تلك المسلة البعيدة.. للشاعر كريم النجار
أدب فن
صدرت في القاهرة، وبالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب عن مؤسسة شمس للنشر ومؤسسة أدب فن للثقافة والفنون، المجموعة الشعرية الجديدة "تلك المسلة البعيدة" للشاعر والكاتب العراقي كريم النجار، والتي أشتملت على تسعة عشرة قصيدة، وقد وقعت المجموعة في 108 صفحة من الحجم المتوسط، والغلاف الأمامي من تصميم الفنان مهند العلاق.
تتصدر المجموعة دراسة بعنوان (البحث التائه، التاريخ، وتجربة الحياة اليومية) بقلم الكاتب حسين عجة المقيم في باريس، حيث يقول فيها:
(يستوقفنا، قبل كل شيء، العنوان الذي أختاره الشاعر لسفره الكبير هذا، وذلك لأنه يدخلنا من كلمته الأولى ضمن ديوان الشعر العربي في بحثه الواسع، الصعب والمشتت عن بقايا "الأشياء" والكائنات. بحث جديد عن الإطلال. مغامرة أخرى لطرح تساؤلات قد لا يتحمل إيقاعها الحاضر الرتيب والصاخب في آن معاً. ذلك لأن "البحث" هنا لا يكف عن الانشطار، أو أن منهج البحث ذاته يتعمد ذلك الانشطار. فتارة يتوجه المسار نحو الماضي المتواصل العيش، أو الماضي الذي لا يقبل بالوقوف ضمن حركة التاريخ، أي ابتعاده ولو قليلاً عن الحاضر، حتى يتم تناوله وتأمل موقع الضربات فيه، ومن ثم وضعه في موقع التجربة التي تمت معايشتها من قبل. كلا. فهذا الماضي لم يصبح ماضياً بعد. ذلك لأن نوعية وتوتر أحداثه، دمويتها وشراسة دمغاتها، تقدمه وكأنه ماثلاً في كل لحظة من لحظات غيابه. لا على صعيد الذاكرة وحدها، أو كآثار صور بدائية، ممحوة، ترتد في زمنيتها لماضي سحيق وحسب، ولكن لأنها لا تكف عن الامتزاج وتعكير صفاء الحاضر، أو حتى مجراه المسربل العادي. وتارة أخرى، يساورنا الشك بأن البحث برمته منصباً على تشابكات الحاضر، وتفاصيل التباساته اليومية، فيما يبقى الماضي محض خلفية لمعايشة آنية تمحي صوره ورتوشه القديمة، حتى وإن كان ذلك على صعيد المتخيل، أو ما يمكن أن يكون بديلاً له : نحن فقط في الحاضر المحض، بكل ما تنطوي عليه المفردة من رعب وبياض، لا يسمح بظلال أخرى غير تلك التي وضعها لنفسه كحاضر وحسب.
قلنا أن الديوان يستوقفنا بدءً بكلمته الأولى، لا لأنه يضعنا فجأة أمام "البعيد" أو "مسلة" ذلك البعيد، ولكن لأن مفردة "تلك"، وبغض النظر عن استخدامها اليومي وعفوية ما توحي به ضمن قاموس اللغة المُتشكل، تحيلنا بدفعة واحدة نحو أنفسنا، إذا جاز التعبير، لدرجة تولد لدينا شعوراً بأنها وحدها من يتحمل ثقل مسافة البحث، أكثر من "المسلة" ومن ذلك "البعيد" الذي يتم تذكره. أو مسافة البعد المفترضة للبحث عنها، أو لتسميتها وحسب : أن يقال كانت هناك "تلك... المسلة". وبذات الحركة الواحدة، تحيلنا نحو "أشياء"، كائنات، أحداث، عبارات، وجوه، وحتى بعض الأحاديث التي لا نعرف من قالها ومن أصغى لها.
يمكننا القول، عند هذه النقطة، بأن البحث عن أطلال "تلك المسلة" لا يمكن أن يُفهم باعتباره بحثاً عن مكان ما، أو في مجال كان قد خلفَ أثراً لذلك المكان؛ أنه بالأحرى البحث عن الزمن، دلائل الزمن، رموز معرفته الخارجية والتي لا تمتلك الكائنات غيرها للتيقن من فعل وجودها، ما يسميه الشاعر "بالوقت". أي التعبير المباشر لذاكرة ما عاد بمقدورها التمييز ما بين الأزمنة. لنقرأ هذا المقطع :
كيف لهذا الوقت
ينتشي بسكونه... الشوارع مقفرة
الأزقة تلهو بها الفئران والعناكب
أما
شجرة الصفصاف المنفردة
هناك
بين الأكمة والطحالب المتساوقة
فلا تعرف عن الذي يجري بالقرب منها
لكنه... أيضاً بالخفاء والسكون ذاته
حيث يومض وينطفىء دون سابق إنذار.)
