تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  إصدارات المجلة»  رواية.. رسائل الى موتى

رواية.. رسائل الى موتى

عدد مرات المشاهدة :602 - September 23, 2008

عدنان المبارك

رواية.. رسائل الى موتى

 

 

                      الفهرست


- الفصل الأول :   عن نذالة صغيرة لكنها متعبة

- الفصل الثاني :   عن قصور بيولوجي يكون خطرا أحيانا

- الفصل الثالث :   عن تلك الصفعة

- الفصل  الرابع :   عن مواجهة صغيرة

- الفصل  الخامس:  عن أسرار جنون حيّاوي

   - الفصل  السادس : عن محاكمة الذات

   - الفصل السابع  :  بعد رسائلي الى الموتى


                         الفصل الأول 

                  عن نذالة صغيرة لكنها متعبة


-   منطقة المخ الناشطة  في عملية  إتخاذ القرار هي الأخدود الأمامي من الحزام   sulcus cinguli anterior. وحين يتعرض للتلف يسبب فقدان الإرادة وجمود الحس apathy .


بعد تلك القيلولة كانت قد جاءتني فكرة كتابة الرسائل. عجيب أمر الأفكار. طوال تلك السنين لم أفكر أبدا بمثل هذه الصورة.  مدارات كل الأفكار الجديدة لم تخرج آنذاك عن واقعي اليومي. هكذا هي الحياة في كل مكان : خشية دائمية من أن أمراً، أو أكثرمن واحد ، قد ( يتخربط ). أما الان فلم يبق عندي  سوى ترف التفكير بالأمور غير اليومية.
فكرتي الجديدة هي تقليدية لدى رجل متقاعد : النبش في الماضي من أجل القيام بمحاولات ٍ، وقد تكون مسلية وتلبي رغبة قريبة من الإنتقام أيضا ، في العودة ، لكن بطريقة أخرى ، الى بعض القضايا التي سبق للزمن أن أبتلعها لكن  الفرصة لا تنعدم  تماما لإستردادها. وهكذا أخذت أكتب رسائلا الى أشخاص كانوا  قد أدخلوا تعقيدات معينة على حياتي. إكتشفت أن غالبيتهم قد صارت في عداد الأموات. لكن قد تصلهم رسائلي بطريقة ما :  مثلا التخاطر أو أنهم  يتلقون العالم  بسبل أخرى لا حاجة فيها الى العين وبقية الحواس. أنا لا أعرف ما وراء الحياة. وهنا كل شيء ممكن : السحر وضده.
بقيت في البيت أكتب هذه الرسائل. كانت الرسالة الأولى الى مدير تلك الشركة الذي كرهته منذ الرؤية الأولى. طويل ، أشقر الشعر ، ضخم الجثة ، عينان عسليتان صافيتان لكنهما قاسيتان، كان يدخن بنهم تلك السكائر الإنكليزية . لا اتذكر إسمها الآن. فقد تركت التبغ قبل ثلاثة عقود. متاعب مع الرئتين. هناك أيضا تلك العملية التي قطعوا فيها اللوزتين. عموما لابد من أن يكون المتقاعد رمزا للإعتدال. نسيت إسم المدير أيضا. كل ما أتذكره أنه كان ثرثارا لكن ليس معنا.  ففي إحدى المرات ، حين طلب من رئيس شعبتنا بعض الأوراق. وهذا أرسلني معها إليه. نبهني بأن عليّ  أن أسلمها الى المدير وليس الى السكرتيرة. إذن توجهت الى مكتبه. كانت عنده سكرتيرة عجوز متصابية. ماكياجها ماكياج عشر نساء. أخبرتها بالغرض من مجيئي. لم تعرني أيّ إهتمام وحتى أنها لم تسمع الى النهاية ما أردت قوله. إكتفت بإشارة الى إحدى الكنبتين. جلست وأخذت أحملق في الصور المعلقة على الجدار المقابل. مناظر من مدينتنا ونهرنا. اخذت أفكر لماذا لم تكن بالألوان. إنتبهت الى أن العجوز غادرت الغرفة. لكن لم أبق وحدي طويلا ، فها أن ذلك الساعي المضحك في شموخ الأنف دخل مسرعا وإتجه مباشرة الى مكتب المدير. فتح الباب من دون أن يطرقه. لثوان ساد الهدوء هناك ثم وصلني صراخ المدير :" زمال إبن الزمال. كلب. حمار. مو عدت الكلام عليك مرتين ). ُفتح الباب ورأيت منظرا لم أنسه طوال هذه العقود : المدير ينهال ب( الكفخات ) و( الجلاليق ) على الساعي حتى أنه لاحق هروب هذا الى باب غرفة السكرتيرة. إنتبه عند عودته الى مكتبه الى أني كنت جالسا منكمش الجسم والنفس على إحدى الكنبتين. ( أنت شكو هنايا ؟ ). أخبرته بصوت وجل ، بالموضوع وسلمته تلك الأوراق اللعينة. أخذها ثم أشار بيده كي أنصرف.  لم يكن ذلك من شأني. فقضايا أسوأ من هذه تحصل بين البشر.
قضيتي هي الإنتقام من المدير على شيء واحد فقط يعود الى مقابلتي الأولى معه. كنت مجيدا بأمور المحاسبة وأصول المراسلات التجارية ، لكني إستقلت من عملي السابق حين قررت ، بل أضطررت ولأسباب يطول شرحها ، الى ترك مدينتنا الصغيرة والإنتقال الى العاصمة. سألني هذا المدير عن راتبي السابق. وندمت على أني لم أكذب. أخبرته بالحقيقة لكنه أنهى المقابلة قبل أن أضيف كذبة أو كذبتين فقد إكتشفت ، لكن بعد فوات الأوان ، بأن لا مكان للحقيقة في مثل هذه الأمور. بهذه الصورة أصبح راتبي أوطأ الرواتب في الشركة مما كان موضعا دائما للتندر والتشفي أيضا. وكان هذا أول تعقيد واجهته حياتي في مثل هذه المدينة الكبيرة. كانت تلك الدنانير البائسة تكفي بالكاد. وفي نيتي أن أكتب الكثير عن هذه الحرمانات في الرسالة الى مدير شرير كهذا. أنا أعرف بأنه رحل ودفن في قبر فخم لكني واثق بأن رسالتي ستصل إليه ، ولترتجف عظامه الماموثية حين يقرأها !
كما معلوم لابد من أن تبدأ كل رسالة بديباجة مؤدبة. وأنا هنا لم أحد عن التقليد المتبع. كتبت كمقدمة بأني أقدر موقفه حين أعطاني عملا ، فقد كانت هناك  العشرات ، لربما المئات ، من الباحثين عن عمل كهذا . بعدها أخذت بنهج الصراحة حين تناولت صلب الموضوع أي ذلك الراتب البائس :
 ( ... هذه  هي عادتكم ، أنتم الذين تبخلون بالفلس على غيركم لكن ليس على متعكم التي كما ترى لا تفيدك بشيء الآن. ما حصل حينها بينك وذاك الساعي لم يكن في الحقيقة يعنيني بشيء. لكن قل لي ألم يكن بكاف أن تصرخ بوجهه ؟  كلا ، بالطبع. للمدراء حرية خاصة بهم.  لكن ما كان يعنيني أن 22 سنة من عمري كانت صراعا دائميا مع النفس والإرادة كي أتحمل إهانتك التي لحقت بي. بالطبع أنت لم تعتبرها إهانة بل تصرفا دافعه مصلحة الشركة حين جعلت راتبي يعادل نصف راتب الموظف الذي كان يجلس الى جواري ويقوم بعمل مشابه لعملي.  لكنك تكذب هنا يا سيدي أو في أضعف الأحوال أنت مخطيء. فالدافع كان إرادتك التي كنت على ثقة تامة بأنها حرة. خلال تلك السنين لم يخطر ببالي أن أسأل أحدهم ، وبصورة عابرة بالطبع ، عن تحصيلك الدراسي. أكيد أنك أنهيت كلية الحقوق. فشهادتها هي الوحيدة التي تليق ، كما هو شائع ، بطبقتك. أما أنا فليس عندي غير الثانوية.  بالطبع لم تسألني حينها لماذا لم أواصل الدراسة. أعترف  أيضا بأني وجدت أكثر من تعويض واحد عن شهادة مثل شهادتك التي أنا متأكد بأنك تستحقها بنسبة عشرة بالمائة فقط. فالمحسوبية هي أعرق تقليد سار. نعم وجدت َحينها أن قرارك بشان راتبي هو تجسيد لإرادتك التي كنتَ موقنا بأنها حرة. لاشيء من هذا القبيل ! كما أرجو أن تطرد بعض الأوهام من رأسك  الذي كف الآن عن أن يكون ضخما وأشقر الشعر. في هذه السنين الإثنتين والعشرين أتقنت تماما أمر هذا التعويض. ولولا ذاكرتي التي هي بعيدة جدا عن أن تكون نموذجية لصرت إنسكلوبيديا سائرة. ما يهمني الآن أن أبدد أوهامك عن الإرادة الحرة. لاحاجة هنا الى ذكر أوهامك الأخرى عن الإنسان وماهيته إلى آخره ، بل حتى أنك لا تعرف أين بالضبط تفوقه على بقية الأحياء ولماذا إحتل مثل هذا المكان في الطبيعة. أعود الى إرادتك الحرة التي ألقتني في شتى أصناف العبودية. لنأخذ قرارك المتعلق براتبي. بالطبع هو فعل مختار. وإذا كان هكذا فإما أن يكون مبرمجا مسبقا أو أنه فعل من أفعال الصدفة. في كل الأحوال هو نتيجة إختيار حر. هكذا يبدو الأمر حين يكون الإنسان فاعلا وليس شيئا ، حين يكون موضع المديح والذم والمحاسبة أيضا. هكذا هو الإنسان بدءا من إستيقاظه في الصباح حتى وضع رأسه على الوسادة في الليل. لا أظنك تعرف بأن كل فعل يقوم به الإنسان نابع في الإساس من إرادته الحرة.  لنأخذ مثلا تحيتك الصباحية التي تلقيها بصورة روتينية ومن دون أن تنظر الى أحدنا. بالطبع ثمة ضغط خارجي عليك ، ضغط ما يسمى بالأصول كي تنطق بتلك ال( صباح الخير ).  لكن في الجوهر تبقى حر الإرادة ، فبإمكانك أن تعبر قاعة الموظفين ومن دون أن ترسل تحية كهذه.  إذن أنت لم تتخل عن إرادتك الحرة رغم المظهر الكاذب. أكيد أنك كنت جاهلا بهذا النوع من المعارف التي لم تنهل منها في تلك الكلية. أما أنا فنهلت منها وفي إطار ذلك التعويض. ومنقادا الى ضعف بشري معين يسمونه  بالمباهاة أو التشفي ، أقول لك إني خلال عقدين ونيف عرفت عشرات الأسرار و الألغاز. أعترف أيضا بأني لم أعر ما يسمى بالأخلاقيات أيّ إهتمام. والأكيد أنك لا تعرف لماذا. لأنها نسبية ، زمكانية يا سيدي. إذن لنتركها الى حين ، ولنعد الى إرادتك التي عانيت ، وأكرر القول ، من حريتها آنذاك. هناك السببية وهناك الإرادة الحرة. السببية كما التاج على رأس العلم ، والحرة أضخم تاج على رأس الإنسان أي على رأسك السابق ! ولأوضح الأمر بالإعتماد على مثال ما يسمى بالصندوق الأسود والذي عرفته في زمان سبق جلاليقك المؤلمة لذلك الساعي المضحك. أكيد أنك سمعت بهذا الصندوق. إنه مملوء بالأسلاك الموصلة و المربوطة بلوحة التوزيع.  كون كهربائي مصغر!  وإذا لم يفتح ربٌّ ما الصندوق لايبقى أمامنا سوى الحزر : كيف هي  بنية المحيطات الكهرومغناطيسية داخل الصندوق إذا بقي مغلقا بالطبع ؟ ها نحن نجرب إشعال شتى المصابيح كي تدلنا على الطريق الصحيح  لمعرفة مافي مصباح علاء الدين هذا. الشيء نفسه يا سيدي مع الصندوق الأسود الذي يحمله كل واحد في داخله. وهنا لايكفي بأن لا أحد قد فتح أيّ صندوق أسود بل لم يفلح في رؤية ما في نفسه كي يتأكد من ذلك المحتوى.
     والآن هل تحوي الصناديق البشرية كومة من تلك الموصلات أم الإرادة الحرة وحدها ؟ الجواب عادة مشبع بروح رينيه... طيب ، على أكبر ظن أنت لم تسمع بهذا الرجل. في الصندوق يوجد الوعي والذات الفاهمة التي تصلها المعلومات من الخارج ثم تعينها الذاكرة والإنفعالات والمعتقدات العامة والمباديء الأخلاقية ، وبعدها يأتي القرار حول مجرى الفعل. وعمل الصندوق هنا شبيه بصندوق المحوّلات لخطوط السكك الحديدية ، فهو الجهة التي تقرر أيّ زرّ ينبغي الضغط عليه بعد أن وصلته المعلومة، وأيّ ضوء سيكون أحمر وأيّ أخضر. وعود الثقاب الموجود في داخل الصندوق يمثل ال( أنا ) مع مقولة رينيه ( أفكر إذن أنا موجود ) ، ومايمثل الجهة الأخرى التي حققت عنادها ملايين المرات  هو ما يسمى بالطبيعة  التي زوّدتنا  باللوازم الوراثية. أما ما يسمى بالتربية فهو ليس إلا نسقا من الإتصالات مع العالم والآخرين. أكيد ان لكل هذا تأثيرا ملموسا على ذلك الإختيار الذي قرره صندوق السكك. الآن ارغب أن أنبهك يا سيدي بأن ما قلته لغاية الآن هو مقدمة متواضعة لطرح براهيني على خدعة الإرادة الحرة التي وقعت فيها حين إتخذت القرار بقذفي في دائرة الطباشير البائسة تلك.  إذن ما قلته قبل قليل يخص صيغة ، وقد تكون إرتجالية ، لفرضية أن  الإنسان  يقرر نتائج أفعاله ولا يقتصر الأمر على طرح الحوافز التي جاءته من الخارج. في الحقيقة يكون هذا الموديل أخلاقيا في الأساس ، إلا أنه يصلح لجميع المفاهيم المتعلقة بتلك الإرادة الحرة.  أكيد أنك سمعت بسارتر ، ففي شبابنا كان هو على المودة.  فيما يتعلق بالإرادة الحرة قال مرة إن الإنسان  يلتزم بالحياة ويرسم بورتريهه وعدا هذا البورتريه لايوجد أيّ شيء. أكيد أنه تبسيط خطر لموضوع صندوقنا الأسود. لكن لننتقل الآن الى صيغة أخرى هي الآن على المودة أيضا. ومنطلقها الرئيسي هو أن هذا الصندوق مغلق تماما، ووفق هذا الإعتقاد  صارت تعمل علوم  مختلفة مثل البسيكولوجيا والنيوترفيزيولوجيا  ، وكلها جاءت ا بنتائج ليست بالسيئة. وهذا الرأي قرأته في كتب كثيرة. وكما بينت لك سابقا فإن هناك طرفين متنافسين ، وكل واحد لا يتراجع ، ولو بوصة واحدة ، عن موقفه. أقصد الطبيعة والتربية. أرجو أن تلاحظ بأن مناصري التربية لا يعترفون بالإرادة الحرة أي على العكس من مناصري الطبيعة. ولعلمك ليس الوضع هكذا في الواقع. فالطبيعة تؤثر على نشاط / أفعال الإنسان، ولنبق هنا عند مثال قرارك المشؤوم بإعطائي نصف الراتب الفعلي ، ومن دون وساطة الإرادة الحرة التي هي بدورها غير مسجلة في الجينات. أعترف لك مرة أخرى بان هذا الموديل تعميمي جدا ومهمته تصوير الفرضية  القائلة بأن الإنسان هو جزء من نظام الطبيعة الخاضع لقوانين السببية. كما لا أظنك تعرف بأنه حصل تصوّر ٌ للطبيعة كآلية ( تماما مثل ساعتك الروليكس الثمينة التي سطع بريقها في عينيّ المشدوهتين أثناء رفساتك و راشدياتك لذلك الساعي )  تتحكم بها قوانين فولاذية وقوى إكتشفها نيوتن وذاك الآخر الذي أشك ، وكما قلت سابقا بسماعك به – أقصد رينيه ديكارت. هو فرنسي قح. إذن طالما أن الوضع بهذه الصورة لايمكن في أيّ نظام ثانوي أن يكون ملزما مبدأ النشاط الحر الذي ، كما معلوم ، تطالب به الإرادة الحرة. ولهذا السبب بالذات قرر الفرنسي أن يفصل العقل عن الجسم وبهذه الصورة العمل على فصل الذات عن الطبيعة. لكن رغم ذلك فهذا الموديل ليس آليا تماما. وها أني وصلتُ الى لب المسألة إذ لا أريد الإسهاب في رسالة لست واثقا تماما من وصولها اليك. لكن كما تعرف ، وأنت كنتَ ذلك الثرثار الكبير ، لايكفي الكلام  القليل وخاصة إذا تعلق بمعضلة عويصة كمعضلة الإرادة الحرة.  لكن لأبدأ بنظرية إطالة مدى قوانين السببية. نشأت هي حين وجد علماء الفيزياء  أن لامكان للكلام عن إزالة حضور الصدفة في الطبيعة اي إزالة اللاجبرية. هناك نظرية الكم التي كما أخمن ظهرت قبيل رحيلك ، والتي تحتفظ الجزيئات فيها  بإحتمال نشوء حالة قريبة من تلك الإرادة الحرة ولنسمها ، للسهولة ، بالإعتباطية . وهناك ترجيح قوي بأن الطبيعة تتمرد أحيانا على قوانينها ولاتخلق دائما أنظمة مغلقة. وفي الحقيقة أصاب الجبرية الهزال حين ظهرت مفاهيم عن السبب والنتيجة هي أقل صرامة. أنا أعرف بأن لغتي هذه ستتعبك وأنت في قبرك. لكن عزائي الوحيد هو أنها لا تنتمي ، والى حد بعيد جدا ، الى إحدى ثرثراتك التي كما أستنتج ، وبرهاني هنا شخصيتك  التي تشكو من خواء ليس بالصغير أبدا ، كانت فارغة حقا. أعترف أيضا أن أمرين يمنحاني الغبطة الآن : الأول طول رسالتي ، والثاني أن معضلة الإرادة الحرة  بل كامل الفلسفة التي هي رفيقتي وحتى قبل عملي في شركتكم ، كانت مجهولة عندك وغريبة على حياتك التي أردت لها أن تكون ممتلئة بمضامين أخرى. ليس قصدي هنا إخبارك بهذا الفصل  وذاك من سيرتي ، بل أن أبين بأنك لم تكن تملك كامل تلك الإرادة الحرة حين إتخذت قرارك الآنف الذكر. لكن لأبدا بتنويرك بالمقصود بالجبرية التي تقول بأن لكل حدث سببه مما يعني أنه يمكن توقع كل حدث إذا عرفنا الشروط الإبتدائية وقوانين الطبيعة. ووفقا لذلك يكون التأريخ الممكن والوحيد للعالم ، وبذلك للإنسان ، هو أن لا يحيد عن سكة واحدة لا غير ، أي أنه طريق مرسوم مسبقا. أما أصحاب الإرادة الحرة فيراهنون على حصان آخر : أي شيء يفعله البشر بمكنتهم أن يفعلوه بصورة أخرى. وقد يأتي بالراحة لعظامك إذا قلت بأنه لغاية الآن ليس هناك من غالب ولا مغلوب في حلبة الصراع بين الجبريين وأنصار الإرادة الحرة . وفيما يتعلق بي عليّ الإعتراف مرة أخرى بأن قرارك بتعييني بذلك الراتب كان من ناحية تعبيرا بيّنا عن إرادتك التي كانت حرة ظاهريا حسب ، أي حين نستثني البعد الأخلاقي الذي ، وقد لاتعرف ، هو من أقوى كوابح مثل هذه الإرادة. لكن ما أكتبه عن هذا البعد لا يحتمل التعميم الذي يؤهل عموما لنشوء االعقائد الجامدة بشكل خاص. فأنت حين كنت تشرب الويسكي في نادي العلوية مثلا وجدتْ إرادتك الحرة تجسيدا مطلقا لها. وأقصد بالضبط حين  إخترت هذا الصنف من الويسكي وليس آخر. معلوم ايضا أنه ليس سهلا تبيان أن التفكير الأخلاقي يمكن أن يكون عقلانيا. مثلا كيف الجمع بين فرض عمل الخير والآخر المتعلق  بتحريض الذكورعلى معاملة النساء  كأرض عليها أن تكون محروثة سواء أردن أم لا ؟
    قد يخلق يا سيدي ما كتبته في هذه الرسالة تعقيدا غير مفهوم لديك ، ولدى كل من يبحث عن الملموس وليس النظري أوالتجريدي في الحياة ، لكن الأمر عندي  مفهوم وملموس منذ البدء ، أي أمر قرارك الظالم ذاك. وهل تعرف يا سيدي أين المفارقة في هذه العلاقة الغريبة القائمة بيننا ، بين ميت وآخر لايزال حيّا ، هو أني فشلت في تفنيد قرارك ولأنه كما قلت ليس هناك غالب ولامغلوب بيننا نحن الإثنين.
     في ختام الرسالة عليّ أن أكون صريحا مرة أخرى : لا أزال أحتفظ بنفوري منك. والغريب أن صندوقي الأسود بارك هذا النفور الذي كان قد نشأ منذ أول لقاء لنا. وإذا أردتُ التصديق بإحدى الفرضيات عن أن روح الميت تبقى تطوف في أماكن تواجده السابقة ، فانت تعرف الآن بأن شركتك كانت قد أفلست ثم جاءت العواصف التي حوّلت مبناها الى مقر يتدرب فيه الشباب المؤمن على السلاح.    أعترف أيضا بأن هذا الإفلاس لا يزال يثلج صدري رغم أن مثل هذا المصير للمبنى لايثلج صدورا كثيرة. عموما ثمة فرصة للتشفي بك وبروحك التي لاشك تعاني من السقطات أثناء طوافها في المبنى وفوقه. وإذا صحت تلك الفرضية عن إجتماعنا في العالم الآخر، أرغب أن أؤكد لك بأني سأعيد عليك ما كتبته في هذه الرسالة ولربما أكثر ، فلدي رغبة أنا قادر على مقاومتها لغاية الآن لكني لا أعرف ماذا سيحصل إذا إلتقينا ، وهل أن الأرواح قادرة مثل الأجسام على أفعال مثل الكفخات والجلاليق إلى آخره. 

