهنا
وطالما ارتشفت منها
خمرة معتقة !
حصار الطيور
فوق أسلاك الضغط العالي
ترقب النوارس مجرى النهر
الذي لم تعد تطفو
فوق سطحه
كسرة خبز !
اصطياف
انفض عن وجهي
عرق تموز
وارتدي ثوب عرسي الثلجي
وأنا احتضن ( آينشكي )
في كهفها الصخري
بلابل
1
ابتعدي أيتها البلابل
عن قفص أسري
فأنا دمية سيدي الكبير !
2
ـ " لماذا تغرد البلابل فجراً
اقتلوها فوراً "
هذا ما أمر به الظلامي
3
ـ " لماذا تدعون الأزهار
تتفتح هكذا علناً في الحدائق
ألا ترون أنها تمارس الفسق ؟! "
هذا ما فاه به الظلامي
المشانق
انها تعشق الرقاب الضعيفة
وتمقت الرقاب الغليظة
.......
هل للفجر رائحة الحياة ؟!
لماذا إذن تنفذ في ساعته
أحكام الموت ؟
بعد ملامسةٍ قصيرة
تلد المشنقة رقبة طويلة
مم تصنع المشانق ؟
من خشب الصاج أو الزان ؟
ليس الأمر بذي أهمية
الأهم من ذلك لدى صانعها
أنها تقوى على حمل الجسد !
عند ولادته
قطعوا حبله السري
وعند بلوغه
أعادوا له الحبل بصيغة أخرى !
أفول
الخريف اغتال ألوان
حديقتي
امرأةٌ من جليد
حيث لا شمس ولا ربيع !
صلف
يتربعون على أكداس من المال
ويمدون أيديهم قائلين ؛
لله يا محسنين !
عالم الأربع
1
لا يعرفون سوى إطلاق
النار في صدور الأمم
لصوص يسرقون الخبز
من أفواه الجائعين
مجرمون وقساة
يريدون وضع العالم
في جيوبهم !
2
يجلس في الظلام
ليتلصص على من هم
في دائرة الضوء !
3
يشم رائحة الأنثى
قبل أن يراها !
4
رجل متعجرف يحمل بندقية
سرعان ما يصطبغ وجهُه ُ
بلون الدناءة !
5
أطلق النار خلفهم
أرداهم قتلى في الحال
جريمتهم أنهم
أداروا ظهورهم
للظلام !
نشرت في جريدة العراق
24 / 12 / 1993
صيرورة
سياط الغبار ترتفع
فوق بيوت المدينة
تضرب وجهها بالحصى الناعم
تتحول السماء الى لون الجحيم
فوقها تحلق زوبعة الرحمة
حاملة معها قطرات الحياة
تبصق ألقها
لتعود الساعات كما هي
قُبل زجاجية
أقبلها من وراء الزجاج
نتبادل الشوق بالإشارات
نفترق
تاركين بصمات شفاهنا
معلقة على الهواء !
حورية من اليابسة
بعيداً عن شاطي البحيرة
قدماي تتشبثان فوق المحار
صدري يطفو فوق الموج الهادئ
الماء ينساب رقيقاً بين أرجلي
سباحة ً
تتلوى أمامي عروس البحر
قادمة من البر
تقترب مني ، تمسك كفي
ـ ساعدني كي أحصل على
حبات المحار
دسّت رأسها بين ساقيَّ
فوراً توقد جسدي
ياللبهجة !
إنها لم تكن تفتش عن المحار
بل بركان النار !
أجراس صديق البيئة
(1)
الزحف الأسود قادم
الزفت القاتل عائم
الشعاع الأحمر قادم
في القطب الجنوبي
فتحة في طبقة الأوزون تنذر بالدمار
في بحار القطب الشمالي
تتلوث الأشياء .......
تقتل الأحياء........
(2)
الزحف الأسود قادم
بدون عربات مصفحة
بدون صواريخ .. بدون مدافع ......
جيش لا تراه الأبصار
يأتيك مع الأمطار ........
جيوش من دخان
تقتل النبات والإنسان .........
إذا مات البحر
مات الإنسان .........
(3)
الزحف الأسود قادم
حتى الجراثيم تتهافت ، تتساقط
اطمئنوا ، أو احذروا
الجراثيم سوف تموت
لا وجود للبكتيريا
لا وجود للحياة
لاوجود للإنسان
لا وجود للحيوان
(4)
الزحف النووي قادم
عملاق اسمه (تكنولوجيا)
نصفه متوحش ، احذروا هذا الوحش
الحضارة الإنسانية في الأزمنة الغابرة
قامت بدون تكنولوجيا
الدليل - عجائب الدنيا السبع
هل في حاضرنا عجائب ؟
نعم
عجائب الموت الآتي من الزحف
الأسود
(5)
الزحف النووي قادم
تسرب غاز قاتل في مفاعل
جارنوبيل .......