ومن أجواء قصيدة (أيامك الخاوية) نقرأ هذا المقطع:
هل أقولُ أضعت بيضةَ الرخ
بينما كان الحمامُ يهجرُ المدينة
تتلبّدُ سماؤك بكلِّ أشكالِ التضاريس
والشمس تحجبينها برمشك
لكنَّ الضوءَ يتسلّلُ من خلل الأصابع
التي تمشّطين بها جبينك
هل متعتهم يروك تصرخين
وأنتِ واقفة
في المنتصف


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (13 تعليقات سابقة):
لست شاعرافقط،إنماتوهج انساني .. هكذا وجدتك ..وهكذا سألقاك دائماحتى في حلكات الليالي تنبش في المخاضات عن سلوى وصبر لايعرفان الكلل والخضوع . لك الحب .
تحية طيبة .. انأ متأكد بأن ( مسلتك البعيدة ) ستكون اقرب إلى قلوبنا حالما تستوطن قصائدها تلك اللهفة المنجذبة نحو تخوم الإبداع المُعذبة ... مبروك وبانتظار مسلات أخرى ...
طامي هراطة عباس
ماجد مطرود / بلجيكا
"تلك المسلة البعيدة"
عنوانك غريب وهي كلمة " المسلة " الغريبة في عنوان كتابِكَ
"المسلة" : لماذا ؟؟؟
ولكنني أحب وأحبذ كلمتك هذه كأنها دعوة لنتحرّش بكتابكَ ؟ لمَ لا ؟
سوف أشتري كتابكَ وأرجو أن تتقبل فيما بعد ، رأيي الخاص وبكل تواضع.
سوف أرجع على نفس الصفحة هذه ، أكتب لكَ بسطور أثر كتابكَ على نفسي.
امّا عن المقدمة المكتوبة ببراعة تامة وعميقة بقلم الشاعر والكاتب والمترجم المبدع : حسين عجة المقيم في باريس،
مقدمة بغااااااااااية الجمال !!!
"نحن فقط في الحاضر المحض، بكل ما تنطوي عليه المفردة من رعب وبياض، لا يسمح بظلال أخرى غير تلك التي وضعها لنفسه كحاضر وحسب."
أهنئك بصدور كتابِك وأحب كثييييييراً :
"هل أقولُ أضعت بيضةَ الرخ
بينما كان الحمامُ يهجرُ المدينة
تتلبّدُ سماؤك بكلِّ أشكالِ التضاريس
والشمس تحجبينها برمشك
لكنَّ الضوءَ يتسلّلُ من خلل الأصابع
التي تمشّطين بها جبينك
هل متعتهم يروك تصرخين
وأنتِ واقفة
في المنتصف"
مبدع وومتواضع فوق كل شيء ، وقبل كل شيء
ورغم كل شيء ......... أجمل وجه يتنزه في شوارع امستردام
ـ جوزيه حلو ـ فرنسا ـ
مباركة نسخ الكتاب للشاعر . مع انني لم احصل على نسخة من الكتاب !!
احترم كثافتك الشعرية في النص....... مع الحذر !
بفخذ جرادة كان في فيها
ترنمت بفصح القول معتذرة
ان الهدايا بمقدار مهديها
الاخ العيز كريم النجار مبار لك ولنا تلك المسلة التي اتمنى ان تكون قريبا في يدنا لك نطالع عوالمها ونتعرف على اشيائها وا لئ مزيد من التالق ايها المبدع الاصيل
انت شاعر حتى بدون كلمات .. محبتي الدائمة لك ومبارك صدور الديوان ..
بفرح شاسع اضيئ لمسلتك الشعرية الجديدة
شموع األألق واشاركك كرنفال الشعر واشراقاته وجنوناته ... مباركة مسلتك القريبة من القلب .. محبتي
سعد جاسم
اخيرا اطلقت سراح قصائدك الجميلة لتحلق في سمواتنا المعتمة تنيرها او تومض بعض نجومها.. بومضاتك الشعرية الرقيقة فانت من الاصوات القليلة التي تستحق الاصغاء لها بكل الجوارح ومن المبدعين الذين يستحقون قرائتهم على ضوء الشموع او المصابيح اليدوية كما هو في بغداد.. شكرا لك والف مبروك عسى ان لاتبخل علينا بالمستقبل بدواوين اخرى وابداعات اخرى.
كريم النجار
بينما كان الحمام يهجر المدينة
تتلبد سماؤك بكل اشكال التضاريس
والشمس تحجيبنها برمشك
لكن الضوء يتسلل من خلل الاصابع
التي تمشطين بها جبينك
هو انشطار نبيل لملامح الومضة الشعرية المحلقة بعيدا في فضاءات التجلي والانفلات اللحطي المزمع على تكوين اشكال اخرى للبوح الشعري النبيل ، اتمنى ان يقع الديوان تحت ناظري كي اقرأه ...
لانك صوت شعري جميل مبدع ، يستحق منا الوقوف في حضرته مليا .
سعدي عبد الكريم
كاتب وناقد
ابارك لك من القلب اصدارك متمنيا لك ولكل الطيبين كل الخير والتوفيق
أضف تعليقك