                                       الفصل الثاني

                          عن قصور بيولوجي يكون خطرا أحيانا


- الولادة هي أولى جميع الكوارث وأكبرها. أمبروز بييرس
- الإنسان هو قصور حيّ. خوزيه أورتيغا ي خاسيت

أردت لهذه الرسالة أن تكون بلا مقدمة محشوة بتلك الصياغات التقليدية عن الإحترام وغيرها من الجثث المحنطة. ولما غفرت لنفسي ولما غفر لي صباح أن أخاطب ، وبمثل هذه الصورة الغبية ، ذاك الرجل رغم أن عظامه قد إصفرت الآن في قبر كائن في مقبرة سمعت بأنها بعيدة. غير أني وجدت بعد تفكير ليس بالقصير أن علي أن أكون فيها منصفا... كلا ليس منصفا ، فهذه كلمة ليست في محلها ، ربما أن اكون موضوعيا، أي تسليط الضوء لكن ليس بيد مرتجفة ، ولا أخفي هنا بأني ميّال الى النبش في نفوس الآخرين عامة. بحكم قناعاتي ليس هناك من سر في الوجود أكبر من سر هذا اللبون. فكرت طويلا أيضا بالجهة المذنبة : أهي هذا التضخم البشري المسمى بالمجتمع أم فرد معيّن من أفراده. أنا لا أنسى لا الإسم ولا المظهر ، فمثل هذه الأمور محفورة عميقا في الذاكرة. إسمه عاد : فالح. القامة طويلة مع مؤخرة نسائية قليلا. صوت خافت بل شبه هامس. الغريب انه كان يعلو فجأة كي يقارب الصراخ الوحشي. ملامح الوجه مقبولة. ثمة تناسق بين إستدارة الوجه وحجم العينين والأنف والفم. أذكر جيدا أن شفتيه كانتا صغيرتين ، ملمومتين دائما. الشعر مجعّد وكانت فيه خصلة تغطي جانبا من الجبين مما يخلق مع الوجه والمؤخرة إنطباعا بأن هذا الجسم يقترب بوضوح من الأنثوي. فالح محي الدين. ما لفت إنتباهي أيضا أنه كان يختار صبغة للشعر ذات لون رمادي غامق. لم يكن من عائلة فقيرة. وكان له شقيق في أنكلترا. على أكبر إحتمال كان يرسل له صبغة الشعر. كان بيتهم في أحد أطراف المدينة. بيت كبير تحيطه أشجار الفاكهة. كانت هناك أمه وأبوه وشقيقتان. معهم زوجته التي تركته بعد إتفاق بين العائلتين. لا أعرف هل كان هناك طلاق أم لم يكن. لم تنجب أطفالا. أنا لم أرها كما لم أعرف هذه العائلة . مجرد أخبار عنها من هنا وهناك. فالح كان معلم صباح. حينها كنت على وشك الخروج من السجن بل فصلت بين إستعادتي حريتي وفاجعة إنتحارصباح ستة أيام بالضبط. وقد يكون البعد الإيجابي الوحيد لنكبتنا العائلية هذه أن كراهيتي تعمقت لإثنين : فالح والله الذي لم يفعل شيئا كي يؤجل هذا الموت. وفي كل مرة كنت أفكر فيها بهذا الموت ، أسعى الى تبرئة الرب. فستة أيام لم يكن بمقدور أيّ جهة إختصارها الى يوم واحد مثلا ، لا مدير السجن ولا وزيره ولا رئيس هذا أيضا ، وحتى لو كتبت عريضة إسترحام ، وهو أمر غير مألوف لدى السجناء السياسييين ، الى تلك الجهات لما حصل النظر فيها والموافقة عليها في بحر ستة أيام. إذن أبعدت الذنب المباشر من جانب السلطات. بقيت هناك المصادفة التي لا أعرف كيف ألعنها أو أكتب رسالة إدانة إليها. بهذه الصورة ترسخ يقيني أن المذنب الأول والمباشر هو فالح. البارحة ، أي قبل البدء بكتابة الرسالة إليه فكرت بأننا وحوش جميعا وخاصة في بلد كبلدنا ، لكن ما يشفع لنا أن الوحشية على درجات. فالفرق كبير ، كما في حالتي وحالة صديقي شاكر الذي تعرض الى التعذيبين الجسمي والنفسي قبل المحاكمة والسجن في حين أني لم أتلق سوى بضع صفعات : كانوا على معرفة بأن دافعي الرئيسي لحضور ذلك الأجتماع السرّي هو الفضول. بالطبع لم تكن هناك أي ضرورة للتجلبب برداء المكافح ولوك بضع كلمات معروفة معادية للسلطة أمام ممثليها في تلك الدائرة المثيرة للكدر حقا. وحشية فالح كانت في ضعفه الذي قاده الى الإيقاع بصباح. أنا كنت أعرف فالح لكن من بعيد. ولما صدّق كثيرون بأن ضعفه إنحدر الى درك كهذا وإلا كيف الإقتراب بمثل هذه الطريقة الحيوانية من طفل كبير. لكن بعدها تضاعف العمر بسرعة ، بصورة إرغامية. وأظنها سلسلة طويلة من المصادفات إلتفت كالأفعى على صباح وكتمت أنفاسه. وأكبرها كما أظن أن صباح قررالقفز من شجرة التوت الى النهر ، ولو كان يعرف السباحة لحصل تأجيل لقرارالموت، ولإستغرق ذلك تلك الأيام التي كانت تفصلني عن العودة الى الحرية. طفل كان يفكر كما البالغ. عرف أن الفصل صيف والوقت قيلولة ، ولا أحد هناك كي ينتبه الى القفزة الأخيرة في حياة كانت قصيرة.
لا تظن يا سيد فالح بأني لا أفهم شيئا في علل مثل علتك. أستدرك هنا ولا أنعتها هكذا ، إنه ميل طبيعي لكنه بالطبع ليس ذاك الآخر لدى أكثريتنا. وهل تعرف بأن هناك في ذلك العالم المتمدين من إحتج على درج ميلك فى صنف الإضطرابات النفسية. وفي الأخير ، أي في أواخر الثمانينات نجح المحتجون وحذفت المثلية من قاموس تلك الإضطرابات. لكن بعض المختصين تحايل على ذلك وأخذ يستخدم صياغات مثل ( إضطراب جنسي ) أو ( إضطراب هوية الجنس ، أي هل هو ذكوري أم أنثوي ). لاتظن أيضا بأني هبطت من القمر ولا أعرف زمكاني. لكن هناك فارقا أكبر من كبير بين ميلك الطبيعي والآخر الذي خلقه وغذاه تضخمنا البشري. فالأطفال والدواب بل الدواجن وحتى الأموات فسحة تفريغ. هناك تفريغ آخر ، يؤديه الرجل والمرأة على السواء ، في عزلة أو شبهها ، فالأمر يرجع الى الظرفين الزماني والمكاني. إنه تفريغ لا يشفي الغليل كما يقال. إذن لنبحث عن حايط نصيص ، و في أغلب الأحيان نعثر عليه في الفسحة الأولى. ولأخبرك هنا بما كان يحدث عندما كنت وراء القضبان. الميل ميل والجوع جوع. في الحالة الأولى إنتبهت الى المغناطيس الذي يجذب الطرفين. إلا أن التضخم البشري الصغير هناك لم يسمح بالعلنية. هنا ، وأنت العارف ، لابد من السرية. أنا أقصد هنا التفريغ الآخر. وهو محاط بالسّرية أيضا ، لكنها ليست مثل تلك. وأعترف أمامك بأني بعيد عن الإثنين : الميل والإنحراف الذي كان له هناك منفذه المتفق عليه. الغريب أنهم وجدوه في أحدنا ، وكان رجلا دميم الوجه وهزيلا لا يملك تلك المؤخرة التي توصف عادة بالريّانة. لكن هذا شأن آخر ، أي شأنهم ، فأنا كنت ( ضيفهم ) وفي أحسن الأحوال . مجرد مشروع إنتماء أو وعي لم تفلح شتى الدروس والمحاضرات على ( إنضاجه ). ولأترك هذا الكلام ، فالقصد آخر من هذه الرسالة.
    الأكيد أنك كنت الممثل الرئيسي في فاجعتنا. وكم من مرة فكرت بالامر، وكنت أجد دائما أن السبب غير المباشر لما حدث هو جهلك المطبق بالتفرقة بين الميل والإنحراف ، ومن ثم إختصارك الطريق الذي يطيله تضخمنا البشري بإستمرار. كان إختصارا كله مجازفة وخفضا لما يسمى بكرامة الإنسان رغم علمي بأن مصطلحا مثل كرامة الإنسان هو قاموسي صرف وحياة كحياتنا لاتحتاجه كثيرا. الأصح القول أنك قد إختصرت الطريق ولأن تضخمنا البشري قد حاصرك وسدّ بوجهك كل الطرق كي يجد ميلك الطبيعي مسارا طبيعيا له. فهذا التضخم لا يأبه بالحقائق بل بأمور أخرى. وأنت راقد في قبرك الآن ، بالأحرى عظامك راقدة وحدها ، لاتفيدك بشيء تلك الحقائق تماما كما لم تفدك حين كنت بيننا. فالمثلية مرجومة رغم أن حقيقتها لا تترك أي فرصة للرجم. إن ميلك ذو أساس بيولوجي لكنه يقاوم آليات الإنتقاء الطبيعي ، وهو رابض في الجينات منذ آلاف السنين بل منذ أن ظهرت الفقريات ولربما منذ نشوء الأنواع أو ما قبله أي حين كانت الخلايا غير مشطورة الى ذكورية وأنثوية. وقد تسأل معي الآن : إذا كان لميلك أساس بيولوجي فلماذا لا يحصل على إعتراف البلدان والثقافات والأديان والأنظمة الإجتماعية والإقتصادية  ؟  ولا أعرف هل ستثلج عظام صدرك هذه  المعلومة : سجل العلم أن أكثر من ٢٠٠ صنف من الفقريات تمارس اللواط والسحاق ( أرفق بالرسالة صورة هي دليل بيّن على مقولة العلم هذه ) ، والله وحده يعلم أيّ أصناف أخرى من الموبقات تمارس أيضا. بالطبع لبعضها شبيه بميلك الطبيعي. لا أعرف بالضبط كيف الكلام معك ، وما هي حصيلتك المعرفية ، وهل توقفت قبلها عند ظاهرتك الطبيعية ، وهل تفتق ذهنك عن حلول أخرى غيراللجوء الى الإعتداء جسميا ونفسيا ، على الأطفال ، ولربما ليس الأطفال وحدهم. ظاهرتك البيولوجية القوية هي في كل مكان وزمان. إنه الجنس لا غير. ولا تتصور بأني عذراء ذكورية إن صح القول. لي تجاربي التي ليست بالقليلة لكنها كلها تمضي بالإتجاه المستقيم. ومن دون كلام مفصل أذكر لك حادثة قد تبدو بعيدة عن موضوع رسالتي هذه :
     قبل إعتقالي إختفيت في بستان عم لي ، ليس بالبعيد عن المدينة ، بقيت هناك حوالي الشهر. في البدء كانت زيارات الأهل يومية الى أن أبديت الإنزعاج فصارت كل أربعة أيام. بعدها أخذت تزورني بهيجة ، يتيمة ربّاها أحد الأعمام. بعد دقائق من مجيئها في أولى الزيارات خلعت ملابسها وإقتربت مني ثم بكت بتلك العصبية التي تشتهر بها نساء البلد. قالت لولا أنك من المتعلمين أي الفاهمين أكثر من غيرهم لما أقدمت على هذا الشيء. ( ما أدري منين هالخبال ). قالت بغيظ وهي ترتدي ملابسها بعد أن أطلقنا العنان لجنس مخبول حقا. لم يكن هناك أيّ رقيب. لا أعرف لم شعرت بأن العالم قد إختفى بكامله وأن الإنتعاظ كان يشبه نهاية الإحتضار. لا أذكر أين قرأت هذا التشبيه. طمأنتُ بهيجة بأن كل هذا سيبقى سرا. وعدتها أيضا بأني سأعرف جواب الطب على ما أسمته بالخبال. لا تتصورْ يا سيّد فالح ، بأن( سعار الرحم ) كما يسمون حالة بهيجة ، يمكن إطفاء حرائقه مرة واحدة . أبدا. لابد من طفوه على السطح ، كما الفلينة في الماء ، عقب كل غطسة في الجنس. بهيجة تتعذب كما تعذبت أنت. لكن هل تعرف أين الفارق ، ولكم هو مقيت ، بينكما ؟ بهيجة تمضي بأستقامة باحثة عمن يطفيء حرائقها بينما إنحرفت أنت صوب الأطفال.

  هناك عالم جنس فسر المثلية بأنهاعاقبة رعاية الحد الأقصى للطفل من جانب أمه وبغياب الأب. وقد تتفق معي بان هذه الرعاية لاتعدو كونها عاملا إضافيا، فالجينات هي التي حسمت مسألة ميلك ، وكان مشؤوما في حالة شقيقي الأصغر صباح. فبفضل علم المورثات صرنا نعرف أن كل صفة تضعف قدرة أحدهم على تكاثر النسل وبالعلاقة مع شريكه في عمليات التكاثر هذه ، ينبغي أن يتم الحد منها و إستثناءها من منطقة الجينات. بهذا الصورة يتحقق ما يسمى بالإنتقاء الطبيعي : فالحيوانات السليمة تتكاثر وتضاعف جيناتها بصورة أفضل من غيرها. وإذا اردت أن تعرف أكثر عن عارك الذي أبقيته لنا وتمددت في تابوتك الذي كان طوق نجاة أيضا، فالمثلي هو معذب أبدي لكنه ليس بالقديس، أقول لك بأن كل تهجين مميت لايسمح بنقل الجينات الى أجنة أخرى وهي حالة نادرة جدا وشبيهة بحالة إتلاف مقطع من ( دي أن أي ). ولهذا السبب بالذات تحصل وفية واحدة في كل مليون ولادة سليمة. أنا لست متطوعا للدفاع عن ميلك ، لكن الحقائق هي الحقائق. في شتى البلدان التي تتوفر فيها الجرأة والحس الواقعي أيضا يكون ثلث عدد السكان من ذوي الميول المثلية. نسبة عالية ، أليس كذلك ؟ وهي قد تثلج عظامك.
أعود الآن الى أسباب مثليتك. العلم يعترف أيضا أن آليات نشوء الميول الجنسية ليست بالبسيطة ولا الواضحة. على أكبر إحتمال تكون هذه العملية نتيجة تجمع عدة أسباب بينها :
- المشروطيات الجينية.
- التجارب المثلية في عمر المراهقة والبلوغ.
- تأثير هورمونات الأم على الطفل في الفترة التي تسبق الولادة.
- تأثير الوسط التربوي والآخر الخارجي.
- العلاقات العائلية.
   والآن هل ثمة أمام الإنسان فرصة إختيار الميل الجنسي ؟ مفهوم أن أسباب الميل مجهولة أو لأقل بأنها تنشأ بصورة لاواعية ولا تأثير لك عليها. بعبارة أخرى كانت حالك شبيهة بحال الإنسان الآخر الذي يمارس علاقات جنسية كما بين الرجل و المرأة. أكيد أنك لم تسأل النفس حينها : هل هناك من علاج ؟ أجيبك رغم معرفتي بأن لاشيء يغيّر ما حدث لصباح : طالما أن الأسباب مجهولة يصعب العلاج.

    أظنك كنت ، شأن الأكثرية ، من المؤمنين المعتدلين : من دون صلاة وزكاة وحج . وربما ُصمتَ تضامنا وتجنبا لوجع الرأس ، مع الباقين في البيت. أعترف بأني فعلت الشيء نفسه. كنت تؤمن بربك ونظاميه الأرضي والسماوي. إلا أن للشهوة طغيانها. دكتاتوريتها تجتاح كل السدود والقيود! الدين الحنيف يعتبر المثلية خطيئة خطرة على العائلة والأخرى الكبيرة المسماة بالمجتمع. وكالعادة تقع كل الأديان في الخطأ نفسه حين تتعامل مع الجنس : المثلية تستحق النارين نار الحياة الدنيا والآخرة الجهنمية. أكيد انك عشت مع مثليتك قرير العين وهانيء البال ، وهنا أسمح لنفسي بقليل من الهزء ، فالمثلية لا وجود رسميا لها في تضخمنا البشري بل هي دملة مجهرية وقد تكبر في تلك الهوامش البائسة والملعونة من قبل تضخمنا هذا. إنها ليست مشكلتنا بل مشكلة تضخمات بشرية أخرى. هناك في الغرب مثلا. قبل أن أكتب هذه الرسالة نبشت هنا وهناك كي أعرف كيف هي الصيغ التشريعية ضد المثلية تحت المنائر. أنا مدرك بأن كل هذه المواد القانونية لاتعنيك بشيء الآن. بالطبع أنا لست واثقا ، فقد يكون هناك من ينتشل عظامك من القبر ويجمعها بروحك كي تحاسب بصورة مشتركة على فجيعة صباح. طيب ، ثلاث مواد في قانون العقوبات التركي تجيز معاقبة المثليين وهي 419 ، 547 ، 134 . عموما يلاحق المثليين في تركيا طرفان : الإسلاميون والبوليس. أما في إيران فحدث ولا حرج ! فهناك مواد بدءا من 127 الى 134 تحدد العقوبة على المثلية. المادة رقم 129 تتوقع مائة جلدة على السحاق ( طلب المغفرة يسمح برفع العقاب إلا أن ممارسة السحاق للمرة الرابعة تؤدي الى صدور الحكم بالموت ). عموما عقاب المثلية هو الموت. أكيد انك تعرف الكثير عما يجري في التضخم البشري المجاور ، ولا أجد حاجة الى التكرار. فالى جانب الصلاة الجماهيرية وبورتريهات خميني والحكام لاشيء في ذاك التضخم غير التعصب والإعتداءات الجسدية. وهل تعرف أن الإسلاميين يلاحقون حتى المتصوفة الذين وجدوا عندهم ميولا مثلية عندما يتوجهون وكلهم وله وشده الى ربهم. اليهود والنصارى يشمئزون من المثلية. قرأت لك في التوراة إن كل من له حضور جسدي مع الرجل وكما الحضور مع المرأة ، يمارس القبح. وعلى الإثنين يحكم بالموت، فهما من جلبا الموت لإنفسهما. لكن هذا أمر لا يعنيك لا من قريب ولا من بعيد. فأنت تنتمي الى تضخم بشري آخر.

    فكرت أكثر من مرة : هل هناك حاجة الى هذه الرسالة طالما أنك لست بيننا. إلا أن الرغبة في الإنتقام ، وأقولها جهارا ، تقض مضجعي. أنا أعرف أن للإنتقام سلمه . في أسفل السلم درجة الحقد والإحتقار الدفينين، والدرجة الأعلى تعني المطالبة بالموت أو إنزال أكبر مصائب على رأس المنتقم منه. فكرت أيضا بأن رسالة كهذه ستجد لها ، ومن دون شك ، درجة من بين درجات هذا السلم. لاتتصور بأن الإنتقام صار هاجسي الوحيد. صحيح أن عزلتي تضخم كل الأمور وتدفعني الى الرجوع ، وللأسف ، بذاكرة هزيلة الى الماضي. إلا أن فكرة كتابة هذه الرسالة و إيصالها إليك لم تكن في كل الأحوال إحدى النزوات أو وليدة مزاج هوائي. كلا ، ومن دون اللجوء الى الكلام المفخم او الرنان ، أريد إخبارك بأن تلك الفكرة نبعت من واجب أهملته طوال تلك السنين التي أعقبت رحيل صباح. ليست نيتي التعرض لعظامك التي إهترأت الآن من دون شك ، بل ما يهمني أولا وأخيرا هو روحك. لا أعرف إن كان وجود الآن ، في عالم القبور ، لما يسمى بالضمير وغيره من القواعد الأخلاقية ولولا رغبتي في عدم الإطالة لقمت من أجلك بإستعراض للتحولات التي طرات على الكثير من هذه القواعد. وفي الحقيقة لا تهمني هذه المعرفة ولو قليلا. فرسالتي هذه أعاملها كفرصة للطرح والإفراغ ، وأكيد أني سأكون في غاية القناعة إذا كانت وسيلة إنتقام أيضا. وكما ذكرت سابقا أنا لا أريد الإنتقام على مثليتك، بل على الإنحراف الذي قمت به. أعيد الكلام وليس كعزاء لك بل للتمسك النزيه بالحقيقة : المثلية ليست مرضا. وعموما أين هو السوء في علاقة جنسية بين رجل ورجل. أكرر القول : بين رجل ورجل وليس بين رجل وطفل. كما أني بعيد عن الحكم على المثلية وفق معيار أخلاقي. فهي مجرد شكل من أشكال الحياتين العاطفية والجنسية. لكن المهووسين من واجهات العالم يحوّلون كل الأمور،وليس المثلية وحدها ، الى براكين ينبغي إخمادها وإلا لفني الجميع. هاينريخ هملر اليد اليمنى لهتلر ، قال في خطاب له من عام 1937 بالحرف الواحد : ( هناك المثليون الذين يعتبرون أن ما يفعلونه يتعلق بحياتهم الخاصة. إلا أن الحياة الجنسية كفت عن أن تكون حياة خصوصية ولأنها تخص ديمومة الأمة. وهذا هو الفارق بين السيطرة على العالم وبين تدميره. الأمة التي تملك عددا كبيرا من الأطفال بمقدورها أن تحكم العالم. والأمة الطاهرة عرقيا ومع عدد صغير من الأطفال تقف أمام قبرها وفيه إحدى ساقيها ، وبعد خمسين أو مائة سن سوف لن يكون وجود لها ! و لذلك علينا جميعا أن ندرك بأنه لايمكننا أن نسمح بتفشي هذا المرض في ألمانيا وعلينا مكافحته... وهو أمر مهم للغاية كي نقضي عليهم وليس بدافع الإنتقام بل الضرورة الحياتية تملي علينا ذلك ). ولولا قتامة وفجاعة الموضوع لرددت عليك ما سمعته مرة من رجل ذي نزعة كلبية طاغية : الحب الحقيقي والنبيل هو المثلي وحده. في أيامنا هذه هو أمر مخجل النوم مع إمرأة ، فمعنى ذلك أنه ينبغي النوم مع أقلية مضطهدة. وتشفيا بالسلطة على الرجل أن يكون لوطيا.
     أنا أضيف الى ماقاله الكلبي بأن المثلية كان موضع العبادة في الأزمان اليونانية القديمة وغيرها. سمعتُ أيضا أن المثلية مذمومة و لأن الغاية من كل فعل جنسي هو إنجاب الأطفال. لكن إذا لم يقدرالزوج والزوجة على هذا الإنجاب ؟ اللجوء الى أبغض الحلال عند ربهما ؟ عجبا لهذه المفارقة ! كان ينبغي الحيلولة دون ظهور المثلية كي لا يلجأ العبد الى أبغض الحلال. لكن يا سيد فالح لا علينا أن نضيع رأس الشليلة. العلة ، وأقولها مرة أخرى ، ليست في المثلية بل في تحقيقها بصورة أثيمة. وقد تسأل من أين عرفت بكل ما حدث بينك وصباح. أستطيع أن أشبع فضولك : أكيد أنت تذكر فرّاش المدرسة الأعرج. لا أقول بأنه من الصنف السيء إلا أن الفقر مذلّ حقا. بعد رحيل صباح ، ربما بأسبوع أوأسبوعين ، إنتظرني الأعرج في الشارع كي يخبرني بأنه كان ولأكثر من مرة ، شاهدا لما حدث بين المعلم وتلميذه. ( صدقني يا أستاذ بأني أردت أن أتدخل. لكن ماذا سيكون حالي أنا الفقير ، وهل سيرحمني أحد ؟ ). أكيد أنها حجة قوية. من كلام الفراش عرفت بأنك كنت تبحث في صباح عن رجل للمرأة التي هيمنت على كل ما فيك. كانت هي بهيجة أخرى لكن من النوع الثعباني وديدنها التسلل حسب...
     أردت أن أمزق هذه الرسالة بسبب لا جدواها. لكني سأرسلها. وقد يكون وصول جوابها أمرا غير طبيعي بل بالغ الغرابة لكني لا أكترث البتة لذلك. فما يكفيني تحقيق فكرة كتابتها. كما يكفيني الأمل بأنها جاءت سبيلا من سبل الإنتقام رغم أنه أهونها. لا أعرف كيف ستخبرني إذا سألتك هل بقيت مثليا في عالم الأرواح أيضا ؟

                           الفصل  الثالث
  
                          عن تلك الصفعة

 - الأكثر سهولة هو التعرف على البشرية وليس على الفرد. فرانسو ا  لا روشيفوكو

      كنت مترددا لوقت طويل بخصوص هذه الرسالة : هل أكتبها الى إسماعيل أم الى إبراهيم. قائمة المذنبين بحقي والأقربين وحتى الأبعدين طويلة. لكن وكما علمونا يكون الأقربون أولى بالمعروف. فزوجة إسماعيل ، وكانت زوجته الثانية ،( الأولى مجنونة لكنها أنجبت له خمسة اطفال واحد فقط من بينهم إنتقل إليه جنون أمه ) هي الأقرب إلي. جميلة ذات عينين يقع الله نفسه في سحرهما. وديعة الى درجة أنه مرغم أيضا على درجها في قائمة ملائكته. ماهذه الكلبية منذ الصباح ؟ وكيف ؟ فكل شيء يستفزك كي تطلق هذه من عقالها. الأرض وما فوقها ، والسماء وما تحتها ، أكيد وما فوقها وما فيها أيضا ، إذ لا شيء هنا ولاهناك على ما يرام. أعود الى نازك ، أي شقيقتي الكبرى التي عرفت جهنم ، لكن على الأرض ، ومن صنع أحد مخلوقات ربنا ( من هنا عتابي بل غضبي وتمردي عليه ، وإلا أين الحكمة من خلق جحيمين- واحد هنا وآخر هناك موعود ؟ قرات مرة كلاما هو أكثر إقناعا مما قلته : لا أعرف كيف أتصور الله الذي يكافيء ويعاقب الكائنات التي خلقها بنفسه ، الله الذي كانت خطته مرسومة وفق مقايسنا – بإختصار: الله الذي هو لاشيء آخر غير إنعكاس لحالات الضعف البشري. أعترف بأني ا ضائع بل أكثر : أنا مذعور طوال الوقت. لعنتُ التقاعد. فلو كان هناك عمل لثمان ساعات وهموم يومية اخرى لما فكرت بمثل هذه المسائل التي هي خطرة على الصحة النفسية قبل غيرها. غير معلوم متى سأقف على الحافة ومتى ستأتيني الدفعة في الهاوية. الهاوية. يالها من كلمة طنانة ! في حياتي لم أر هاوية حقيقية. صحيح أني وقفت أكثر من مرة على مرتفع لكن لم يكن هناك أي خطر مباشر للسقوط الى أسفل. أمان في أمان. ماذا ؟ أليس هناك أمان الآن ؟ ها أنت غارق في هدوء حياتي. نهارك وليلك يمضيان كما مويجة صغيرة مرحة في جدول مستو ليس فيه ولوأقل ميلان عن سطح الأرض. حتى روماتزمك ليس من النوع الثقيل. إذن كف عن الشكاية ! الظاهر أنك نسيت الكلام عن هذه الرسالة والى من سترسلها. طيب ، لنتحدث بصورة عاقلة وهادئة. بدل التمتع بهذا الفراغ التقاعدي اللذيذ ها أنك تبحث عن مشاغل متعبة وهي في الواقع مضحكة أيضا : تحرير رسائل الى الموتى ! إذا أردت سماع نصيحة صغيرة مني فهي ان تنبذ فكرة الرسائل الى الراقدين تحت التراب وتقتل الوقت بالكتابة الى الجرائد ، الى حقل القراء وما شاكل ذلك ، وإذا وجدت القدرة والكفاءة فأبعث لهم بمقالات أو نصائح عملية في مجالات كالعناية بالزهور أو الطبخ رغم أنك هنا أطرش بالزفة !
كان مثل هذا الصوت يريد إقناعي بأن أصرف النظرعن الإنتقام من الموتى ، فلا الذوق ولا الأصول تسمح بإقلاق من تركونا الى الأبد. الى الأبد ؟ من أين هذا اليقين ! الكل مؤمن بالأرواح والبعث. صحيح لم يحدد هو أيّ موعد للبعث ولم يتكلم كثيرا عن الأرواح وكيف حالها وأين مكان سكناها الآن. إذن ، الكتابة الى الموتى ليست محرومة تماما من المعنى. وقبل كل شيء لامعنى لكل هذه التفرعات في التفكير. كنت قد إتخذت القرار بكتابة الرسائل ، وكل ما في الأمرالآن هو إختيار الميت الذي ستعنون إليه الرسالة االتالية. أنا مقتنع الى درجة كبيرة بأن إسماعيل يستحق أن يكون ثالث من أريد الإنتقام منهم. إذن لننه النقاش ، ولأبدأ بكتابة الرسالة :

     كنت أناديك ( عمو ) رغم أنك كنت زوج شقيقتي. لكنه كان شيئا معقولا. فأصغر أبنائك من زوجتك الأولى كان أكبر مني في العمر. إذن لاعيب في هذه ال(عمو). العيب وغيره في مكان آخر. والغرض من هذه الرسالة هو الكلام عن هذا العيب ومساوئك الأخرى. ها أني متقاعد منذ سنوات.هل تعرف ماذا كنت أفعل أثناءها ؟ لاشيء على الإطلاق. أستدرك قليلا : كانت حواسي تفعل. العينان خاصة. مثلا تصفحت البارحة ألبوما عائليا. كانت فيه صور لك. حتى ضحكتك هنا تكشف عن آمريتك ! في معظم الصور أفراد كثيرون من الأهل لكنك في الوسط دائما. لكم كنت أمقت إبتسامتك التي أراحني القبر منها الآن ! في نهاية العمر صرت متبسطا معنا لكن صوتك بقي يلعلع ، ومكانك بقي في الوسط. وما إختفى كان جزء ليس بالصغير من ذلك الحنق ، ذلك الغيظ الدائم الذي جسّدته بأسوأ الأدوات : حنجرة من معدن بل بركان يقذف صوتا – بوقا من أبواق النشور. كنتَ والأب تجسيدا نموذجيا لإحدى المفارقات الربانية : صوتك الرعدي وصوته الهامس ، لؤمك ومحبته المبالغ فيها. أذكر هنا عتبك بل غيظك من تلك المحبة. مرة سمعتُ نصائحك إليه كي يترك مثل هذه المحبة ولأن لها تأثيرا سلبيا. أنت وحكمك عن التربية ! لا أقول بانك لم تحرص على نجاح أطفالك الخمسة من تلك المجنونة. أثنان صارا موظفين من الدرجة فوق المتوسطة. البنت تزوجت عقيدا في الجيش ورحلت معه الى أميركا بعد أول إنقلاب حدث في البلد. واحد دعسته سيارة مصفحة أثناء الإنقلاب الثاني. أما الخامس فكان فاشلا في كل ميدان لكنك جعلته ناجحا بفضل عبقريتك في قضايا المحسوبية . كلا ، ليس القصد من الرسالة الكلام عن أطفالك الخمسة وماذا عملت لهم، حتى أني أجد مثابرتك من أجلهم ما يلجم ولو قليلا رغبتي في الإنتقام. القصد هو أنك كنت تجيد سحق مشاعر من هم تحتك. وأنا ونازك كنا من بينهم. هل تذكر كيف تمردت هي في الأخير وتركتك مع ( كومة أطفال ). إستأجرت بيتا في المنطقة نفسها. كانت بإنتظار تنفيذ ما أعلنته في تلك الظهيرة حين حط أبليس على منكبيك العريضين: „ أنت ِ طالق ، أنتِ طالق ، أنتِ طالق ! ). أكيد أنك تتذكر سبب صهيلك آنذاك. ( المرقة ملحها زايد. شنو إنتي عمية لوما جان عدكم بالبيت ملح ودتطلعين الحيف بمكان أمّج ! ). إلا أن السبب تبخر ، فبسرعة أدركت َ سخفه وحوّلت الدفة صوب سوء معاملتها للأطفال الخمسة. نازك جلبتني الى بيتها الجديد كي لا تتعرض للقيل والقال: مطلقة تعيش لوحدها. كنت صغيرا ولم أساعدها كثيرا. لن أنسى أبدا قدومك في ذلك الصباح. فتحت لك الباب. لم تقل حتى تلك الكلمة المعهودة ( شلونك ) بل دفعتني ومضيت الى البهو. كانت نازك تشرب شايها. حينها خمد ذلك البركان - همدت لعلعة الصوت وصار اللسان ناعما. أكيد أنك كنت قد هيأت تلك الأعذار طويلا. وحتى لو لم تكن قد هيأتها فنازك كانت وديعة الى حد السذاجة وأنا كنت مدهوشا ، مثلك ، من تمرد نازك حينها. وهكذا حققت ما أردته. عادت نازك الى البيت. ولم يحصل الكثير من التبدلات عدا واحد : صرت َ تفرغ حنقك ولعلعاتك على غير رأس نازك. صارت مشاكساتك لها غير مباشرة. هي فهمت أيضا بأن هذا هو قدرها ، ولابد من قبوله ، ولتضحّ مثل بطلات تلك القصص والأفلام المصرية التي لا تزال رائجة.
قد تكون صدمة لعظامك إ ذا قلت الآن إن الدافع الآول لرغبتي في الإنتقام هو تلك الكفخة التي تلقيتها منك حين أقنعت نازك بالعودة الى البيت وجئت بتلك الشاحنة القديمة لنقل الأمتعة والذي حصل على عجل. كنت أبحث عن حذائي كي ألبسه وأذهب معكم . جئت أنت الى تلك الغرفة الخالية وعاد صوتك الملعلع : حمار إبن الحمار يلله ، إطلعْ. كانت الكفخة قوية الى درجة أني كدت أفقد توازني. ثم مسكتني من ياقة دشداشتي ودفعتني صوب الخارج : يلله أرجع للبيت. وهكذا رجعت الى بيتك حافي القدمين. لم يكن البيت بعيدا. وأنا لم أنس الطريق حينها وكيف تجنبت شظايا الزجاج والحصى والفضلات. وقد تستغرب كثيرا إذا أخبرتك بأن الرغبة في الإنتقام منك كانت قد ولدت في ذلك الطريق. الكفخة وذاك الطريق وليس إضطهادك لنازك وكراهيتك التي كنت تطلقها لا على التعيين في غالب الأحيان ، هما الدافع الرئيسي كي أكتب هذه الرسالة. والآن كن صريحا وأجب على سؤالي : هل كنت تشعر بأن كراهيتي لك قد تضاعفت بعد تلك الكفخة ؟ لا أظن. فأنات لا تأبه بمشاعر أيٍّ أحد. غلاظتك هنا بلاحدود. الإستثناء مع من كانت لك مصلحة في أن تصبح الفضيلة واللطف والإيثار مجسَّدة كلها فيك. كنتُ صغيرا لكن لا يعني هذا أني لم أفهم بعض الأمور. كان يخيّل إلي أحيانا أنك تريد دفع جدران بيتك كي تتسع شهوتك غير الإعتيادية في الهيمنة على من بيتك من بشروأشياء. لاحظت أيضا أن علاقتك مع ربك كانت علاقة تبعية. كنت تعرف أنه قادر على إلتهامك وجعلك صغيرا كما كنت في مطلع حياتك – معلما ريفيا ثم بحث محموم عن ظهر تصل بفضله الى المدينة التي فيها كالعادة ألف فرصة وفرصة لإرتقاء ذلك السلم اللعين. سيرتك الوظيفية لم تهمني بشيء إطلاقا. ربما قليلا بسبب نازك التي كما شعرتُ بأنها إعتادت على المعاناة في حياة مع جنكيز خان صغير مثلك. كما تعرف كان السكوت موقفي. لم أجهر أبدا بما في داخلي. مرة ، مرتين نفضت أمام نازك بعض أفكاري عنك وكيف أني حصلت على تلك الكفخة من دون ايّ سبب. قد يكون السبب حنق زوجك في أن عليه أن يسوّي أمور البيت الذي إستأجرتيه آنذاك. أنتِ عرفتِ جيدا ومنذ الأيام الأولى في العيش مع إبن آوى كهذا ، بأن غلطتك كانت جسيمة حقا. وهل تعرفين بأني كنت في منتهى السعادة حين تركتِ وجاره ورفعتِ رأسك في الأخير. إلا أن سعادتي لم تدم طويلا - خمسة اشهر فقط ، وها أن إبن آوى جاءك وعلى منكبيه العريضين جلد حمل ... أوه ، لا فائدة من الكلام ، فأنت تلك الضحية التقليدية. هاجسي الوحيد أن تكوني بعيدة عنه رغم أنه عاجز الآن وعلى أكبر ظن ، فربّه ليس من الصنف الذي يسمح لهذا وذاك بتجاوز الحدود في عالمكم . أنا شبه واثق من أنه ضائع تماما في هذه الآخرة : لا صوت يلعلع ولاجدران يدفعها كي يوّسع مداه الحيوي ، لا أحد يسمح له عندكم باللجوء الى الكفخات. بإختصار : مكان نموذجي كي يتعذب فيه إبن آوى... أنا أعرف بأني أخاطبك في رسالة ليست مرسلة إليك. لكن ما العمل ، هكذا تبدو أعصاب أخيك المتقاعد الذي وقع وليس منذ اليوم في فخ المجهولية واللون الرمادي...
عليّ الآن العودة الى رسالتي الى إبن آوى أو بالأحرى الحصان العجوز الذي فقد صهيله في الاخرة ! :
     ما كتبته عن سيرتك الوظيفية صحيح تماما. وإذا اردت أن تعرف أكثر أقول لك بأني كففت منذ تلك الكفحة عن معرفة ما كنت تفعله من أجل الصعود درجة بعد درجة. وأسفي كبير أنك صرت متقاعدا قبل أن يرفس الضباط هذا السلم وإلا لعدت القهقرى الى مدرستك الريفية ! هل تعرف بأني كنت أراجع النفس في أحيان كثيرة من أجل عيون نازك لاغيرها. أنا أعرف بأن تقاعدك لم يكن تقاعدا حقيقيا. فقد كنت تصول وتجول في أرجاء البيت وخارجه أيضا. لكن في الخارج كان لسانك ذلقا تعط منه أرخص الدهونات. البارحة عقدت مقارنة بين حياتينا كمتقاعدين. أعترف أيضا بأنك كنت تناطح الحياة وتقتحمها مدركا بأنها لاتبدي أيّ مقاومة إزاء إرادتك. كانت كما لو أنها ضباب تخترقه وكنت عارفا بمداه وما وراءه. الحال شبيهة عندي لكن مع فارق واحد: أنا لا أعرف ذلك المدى ولا ما وراءه. وهذا كل الفارق المقرف حقا بيننا. كنتَ مدججا بالسلاح كي تحقق ما خططتَ له ، أما أنا فأعزل ولأني أحيا من دون أهداف. صرتُ مجرد متلق ، عبر حواسي ، لما يطرحه علي العالمان : الداخلي والآخر الخارجي. لدي شعور قوي بأني نائم طوال الوقت- ليلا ونهارا. لكن بعينين مفتوحتين. البيت ليس كبيرا. أربع غرف. إثنتان مهجورتان تماما. غرفة النوم الأخرى للجلوس. لاشيء غير إلقاء نظرات شبه بليدة على الجدران والأشياء الأخرى. ولا أستثني هنا السقف. كل شيء غير طري بهذله الزمن بالصورة الأشد قسوة. لا رغبة عندي في أن أغيّر أيّ شيء. وهذا الفارق المؤلم بيننا. فأنت كنت تقوم بحملة تفتيشية في البيت كل يوم. ويلعلع صوتك : ( هاي شنو. تكسّر الكاشي من هاي القباقيب. ألف مرة حجينا لا تغركون المرحاض بالمي. مو أكو حديقة ، ليش ما تلعبون هناك ؟ دباوعوا شصار بحايط غرفة الخطار). وبهذه الصورة كنت تتمتع بتقاعدك ! لا أعرف إذا كانت الأرواح تملك عيونا ، وإذا لا تملكها أخبرك بيومي التقاعدي : أسدلُ ستائر غرفة النوم بإحكام كي لا يتسرب الضوء. أنا اعرف بأن الساعة جاوزت العاشرة صباحا. لكن لم العجلة ومواجهة يوم هو جديد بالإسم فقط ؟ بالطبع اخذ الجسم أخذ كفايته وعليه أن يعود الى عالم الغرفة وليس البقاء في ذلك الآخر الذي لا أتذكر في الغالب تواجداتي فيه. مرة واحدة خيّل إلي بأني كنت أركض وراء نازك وأناديها لكنها لم تسمعني ، ربما كانت تسمعني و لم ترد أن اذهب معها الى عالمكم. ربما أرادت بتجاهلها ندائي أن تشعرني بأن اللقاء سيكون في القريب وليس هناك من سبب وجيه للتعجيل به. سبب وجيه. هناك أكثر من واحد. أنا هنا لا أفعل شيئا عدا مضغ الحياة بلا توقف لكن من دون إستمرائها وبلعها. غالبما أنظر الى ما كان خلال سنيني الخمسة والسبعين. ربما أثمن إنجاز حققته هو أني من دون أيّ إنجاز. أنا وحيد تماما. وهذا إمتيازي عليك ! فأنت تكون أتعس مخلوق بدون آخرين ، بدون أشياء ، بدون جدران تصلح للدفع ، بدون مشاكل اليومي. وقد يكون إنتقامي منك قد حققته لي هذه الآخرة التي ليس فيها كل ما كنت تناطحه في الحياة الدنيا. لكن لايقين عندي من خلو عالمكم من كل أشيائك السابقة ، ولذا تأتيك رسالتي هذه. وقد تفهم بأني لا أتشفى منك لكونك قد رحت الى عالم آخر ، فمثل هذا الرواح ينتظرني ايضا ، بل لأنك قد ُجرّدت فيه من كل أسلحتك الأرضية. وبينها الصوت الملعلع وتلك النظرات التي كانت تطلقها عينان تريدان أن تحولا كل مخلوق وكل شيء الى حجر خاضع لإرادتك حسب. وهنا فارق آخر بيننا. فأنا أنظر بحكم الضرورة ولا على التعيين وحتى إذا خصت نظرتي هذا الشيء ، ولأقل في غرفة النوم أو الثانية أو المطبخ او الحمام أو الباب الخارجي ، فهي أخرى تماما. إنها نظرة شخص مرغم على النظر وليس ُمخطِطا له ، ليست عيناي عينيك – عيني مفتش بلدية ومحقق جنائي ورئيس سجّانين ! بل في نا كلي جسدا وروحا ونفسا وذاكرة وآثارا على الأرض و سجلات الدولة أيضا، لست إلا ظلا باهتا لا تنتبه إليه ولونملة صغيرة فكيف بالرب. نعم هذا هو الفارق ، ولكم هو عظيم بنظري ، بيننا نحن الإثنين. أنا لا افحص الكاشي ولا أدفع أي جدار في هذا البيت الذي هو أصغر بكثير من بيتك الذي كنت تنفخ وفيه وتلمع ولا تغفو في الليل أوفي القيلولة إلا حين يقودك التفكير بالبيت الى حدود الإنهاك...
     رغم علمي بأنك لست من الصنف الذكي بل الماكر أرغب أن اختم رسالتي بهذه الحكاية الصغيرة عن صنو لي عاش قبل زمن طويل في نيويورك على مبعدة بضع مئات الأمتار من تلك الصخور الرابضة تحت ماء المحيط الأطلسي. الصنو سمح لنفسه بأن يموت. كان كاتبا عند احد المحامين. كان يجلس أمام منضدته وراء ستارة ليل نهار. غذاؤه قطع بسكويت. شاغله كان الحملقة عبر النافذة في جدار من الآجر كان قريبا منه ، وكان يكفي مد يده كي يلمسه. كان من العبث الطلب منه أن يقرأ أوراقا للمحامي أو أن يذهب الى دائرة البريد. لم يفد معه لا الرجاء ولا الوعيد. وفي الأخير فقد بصره. وبذلك إنتفت الحاجة ، بل العذر ، الى عمله هناك. وهكذا طرد منه. عثر على سلالم بناية سكنية وبقي جالسا هناك. أمروا بسجنه. وفي السجن جلس في باحته ورفض الطعام. بقي مصرا على الرفض الى ... النهاية.
   هكذا أنا : خال من الرغبات الى درجة لا أعرف فيها لم كرست كل هذا الوقت لكتابة هذه الرسالة طالما أني خال من كل رغبة ، من الرغبة في الإنتقام خاصة. كلا ، ليس الأمر هكذا. فرسالتي هذه ، وبضع أخرى الى هذا وذاك من عالمك ، أعتبرها الرغبة الأخيرة ، تماما كرغبة المحكوم التي لن تكون بعدها أي رغبة.


                             الفصل الرابع
 
                          عن  مواجهة صغيرة

 -  لو هبط الله على الأرض وتحمّل مسؤولية الذنب بدل العقاب ، لكان شيئا ربّانيا بالفعل !
فردريك نيتشه

-  طالما الرب معنا فمن هو ضدنا  ؟   Si Deus pro nobis, quis contra nos
بولص الرسول

   يملأني الإستغراب ، ومعه خوف غامض يخفق فيّ ، رغم أن أمر هذه الرسالة هو ، كما يقال ، بيني وبين ربي. هي بالفعل مرسلة الى الرب. وبحكم كونه سيدنا والكون لا حاجة هنا الى اللجوء الى صيغة المخاطب ، فهو العليم ستصله الرسالة وحتى قبل كتابتها. رغم ذلك سأكتبها وأحاول إرسالها. أنا أكتب رسائلا الى الموتى ، وكان قراري هكذا ، إذن لم هذه الرسالة الى جهة لا تخضع للموت بل والأكثر من ذلك : إنها فوق الموت والحياة أيضا ؟ سأجيب على السؤال في ثنايا الرسالة. كل ما أستطيع قوله الآن هو أن الرب كما الموتى بعيد عني ...
   إن الدافع الى كتابة هذه الرسالة الى الرب هو نفس الدافع فيما يخص رسائلي الأخرى الى الموتى : الإنتقام. وإذا حصل الإنتقام فلابد من أن يكون الأكبر بسبب الأخطاء الفظيعة التي قام بها، وعلى رأسها خلق هذا الكون الذي لا يسمح لأيّ كان أن يعرف ماهيته وحدوده ( أنا لا اصدق بالحكاية الدعائية عن اللامنتهى. فقبل هذا اللا منتهى ماذا كان ؟ ! ) ثم إرتكابه مثل هذا الفعل الطائش: الحياة. جرؤت وسألت بعضهم : أين تجدون الإيضاح لخلق مثل هذه الحياة التي تهددها الزلازل والبراكين والأعاصير والنيازك والمذنبات ثم هذه الحروب بشتى أنواعها والأوبئة والأمراض الجسمية و العقلية والنفسية ، والحشرات والوحوش والقبور وكل هذه الأفعال الشنيعة لمخلوقه المفضل الذي صار منذ البدء ، وياللغرابة والمفارقة ! ، موضع المحاباة والعقاب معا ؟ نكس هؤلاء رؤوسهم ثم نظروا الى أعلى وبعدها جاءني الجواب نفسه : ( شلك بهل الكفر! ) . وكنت قد إكتشفت من زمان أن كلمة ( الكفر ) تفوح منها رائحة الإبتزاز: لاتفتح فمك كي لا تكفر! الحال تذكرني بصالح الأعضب والأعور الذي إبتز الكل في المدرسة. وأنت تعرف بأنه كان يجلس على الرحلة الأمامية حاجبا عمن يجلس خلفه رؤية السبورة والمعلم. فقد كان طويل القامة ومكانه في المؤخرة ، لكن كيف كان ممكنا دفع تهمة إضطهاد مثل هذا المسكين ذي العوقين ؟ إذن ليجلس وكأنه ، حسب تشبيه صبحي الذي كان يسخر حتى من نفسه ، فيل في قفص بلبل!
    أنت تعرف أيضا بأني منذ أمد بعيد أحمل شكوكي بكل لامعقولياتك التي لا ألقى عليها إلا أجوبة لامعقولة بدورها ومن نوع ( إلك بيها رادة ) ، أو أن الحكمة الربانية تقضي بكذا وكذا ، وحتى الذي كان إبنك الحبيب كما يُزعم ، سألك وهو على صليبه : لم تركتني ؟ لم يكن مصدّقا بكل هذه اللامعقولية المفزعة. أوه ، قائمة اللامعقوليات بالغة الطول. هكذا تصوّري لها ، فأنا لست سوى متقاعد محدود المعرفة ، وأنت لم تخلقني آينشتاينا ولا موسوعيا بل ولا حتى واحدا من أتباع أحد أنبيائك. بالطبع ستتهمني الآن بنكران الجميل. لكن قل لي إين كان هذا الجميل ؟ ولم لم يسألني أحد هل لدي رغبة في الخروج الى الحياة. إعتبر الجميع مغادرتي الرحم وإطلاق الصرخات الأولى مجرد تعبير لي عن الإمتنان على أني قد بوركت بالحياة. غير أني أنظر الى المسألة من زاوية أخرى هي أكثر عملية وواقعية : كان بمكنتك أن تستثنيني من هذا الخروج الخطر لكن لبيروقراطيتك كان القدح المعلى! أنت تريد إستمرارية الحياة مما يعني ، وهو أمر لا يحتاج الى ذكاء كوني ، إستمرارية إنتقال الجينات. أنا موقن بأنه مجرد تكرار روتيني. ولو كانت أمامي فرصة واحدة فقط للمواجهة معك لما كفتني. فالأسئلة تكاد تكون بلا نهاية. ولكنت قد سألتك في البداية عن متاعبي مع هذا الوجود وهل أن كل ما لقيته من حد أقصى من الآلام والهموم وحدّ أدنى من الأفراح ، سبق أن كان ، وما حياتي إلا إعادة لما كان ، لكن السؤال هو أهي إعادة للأصل ، وكما يحصل حين نستنسخ وثيقة أصلية ؟
    لكم أنت مغرم بعدم الكشف عن أسرارك ! البارحة عملت فحوصات وتحليلات طبية. لك أن تتصور أن نسبة الكوليسترول عندي هي تحت المتوسط بقدر ملحوظ، حتى أن الطبيب ، وهو إبن عم أبي مازحني بالقول : ( أنت يا نعمان تملك كولستيرول صبي صغير ! ). إذن الذاكرة تعينني في أنك ، في كتبك وبياناتك الأخرى ، لم تتكلم ولا حتى قليلا عن أسرارك. في الحقيقة هذا من شأنك لكن ليس تماما. ولو لم أُخلقُ لكانت أسرارك أمرا يعود إليك وحدك. لكن طالما ولدتُ بعينين وحواس أخرى ومخ في الرأس لابد من نشوء الحاجة الى أن أعرف بعض أسرارك. قل لي أكل هذا هو لعبة أم تجربة مختبرية أم أمر لعين آخر ؟ لايمر يوم واحد ، ماذا اقول ! لاتمر دقيقة بل وأقل منها ، من دون عذاب ، من دون فعل من تلك الأفعال التي تدينها شتى نصوصك المنزلة ، في كل ثانية هناك موت وجوع ودمار وعذابات أخرى. إذن أسألك وأنت رمز الحكمة وتجسّدها النموذجي: أين هي الحكمة في كل هذا ؟ أضيف هنا : اذا كنتُ مجدّفا وكافرا ومارقا فأنت السبب في هذه المذمة. كان عليك أن تخلقني بقرة حلوب تلتهم العشب وترفع رأسها البليد ، من حين الى آخر ، لغرض واحد لا غير : أن يصل العشب المقضوم الى جوفها ، فهي لا تنظر الى السماء باحثة عن شخص واحد هو مؤلف هذه المسرحية غير المفهومة ومخرجها والمتفرج عليها في الوقت نفسه. إذن كفّ عن هذا الإبتزاز !
     ها أني منذ أيام طويلة لا أفعل شيئا غير جمع الأدلة ضدك. وما أكثرها ! لقد لفت إنتباهي أيضا أن هذا الجحيم لم تخلقه على الأرض وحدها بل هو في كل مكان خارجها. يكفي هنا النظر الى السيّارات الأقرب منا التي هي ليست سوى أجرام قفر. وأنا شبه واثق بأنك جرّبت هناك أيضا لعبتك الأرضية المشؤومة هذه. وكما في رسائلي الى الأموات لا أجد سبيلا الى الإنتقام غير كتابة الرسائل إليهم ! أمر مضحك ، أليس كذلك ؟ مع الأموات سعيتُ الى أن أكون ، وكما يقال ، موضوعيا : عملت خانتين. واحدة للسيئات وأخرى للحسنات. المحزن أن الخانة الأولى في تضخم مستمر. بالطبع لا حاجة الى الكلام عن هذه الخانة عندك. فأنا لم أذكر أعلاه إلا جزءا يسيرا من سيئاتك وأفعال الظلم التي إرتكبتها بحق البشر والكون على السواء. لكن للموضوعية أحكامها. إذن لنفترض بأنك تكافح السوء سوية مع ذلك القسم الصالح من البشر، وتفلح ، مثلهم ، في الإنتصارعليه. وهذه نقطة تسجل لصالحك. لكن قل لي ألا تعني مكافحتك هذه بأن جبروتك محدود للغاية ، وإلا أين الفرق بينك وبين ذلك القسم الصالح ؟ صحيح أيضا أنك تجزي الذنب بمثله لكن لابد من تذكيرك بتساؤل عمر الخيام عن الفرق بينه وبينك في حالة الذنب والعقاب. سمعت مرة من شيخ ينعت عادة بحكيم القرية ، بأنك ترسل نعمك وعقوباتك أيضا إلينا لكن ليس بالصورة المباشرة دائما. وضرب الشيخ هنا مثلا بتك الحكاية عن الناي السحري والتي لم يكن يعرف من أين جاءتنا لكن المهم مغزاها : إرادتك تسعد الصالحين وتشقي من لم يسر على الدرب السوي. إذن أنت بعثت الى مدينة هاميلين في ساكسونيا السفلى بوباء الجرذان في عام 1284 ، ثم بذلك الغريب الذي وعده السكان بجائزة ثمينة إذا خلصهم من هذا الوباء. نفخ حينها بنايه السحري وأخرج هذه القوارض صوب النهر كي تغرق فيه. إلا أن أهالي المدينة نكثوا بوعدهم وإمتنعوا عن تقديم الجائزة. جاءت حينها لحظة الإنتقام العذبة ( هناك إشارات كثيرة توميء الى زرعك فينا الرغبة في الإنتقام ، أليس كذلك ؟ ) : أخذ الغريب ينفخ بنايه عند خروجه من المدينة، وكان وراءه ، هذه المرة ، أطفالها ، ثم إختفى معهم الى الأبد. ولأقف بعض الوقت عند هذه الحكاية. إذا كان تفسيرالشيخ يحصل على موافقتك يعني الأمر لا معقولا آخر هبط علينا من سمائك. فبدلا عن توظيف الجرذان والرجل الغريب وعملية إختفاء الأطفال كان من المعقول ترك هؤلاء البشر لحالهم ، خاصة أنك تعرف جيدا كيف هم طالما هناك ذلك الإدعاء بأنك خالقهم. أنا على إقتناع تام بأن هذه الحكاية شأن كل الحكايات عن تدخلك في حياة البشر والأرض وغيرها لا تعدو كونها خرافات من الصنف الدعائي! كما أني موقن بأنك تضرب الآن أخماسا بأسداس وتتساءل : ( من اين كل هذا التجديف والتمرد في مخلوق بائس حتى أني لا أتذكر متى بالضبط قد خلقته ! من أين كل هذا النكران بل الوقاحة ورفع اليد بوجه الأب ! خلال عمري الطويل شاهدت مختلف أصناف العاقين لكن هذا المتقاعد لا أقدر على حشره في خانة الملحدين ، فهؤلاء ينكرونني بينما هو يخاطبني مما يعني أنه يعترف بي كربّ لكن ليس كربّ صالح ). كل هذا صحيح وغير صحيح أيضا. أنا أخاطبك في هذه الرسالة كربّ خارج ٍمن أساطير معينة ، أساطير ألبسوها ألف ثوب وثوب من ثياب الحقيقة. إذن أنا أراك ربّا تجريديا تماما مثل الرمز الرياضي الذي لا يوّجه إليه الذنب إذا إستخدموه في معادلة خاطئة. ولنفترض أنك موجود. وهذا يعني أولا أنك مسؤول عن وجودك وما يترتب عليه من أفعال وقرارات إلخ. أها ، البارحة إنتبهتُ الى أن أحد عيوبك الكبيرة هو إفتقادك الى المرح وحس الفكاهة ، وقد أعطيك بعض العذر هنا. إذ يكفي ، وكما ُيزعَم ، أنك خلقتَ المرحين وذوي الحس بالفكاهة. أعترف لك بأني صرت أتابع أخبارهم وكل تجاوزاتهم على مهنتك الأصلية : رب العالمين. أحدهم أعلن بكل صلافة ، لآخر : ( أنا ملحد عندك ، لكني عند لله أكون من المعارضة البنّاءة ). أوه ، لا تتصور بأن اللايقين لايمزقني من دون توقف. من هنا علي أن أستدرك بالقول إن رسالتي هذه شبيهة برهان باسكال ، فأنت إذا كنت موجودا فإتهاماتي ستكون صحيحة ، وإذا لم تكن موجودا فسوف لن أفعل أي شيء عدا تغيير عنوان رسالتي هذه ...
    كما قلتُ أنا لست ملحدا وإلا لما أخذت أكتب رسالة كهذه. وعلى أكبر إحتمال أنا ألقى لديك بعض التفهم لورطتي المتمثلة بلايقيني : ثمة فقدان للأسس النهائية كي نقبل بوجودك أو ننكره. وأحد مخلوقاتك المرحة قال : ( كيف أكون قادرا على الإيمان بالله عندما إلتفّ لساني في الأسبوع الماضي على إسطوانة آلتي للكتابة ! ). أو ذاك الآخر الذي أنكر وجودك قائلا بأن لاشيء هناك سوى ما يسمى بالضمير. ولأستمر بصراحتي وأقول بأن كثرة المدافعين عنك تغيظني بل تصيبني بما يشبة مسّا من الجنون ، بالمناسبة أنا أفضل الجنون على فردوسك الذي لايعني شيئ آخرغير إشباع الغرائز ودغدغة الحواس بل هو بنظري مملكة مكدرة للكسل، مملكة لا مكان فيها للعقل. العقل والفردوس ! السالب والموجب لكن من دون دخولهما في دائرة مغلقة ! أنت تعرف أن لي شقيقا يعمل في الشمال. ركبت مرة القطار كي أزوره. جلس أمامي في المقصورة أول ملحد لقيته في حياتي. سرَدَ عشرات الحجج والبراهين كي يثبت لي بأنك مجرد خرافة أو في أحسن الأحوال مجرد حالة كلينيكية لإضمحلال الذاكرة وصعود الكوليسترول الى أعلى مؤشر. قال عنك إنه َيعد المؤمنين بالحوريات في جنته ، لكن لم يعد المؤمنات بأيّ شيء ، أكيد أن بينهن سحاقيات لكن أيّ وعد هو للباقيات ؟ قد أقطع مسافات مع أنصارك في الطريق إليك لكن لا أكثر من ذلك. هم يجيدون الدعاية والتحريض والتحريك بل التهديد والتخويف. فها أن أحدهم يقول بالحرف الواحد إن الإلحاد يقود الى إنعدام الإنسانية ، ونكرانك الى نكران الإنسان. إستخدم هؤلاء الأنصار شتى الطرق والأدوات والمعارف، وخاصة المنطق الشكلي ، كي يجلسوك على العرش الكوني. أليس هو منطقا شكليا حين يقول نصير من الشيوخ الوقورين بأن الملحد هو طفل شقي يريد عبثا أن يؤمن بأن لا وجود لأبيه. أو خذ ْ نصيرا آخر يصلح أن يكون دعائيا من طراز نموذجي. قال إن أحسن ردّ على الملحد هو أن ُتعدَّ له غداء طيبا وبعده تسأله هل يؤمن بوجود الطباخ. هل تعرف بأن ما إستوقفني في مثل هذه الدعاية التي هي بالأساس مضرة بسمعتك ، هو إقحام مهارة الطباخ في هذه الدعاية. فإذا كان الغداء غير طيب أيعني هذا أن لا وجود للطباخ ؟ أنا هنا لا أعترض ولا أناقش أمورا مثل تجسيدك المطلق للطيبة والرحمة والمغفرة إلخ ، لكن لم هذا الهوس الدعائي ؟ أجد التفسيرالوحيد لكل هذه الضجة الكبرى هو إفتقاد البراهين الدامغة على وجودك. ربما نحن البشر نملك تصوّرا قاصرا أو مختلفا عن الوجود الذي يكون آخر تماما في حالتك. لدي إنطباع قوي بأن كل هذه الدعاية تنقلب الى ضد الدعاية ، الى عاطفية مبتذلة أو رومانسية هزيلة أو تخويف لاتنقصه السذاجة.إنها دعاية جوفاء بل هي تصلح لدواء جديد ضد الصلع وليس لجهة لا يضيرها بشيء سواء إعترفنا بها أو لم نعترف. واحد من مريديك يشبّه السماء ونجومها بكتاب مفتوح يخاطب الملحد بالقول : ( أنت أيها الأميّ ! ). أليست هذه دعاية بدائية وإستفزازية أيضا. والحق مع ذاك الذي وجد أن المشكلة الحقيقية هي أن يكون الإنسان قديسا بلا رب. أظنك تعرف الآلاف المؤلفة لقديسين من هذا الصنف الفاخر ، لكني لم أسمع من أي واحد من دعائييك رأيا بهؤلاء.
هذه ليست مشكلتي فقط ، لكني أعترف بكل صدق أنها تثير فيّّ مزيجا من القلق والتيهان الذهني ، وقد يلخصها هذا السؤال : هل الإنسان من أخطاء الرب أم الرب من أخطاء الإنسان ؟ أحدنا قال إن عقلي هو معبدي. أكيد أنه لم يستمريء دعاية أنصارك. إذا تعلق الأمر بي أجدني أميل ، ولربما بدافع أخلاقي ، الى من يقول : لو لم يكن الله لكان من المفروض إختراعه. فالإنسان هو في غاية الإضحاك حين يريد الإنقياد الى عبودية التبعية ! أقول لك إن لبّ الدراما ، دراماي ، هو هذا الفائض المريع من وقتي. لكن هذا الفراغ الذي أعوم فيه لم يوصلني لغاية الآن الى شاطئك. أنت تعرف أن الجزء الأكبر من حياتي كان من حصة ما يسمى بمسك الدفاتر والحسابات عامة. وبحكم التفكير الروتيني عند المحاسب صرتُ لا أؤمن إلا بالأرقام والموازنات والمعادلات من نوع واحد زائد واحد يساوي إثنين. فموظف الحسابات لا يسمح لخياله بالشطط والفنتازيات. لذلك يبدو منطقيا وفي غاية الوضوح أني لم أنقد الى دعائييك الذين لا أملك معهم أيّ لغة مشتركة. ولنأخذ رجلك المسمى بالقديس أوغسطين الذي يقول ، عن إيمان مطلق أسميه أنا باللامنطقي ، بأننا نعرفك بأحسن صورة حين لا نعرفك. عندما سمعتُ للمرة الأولى بهذا الكلام الذي قد لا تقبله أنت بنفسك ، إلتصق به تصور معين أفرزه خيالي : جلسة موّسعة لعميان كي يحزروا ماهية شيء موضوع أمامهم. حينها تذكرت صبحي زميلي القديم في المدرسة كي تحضره النكتة على مثل هذه المفارقة : المعروف المجهول ! قديسك تكلم بصيغة الجمع كما لوكان في جيبه تخويل من الجميع بأن يتكلم بإسمهم. من ناحية أخرى كان المفروض بالمتكلمين بإسمك أن لا يتكلموا قبل أن ُيظهروا لنا أوراق إعتمادهم كسفراء أو مندوبين أو رسل أو ناطقين رسميين. ما زلت أتذكر ما قاله الملحد في القطار : ( لو أن هناك ربّاً ما يخاطبنا بالقول: „ صدّقوني “ وليس : “ آمنوا بي “ ). لم يكن ملحدنا هذا رجلا كئيبا أو من الصنف المتجهم بل كانت الإبتسامة لا تفارقه وجهه حين مارس تجديفه. حدثني عن آينشتاين الذي كان مغرما بترديد كلمته المعروفة بأنك لاتلعب النرد. وفي إحدى المرات أخذ يرددها أمام صديقه الفيزيائي المعروف نييلس بور الذي نفد صبره وصاح بآينشتاين : ألبرت ! كفْ عن نصح الرب بما عليه أن يفعله ! ) . واضح انك لا تلعب النرد رغم أنك مغرم بالمجازفات ! أظنني قلت في هذه الرسالة بأنك تقوم بلعب آخر لكني لا أعرف هل هو قتلا للضجر أم أن هناك خطة ( جهنمية ) لتحقيق كل لامعقول يخطر ببالك. قد تعرف أو لاتعرف بأني في هذا العمر تركت مختلف أنواع الهوس التي رافقت حياة ما قبل التقاعد. وقد نسمي نبشي في سيرتك وما يقوله ويكتبه البشر عنك ، بهوسي الجديد. مفهوم أنه هوس يسهل الإنقياد اليه في عالمنا اليوم. النبش أسهل بكثير مما كان وحتى قبل ربع قرن. ها أن السوق الألكترونية تدير الرأس بسلعها التي تفوق الكثير من أعجوباتك.  فهناك من يقول :  ( لاتصدّقْ العين البشرية  /  لا في عتمة المساء ولا في ضوء الصباح  /  هذا عرضٌ للشعور والنظر في مسرح للدمى  /  إنه حفل تنكري شيطاني  ).
      وهذا إتهام آخر من إتهاماتي إليك. وكلانا يعرف إن ما يحصل ليس إلا فصلا ولربما صغيرا جدا ، من فصول لعبتك. في الأسبوع الماضي جلست أمام طاولتي الصغيرة ، وكان كل شيء يبدو كأن الجسم عقد هدنة معي. لم أشعر بتلك الدبابيس الحادة في الكبد ولا الطابوقة تحت قحف الرأس ولا ميل الظهر الى إنحناء أكبر ولا ذاك الفراغ المكدر في موقع القلب ، بل شعرت كأني قد كرعت إكسيرا سحريا دفعني الى الوراء عشرين سنة. لم أفكر طويلا بحالتي الجديدة ، فقد كنت موقنا بأنها لن تستمر طويلا فلا محالة في (عودة المياه الى مجاريها ). بالفعل ، سرعان ما جاءت العودة : قفزت الدماء الى صدغيّ وملأ فراغ القلب طبل أخذ صبي مخبول يقرعه. أنا أعرف بأنك قد إبتكرت آلاما أشد ، لكن هذا الجسد هو جسدي وكل حروبه هي حروبي. والآن لك أن تتظاهر بالدهشة و الإستغراب : ( ماذا ؟ أي شيء تتوقعه من جسم ينوء بأكثر من سبعة عقود ؟ ). معك الحق. فكل التساؤلات عبث في عبث طالما أنت من يضع أصول اللعبة. كنت أعرف بأنه التبدل المفاجيء للضغط الجوي وصعود منسوب رطوبة الهواء وطيشي حين زدت من كمية قهوة الصباح. العادة أنها ملعتقان لكنها صارت في ذلك الصباح ثلاث. ولماذا ؟ لا أعرف بالضبط. ربما هو السهو أو تلك الرغبة الخفية في تجاوز حقيقة معيّنة من حقائق الجسم الهرم.
    أعود الى موضوع البروباغندا الدينية. هناك من إبتكر ديانة جديدة أساسها اللادينية وأسموها بالشقاقية تماما وكما كانت تفعله الربة اليونانية القديمة إيريس التي كان إختصاصها بث الفتنة والشقاق ، وبعدها جاءت مثيلتها الرومانية ديسكورديا. وهنا نبشتُ في النت عند جاري أبو محسن والذي يكون إيمانه بك أكبر من إيمانه بالألكترونكا وسفن الفضاء التي أخذت تقترب منك ، وعرفت أن إسم الربة الرومانية يعني عدم الإتفاق. إيريس اللئيمة والشريرة حتى النخاع جاءت غير مدعوة الى عرس وهناك رمت بتفاحتها المنحوسة بين أجمل ثلاث ربات – يونونا و منيرفا و فينوس . وكتبت على التفاحة : الى الأجمل. وهكذا نشب الخلاف بين الربّات. قيل إنها المسؤولة بالصورة غير المباشرة عن حرب طروادة . هكذا عرفت عن هذا الجزء من ديانة قديمة أنت لا تعترف بها بالطبع. وفي عام 1958 ظهرت ديانة جديدة سميّت بالديسكورديانية، ولها نبيان أميركيان. قد تستغرب إذا وجدت هذه الديانة مجرد ( فكاهة مغلفة بالدين ) أو ( دين يتظاهر بالفكاهة ). الغرض من إختيار هذا الإسم هو بالطبع التسفيه بجوهر الدينية من خلال التظاهر بأن هذه الديسكورديانية هي أحد هذه الأديان. لكن مهلا وقبل أن يبدو الإمتعاض على محياك. هذا النبيان يهزؤان من كل الأديان وبضمنها دينهما. فهذا الهزء ، وهو مبدؤهما الأساسي ، يعتبرانه الطريقة الرئيسية لتحقيق ما يسميه أتباعك أيضا بالتنوير أو الهداية. وكما قال أحد هذين النبيين يقف دينهما بوجه المرجعيات والنظم والقواعد والتقاليد ، أي كل ما يضمن لك أعلى مؤشر من الشعبية. أبو محسن إنتبه الى تصفحي في النت لمثل هذه الهرطقات ونبهني أيضا الى أنه لا يصح فعل ذلك في بيت إنسان مؤمن. لم أجد أمامي سبيلا آخر للدفاع عن فضولي غير القول إن التعرف على حجج العدو هو أول خطوة في طريق الإنتصار عليه. بالطبع كذبتُ هنا في عدة أمور، فأنا لم أقم بأي خطوة في أي طريق من طرق النصر. وقبل كل شيء ليس لدي أيّ عدو كي أنتصرعليه. لكن للضرورة أحكامها كما يقول سفراؤك على الأرض. الأستاذ الكبير يوهانيس أيكارت ، ذاك العقائدي من قرونك الوسطى قال مرة ( قد لايعرف الإنسان من هو الله لكن المهم أن يعرف أي شيء ليس هو ). كلام جميل بالطبع لكنه ينطبق على البشر الصالحين أيضا : الكل في حيّنا يعلم بأن محمود عبدالباقي الجميل يضطهد زوجته التي لا تشكو أبدا ولأنها تعرف بأن ذلك عقاب على عقرها ، لكن الرجل هو طبيب صالح يداوي الفقراء مجانا. هكذا خان المنطق دعائيا كبيرا. وأنا لا أجد نفسي إلا مؤيدا لمن هم على إقتناع عميق بأنك لو كنت قد خلقت الإنسان وفق تصور كل هذه الإيكارتات والأوغسطينات والبابوات والأئمة وآياتك على الأرض ، لكان من الضروري أن يحبسوك في أول دار للمجانين. أو خذ ْأحد مجانينك القائل بأن الإنسان يملكك في داخله ، لكن هذا الإنسان ليس هوأنت. لاشيء غير قبض الريح ! كلمات ، كلمات ، كلمات... لكن يهون كل شيء عليّ عدا واحد : موت أمي. تعذبت طويلا بسبب السرطان الذي إخترعته سوية مع الميكروبات والجراد والرعود التي لاتعقبها الأمطار، والشمس الإستوائية. أكيد أن أنينها لم يصلك بحكم البعد الخرافي الذي لم يسمح لك بمشاهدتها وكيف كان الألم يعصرها تماما كما كانت تعصر هي ملابس الغسيل. وفي ختام الرسالة أريد إيصاد الباب الذي ييننا مرة والى الأبد. لا رجعة عن إراداتي هذه وحتى لو بعثت بجيش من دعائييك. كما أني أضرب بعرض الحائط رهان باسكال. دافعي هنا أني لا أخاف من جهنمك إن كانت موجودة حقا. وهل تعرف من أين عدم الخوف هذا ؟ من عزمي على التضحية بدل الأم التي ، لعلمك ، كانت تؤمن عميقا بأنك موجود، رغم أنها كانت تجهل تماما حكمتك حين دفعتها في جهنم السرطان. إذن سأكون في النار إذا تبين انها لم تكن بروباغ