تسرب غاز قاتل في نيودلهي .........
غاز قاتل في جميع أنحاء أوربا
سكان صحراء نيفادا،
يموتون بالآف بصمت ، بدون إنذار سابق حتى
فرصة الهرب تضيع منهم
أحذروا
الموج الذري قادم
السفاح الدموي قادم
نعم
في حاضرنا عجائب
(6)
الزفت الأسود قادم
المحيطات تبتلع ملايين الأطنان
من الزفت الأسود ..........
البحار تبتلع ملايين البشر
يموت الدولفين.........
تموت الحيتان..........
يموت السلمون..........
ويموت الإسفنج السحري
في السماء تحترق الآف الطائرات لتنثر
أجسام البشر
هكذا القدر
(7)
الزحف الأسود قادم
في الأرض ضحايا المرور بالملايين
أصبحت الإحصائيات العالمية لضحايا المرور
سراً أشبه بإسرار الفضاء
أو أسرار الأمن الوطني
إحصائية ضحايا المرور البرية لحد سنة 1974
تفوق ضحايا الحروب العالمية
شوارع الدنيا كلها تُغسل يوميا بدماء بشرية
ألم اقل لكم إن في حاضرنا عجائب
وان مستقبلنا الآتي فيه مزيد
من الغرائب
أخبار وأخبار
من هنا وهناك
تهطل علينا الأخبار
أخبارٌ فيها القتل
وإطلاق النار
أخبارٌ وأخبارٌ
في الفضائيات وعلى صدور الصفحات
عن أعاصير تجتاح عالمنا
وفيضانات تخلف وراءها
آلاف الضحايا
أخبارٌ وأخبار
الضحايا فيها هم أبرياءٌ وأبرياء .
أما الأشرارُ ففي سرهم يضحكون
أصابع ترتب ، وأخرى تخرّب
كسرت أقلامي ، وأحرقت دفاتري
لأبقى ، كي لا أجوع وأشقى
موائد ملونة
طبقٌ من ماء ، وطبق من هواء
ورغيفنا ، يسخر منا في خلوته
عندما أضع رأسي
على وسادتي
لم اعد ،كما كنت
اسمع أنغاماً تصدح
بل كلاباً تنبح !
دعاء زوجة سائق
لأجلك يا حبيبي
ابتهل الى السماء بالدعاء واصلي
حتى تعود
لأجلك ، سأفرش الليل بالحب والورود
أنا اعلم ، انك الآن تجوب شوارع مدينتنا
وبينك وبين الموت والقضبان التفاته
أطفالنا في انتظارك
لا تسرع ، كن حذراً يقظاً
واعلم إنني والأطفال
لن يسامر أجفاننا نومٌ
حتى تعود !
مرحى لك أيها القلم
مرحى لك أيها القلم
مهما تكن طريقة الكتابة بك
سواءٌ بالأزميل أو نحتاً بالمسمار
حبراً ، رصاصاً ، وسواء تمت الكتابة بك
باللون الأزرق أو الأسود أو غيرها
بك الحضارات دونت منجزاتها
والعلوم ، الموسيقى دوّنت نوتاتها
مرحى لك أيها القلم ،
لقد تمت بك كتابة آلاف الأطنان من الكتب
والكثير منها ضاع أو احرق بسبب الجهالة
والحقد الأسود
أيها العزيز ، أنت لم تعرف الكسل
منذ فجر التاريخ ، وما زلت تمتلك
ذات الهمة
صديق الطفل أنت ، وصديق الشيخ الفاني
لولاك، هل سيكون للحياة مغزى أو معنى ؟
يحتفل العالم المتحضر اليوم بعيد الشجرة والمعلم
والمرأة وألام والطالب والعامل ...الخ
وأنت أولى أن يتم الاحتفال بك
لقد آن الأوان للإنسانية أن تحتفل بك
وتخصص يوماً تستقريء فيه
آيات مجدك
.........
أمهاتٌ ثلاث
لي أمهاتٌ ثلاث
الأولى خرجت من رحمها
والثانية هي الأرض التي
ادفن في بطنها
أما الثالثة ، فهي الطبيعة
فوقها نحيا ، نُسعد أو نشقى
سألتني ألام الأخيرة ، كم من أشجار التين
والزيتون والأعناب قد زرعت
وكم من بذور العطف والحب قد نثرت ؟
نعم يا أمي لقد زرعت وزرعت وتحت افيائك نمت
وحلمت ، عشت عمراً ومن ثمر نخيلك وزيتونك أكلت وكبرت
من عيونك شربت العذوبة ومن ثمارك تذوقت
زرعت وما قطعت ،
أحببت بكل جوارحي ، وما حقدتُ بل غنّيتُ !


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك