| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 |
الحداثة الشعرية في هولندا
محسن السراج
تأليف
الدكتور أحمد عكاشة فضل الله و محسن السراج
مقدمة:
سنحت لنا مصادفة الزمان والمكان أن نتعرف على النتاج الشعري الهولندي من اللغة الهولندية مباشرة حسب المتغيرات الجمالية والفكرية التي طرأت من حقبة إلى أخرى ومن مبدع إلى مبدع. لقد عُرف القرن العشرون بـ القرن المدهش (fabulous century) وبعضنا اعتقد بجاهليته، بين هذين العبارتين، ثمة اختلاف شاسع، من التعريف الثاني برزت مشكلات مثل رفض ومقاومة التحديث أو إبطاؤه وبالتالي فقر الإنتاج إذا كان فكراً أو إبداعاً أو إنتاجاً مادياً فيما تعاملت مجتمعات أخرى ـ ومنها المجتمع الهولندي ـ مع متطلبات الحداثة ومابعد الحداثة بأوليات تعكس التجاوب السلس بين الحداثة والفكر والإبداع.
هناك إشكاليات قابلت الشعر هنا وهناك، قد تتماثل من تقييد الشعر أو الاسترسال فيه ومنها مشكلات العروض واللغة والصورة الشعرية، وقد قصدنا أن نورد التجربة الهولندية بحكم تواصلنا بها ومعرفتنا باللغة الهولندية ومطالعاتنا لآدابها، بهدف أن يستطيع المبدع شاعراً وناقداً المقارنة بين التجربتين لعله يجد بعض الحلول.
نحن لانريد أن نحكم على الإبداع الهولندي من حيث التصنيف أو القيمة بل اخترنا من الشعراء من هو أبعد أثراً بمعنى أنه عرُف واسهم في الحوار الفكري والثقافي أو من وجد شعره أصداءً خارج هولندة وبلجيكا، هناك من هو أقدر منا على إصدار هذه الأحكام ونذكر هنا مثلاً الناقد (هربرت ريد).
(يورد الناقد الإنكليزي الكبير (هربرت ريد) إنّ في الأدب الهولندي طابعاً مبهماً من (لونغفلو) و(ورد زورث) بيد أن كلاً من هذين الشاعرين الإنكليزييّن، غنيّا الطبيعة، وعايشا الطير والزهرة والصخرة والجدول والنهر، إلا انهما اخفقا في أن يعكسا لنا ما عكسه الشعراء الهولنديون من أدب شمل الإنسان، ليس في نظرته الجمالية فحسب، بل شمل أيضاً نزوعه الإنساني ونضاله ضد الطبيعة على اختلاف العقبات التي تخلقها).
ص 4 (ديوان الشعر الهولندي المعاصر) ترجمة وتقديم سعد صائب، منشورات مطبعة الإنشاء بدمشق 1982..
فيما يورد الدكتور عبد الرحمن بدوي في مذكراته رأياً آخر إذ يقلل من أهمية الشاعرية الهولندية بالقياس إلى الشاعرية الإنكليزية والفرنسية وعلى ضوء ما تقدم تركنا للمبدع والقارئ إمكانية التفاعل الذاتي مع التجربة الشعرية لعله يوفيها قدرها, فإن ثراء تجربة الحداثة الهولندية هي في التطورات الفكرية والإبداعية المتلاحقة والسريعة في حين أن التطور الفكري والإبداعي في الحداثة العربية تميز ببطء الوتيرة وبشيء من التقليد والتبعية ونعني بهما انعدام أو قلة التجديد فكراً وجماليات، القصد من التعريف بالأدب الهولندي هو نقل عدوى التطور السريع إلى الأدب والفكر العربي، لماذا قدمنا الشعر؟، لأننا رأينا تجربة حداثية ثرة ومثيرة للاهتمام ولعل التعرف عليها في العالم العربي يمدُّ الكتاب والشعراء ببعض الزاد من اجل النهوض.
وتبقى محاولة التعريف بتجربة الحداثة الشعرية الهولندية جهداً مشتركاً لـ أحمد عكاشة أحمد فضل الله، وهو سوداني مهتم بالنقد الأدبي و محسن السراج وهو شاعر ومترجم عراقي له اهتماماته بالشعر الإنساني إبداعاً ونقداً.
كتب أحمد عكاشة أحمد فضل الله الشق النقدي من العمل وترجم محسن السراج الأشعار.
كل ما نأمله توفر قدر من التوفيق لهذا المؤلَف, في أن يعرّف بالتجربة الشعرية الهولندية وأن يوقد وهج وشغف عميق لدى القارئ العربي للوقوف على الإبداع الأدبي لشعوب القارة الأوروبية والأجزاء الأخرى من العالم.
نتقدم بالشكر الجزيل للسيدة (Ineke Majoor) للجهد الذي بذلته في مراجعة النصوص باللغة الهولندية والإنجليزية.
ـ 1ـ منبت الحداثة الشعرية الهولندية
1 ـ 1 تخطئة الفردانية
وهي (مذهب يقول بان مصالح الفرد هي فوق كل اعتبار): عُدّ أدباء وشعراء العقد الثامن من القرن التاسع عشر رواداً للأدب الهولندي الحديث. ولا يحسب مثل هذا الاعتقاد ترفاً أو جنوحاً في التفكير شأنه شأن الحداثة الشعرية، ويصح هذا الزعم نسبة لمطابقته واقعة أن كتاب وشعراء تلك الفترة (الثمانينات من القرن التاسع عشر) كانوا قد تركوا على نحو واضح قيم وأفكار من سبقوهم من أدباء وشعراء هولنديين. على الرغم من كل هذا وخاصة إذا ما فكر المرء من وجهة نظر توالي القرون وتواتر الفترات التاريخية فإن الحركة الأدبية الهولندية التي بدأت في تحديث الشعر والأدب تنتمي من حيث التقويم إلى القرن التاسع عشر، ويزداد متانة مثل هذا الاعتقاد إذ يتوفر سبب آخر هو إرتباط الحركة الأدبية الهولندية في أواخر القرن التاسع عشر بالرمزية الفرنسية وشعر شيليه shelley وكيتس Keats ونثر فلوبيرت flaubert وأدب زولا Zola. وعليه انطلاقاً من وجهة النظر هذه يمكن الإشارة إلى أن ولادة أدب القرن العشرين تقترن بردود الفعل حيال حركة أدباء العقد الثامن من القرن التاسع عشر، وهي ردود الفعل التي بوشر في طرحها بدءاً من نهاية حقبة التسعينات من القرن العشرين واشتد أوارها خلال السنوات الباكرة من ذاك القرن.
1 ـ 2 المحدّث هيرمان قورتير Herman Gorter
في عام 1898 أصدر هيرمان فورتير مقالة بعنوان:
Kritiek op literaire beweging van 1880 in Holland
أي (نقد الحركة الأدبية في الثمانينات من القرن التاسع عشر في هولندا) في هذه المقالة انتقد قورتير فردانية أدباء تلك الحقبة وقد سبق لقورتير أن أضحى مقتنعاً بالفكر الماركسي، وأصبح يعتقد أن الأدب هو نتاج للظروف الاقتصادية, وجرأ بالقول أن الوضع الاقتصادي في المجتمع له الأثر البالغ على الفكر الإنساني، في سياق مقالته هذه تحامل على (ألبرت فيرواي) Albert Verwey متهماً إياه بالجهل في المسائل الاقتصادية وبالتالي توصل إلى قناعات خاطئة حول المشكلات الأدبية. ففي نظر قورتير لم يعد الجمال قيمة وضعية وجمالية فقط وإن الجمال يعد في نظر الأدباء غير الملمين بالاقتصاديات منفصلاً عن المجتمع والقيم الأخلاقية كما كان التفكير بشأنها خلال الثمانينات من القرن التاسع عشر. وحسب قورتير الجمال صيغة من صلب مسألة التغيير والتطور الاجتماعيين, وقد إعتبر تلك الحركة الأدبية سالفة الذكر (حركة الثمانينات من القرن التاسع عشر) آخر مرحلة من تطور الأدب البرجوازي.
كذلك اتهم قورتير الشاعر كلووس Kloos على الرغم من ولعه بشعره أنه شاعر استمر في البقاء عبداً ذليلاً للقطاعات الدنيا من الطبقة الوسطى ولم يستثن قورتير ذاته من النقد المرير إذ قال صراحة أن مبدع (مؤلف) mei ـ والذي هو قورتير نفسه يشكل عنصراً مستتراً من عناصر البرجوازية الصغيرة ـ كذلك أشار إلى القصور في الأعمال الأدبية لفان دايسيل Van Deyssel وقد وصف ذاك القصور بأنه ذو طابع اجتماعي وهذا عائد إلى أن (فان داييسل) لم يفعل مثلما فعل زولا ـ إذ لم يجمع مادته من مدينة كبرى ـ تضم إلى جانب البرجوازية والطبقات الدنيا البروليتاريا أيضاً.
وخلال انتقاداته لحركة الثمانينات (من القرن التاسع عشر)، لم يدن جميع أشكال الفردانية ولكنه رفض رفضاً قاطعاً ما اسماه (الفردانية البرجوازية) والتي هي في طريقها إلى الاضمحلال. وقد هوجمت الفردانية على الرغم من أن قورتير ذاته في كثير من إنتاجه الإبداعي كان أكثر شعراء عصره فردانية. في عام 1903 أصدر ديوانه الشعري المسمى (Verzen) (الأشعار) وحمل هذا الديوان الشعري الجديد اسم ديوان شعر باكر سبق أن أصدره في عام 1890م. وكان ديوان الشعر الصادر في عام 1903م يضم أشعاراً اشتراكية المضمون والمعاني وتمت صياغة قصائده لتمجيد الاشتراكية والطبقة العاملة (البروليتاريا).
وعلى الرغم من أن القصائد عجت بعبارات مثل (الاشتراكية لا محالة قادمة..) و (تحيا الاشتراكية) و (نتانة رأس المال) و (الأخوة بين البشر) وعلى الرغم من أسلوب وتركيب شعره وصوره الشعرية بدت تلك القصائد أقل تطرفاً وحدة من تلك القصائد التي احتواها ديوان شعره الصادر عام 1890، رغم الطابع الأيديولوجي والثوري ـ فإن ديوانه الصادر عام 1903 ضمّ في أغلبه أشعاراً ذات طابع شخصي، إذ أن تلك الأشعار كانت بمثابة التعبير عن الذات (الإفصاح عن ما يدور في خلده) لقد وجد في الاشتراكية سعادته الشخصية وهي التي ألهمت شاعريته.
ولم يكن قورتير غافلاً عن حقيقة فردانية القصائد التي ضمها ديوان أشعاره الصادر عام 1903 أن فردانية تلك الأشعار تتناقض مع نظرياته المعادية للفردانية. وهكذا في محاولة لإخضاع فردانيته الموروثة لقناعاته المعادية لكل فردانية تحول من قرض الشعر المعبر عن أفكار الشاعر وعواطفه الخاصة إلى تأليف الملاحم الشعرية و كانت أول ملحمة شعرية يصدرها هي تلك التي صدرت عام 1906 وحملت عنوان: Een Klein Heldendict . (أي الملحمة الصغرى) وعالجت تلك الملحمة مسألة الاشتراكية على نحو محدد على غير ما فعل ديوانه الشعري الصادر في عام 1903 الذي أشار إلى الاشتراكية كمبدأ مطلق ـ تصف الملحمة تردد رجل شاب في المشاركة في أول إضراب عمالي شامل في تاريخ هولندا ـ تناولت الملحمة شأن المرأة التي ترددت كثيراً قبل أن تلتحق بعضوية النقابات العمالية. وضعت الملحمة أجواء الاجتماعات الحزبية لأعضاء الحركات الاشتراكية وأبانت ضرورة قصر يوم العمل على ثماني ساعات فقط وأخيراً تناولت الملحمة الأفكار والنظريات الماركسية بصورة عامة، وعليه فإن هذه الملحمة من حيث مصادر إلهامها وارتباطاتها ـ كانت فراقاً واضحاً وقاطعاً للنهج الذي إتبع إبان الثمانينات من القرن التاسع عشر. خلال تلك الفترة كان الإفصاح عما يعمر به الضمير الاجتماعي. دعك من الدعاية السياسية ـ كانت كل هذه من الموضوعات المحرم تناولها شعراً أو نثراً أو على أي نحو إبداعي آخر. لاحقاً بعد انقضاء ستة أعوام أصدر قورتير ملحمة شعرية ثانية عرفت باسم Pan (الفوضى) وكانت هذه الملحمة أكثر تعميماً وإبهاماً وأكثر رمزية من الملحمة السابقة، ولم تعن كسابقتها بأمر شخصين بعينهما حاولا إيجاد طريقاً خاصاً بكل منهما إلى الاشتراكية بل إعتنت بمسألة تحرير الإنسانية جمعاء بوساطة الثورة الاشتراكية. في عام 1916 أعيدت صياغة ملحمة (Pan) (الفوضى) وأضيفت إليها أبيات شعرية عديدة بحيث بلغ عدد أبياتها 12000، وعليه إذا أهمل المرء ملاحم شعرية نظمت في القرون الوسطى مثل ملحمة الأديب الهولندي (Jacob cats) ياكوب كاتز وهي الملحمة المسماة (proef steen van den trouring) فأن ملحمة قورتير ـ وهي الملحمة المعاصرة تعد أطول ملحمة شعرية نظمت باللغة الهولندية على الإطلاق وكانت الآمال المعلقة بنظمها عريضة وطموحة للغاية. وقد ازداد طموح ناظمها بنسبة أكبر بحيث انحطت الدرجة العالية لشاعرية قورتير: إذ يندر وجود زهاء 12000 بيت شعري كلها على قدر كبير من حسن الصياغة والجماليات. وهكذا أوضح القدر اليسير من حسن الصياغة والجماليات، ,أوضح في كثير من الأحيان انعدام الإلهام الشعري ذاته حينما نظم بعض هذه الأدبيات وقد وضح هذا في مرات عديدة ومواقع شتى من الملحمة ولعله من المعقول أن توصف هذه الملحمة أنها شعر وقصائد جيدة ارتبط بعضها البعض بنظريات وأفكار ماركسيه, وفشل ناظمها في صنع ملحمة شعرية متجانسه.
لابدّ للناقد أن يقرّ أن هذا الفشل لايحط من قدر شاعر مجيد مثل قورتير.
ولم يقتصر على تضمين الدعاية الاشتراكية ضمن أشعاره بل لعب بنفسه دوراً نشطاً في الحركة الاشتراكية. ففي عام 1897 أصبح عضواً في الحزب الاشتراكي الوليد (الذي أنشئ قبل ثلاثة أعوام خلت) وانتمى للجناح اليساري المتطرف فيه، وعقب إضراب عمال السكك الحديدية في عام 1903 احتد الصراع بين الراديكاليين والتحريضيين، في عام 1909 عقب خلاف عميق مع (ترول اسكرا) زعيم حزب العمال، استقال قورتير من الحزب وأصبح عضواً مؤسساً لحزب يساري ماركسي النزعة ـ الحزب الاشتراكي الاجتماعي والذي غير اسمه في عام 1918 إلى الحزب الشيوعي الهولندي. واستمر عضواً بهذا الحزب حتى عام 1920 حينما تسبب صدامه هذا في حدوث هوة واسعة يصعب ردمها بينه وبين لينين، وقد وجه لينين كراسته الفكرية المسماة (الراديكالية ومرض الطفولة اليساري) بصورة رئيسة ضد قورتير. وسرعان ما استقال قورتير من عضوية الحزب الشيوعي في عام 1921. ومن بعد سنوات قليلة توفي هذا المبدع الهولندي في عام 1927 مخلفاً وراءه مخطوطة مطولة حول مشكلات الشعر, وقد نشرت هذه المخطوطة بعد موته وحملت عنوان (de grote dichters) (الشعراء العظماء) وعني بهم أسيخيليس، فيرجل، دانتي، شوسير، شكسبير، ميلتون، فوندل، جوتة، وشيليه، وتناول قورتير في مخطوطته هذه سيرة وإبداع كل شاعر على ضوء البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي عاش فيها.
لقد عدّ قورتير أعظم شاعر بين أقرانه المعروفين ـ Tachtigers (شعراء حقبة الثمانينات من القرن التاسع عشر، أن أول عمل شعري له تلقى شهرة واسعة، هو الملحمة المعروفة باسم Mei (الصادرة في عام 1898) وعدت قمة الإبداع بين سائر الشعر الانطباعي (الاتجاه الشعري الغالب في تلك الفترة). احتوت الملحمة في البدء 4000 بيت شعر وبدأت بأشهر أبياتها الشعرية:
(ربيع) وليد ورجع (جديد)
وتحكي عن ميلاد الفتاة المسماة (Mei) وهي تجسيد للربيع تسود عند ولادتها البهجة والسرور وتخلب الطبيعة الهولندية الألباب أكثر من سحر التلال. ولكن سرعان ما يمضي كل جمال وسحر وتحل محلها شقيقتها المسماة (Juni)عقب حلول النهاية تصرخ الفتاة الراحلة قائلة:
.. أشعر بدنوِّ الأجل
آه ....هذا ما قدّر لي
.. أليس الموت المحتوم هو مآل كل حيٍّ
.. الرحيل ....رغبة في الفناء!
.. عندما يرفرف الموت
يصمت الناس .....
وترتعش أيديهم من الخشية!
.. حيث يُوارى الجسد
يشوش الردى أذهانهم
.. الدوار الناشئ
يخفف ثقلهم بما يضاهي زنة ريشة
خرجت لتوها من حلبة الرقص
.. يبطل السحر فتهوي
ولا تنطرح مثلما انطرح جذع النخلة الذي احترق
.. الزهرة حمراء مثل خد طفل
وسط النبت
زهرة خشخاش إرتمت في هذه الهنيهة
في نهاية المطاف
بدت ذهبية اللون
... إذ رفعت الشمس أذيال ثوبها
يا للتَّبدد والضياع
.. حفرت قبراً كالإخدود
.. تحل فيه الرطوبة والسبخ
... وسجّيْتها هناك
... فناحت مع الضحكات
أو لعلها غاصت مع الصرخات
هناك، ترقد تحت الرمال
صغيرتي مَيْ
الفتاة التي (جسّدت الربيع)
أما الأشعار القصيرة والتي نظمها قورتير إبان نظم ملحمة (Mei )هذه الأشعار القصيرة جمعت في ديوان واحد حمل اسم (Verzen) (أشعار) الصادر في عام 1890 وكان هذا العمل الثاني الذي لقى ترحيباً واسعاً وزاد من شهرة الشاعر، من بين القصائد التي ضمها القصيدة المشهورة المسماة (Brandt)
انهيار حياتي,
..انهيار حياتي عظيم
.. تجربة العيش لن تكرر
.. لن ترضى الناقة اليافعة
.. لن يرضى الطفل الصغير
.. لن ترضى الوردة
...لن ترضى السحابة ذات الخد الفضي
والتي بكّرت في الظهور
.. أترغب، رهبة الليل؟
.. أيقبل ذاك النجم الساطع؟
.. أترضى الزهرة الميّادة
.. جبت العالم طولاً ...عرضاً
لم أحصل على مبتغاي
ألقيت اللوم على كاهلي
هو همّ حرصت على تخفيفه
لم تعبأ بي الحياة!
هي الشمس وأنا المطر
نحن الآن قوس قزح
العالم واسع لا حدّ له
غير أن حياتي
تناثرت
لقد كان قورتير رجلاً هاماً وشاعراً ومناضلاً اشتراكياً عرف على المستوى الدولي،و منظِّراً هاماً ولهذا كان فقده عظيماً حين رحل عن عالمنا في 1927، دفعت وفاته شاعراً هولندياً شاباً وهو,A. Roland Holst أن يكتب ما يلي:
(منذ أن عرفت بأني لن أراه مرة أخرى كانت لهذه الحقيقة وقعاً مراً وقد أدركت أني فقدت جزءاً عزيزاً مني وإلى الأبد).
2 ـ شاعره هاديه
1 ـ 2هنريت رونالد هولست henriette Roland Holst 1952 - 1869
لم يكن فورتير الشاعر الوحيد في عصره الذي لعب دوراً رئيسياً في السياسة فلعدة سنوات كان لديه مناصراً قوياً ألا وهو الأديبة هنرييت رونالد هولست والتي جرت حياتها على نحو موازي لحياة قورتير. ولدت الشاعرة في عام 1869 والتقت بـ قورتير في عام 1893 وتم لقاؤهما عبر الأديب فيروواي Verwey وقد نهضا معا بدراسة أفكار ماركس وانظما في نفس التاريخ لعضوية الحزب الاشتراكي.
وقبل عام سابق كانت هـ رونالد هولست قد أصدرت أول ديوان شعر لها وكان اسمه Sonnetten en verzen in ter zinen geschreven ضمَّ سونتتين (قصيدة تتألف من 14 بيتاً) وقصائد نظمت على نهج التربيت (مجموعة من ثلاثة أبيات) وبصدور هذا الديوان تميزت هذه الشاعرة على نحو فوري عن سائر الشعراء الذين ظلوا يتبعون نهج الحركة الإبداعية في فترة الثمانينات من القرن التاسع عشر. حقاً كان تأثير فيروواي واضحاً في ديوانها الشعري كذلك يظهر من على بعد شاسع تأثير كل من دانتي وسبينوزا. غير أن أهمية العناصر المشتقة والمشتقات سرعان ما تضاءل عند مقارنتها بالأصالة الإبداعية لهذه الشاعرة. ويتضاعف هذا الابتكار الإبداعي في عهد كان فيه من المستحيل اعتبار قصيدة الشعر ناجحة إذا لم يكن الوزن الشعري (الإيقاع، الاتزان والتناغم) وعروضياتها متناسقة ومنظومة.
وقد استخدمت أوزانا شعرية متميزة بتغييرات مفاجئة وعروضيات غير منتظمة. الأمر الذي يوضح رفضها لما عرف بالصوت العذب في القصيدة وهو ما دعا إليه كلوس Kloos وقورتير في شبابه. وكان شعرها يتطلب انتباهاً شديداً وتفكيراً مركزاً، كذلك كان حدسياً (مدرك بالحدس والبديهة) وفاقت حدسيته هذه حدسية شعراء حقبة الثمانينات من القرن التاسع عشر.
كانت أول مجموعة شعرية لهذه الشاعرة عبارة عن محاولات مستمرة لاكتشاف الذات، كانت بحثاً مستمراً عن الذات، وبموجب هذا كانت الأشعار شخصانية للغاية. مع هذا فإن المرء سوف يعثر ضمنها على نفس المثالية الداعية للأخوة بين الناس والحب العالمي مثلها مثل قورتير في المراحل اللاحقة من شعره ولكن قناعات هولست لم تكن مرتبطة بالفكر الاشتراكي بعد ومثلها مثل قورتير كانت ذاتية في الصميم وكذلك ماثلته إذ أرّق الانفراد ضمير كل منهما.
أما الديوان الشعري الثاني لها فقد عرف باسم De nieuwe Geboort (الميلاد الجديد (الصادر في عام 1902 كان هذا المجلد الشعري الجديد قد صدر عقب أن أصبحت الشاعرة اشتراكية. لهذا اتصف هذا المجلد الشعري بالحيرة بين الفردانية وقيم المجتمع الجديد. فقد خشيت الشاعرة أن لا تتمكن من الملائمة بين مختلف القيم هذه, أضفت هذه الخشية سحنة تراجيدية على قصائد متعددة من هذا الديوان. تدريجياً أضحى شعرها اشتراكياً على نحو إيجابي في ديوانها الشعري التالي المسمى op waartsche wegen (الطريق العليا) الذي صدر في عام 1907. وبه وفيه احتفلت الشاعرة بانتصار الاشتراكية وتوقعت انتصارها في جميع أرجاء المعمورة.
في نفس الوقت الذي كان الصراع بين الراديكاليين والتحريضيين قد أدى إلى استقالة قورتير من الحزب الاشتراكي فإن هنرييت هولست على الرغم من اتفاقها مع مفهوم (قورتير) للإشتراكية إلا أنها لم تحذو حذوه على الفور. بل سمحت للولاء والإخلاص للحزب أن يعلو على الولاء لصديق ولمدة عامين دافعت الشاعرة عن الأرثوذوكسية الماركسية إزاء التحريفية واستمرت كذلك حتى عام 1911 حينما استقالت من عضوية الحزب الاشتراكي. ولم تنضم إلى عضوية حزب (قورتير) الديموقراطي الاشتراكي وعزفت عن العمل السياسي لسنوات عديدة. ومن بعد في عام 1915 أنشئ الحزب الاشتراكي الثوري والذي اتحد بعد عام مع الحزب الديموقراطي الاشتراكي.
في الديوان الشعري الثالث المعروف بـ De Vrouw in het woud (المرأة داخل الغابة) الذي صدر في عام 1912. وصفت فيه العزلة التي أعقبت تخليها عن عضوية الحزب الاشتراكي. ومثلها مثل دانتي وجدت نفسها تائهة في غابة و لم يأت حادب أو مرشد لإنقاذها: إذ وجب أن تكون هي المرشدة لذاتها. ضاعت الحماسة الزائدة التي تميز بها ديوانها الثاني (الطريق العليا) وحلت محلها أحاسيس الخيبة وانعدام الثقة. لم يكن الصراع هذه المرة صراعاً بين الانفرادية الموروثة والموجودة داخل النفس وقيم بناء المجتمع الإنساني. إنما كان صراعاً بين الحلم والواقع. أي أنه كان صراعاً بين الشق الفكري والإبداعي والشق العملي أي الواقعي من شخصية الشاعرة. ولقد حارت الشاعرة عند الاختيار فيما بين حلم إقامة دولة اشتراكية تسودها المساواة والعدالة الاجتماعية وبين الجهد القاسي (الثورة) الذي بدونه لا تبنى تلك الدولة المنشودة. لقد استحالت عليها الملاءمة بين الحلم والواقع العملي إذ قالت في هذا الشأن: ( لأن كلاً من الحلم والعمل لا يرغبان في العيش سوياً.. (أي أن يجتمعا في مكان واحد) وشيئاً فشيئاً أضحت تؤرقها فكرة الثورة والعوامل التي تبرر القيام بها: ترى هل يبرر الهدف النبيل الثورة وكل تلك الشرور (المآسي التي تسببها)؟ في أحيان كثيرة مالت الشاعرة لإعطاء رد بالإيجاب على ذاك التساؤل: إذ أنها كتبت في هذا الشأن: (ومهما تطلب الأمر التضحية بالآلاف المؤلفة من القلوب، يبقى الثمن زهيداً لقاء سعادة البشرية جمعاء. على الرغم من أنه يوجع لآلاف المرات آلاف القلوب..)
تدريجياً تحولت الشاعرة بعيداً عن فكرة الثورة وهكذا في ديوانها الرابع المسمى (verzonken Grenzen) (الحدود الغرقى)، والذي صدر في عام 1918 في ذاك الديوان الشعري صرّحت بالقول (.. في نهاية الأمر لابد لقوى الاعتدال أن تنتصر). وفي عام 1923 في ديوان شعرها الثاني المسمى (بين عالمين)tussen twee werelden خطت خطوة بعيده باتجاه رفض مبدأ الثورة إذ رفضتها كالمرض الخبيث، ورأت فيها أزمة حياة وموت تقبض بجسد المجتمع، وإبان مؤتمر الأممية الثالثة والذي انعقد بموسكو عام 1921 كانت الشاعرة من ضمن مندوبي الحزب الشيوعي الهولندي غير أن ذلك المؤتمر الأممي بدد كل وهم كان عالقاً بذهنها فيما يتعلق بأمر الثورة.. ومثلها مثل قورتير قبل عام سابق، عادت من روسيا البلشفية وقد تحطمت كل آمالها وتبلورت ظنونها فيما يتعلق بأمر الثورة في قصائدها الملحمية والتاريخية المسماة helden sage (القصص الزاخرة بالأعمال البطولية) والتي نشرت في عام 1927. وقد احتوت القصائد من جهة على تمجيد الثورة الروسية ومن جهة أخرى تضمنت مهاجمة ما تمخضت عنه على أرض الواقع (الحكم السوفياتي) وفي نفس العام الذي شهد وفاة (قورتير) استقالت الشاعرة من الحزب الشيوعي وأصدرت ديواناً شعرياً جديداً بعنوان Verworvenheden (الإنجازات) وفيه نبذت الماركسية واختارت عوضاً عنها اشتراكية دينية، وهو ديوان شعري عجّ بمراجعة النفس وأبدت الشاعرة أسفها لأنها دعت في يوم ما إلى العنف. وأضحت قناعتها بأن القسر لن يفلح أبداً وتلخيصاً لتجربتها في الحياة لحظت الشاعرة أن القليل قد تحقق مما عمرت به خطط وطموحات وآمال السنوات الماضية. ولم يكن الديوان الشعري المسمى (انجازات) آخر مؤلف تصدره إذ أنها استمرت في التأليف والنشر حتى زمن قريب لوفاتها عام 1952 غير أن ذاك الديوان الشعري كان آخر إجابة أعطتها للأسئلة والإشكاليات التي طرحتها في أعمالها الأدبية الباكرة. من بعد أصدرت دراميات نثرية مثل تلك التي حكت سيرة توماس مور والسيرة الذاتية لدوق لكسمبورغ وسير رومين رولاند وغاندي.
كانت المكانة الأدبية للشاعرة رفيعة للغاية وكان تأثيرها بالغا على الحياة الثقافية الهولندية ولمدة طويلة كانت معبودة السواد الأعظم من المواطنين الذين كانوا من أنصار الأفكار الاشتراكية. وعندما خفت حدة الخلاف بين ما هو اشتراكي وغير اشتراكي أضحت الشاعرة شخصية قومية مبجلة حتى من قبل الناس الذين لم يطلعوا على سطر واحد من أشعارها. كانت أعمالها الأدبية عبارة عن تعليقات متلاحقة حول أحداث حياتها وأوضحت هذه الأعمال جميع أفكارها، آمالها ورغباتها وحتى خيبة أمالها وأوهامها، كل هذه قد انعكست جميعها في الأعمال الشعرية والإبداعية الأخرى. و لم يكن أحد من الشعراء حاضراً في طيات إبداعه الأدبي مثلما كانت الشاعرة حاضرة. وكذلك لم يكن هنالك إجماع حول الجودة الإبداعية لشعرها، ففي حين أبدى نقاد كثيرون إعجابهم البالغ بشعرها اعتبر آخرون أنها مارست حرية زائدة فيما يتعلق بالإيقاع والأوزان والعروضيات، وأعتقد بأن تلك الحرية التي مارستها لا تجوز وأنها فوضى وتخبط .
وانطلاقاً من وجهة نظر الشعر وحده وبعيداً عن تأثيرات السياسة فإن أهم ما يميز أعمالها الأدبية هي أنها تمثل قطيعة تامة مع التقاليد الأدبية لحقبة الثمانينات من القرن التاسع عشر. حينما تلقي نظرة إلى الوراء انطلاقاً من أشعارها على سائر الأعمال الشعرية لتلك الفترة، فإن فكرة (الفن من أجل الفن) تبدو فجأة بعيدة للغاية حقاً.
من بين أشعارها، مختارات من الشعر الهولندي الفلامنكي واخترت هنا ثلاث قصائد للشاعرة هنرييت رونالد هولست
(العزلة التي عثرت عليها، لن يعكر صفوها أحد)
.. الناس أسرى الظنون،
... طلعة كل إله لا تشبه الدهر
.. ترى ما الذي لا يعتريه التحول أبداً،
.. ما الذي مآله لامحالة إلى العدم،
.. يعتريني القلق من الهلع والوساوس
.. إلا أن لهمس الدهر صوتاً مجلجلاً
.. لايساور قلبي الخوف من فقدان شيء ما
.. تعودت على تلبد السحب
.. أستطيع رؤية ما يبدو خلال غيمة
.. ولدت بطبيعة صلبة
.. تنطلق من تلقاء نفسها
... تغوص في لب الأمور
.. غير أن كثيراً من السدود
تقف في وجهي
.. مبتغاي خبأته وسط كل متعاظم وكثيف
.. غير أن الغطاء سرعان ما يتجلى
.. كما تسفر الظلمة
.. اشعرأن الحب مبدأ الوجود
وهنالك القصيدة الثانية التي ختمت مختارات الشعر الهولندي الفلمنكي للفترة 1880 ـ 1916:
مع الدهر (ما يحدثه الزمن من تغيير)
.. ألا يزال في مرآتنا
ما أفسده الدهر؟
.. العوالم السالفة بهتت ألوانها
.. تنطبق شفاهنا
قبل تجدد التحايا
. في قلوبنا عناد آخر
والشوق يتفاقم
... إلى حلم قديم خسرناه
.. وصوب الجديد
تتبرعم زهرة العشب البحري
.. نجبر على الرحيل
من تعاقب السنين العجاف
.. هذا التيه بعينه
.. كل ما فينا يتزحزح تلقاء نفسه
.. كأنما فيضان
يغمر الطريق
.. يقضي المرء نحبه
.. سفينة قذفت به بعيداً
.. في بحار غريبة
.. يولد وسط أعشابها
.. ينتظر ولوج مجرّة
.. صخرة كأْداء تعترض سبيله
.. سبقتُ هذا المكان
.. وحيال جهده.. الذي
كلف به
.. يطّلع على حماقات صباه
.. جميلاً مع كل إشارة نبيلة
.. مكللاً شعره بعبق الزهر
.. الرذاذ يتلألأ بالأضواء
.. المكان زيَّن لإقامة حفل
.. غير أن كل جهد بذل سابقاً
.. حطم أحلامه
.. القلب لم يعد ميالاً
.. كان يأمل في نَيْل السعادة
.. أيها الرفاق لسنا مثلكم
مطبوعين على طي الأميال
.. هو ذا فراق الأرض
التي تعمر بالهذيان
.. في حوزتنا صخب الأيام
.. حصدناه مثلما
تزهرُ شجرة
كنا الجمال
.. لم يعد ٌُ في القلوب ُطهرٌ
.. ولا مسرّة في العالم
الدهر منشغل
.. لم تبلغ أصواته مسامعنا
.. رحل إلى الأعالي
.. في أغوار أعماقنا
طنين,
.. عسى أوزتنا تغرّدُ
.. لعل في الغناء نبتاً جديدا
.. من تردد الشفاه
.. تتهاوى أناشيد رغباتنا.
وأخيراً هذا نموذج شعري ثالث للشاعرة الهولندية هنرييت رونالد هولست، كثيرا ما أورد كدليل على سمو شاعريتها:
(صمت الطبيعة)
.. كم لصمت الكون من معانٍ
.. مليء بإنقطاعات
.. في إبحاره وأحاسيسه
التي تنساب ببطء
.. حتى ترنّ داخل قلوبنا
نغمة مضيئة
.. ينطلي لونها على الشعر
.. عندما نعاود التفكير
.. في ما يضمه الكون من أشياء وكائنات
.. أنماط سبق أن منحناها فعالية
.. تشابهت التوابل في أنظارنا
.. وهدوءنا هو صانع الحب
.. الآن يوجد الكثير من الصخب
.. الذي لا يسمع إطلاقاً
.. ويصعب الإنتباه إليه
.. يماثل حالنا طفلاً
ليس له أم.., الزمن يلقن الناس درساً
.. من حسن الحظّ
يوجد تحت الغطاء وئام
.. إلى جانب ذلك
تطفو دماء...... وحمى في أرجاء المدن
3 ـ ألبرت فيروواي Albert Verwey
الأديب المجدد:
1 ـ 3 الريادة الفكرية:
كان من بين المحررين المؤسسين لمجلة (De nieuwe gids (المرشد الجديد)، ألبرت فيروواي، هذا هذا المبدع أدار ظهره أيضاً للأفكار السائدة في الثمانينات من القرن التاسع عشر. استقال من الفريق وتحرير المطبوعة في عام 1890 عقب خلاف مع Kloosمنذ ذلك الوقت أضحى معارضاً أكثر تلك الفردانية المبالغ فيها والتي كانت الحركة الأدبية الباكرة تدعو إليها. هكذا أضحت إسهاماته لمطبوعة (المرشد الجديد) تقل وتتباعد بين كل إسهام وآخر. ومن بعد عام 1893 بعث بالعديد من أشعاره إلى الصحيفة الفلامنكية van nu en straks (الآن ومن بعد) التي كانت معتدلة في الترويج للانفرادية مقارنة بحال صحيفة (المرشد الجديد) ولما كان فيروواي رائداً وليس بمساهم فقط, فقد أنشأ في عام 1899 Twee maandelyssch tydschrift أي (المجلة التي تصدر كل شهرين مرة واحدة) وكان فيروواي في أمس الحاجة لهذه المطبوعة كما أوضح في رسالته للطابعين وكانت حاجته تماثل حاجة الواعظ الديني إلى المنبر) وشاركه في تحرير هذه المجلة أديب آخر وهو (Lodewyk van deyssel) لودفيج فان ديس يل، ولم تكن الشراكة بين فيروواي وفان داي سيل موفقة. وكان هذا ما لاحظه فان داي سيل منذ البداية، وبعد إصدار العدد الأول من تلك المطبوعة كتب فان دي سيل إلى فيروواي (ينعدم لدي الشعور بأن مساهمتي في هذه المجلة يماثل إسهام رائد ناشط لحركة فكرية، إنما هي من نوع مساهمة مدير معهد دراسي أو مطبوعة ما، ومن ناحية أخرى فإن فيروواي كان يشعر على الدوام أن واجبه توفير الريادة وكلما ازدادت ثقته في مقدراته هذه زادت ريادته(تزعمه للحركة الأدبية) متعة
ووجد فيروواي وهو الطامح إلى إضفاء طابع دولي لمطبوعته، المطبوعة الألمانية Blatter fur die kunst ملائمة لمزاجه وطبيعته واحتياجاته، وعثر فيها على أعمال stefan george استيفان جورج، ففي عام 1895 استعرض العملين الأدبيين لجورج الذي عرف أحدهما بـ Algabal وعرف الآخر بـ Pilgerfahrten وقد أدى استعراض هذين العملين الإبداعيين إلى التقاء فيروواي وجورج ونشأت بينهما صداقة امتدت إلى أعوام طويلة. وأيضاً تعاون الأديبان في مجال الإبداع إذ بدأ كل منهما في ترجمة الأعمال الأدبية العائده للآخر، وكان أول ثمرة لتعاونهما وصداقتهما ترجمات جورج لأشعار هولندية: أشعار وولسن، فيروواي وقورتير، وكانت ثمرة صداقتهما قد نضجت في عام 1896 ونشرت في مطبوعة Blatter Fur de kunst وكذلك عكست الأشعار التي نظمها كل من فيروواي وجورج في نهاية حقبة التسعينات من القرن التاسع عشر دلالات واضحة على العلاقة الراسخة والوثيقة التي جمعت بين هذين المبدعين. وهكذا فإن العمل الإبداعي لجورج المسمى Das Jahr der steele والصادر في عام 1897 عكس رابطة تجمع بينه وبين الديوان الشعري لفيروواي المسمى Aarde (أي الأرض) الصادر في عام 1896 فثمة رابطة حميمة بين العمل الإبداعي الآخر لجورج والذي عرف بـ (Algabal)وذلك العائد لفيروواي والذي عرف بـ de nieuwe tuin (الحديٌقة الجديدة) ونشر في عام 1889 لقد عبر جورج عن تواصل فيروواي بأعضاء الدائرة الاجتماعية الثقافية لجورج مثل فيدريك جون دولف، كارل ولفس كهيل، لودفيغ كال كيس، وفيدريك فالترز.؟ في بداية القرن العشرين وجدت روابط قوية بين الأديبين الألماني والهولندي. وقد كان الرابط بين جورج و فيروواي هو إدراكهما لدور الشاعر، وكان كل منهما قد ثمن كثيراً دوره في المجتمع. وكذلك جمع بينهما إيمان برسالة الشعر. وعلى الرغم من هذا كانت هنالك الخلافات بينهما، فمقابل عبادة جورج لذاته عبد فيروواي الحقيقة. وعليه قضى خلافهما هذا على أول خطة لهما لكتابة مؤلف مشترك حول الفن في كل من ألمانيا وهولندا. ارتطمت خطتهما هذه بخلافاتهما، استمر فيروواي لبعض الوقت في الدفاع عن مبدأ الطبيعية (Naturalism) وهو المبدأ الفكري الذي نشأ عليه. وهذا ما كان يردده على الدوام، وفي المقابل كان الرفض التام من قبل جورج لهذا المبدأ الفكري ولسنوات طويلة كان هنالك التفاهم المبدئي بينهما فيما يتعلق بوجود خلافات فكرية، استمرا في التعاون وبذلا جهوداً إبداعية مشتركة على الرغم من بعد الثقة الفكرية بينهما، وفي عام 1903 نشر جورج وجون وولف مجلداً حوى أشعاراً مترجمة لفيروواي، ورد فيروواي جميلهما بترجمة أعمال شعرية لجورج وشعراء ألمان آخرين منهم جون دولف، وولفس وهوف مانرت هال. ومن بعد اصبح الخلاف حاداً وأضحى هنالك تمايزاً واضحاً بين فيروواي (الواقعي) وجورج الحالم، ولقد تأسف فيروواي على الميل المتزايد لدى جورج نحو نظم الشعر المعد لفئة قليلة أو المفهوم من قبلها وحدها، وقد شعر فيروواي بالأسف خاصة بعد نشر عملين أدبيين لجورج أحدهما ذاك المسمى Der siebente ring الصادر في عام 1907 والآخر المسمى Der stern des bundes الصادر عام 1914، وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى كانت العلاقة بين جورج وفيروواي قد أضحت سيئة للغاية، لقد تباعد فروواي عن جورج نتيجة محاولة هذا الأديب الألماني والأديب الآخر وولفس كيهل تبرير موقف ألمانيا، ورفض فيروواي للشوفينية الألمانية الذي اعتبره جورج ولفس كيهل رفضاً لصداقتهما معه. في عام 1929 سرد فيدريك والتزر تفاصيل العلاقة التي ربطت بين جورج وفيروواي في مؤلفه stefan george und die blatter fur de kunst .
وقد رد فيروواي على ما ورد فيه من تفاصيل في مؤلفه:
Myn verhouding tot stefan George
(علاقتي بستيفان جورج(، والذي يجب أن يقرأ إذا ما أريد تصحيح ما أورده والترز حول الصداقة المشتركة للشاعرين.
في ذات الفترة حوّل فيروواي صحيفتهTweemaadndelykse tydschrift إلى مطبوعة شهرية أطلق عليها اسم twintigste Eeuw (القرن العشرون) في عام 1905 اتسعت شقة الخلاف بينه وبين فان دابيسل، وفي نفس العام أصدر فيروواي مجلة جديدة سماها De beweging (الحركة) والتي كان محررها الوحيد، بالرغم من أن اسم المجلة يشير على نحو مباشر إلى الحركة الأدبية في حقبة الثمانينات من القرن التاسع عشر إلا أن مجلة (الحركة) كانت في واقع الأمر ردّة فعل قوية على جزء من تراث حقبة الثمانينات من القرن التاسع عشر , وقد عارضت (المذهب الطبيعي) و (الإحساسية) ورفضت ما سمي بـ (فن الكلمات) وحبذت عوضاً عنه (فن الفكر) وكذلك حبذت الشعر الفلسفي عوضاً عن الشعر الإحساسي (الحسي) وهو النوع السائد من الشعر إبان تلك الفترة المتأخرة من القرن التاسع عشر.
وكذلك عارضت المجلة الانفرادية الفردية , وتحولت على نحو تدريجي إلى الدفاع عن التقليدية (التمسك بشدة بالتقاليد خاصة في المسائل الشعرية). ففي خلال العامين 1911 و 1912 دعا شاعران انتميا إلى نفس المجموعة التي التّفت حول مجلة (De beweging) وهما الشاعران J.c.Bloem
Geerten Gosaert، دعيا إلى العودة إلى البلاغة أي السبل التقليدية للخيال الشعري ,وكان فيروواي قد جهر بالقول عالياً داعياً للالتزام بها.
وفي مقالة كتبها فيروواي في عام 1913 حملت عنوان:
De richting van de Hedendaagsche poezie
(اتجاهات الشعر المعاصر) وفيها حبّذ بشديد من الحذر المطالبة بالعودة إلى التقاليد مع الاستمرارية وأوضح قناعته بأن الإبداع والخلق ينطلقان من الذات بدون أن يستوعب المرء شيئاً من المجتمع، وأشار إلى أن مثل هذا الإبداع يبقى رائعاً إلا أنه يعد خطيراً. إلا أن عنصر البلاغة لم يلق ترحيباً واسعاً، وكان Bloem قد سمى هذا العنصر (البلاغة الملهمة). لقي هذا المعنى معارضة واسعة وبالتالي لم يصبح اتجاهاً رئيسياً للشعر فقد عارضه منذ البداية شعراء سبق وان نشروا إنتاجهم الشعري في مجلة (De beweging) ومن بين هؤلاء الشعراء المعارضين Aart van der leeuw و P.N.Van Eyck وعلى الرغم من الرفض فإن الدعوة كانت ردة فعل طبيعية وقعت في مطلع القرن العشرين حيال الفردية التي سادت في فترة الثمانينات من القرن التاسع عشر، وكذلك كانت هنالك معارضة الاشتراكيين المعادين للفردانية مثل Harman groter و H.R.Holst فلم يساند هذان الأديبان (اللذان تناولنا مسيرتهما وشاعريتهما منذ البداية) لم يساندا نلك المجله بما فيه الكفاية، وعوضاً عن ذلك كانا ينشران في مجلة De nieuwe tijd (العصر الحديث) وهي مجلة اشتراكية صدرت في عام 1898 وفيما يتعلق بشعر فيروواي فإن هذا الشاعر قد نما من شاب عاشق للجمال أو كما قال كلوس Kloos بخبث (مؤمن بمذهب كالفين (البروتستانتية) غشته نوبة حمى الجمال وتحول إلى شاعر متفلسف ووسع علاقته بالجمال إلى علاقة (بالكل)كذلك تحول إلى شاعر أخذ على عاتقه مهمة التعبير عن الوحدة بين الشاعر و (الوجود) هكذا في المقدمة لديوانه الشعري الذي أصدره في عام 1912 وهو المجلد الذي حمل عنوان verzamelde Gedichten (مجموعة أشعار) ففي تلك المقدمة صاغ ما أشار إليه (بجوهر الشعر) وعرّفه بأنه الخيال الخلاق (المبدع).
3 J.H. Leopold الشاعرية الفذة والإنسانية المتواضعة!
ولا يدخل على نحو فوري في القصائد ولكنه يشكل الإحساس الطبيعي للإنسان وهو الإحساس الممتزج بالحياة ذاتها. وفي جميع مؤلفاته اللاحقة ,ومن أهمها Het zichtbaar geheim 0(السر المفضوح)والتي من أهمها De Weg van het licht (طريق الضياء) و De Getilde last (التبعات الملقاة على العاتق) و Figuren van de sar kotaag (شخصيات للتابوت الحجري) وقد صدرت هذه المؤلفات خلال الفترة ما بين عام 1915 ـ 1930 ومن خلالها حاول التعبير عن ما أسماه بالفكرة ـ وهي (القوة الدافعة إلى الأمام) والتي تشكل جوهر الحياة ـ ولاتبدو واضحة إلا إذا اتخذت شكلاً معيناً. وهذا الشكل هو ما اعتقد Simon vestdyk أنه مرتبط بعناصر وحدة الوجود (المذهب القائل أن الكون مادي والإنسان ليس إلا مظاهر للذات الإلهية) وتشمل هذه العناصر: المطلق، الإرادة واللاوعي، وقد أدى انشغال هؤلاء الشعراء النظري بـ (الفكرة) إلى بروز وترشيد أقوى اتجاه فكري وفلسفي في الشعر الهولندي. ولم يكن هذا من قبيل الصدفة إذ أن فيروواي كان يحس برابطة قوية تجمعه بـ مبدع آخر هو ) everhardus johannes potgiete وعدَّ فيروواي هذا المبدع بمثابة مثله الأعلى للحلم والانضباط اللذين يميزان الخيال الشعري ووضوح الفكر. ففي عام 1903 كتب فيروواي (حياة بودت خيتر) وكانت دراسة أظهرت تقديراً عميقاً لحياة ذلك المبدع وإنتاجه، وأوضحت عبر أسلوبها الوشائج التي جمعت بين (بودت خيتر) وفيروواي. ورغم أنه كان شاعراً ذا أهمية فائقة فإن فيروواي مثله مثل بودت خيتر ملك أثراً قوياً كناقد أدبي. وفي مقالاته النقدية التي جمعت في عشرة مجلدات عرفت باسم proza)) (النثر) كانت معاييره المطلقة لتقييم أي عمل أدبي تشمل: المحتوى الثقافي والقيم الأخلاقية، الإبداع الأدبي والخلفية الفلسفية للعمل الأدبي والعبر المستقاة منه، أي أنه كان يستخدم معايير فكرية وأخلاقية وليست جمالية لتقييم أي عمل أدبي وعليه فإن فيروواي يضع نصب عينيه المحتوى الفكري والطابع الفلسفي والعبر الأخلاقية وقد اصبح نقيضاً للمتعاون معه بصورة وثيقة لودفيغ فان داييسيل والذي كان يقتصر على نحو مطلق على المداخل الجمالية للأدب والشعر. وكان فيروواي باحثاً في تاريخ الأدب وكان أول من أعاد اكتشاف العمل الإبداعي (Jan Van der Noot) وهو عمل أدبي اندثر أثره بعد مرور ثلاثة قرون مضت وإلى جانب دراسته حول(van der Noot)أصدر كتباً حول (Hendrick spiegel) وكتاباً آخر حول القوافي (السجع والتقفية) والقياس (Ritme en metron) كذلك أصدر مؤلفاً ثالثاً عن شعر فوندل (Vondel). وفي عام 1924 عيّن أستاذاً للأدب الهولندي، وتوفي في عام 1937 حين كان يعمل في تأليف كتاب آخر حول (Vondel).
1 ـ 4
الإلحاح على الفردية (الذاتيانية)::
في العهد الذي كان فيه البرت فيروواي وهنرييت رونالد هولست وهيرمان قورتير وأدباء آخرون قد ثاروا بقوة على مبادئ الحركة الأدبية في الثمانينات من القرن التاسع عشر، وحينما كانوا يحاولون على مستوى النظرية والممارسة دفع الأدب في اتجاه جديد، كان هنالك الشعراء والكتاب الذين استمروا في نهج الحركة الأدبية السالفة (مدرسة الثمانينات من القرن التاسع عشر) وقد تمثل هذا الاتجاه بوضوح بواسطة (J.H.Leopold) و (P.C.Boutens) في هولندا وبواسطة (Karel Van De Woestijn) في بلجيكا.
ولد جان هندريك ليوبولد في عام 1865 ودرس الكلاسيكيات بليدن وعمل بمدرسة إعداديه بروتردام حتى تاريخ وفاته في عام 1925 وبالمقارنة مع شعراء حقبة الثمانينات من القرن التاسع عشر والذين بدأوا في نشر إنتاجهم وهم لا يزالون يافعين (السنوات المتأخرة من الصبى والباكرة من الشباب) فإن ليوبولد درس بهمة على نحو متأخر، وقد نشرت أولى قصائده في (Nieuwe Gids) (المرشد الجديد) في عام 1893. وفي نفس العدد من المطبوعة نشرت القصائد الأولى لهنرييت رونالد هولست، وكانت مساهمته المتأخرة نسبياً مؤشراً للتحفظ والتواضع والخجل الذين يشكلون طابع شخصية ليوبولد. فقد كان رجلاً يحبذ العزلة ولديه ميل عفوي للانزواء بعيداً وقد تدعم هذا الميل لديه بواسطة فقدانه المتدرج للسمع وكذلك بدت حياته ظاهرياً رتيبة للغاية مثلها مثل حياة (Stephane Mallaume) الشاعر الفرنسي من أدباء حركة الرمزيه (Symbolisme) والذي جمعته به هموم مشتركة. لعل ليوبولد هو اكثر وأنقى الشعراء الهولنديين رمزية. دلت معالجته للمجازات والاستعارات على الابتكار والإبداع في مجال الشعر. كذلك يدل الطابع المثير للذكريات والعواطف لشعره على وجود علاقة وثيقة بين شعر ليوبولد وشعر (Mallarme) ومع هذا فإذا كان هناك شاعر متفرد ومستقل بذاته، فإن ذلك الشاعر هو ليوبولد، وقد لا يتعسر العثور على تأثير ما لقورتير غير انه يبقى من شبه المستحيل الخلط بين قصيدة لليوبولد وقصيدة أخرى لقورتير أو بين قصيدة أخرى لشاعر من بين معاصريه، وتنعدم إمكانية الخلط بين شعر ليوبولد وشعر الآخرين نتيجة لأن قصيدة لليوبولد يمكن التعرف عليها فوراً بنعومة الوقع النغمي (النغمات) وخفة الرنين بالمقارنة مع ارتفاع صوت الأبواق المنبعث من أشعار قورتير.
وفي عام 1912 حينما أطلع الشاعر (Boutens) على المجلد الأول لأشعار ليوبولد المعروف بـ (Verzen) )أشعار( اطلع على المجلد وهو تحت الطبع ـ على الرغم من معارضته لاتجاهات ليوبولد الشعرية، كتب ذاك الشاعر مقدمة قصيرة وصف فيها الأسلوب والأداء الخافت في شعر ليوبولد ووصفهما بأنهما استغراق في التفكير والشاعرية يسمع بوضوح على الرغم من الاستغراق الذي يقارب الصمت وعلى عكس الألوان الزرقاء الذهبية التي دأب قورتير على التواجد وسطها فإن أشعار ليوبولد توجد في عالم ألوانه رمادية، نصفها ظلال ونصفها الآخر شعاع من انبلاج الفجر). على النحو الذي ضمّنه قصيدته التي نظمها بمناسبة 5 ديسمبر والمسماة(Voor 5 December) وحتى حينما نظم شعراً حول جمال وروعة حديقة للزهر كما فعل في مجلده (Albumblad 1) (صفحة من صفحات ألبوم ) (ألبوم بمعنى مختارات أدبية وشعرية), يبدو كأن ليوبولد قد صنع رقائق ملونة خلطت ألوانها على نحو يخلق مختلف أطياف اللون الرمادي. في حين أن أكثر شعر قورتير كان قد نظم بتدفق وفي حالات من النشوة وتزاحم المشاعر ,فإن المزاج السائد في شعر ليوبولد هو ذاك الذي يسوده الإحساس بالضياع والرهبة.
ومثله مثل قورتير وفيروواي كان ليوبولد منجذباً بقوة إلى فلسفة سيبنوزا وكان الاعتقاد بأن وجود علاقات أو روابط فيما بين الأشياء وأن الإنسان يعد جزءاً من الطبيعة والكون. وكان لديهم الاعتقاد ان هذا الإدراك يساعد في إيجاد الحلول لمشكلات الفرد والمجتمع، وفي قصيدة تعد من أهم وأكبر إنتاجه الشعري والتي نشرت في عام 1910 وحملت عنوان (Oinou Hena Stalagman) (قطرة واحدة من النبيذ)
في تلك القصيدة وصف ليوبولد عبر صور تفصيلية كيف أن شأن قطرة واحدة من النبيذ هو شأن كافة مياه المحيطات. وكذلك أوضح أن قطع تفاحة واحدة قد يؤثر على توازن الكون بمجمله، وعلى هذا النحو فإن تفكير الفرد منا يأثر على كل الأرواح التي تبدو متفرقة (كل منها له شأنه الخاص) وبدوره فإن فكر الفرد يتأثر بفكر كافة هذه الأرواح، وفي نفس الوقت فإنها كانت في واقع الامر قصيدة فيما يتعلق بالشعر ذاته: إذ صورت الأدوار الإبداعية والفكرية للشاعر.
وبعد أربعة أعوام عاد ليوبولد إلى نفس الموضوعات في قصيدة مطولة حملت عنوان (Cheops) (اسم فرعون مصري)، واعتبرت هذه القصيدة من أكثر إنتاجه الشعري تعقيداً واستعصت على الفهم. وقد أدى هذا إلى اختلاف وجهات نظر النقاد حولها. ولعل الأمر الوحيد الذي اجمع عليه النقاد هو أن ليوبولد قد جسد وحدانيته وعزلته في شخص الفرعون المصري وصور رحلة الفرعون عبر وجوده في الحياة الآخرة وهي الرحلة التي تجيء عقب الموت وقد صور الفرعون ضمن هؤلاء الذين انضموا إلى مسيرة (من نهضوا عقب أن تطهروا من الخطايا والذنوب، نهضوا من رقدة الموت. ويشكل هؤلاء البسطاء اللذين كانوا لابد لهم من الخضوع لفرعون(الذي كان طاغية لا يعصى له أمر) والخنوع لأوامره ومتطلباته. وقد أضحى هؤلاء الذين نهضوا من رقدة الموت عقب الغفران مجتمع الفرعون, ولكن يوجد قيد إذ كان يجب على الفرعون التحكم في إرادته وتطويعها. وفي الجزء الثاني من القصيدة يبتعد عن سائر الموتى ويعود إلى وحدته داخل الأهرام وداخل تابوته الحجري حيث يبقى أسيراً لأطياف الماضي، واختلفت وجهات نظر النقاد حول مغزى القصيدة: فهناك نقاد اعتبروا القصيدة تجسيداً لإبداع الشاعر واعتقد نقاد آخرون أنها دليل على عثور ليوبولد في نهاية المطاف على عزلة الإنسان الفرد. ويعد هذا الرأي الأخير أكثر إقناعاً خاصة وان ليوبولد قد أضحى مهتماً للغاية بأمر العزلة في أعماله الشعرية اللاحقة. وخير مثال لهذا التطور يوجد في تبني ليوبولد لرباعيات عمر الخيام والتي تعرف عليها في عام 1903 بعد ان ترجمها E.H.Whinfieled))
2 ـ 4: الترجمات الشعرية لليوبولد:
عنت إعادة اكتشاف الرباعيات الأمر الكثير لليوبولد فقد تعرف على نفسه في طيات الفلسفة الحياتية لعمر الخيام في قدريته (إيمانه بالقدر) وفي هوسه بعشق الحياة وكذلك في اللحظات العابرة مابين الشعور بالمرارة لدى الخيام ولحظات غضبه وثورته.
وفي أول مجموعة للرباعيات أصدرها ليوبولد تحت عنوان (Oostersch1) (الشرقيات) الجزء الأول كان المنحى منصباً بصورة رئيسه على دقة حجم (ضآلة شأن) الوجود الإنساني.
.. يبقى العالم دائماً وأبداً
.. في حين لا يطول الأمد
على أي ذكرى لي
... تنقضي القدرة على الإدراك
.. لم يفتقدني أحد
قبل أن أجيء إلى هذا الوجود
.. وعلى هذا النحو يمسي الأمر
بعد رحيلي
.. ولا يختلف
تعرف ليوبولد على ذاته في عمر الخيام، ولعله ليس من شك في أن تكون هنالك روابط وثيقة وطبيعية بين الشاعرين. وقد سبق أن كانت الصلة الوثيقة بين الخيام وإدوارد فيتزجرالد والذي عرّف ليوبولد بالخيام عبر ترجماته. ومن جانب آخر فإن الرباعيات على النحو الإبداعي الذي نظمه ليوبولد تعد اكثر من افتتان صادق بشاعر الرباعيات، وعموماً كلما ركز الدارس لشعر ليوبولد أكثر يسهل عليه إدراك ذاك الشاعر الهولندي. وفي الترجمات اللاحقة لشعر عمر الخيام وشعراء كثيرين من بلاد فارس وهي ترجمات عن اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى الهولندية، وكان في هذه الترجمات يركز( ليوبولد) على المرارة وتفاهة العيش والنأي عن إقامة صلات بالناس
..إن معرفة البشر
.. والاقتراب النسبي
.. منهم
.. كلاهما داء محتوم وعذاب دائم..
كانت ترجمات ليوبولد قصائد جديدة ومبتكرة وهي في الوقت ذاته ترجمات من الشعر الفارسي. لقد كانت قصائد مبتكرة نظمت بدوافع فارسية وكانت فارسية من حيث شكل الأستانيت ـ المقاطع الشعرية وكذلك وصفها الشاعر والناقد (T.Weeversi) وعلى الرغم من أن الرباعيات المترجمة إلى اللغة الهولندية لم تلق رواجاً واسعاً مثلما لقيت التراجم باللغة الإنجليزية عقب قيام فيتزجرالد بنشرها في عام 1859، وعلى الرغم من عدم رواج الترجمات الهولندية هناك عديد من الشعراء الهولنديين الذين حذوا حذو ليوبولد.
إلا أنه ما من ترجمة يمكن ان تعلو على ترجمات ليوبولد. ولم يقدر شاعر واحد منهم على إظهار موهبة ومقدرة مثل تلك الموهبة الشعرية لليوبولد والتي بانت في ترجمته للرباعيات ولم ينجح أحدٌ منهم في أن يضفي على ترجمته طابع الشعر المبتكر.
ولتوضيح أبعاد شاعرية ليوبولد نورد نماذج من شعره
شكاية!
.. كم من الوساوس في رأسي
.. أْثقلت كاهلي
... أطْبقت فمي وسرَقتْني
.. وقفت في الأقاصي
.. توجت رغباتي
ذلك ما يسكنني حقاً
.. لن أفكر بالتوحش وهذا الوجه الحيواني
.. تحطم كل ما هو حميمي
.. حيث فتية حالمون
قد صدّعوا أو هزموا
.. الحياة ذاتُها خُنقت
.. ما من إشارة ترسل
.. متاعب جمة وفراغ تام
.. المنتحِب بالكاد يبكي
.. ضائعا في العزلة والأيام المهجورة
وهنالك قصائد أخرى كثيراً ما تورد من المختارات الشعرية للتدليل على شاعرية ليوبولد (مثال المختارات المسماة غابة العندليب)
.. المهد يهتز.. لعله يرقص
.. الصمت لا يقلق أبداً
... اهتزاز لعله المخاض
.. دلالة على أن الوليد
.. ينبغي أن يكون قانعاً وسعيداً
.. متعباً هو رغم قناعته
.. العين التي كانت تومض
.. أغمضت بهدوء
..... (Toe Zyn Gegleach)
.. ومن بعد سوف تأتي فتاة الأحلام
.. استعارت كلمات الفخر
استبْدلتها بألوان المنفى والسمو
... فقدت الأمل
خسرت معركة
.. وهذا ما يعتم عيشي
.. ويغرب الخير الذي هو شمسي
.. حسناً سوف لايقوى فمك
على كتمان الأمر
.. والآن لمرة واحدة يجرؤ على النطق
.. أنا على دراية بأسس كل مخلوق
.. أتعلم أن حياتنا محاولة للإنجاز؟
.. هذا ما يزعمه كل إنسان
.. أمر واحد غامض
.. وتوقع منعدم الأنفاس
5 ـ ((P.C.Boutens)) الشاعر الصوفي
1 ـ 5 ـ
الابتهالات
يبقى Boutens الشاعر الهولندي الذي شارف على الاقتراب من إنجاز ليوبولد ولم يقم(.Boutens) بترجمة الرباعيات بناءً على الترجمة الإنكليزية التي قام بها( Whinfield) والتي ترجمها للهولندية ليوبولد. وكذلك ترجم (.Boutens) عدداً من الرباعيات من طبعة فرنسية ضمت أشعاراً فارسية نقلت إلى اللغة الفرنسية وكان ليوبولد قد استخدم تلك الطبعة الفرنسية أيضاً. وقد شكلت مصدر الرباعيات التي ترجمها إلى الهولندية بعنوان (Oud perzische Kwatrynen ) (رباعيات فارسية قديمة) وتلك التي ترجمها ليوبولد حملت عنوان (Soefisch) صوفيات
وتلقي كل ترجمة للرباعيات الضوء على التباين بين الشاعرين الذين هما رضيعان في دنيا الإبداع الشعري.
وكان أهم موضوع للرباعيات في نظر ليوبولد هو نبذ الحياة الدنيا, في حين اختار (Boutens) الابتهالات الصوفية. وعليه فقد تنوعت مداخلهم للشعر الفارسي وتباين اختيارهم القصائد الشعرية الفارسية ولم يقع اختيارهما المشترك إلا على ثلاث رباعيات فقط. وحينما نشر (Boutens) رباعياته في عام 1913 لم تكن الرباعيات الأخرى الـ (Oud Perzische Kwatrynen) قد صدرت من بعد, إذ أنها نشرت مؤخراً في عام 1930 آنذاك وكان (Bouten) معروفاً كمؤلف لدواوين شعر متعددة مثل (Verzen) (أشعار) وهو الصادر في عام 1889 و (Praeludien) (المداخل) نشر في عام 1902 و (Stemmen) (الأصوات) المنشور عام 1907 و (Carmina) (أغنيات) الصادر في عام 1912 وكذلك أصدر اقتباساً عصرياً لشعر القرون الوسطى بعنوان (Beatrys) (مرجونيات الإيقاع) والذي صدر في عام 1908. وكان هذا العمل المقتبس قد لقى ترحيباً واسعاً وشهرة كبيرة.
وهو المولود في عام 1870 كان (Boutens) يصغر ليوبولد بخمسة أعوام ولكن كلاهما كانت جذوره ضاربة في تقاليد الفردانية (الذاتيانية) وهي الفلسفة التي كانت سائدة في الثمانينات من القرن التاسع عشر. وكذلك جمع بينهما الإعجاب بقورتير, تأثرت الأعمال الباكرة لـ (Boutens) بالمذهب الحسي لـ قورتير ومن بعد قورتير تأثر هذا الشاعر بـ ليوبولد الـ 47 عاماً ولم ينشر واحداً من أعماله الشعرية، فرض (Boutens) إرادته على ليوبولد بطلب نشر ديوان شعري متكامل وكان (Boutens) قد اقترح على ليوبولد نشر مجموعة من القصائد التي سبق وأن ظهرت على صفحات المجلات الأدبية. ويبدو أن ليوبولد وافقه في البداية لكنه بعد حين أبدى اعتراضه ولم يسمح بإصدار أشعاره في ديوان. إذ أن الطموح إلى المجد الأدبي وحب الشهرة أو الكسب المادي لم تكن من طبيعة ليوبولد. وحينما سئل نفض يديه عن نشر مؤلفاته الشعرية، وأشار باحتقار إلى (Boutens) بالقول (لقد أشار ذاك الرجل إلى نقود ما..) وحقاً كان (Boutens) مختلفاً عن ليوبولد وكان يفتقد النزعة الأرستقراطية
لـ (ليوبولد) التي دفعته لاحتقار الماديات غير أنه (Boutens) كإنسان واقعي كان على صلة وثيقة بالحياة اليومية إلا أنه كان مثالياً في شعره. وكان غاطساً لأذنيه في أغوار الفلسفة الأفلاطونية و منشغلاً على الدوام بالواقع الذي يوجد خلف كافة المظاهر الخارجية وتدريجياً تحول (Boutens) من البداهة الانشادية إلى أشعار فلسفية تخاطب العقل إلى جانب الوجدان. وحافظ طوال الوقت على ميله التقني إلى الفضيلة وهذا مكّنه من صياغة أشعار لها جمال يشبه جمال الرّخام البارد إذ في كثير منها لم يضع قلبه في تأليفها.
وكان ليوبولد و (Boutens) يحملان مؤهلاً جامعياً في الكلاسيكيات وقاما بتدريس اللغتين اللاتينية والإغريقية في المدارس الثانوية، حيث عمل (Boutens) بالتدريس لمدة قصيرة فقط وعمل ليوبولد لأعوام طويلة. ويبدو من باب الفضول أن يلحظ المرء أنه في السنوات السابقة لفترة الثمانينات من القرن التاسع عشر كانت دراسة علم اللاهوت (الدراسات الدينية) شرطاً لبلوغ مكانة ما في الأدب الهولندي. وشهدت فترتا الثمانينات والتسعينات من القرن التاسع عشر أدباء لامعين. ومن قبل اشتهر (Beets) الذي كان كاهناً كنسياً ومن بعد أستاذاً لعلم اللاهوت وهناك أيضاً (Busken Huet) الذي كان قساً وتحول إلى الصحافة وكان هنالك Bakhuizen Van dan Brinn)) و (Drost) و (Van lennep) وعدد كبير من الكتاب والشعراء الذين قلت شهرتهم جميعهم تابعوا في وقت ما دراسة علم اللاهوت. وبعد عام 1880 انزوى علماء اللاهوت وحل محلهم (Kloos) و (Groter) و (Leopold) (Boutens) الذين تخلصوا من الشعر الأخلاقي (الواعظ) الذي غلب آنذاك والذي نظمه من كان يدرس علم اللاهوت. ووهب هؤلاء الأدباء الجدد أنفسهم لعبادة الجمال. وارتقت أهمية الجمال (القول أن مبادئ الجمال أساسية وأن المبادئ الأخرى كمبادئ الخير مشتقة منها، في الوقت الذي ظهر فيه (Groter) (Henriette R.Holst) وجميعهم تعبد للفن والشعر وبدأوا في تحدي الاتجاهات الأدبية السائدة من قبل.
لقد وضح أثر دراسة الكلاسيكيات في أعمال هؤلاء الشعراء الجدد ولقد وضح هذا الأثر في إدخالهم خواص محددة خلال فترة الثمانينات من القرن التاسع عشر ومن بين تلك الخواص التشبيه (بلاغيات هومر) الهومري التي عجت بها سونيتات (Kloos) (قصيدة من 14 بيت) وملحمة (Groter) المسماة (Mei) وكذلك التشبيهات بالفجر والنهار والقمر وهي التشبيهات التي غلبت على شعر Boutens, يبدو أثر دراسة الكلاسيكيات واضحاً في تكريس الجزيئات البنائية والتي أعطت شعر ليوبولد طابع الغرابة المتفتحة بلا حدود.
ولم يقصد بالإشارة إلى وجود تشابه في خلفيات الشاعرين، لم يقصد به وجود تطابق فيما بين الشعر الذي نظمه كل منهما, وبدون شك توجد الروابط بين شعر كل من (Groter) و (Leopold) و (Boutens) غير أن درجة الاختلاف بين نظم كل منها تماثل درجة التشابه خاصة في تعاملهم مع الأساليب التقليدية للغة والأشكال. و(Groter) إبان الفترة الوجدانية من تجربته الإبداعية قطع كل صلة له مع الـ (Syntax) (بناء الجملة بترتيب كلماتها في أشكالها وعلاقاتها الصحيحة وكذلك صحة إعرابها) التقليدي في حين أن (Boutens)من جانب آخر كان قد قبل به تماماً وحسنه وارتقى به بل أنه صنع به ما يشبه المعجزات ونفس القول ينطبق على الأطر التقليدية للشعر فقد أهملها (Groter) لسنوات عديدة وعاد إليها (Boutens) ولكن (Leopold) اتخذ موقفاً وسطاً بينهما فقد استخدم بعض هذه الأطر على نحو صارم وإلتزم بها في قصائد كان فيها كل مقطع وكل حسن وكل وقفة قد حسبت تماماً. هذا إلى جانب أشعاره التي خلت من كل قيد وإطار تقليدي مثل (Cheops) الفرعون المصري، وكاتب أبيات تلك الملحمة الطليقة التي تقصر أو تطول أبياتها بدون حساب.
ونورد نماذج لشعر (Boutens) وهو الشعر الذي تورد منه أكثر النماذج في ظل مختارات صدرت للأشعار الهولندية وتشمل المختارات المسماة Het Nachtegalen bosje (غابة العندليب) وأول نموذج هو القصيدة المسماة:
الخمر المعتق.
.. خمر السعادة المعتقة
... حُفظت في قبو ما
.. هي آمالي وأناشيدي
... تومض فوق مائدتي نقية
.. حزنها يشع كالبلور
.. مثل الذهب أصبحت رقيقاً وصعب المراس
.. لنخبكم أحتسيها
.. إبان أعياد الشباب
.. سكبت خمراً مطلياً بالسواد
.. الآلهة خلقت الأيام الهادئة والممتدة
.. أنا وأنت
.. نزاحم نقاوتها المستهلكة
.. نحس بلسعتها الذهبية المحمومة
.. تروي قلوبنا المتعطشة
.. الفتوة تولد من جديد
.. خمر السعادة جعلت البوح ثملاً
.. والهناءة ربانية لطيفة
.. كل شربة لهثت وراء الأقداح
.. أنقى وأعذب من الرفقة والسمو
.. أنا احتسي بهجتك حقاً
ونموذج آخر لشعر (Boutens) ب.س بوتنس هو قصيدته القصيرة المعبرة المسماة:
ليل الوحشة.
.. أفتقد عينيك
... كان ضوئك قد نأى بعيداً
.. ليل انعدم فيه الشدو
... وتوارت النجوم
.. صمت رهيب ساد في الأعالي والأعماق
. ذاك هو الجِد
.. الذي كان يجب الحكم عليه بالإعدام
.. يدي شراع او زهرة
.. زينت الافتتاح العظيم
.. كيف تقاوم وهي ظل ميت!
... كيف أفهم القسوة؟
.. هل في الصمت ألم الحطام؟
.. الحطام الذي يحنّ إلى الجمال
ومثال ثالث هو قصيدة" ليلة الهدوء والسكينة"
.. صمت عمّ
.. يعقب هدوء الليل
. السكينة التي أضفتها الآلهة
... جلبت بترقب محموم
.. ما لايقوى على العيش
.. من نفس إلى نفس
.. ينطق عبر الأيام همساتها المحمومة
.. من جراء تمدد الهواء
... خافتةً وتشابه النجم
.. يسطع وسط الأضواء
.. لا يخلّف أثراً لكلمة أو إشارة
.. مثلما يحل الإله فينا
وأخيراً نعطي نموذجاً آخر وهي قصيدته التي حملت عنوان :
"بهاؤك"
.. نحن من يعتمر بالعزلة
.. مثل الآلهة
.. تهنأ بالحب
.. ياللروعة
.. أيُّ دار رغبنا في تشييدها؟
.. الشطآن والبحار تصير الباحة
.. ضوء الشمس ونور القمر
.. يسقّفان الحجرات
.. وخلف النجوم تطوى الصفائح
.. نهنأ بالحب
.. يا للروعة
... حبيبي
.. هذا هو قربك مني
..يامن ملكتني
.. كيف يكون الأمر بخلاف ذلك؟
. في الوضوح الشديد والصادق
.. في الغموض المجهول
.. ينفضح سر عدم مناعتنا
.. فكر غير محجوب بالغمام
.. شتات مؤتلف
.. يوحّد مشاعرنا
.. يا حبيبي
.. الحياة هي النمو
.. يا للروعة
.. تمشي الهوينا على ظهر البسيطة
.. هي الطهر الذي لا نلاقيه
.. هي اللقى المحروسة
.. تضطجع وتسند رأسها في الليل الطويل..
ويسعد ذلك الوليد
.. بالأحلام الجميلة ـ جمال الفراشات
.. ما أروع الحال .. روعة مرعبة
.. تتبدل رأسي للمرة الألف
.. لكن الحال سرمدي
ومثال شعري آخر ورد ضمن مختارات من الشعر الهولندي والفلامنكي (الجزء الناطق بالهولندية من بلجيكا) ونورده أدناه:
6 ـ محاولات إنشاء كلاسيكية معاصرة:
(Karel van de Woestyne) الشاعر الرمزي والتقليدي معاً
1 ـ 6 :
على الرغم من صغر سنه مقارنة بإعمار ليوبولد وبوتنس كان الشاعر الفلامنكي فان دوفوستاين المولود في (Ghentl) في عام 1878، إلا أنه يعد من أبناء جيلهم. لم يكن مثلهما دارساً للكلاسيكيات إذ أنه كان قد درس اللغات الجرمانية وعمل من بعد أستاذاً للأدب الهولندي بجامعةgent في الفترة 1921 ـ 1929 . وعلى الرغم من أنه لم يقم بدراسة الكلاسيكيات إلا أنه كان متعمقاً مثلهم في الأدبين الأغريقي واللاتيني. وكان شعره قوياً ولديه روابط وثيقة بالرمزية والانطباعية. وقد غلب على شعره الاهتمام الانطباعي بالتصور الحسي والا ستبطان (فحص المرء لأفكاره ودوافعه ومشاعره الخاصة) يبرز شعره إخلاص الرمزيين للأصداء الخاصة بالقصيدة. وفي نفس الوقت كان هذا الشاعر تقليدياً فقد وجد في شعر فترة النهضة )خصوصاً شعر الشاعر الهولندي (Hooft) الشكل المطلوب لنظم القصائد، وفي ميله للتقليدية هذا حذا حذو الشاعر الفرنسي (Jean Moreas) والذي كان شاعراً يونا ـ فرنسي (Greeco - French) وقد عدّ هذا الشاعر من مؤسسي الرمزية، وأبرز شعره الاهتمام الانطباعي بالتصور الحسي (Introspection) وإخلاص الرمزيين للأصداء الخاصة بالقصيدة. وهو الرجل الذي أعطى الرمزية اسمها. ومن بعد تحول هذا الشاعر الفرنسي عن رمزيته , في بداية القرن العشرين بدأ يدعو إلى التبسيط والأشكال المنتظمة للنظم السائدة في حقبة النهضة.
لقد وضع (فان دو فوستاين) موراس في مقام رفيع ومن بعد وفاة هذا الشاعر الفرنسي كتب قصائد عديدة في رثائه وتأييد برنامجه الأدبي الهادف إلى إنشاء كلاسيكية معاصرة, أبان في مقابلة صحفية أجريت معه في عام 1913 واوضح هذا المبدع الفلامنكي ما يريد تحقيقه قائلاً (عبر الفردانية توصلنا إلى كلاسيكية حديثة وحقبة أدبية جديدة، أضحى الناس فيها على وعي تام واضحوا يعبرون عن أنفسهم بإخلاص تام وتجاهلوا كل شيء يتعلق بأوضاعهم الخاصة، تخلصوا من كل أمر ذي طبيعة شخصية أو يشكل نوعاً من الأنانية). لقد جعل جمع ((Van de Woestyne) بين الانطباعية والرمزية وأضاف إليهما الكلاسيكية الجديدة, إلى جانب حبه لـ (جان موراس) جعل هذا المزج أعماله الشعرية فرجة أو خلطة نادرة الاتجاهات مختلفة عن الشعر الأوروبي, وقد كان هذا الشاعر الفلامنكي مديناً بالكثير لعدد من شعراء الثمانينات من القرن التاسع عشر (ففي الدرجة الأولى كان مديناً لـ (كلوس) (Kloos) ولمجلة (من الآن وبعد) (van nu en straks) وطوق عنقه جميل الشعراء البلجيكيين الناطقين باللغة الفرنسية والذين انتظموا في منتدى (La jeune Belgique) ومن أهم هؤلاء الشعراء (Emile ver haeren) و (Maurice maeterlinck) كذلك كان مديناً لشعراء آخرين مثل Bauderlaire – Henri de Regnier – Jules Laforgue وعلى الرغم من وجود كل هذا الجمع من التأثيرات والاتجاهات الشعرية المتنوعة لا يمكن اعتبار تعداد أسماء الشعراء والاتجاهات مصدراً يستوحي منه (فان دوفوستاين) إلهامه المبدع. شعره الذي كان (Van de woestijne ) نفسه يصفه بأنه سيرة شعرية رمزية ـ يعد انعكاساً دائماً لمحاولاته لتحقيق تناسق وانسجام بين العناصر المتنافرة لطبيعته أو ليعطي عدم القدرة لتحقيق الانسجام المطلوب مسحة تراجيدية متفردة. وسميت أعماله الباكرة (بيت العائلة) (Het Vader Huis) الصادر في عام 1903 و (بستان الطير والفاكهة) De Boom Gaardden Vogelen en der vruchten الصادر في عام 1905 و الظلال الذهبية ((De Gulden Schaduw)) الصادر في عام 1910 وتبع صدورها نشر مجلدات أخرى شملت رجلاً من طين Muddern Man ) والذي نشر في عام 1920 و (الآلهة على شواطئ البحر) (Goden aan Zee) وقد صدر في عام 1921 و (البحيرة الجبلية) (Het Berg Meer) والذي سبق أن صدر في عام 1920. وقد تميزت أعماله الشعرية الأخيرة هذه بمشاعر دينية ذات مسحة صوفية معتدلة واسفرت عن نوع من الصفاء والسكينة في داخل الشاعر وأعطته قوة العزم .
وفي عام 1915 بدأ مع صديقه (Herman Teirlinck) في تأليف كتاب حوى رسائل وحمل اسمDe leemen Torens (أبراج الطين) وكان فان دو ستاين أشار في مذكراته إليه, فقد سطر قائلاً (.. إننا نبني أبراجاً مشيدة من الطين، وحينما يرتفع البناء فإنه سرعان ما تنهار الأبراج من تحتنا وتذوب بعيداً..) وقد لازم هذا الشعور بالتشاؤم الشاعر ولم يغب عن أشعاره قط.
ولإعطاء فكرة عن شعرVan de woestijne نورد بعض قصائده وقد اختيرت نسبة لأن أغلب مؤلفي المختارات الشعرية يختارونها
إهداء إلى والدي
(Wijding aan Mijn Vader)
.. يا من كتب عليه الغناء المفجع
... ورحل بعيداً
.. خلّفني استنفد عيشي
.. علّمني بحنوه أن أحيا
... بعباراته اللطيفة
.. وبمسحة يده الراعشة
.. أورث ابنه بعض الحكمة
.. أضحيت مثل المسافر بليلٍ
... مضنىً ومتعباً
.. ترك الاستجمام
.. سبح بمفرده
... تدفعه الرياح الصيفية الخفيفة
.. تزج به في شعاب صخرية
.. بعثرت في أمسه زهرة المياه العذبة
.. وصدحت بأغنياته
.. وتلوت فوق المياه المتدفقة
.. المراعي أصغت إلى أنفاسها
.. السنين التي تطوق الحياة الهانئة
.. ليوم لم يعمرْ بالحركة
... تنعمت تحت الظلال
.. هي وأحلامي
.. تُماثل خطى أب صالح
.. منحتني الأيام سعادةً غريبةً
... جعلتني أُدرك سر هروب الحسناوات
.. كل مساء
.. يعبق بنسمات صيفية واهنة
.. تملأ أشرعة ضعفاء الناس
.. مثل الليل الذي أرخى سدوله
.. يطحن الفاكهة
.. مسبغاً عليها
.. دكنةً ناعمةً
راسية فوق الأشجار الساكنة
.. لقد ضعنت في سلام
.. ألزمت أوهام الموت
.. على الإنحناء وتقديم القرابين
.. لهدوء المرايا
.. وسكون البحار العميقة
ومن القصائد التي لقيت إعجاباً واسعاً وأوردت في كثير من المختارات قصيدة
أغنية الحقل.
Voor zang
.
. في دار آبائي
.. نبشت الليالي آثارها
.. ران عليها الصمت
.. ورقد تحت أفياء الظلال
.. في الحديقة
.. في هجعة الأبواق المقوسة
.. كنت طفلاً
.. يرافق عيشه الضحك
.. من أسى التي لم تسعد
.. إزاء تلك الأشياء
.. وغسق الأشجار والأعوام
.. رتابة يوم لم يعتمر بحدث ما
.. حينما أتيتِ
.. أقمتِ في جوانحي
.. كنا مثل الزهر في المساء
.. آه يا صغيرتي
.. إني أفتقدك
.. هكذا أضعت فتياتٍ عديداتٍ
مذ جمعتْ وصيفاتك إشارات التوسل
.. أحببتك
.. عيناك عطوفتان
.. بدتا كالزهرتين الواقفتين بإعتدال
.. هكذا ... إن ما أحبه وأفكر به
.. أجد فيه عزائي
.. في دار آبائي
(Herman Teirlinck) هيرمان تيرلينك وآخرون:
اجتماع الشاعرية والروائية معاً:
أما هذا الشاعر والروائي فإنه يصغر صديقه (Van Woestyne) بعام وانتمى منذ البداية إلى جماعة ( van Nu en straks). وحينما بدأ في التعاون معه كان (Teirlinck) معروفاً كمؤلف لديوان شعر ومجموعات من القصص القصيرة والروايات المتنوعة ومن أهم هذه الأعمال الأدبية، السيد سيرجان زوون ( mij n Her o.B.Serjanzoon) و (Orator didaceus) وقد صدرا في عام 1908 القرد العاجي (Het Ivoren Aapje) الصادر في عام 1909. ولعل أهمية (Teirlinck) تتمركز أكثر في جهوده الهادفة إلى الارتقاء بالمسرح الفلامنكي التي قام بها في الفترة الواقعة مابين الحربين. وكان (Teirlinck) شخصية محورية ضمن الجهود التي بذلت لتحديث المسرح الفلامنكي خاصة بعد اكتشافه إمكانات المسرح الدرامي التغييري عقب عام 1920 . وعبر المشاركة الفعالة في إخراج الأعمال المسرحية وتدريب الممثلين المسرحيين, ألف مسرحيات متعددة من بينها (التعليم بطيء الحركة) (Vertraagde Film) و ( أنا أعمل) ( Ik dien ) (القمح على حبل المشنقة) (Exster op de Galg) وكتب من بعد أعمالاً روائية ففي عام 1940 (عام استئنافه كتابة الرواية) كانت آخر أعماله الروائية (Het Gevecht met de Engel) الصراع مع الملا ئكه .
لقد كان (Teirlinck) كاتباً مثقفاً لدرجة بالغة جعلت من العسير عليه أن يحظى بشعبية واسعة وهكذا حظى بالشعبية غيره ألا وهو استروفيل الذي كان مقرباً من الشاعر (Guido Gezelle).
ـ وأضحى استروفيل أشهر كاتب للنثر من بين أقرانه جميعاً، على الرغم من فقدانه الخلفية العلمية الراقية والخبرة بالحياة المعاصرة، حياة الحواضر الرئيسه والمدن الكبرى (كانت هذه خلفية كل من (van woestyne) و (Teirlinck) ,استروفيل عاش في مدينة صغيرة غربي فلاندريا وعمل خبازاً. وعلى الرغم من بساطة خلفيته الثقافية لفتت القصص التي ألفها انتباه (van woestyne) و (Teirlinck) و لقيت أعماله إعجاب المجلة (Van nu en straks) (من الآن وبعد) ومن أشهر أعماله روايته المسماة بـ (حقل الكتان) (De vlas chaard) الصادرة في عام 1907 وهي رواية تزعم أن الإنسانية قد تحررت من قبضة الطبيعة، وعلى الرغم من كل هذا لايزال للأقدار أثرها الفعال. إن فلاحي زراعة الكتان لا يزالون بلا حول ولاقوة من هول العوامل الطبيعية على الرغم من التقدم العلمي والحرص على النجاح. وإلى جانب هذه الرواية كانت هنالك أعماله الأخرى: منها مجموعة قصصه الأولى والتي جمعت في مجلدات مثل (الحياة في الربيع) (Lente leven) و(الريف في الصيف)zomerland و (مد وجزر الشمس)zonnetje وكانت هذه الروايات نشرت فيما بين عامي 1896 و 1898. وتلى إصدارها نشر مؤلفات لاحقه, وقد جمعت هذه المؤلفات الجديدة بين عناصر الشعرية والملحمية ومن أهمها مجلد (الكادحون) (Werkmenschen) والذي صدر في عام 1926 وقد ضم هذا المجلد أحسن قصة له على الإطلاق وهي التي حملت عنوان (الموت والحياة في أست) ( ِAst Het leven en dood in) وهي عمل أدبي قلّ من اعترض على روعته. ولقى كذلك حسد الكثيرين وحينما توفي استيروفيل في عام 1969 عن عمر بلغ الـ 98 عاماً ,ترك وراءه ثروة أدبية ضمت خمسين مجلداً من النثر الأصيل ولايدخل ضمن هذا المجموع المجلدات العديدة التي حوت ترجمات وأعمال كثيرة لهذا الأديب إلى اللغات الأخرى خاصة اللغة الألمانية. لم يكن في هولندا من أديب علت قامته الأدبية لتطال قامة استيروفيل بين معاصريه, كان هنالك أدباء إقليميين وحركات أدبية متفرقة خلّفت أثراً من حيث الأسلوب والموضوع.
7 الاتجاه نحو الرومانسية الحديثة
1 ـ 7 الاهتمام بالطبيعة الفلسفية للإبداع الأدبي:
كان التحول نحو الواقعية والاتجاه نحو الرومانسية الحديثة والذي أدى إلى الاهتمام مجدداً بالرواية التاريخية, كانت هذه الروايات قد أهلت من قبل أدباء الموجة الطبيعية، الاتجاه الغالب على الحركة الأوروبية خلال الثمانينات من القرن التاسع عشر وعلى عكس مناصري المذهب الطبيعي الذين أهملوا المادة التاريخية واهتموا بالمشكلات المعاصرة، اهتم الكلاسيكيون الجدد والذين بدأوا في نشر اعمالهم في التسعينات من القرن التاسع عشر، اهتم هؤلاء بالماضي خاصة القرون الوسطى وموضوعاتها وأحداثها، وكان من بين هؤلاء Adrian Van oordt أدريان فان أورت الذي نشر روايتين هما Irmelo و Warhold اللتين نشرتا على التوالي في عامي 1896 و 1906 إلى جانب هذا كان إبداع Arij Prins (آري برنس) الذي كان على اتفاق تام مع فيروواي ومع شعراء الحركة الأوروبية المسماة (De beweging) (الحركة) فقد اعتبروا جميعاً أن عهد (جمال الكلمات) قد ولّى وعوضاً عنه جاء وقت (جمال الفكر) وأدّى هذا إلى الاهتمام بالطبيعة الفلسفية للإبداع الأدبي، وخير مثال على مثل هذا الاهتمام الجديد هي الأديبة Augusta Dewit أغستا دوفت التي عالجت موضوع العلاقة بين الحضارتين الشرقية والغربية في عملها الإبداعي Orp heus in de dessa الصادر في عام 1903. وإلى جانب هذا كان إبداع وفكر الشاعر الروائي الهولندي Aart van de leeuw أرت فان درليو الذي كان أهم مفكر ضمن جماعة (De beweging) ومن أهم اعماله رواية (أنا ادرى بلعبي) Ik ken mijn spel والتي عالج فيها الارتباط بين الأقدار والحركة الإنسانية وموضوعات مماثلة أخرى لذلك قرض van de leeuw الشعر وعدّ من أميز شعراء وأدباء القرن العشرين في هولندا، ونورد مثالين شعريين له واولهما:
قصيدة liedje
الأنشودة
.. يدهشني كل شحرور
.. يتمايل على وقع أغاريده
.. أسرني عملاق الغابة هذا
.. وأحكم وثاقي
.. أقاوم مشاعر الفرح والسرور
.. فبأي شراع أمسك
.. وأراف






