تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  إصدارات المجلة»  الفن التشكيلي المعاصر في عُمان

الفن التشكيلي المعاصر في عُمان

عدد مرات المشاهدة :4689 - June 04, 2008

شوكت الربيعي

الفن التشكيلي المعاصر في عُمان

 
     
 
اليوميات المدهشة  
      
 

أوراق تتحدث عن الفن التشكيلي المعاصر في عمان  
       
    
   
ملاحظة: لا يسمح بنسخ أو طبع هذا الكتاب إلى بموافقة المؤلف أو محرر أدب فن    
   
 
المقدمة :
         
     
السحنة الأولى:
         
  نحاول في هذ الكتاب، أن نتمتع بقراءة الفن، وبالعودة لحياة الخلوة الممتعة روحيا مع (غابة الكلام) وأحراشه، وقرنفله، لتزيينه وتثقيفه، وترتيب ما تبعثر من بنفسج كلمات سرده وأفكاره، ننضدها ونعمرها لتصير معنى ومواقف تفتح افقا من البحث عن ذاكرة مرتبطة بالحياة. إننا نسعى إلى اعادة قراءة الذاكرة الشخصية من المنبع وتصفح الاوراق المنسية، واليوميات القديمة، عند عتبة (باب الطلسم). لنجعل من هذا السفر ممتعا، ومثيرا، كإمراة باهية بدا اليأس بحضورها أملا  من الفرادة، كي  نحتفي بميلاد تجربة الحركة التشكيلية في عمان في نضارتها، وصبواتها الفتية باتجاه تهجي أبجديتها الفنية، لتمنحنا قراءتها، فرصة للدخول في تفاصيل الزمن اليومي للفنان في عمان. وأردنا لهذه النصوص، أن تصبح أشبه بالمذكرات الوثائقية، حول الفن التشكيلي في عمان: طبيعته،  ومسيرته وتحولاته،أو إعادة اكتشافه. و القيم الجمالية التي تحملها الأعمال الفنية التي احببتها باعتبارها ملامح مختلفة لزوايا النظر النقدية المنظورإليها بحثا، لأنها جزء من منهج الكاتب النقدي الذي يحاول في دراسته، أن بعبرعن روحه ومزاجه وافكاره واستنتاجاته، لكي  يعطي صورة مميزة عن اهتماماته الأساسية الأخرى، ناقدا، وباحثا يتقن فن الاختيار الصعب. ولكنه لايستلب من مشاهدي الأعمال الفنية حرية التأمل والتقرب من روح القيمة الفنية وجماليتها ، ولايضيع عليهم متعة الاكتشاف. وهكذا يمكن للقاريء أن يدني إليه تجربة التشكيليين العمانيين، ولو نأت عنه الديار. (فهذه النصوص)، هي التي تجعلته  يفكر بحياة  العمانيين الذين يعيشون بعيدا عنه لكي يرغب في التعرف على ذلك العالم). كما جرت معنا معرفته بالنوافل، وابتدأنا العيش هنا لأول مرة متأملين مساحة الثقافة العمانية، وبخاصة المسرح والقصة والشعر، أو مأ خوذين بقصائد سماء عيسى و(ظلال بلون المياه)التي تشير إلى (صلة منتقاة ) ينشغل (الشاعر زاهر الغافري) في أهم رموزها الشعرية، بتحليل ضغوط المراثي وعذابات الأبدية الاتية من تلك الظلال وبين موجات المياه الملونة التي يشع بها البعد الجسدي للمدن حيث نرى ان الشاعر العماني الكبير الذي كان شغوفا بشعر لوركا أمام قارب الموتى. ولوتريامون واسطورة هوردياد و(غيبة) هولدرلين عن العالم العياني أربعين عاما، لم يكن مهتما كثيرا بتفاصيل النار والقتاد، ولا بتفاصيل الألوان المنعكسة على ملامح الموتى قبل أن تنغلق عليهم أبواب القبور، اكثر من انشغاله بالتعامل مع رموزالمراة والحياة والموت: فحفر (أرضا في جدار مائل)، (غنيمة لأيام الجفاف) المضاءة بنداء الزمن كومضة السر. كحاجة الرغبة للذكرى. فالحياة تمضي، وتستمر معها الأحداث والمتغيرات، وهنا ، نعثر على ثنائية تطبع علاقة المثقف بالموقف الملتزم إزاء الموقف المسكون بخيبة الرجاء،  واضحة في علاقة شعراء مثقفين بفنانين منشغلين بحرفتهم وحسب. وهنا ينبغي أن تظهر مهارة الفنانين. التي تشير إلى الكيفية التي نهضت عليها البنية الشكلية العامة و مدلولات مضمون النقد الفني التشكيلي العام الذي جسد جمالية العمل الذي ظهر ناضجا متميزا. وبهذا الكشف والتعرف، سنفهم أن التداخل في معالجات وصياغات تقنية متبابنة، يؤثر عميقا في البنية التركيبية الولودة، إذ لم يبق من لباب فكرة العمل الفني، سوى الومضة او الإشارة الموحية. كما تختلف تقنية مسطح العمل الفني، عن تخطيط ومعماراستيلاد الموضوع المتداخل البسيط من رحم تجربة ناضجة وجاهزة أخرى، غير أن الفارق بين الأمثلة يكمن في المعالجة وتنفيذ وصياغة الشكل الفني المطلوب، فبدا وكأنه (كولاج) الصق بالبنل على مسطح اللوحة، أو كأنما وضع الفنان ( إسكيجا أو ماكيتا) تجريبيا عكس  ما تبلور عن تجربته من ملاحظات، ومنها : التقنية  واللون والمعمار العام للعمل الفني بمختلف وسائل انتاجه.    
السحنة الثانية:  لقد أثارت تعبيرية الفنانين الشباب، الكثير من الأسئلة المثمرة والجافة معا، بسبب استعادة مادة "الصورة" المشخّصنة (بعد ان كانت منغمسة بفيوض  "التجريد"). وبسبب انشغال الفنان  بالبحث والتجريبية والتشخيصية التي بدأت مع محاولة الفنانين الأوائل الذين مارسوا بحوثهم وتجاربهم الفنية،  ضمن فترة (السبعينيات). ونسي الهواة الأوائل ان يتذكروا ما جرى، عندما أعادت، حركات النهضة التأسيسية في الخليج العربي (في العقد السادس)، إلى الضوء أولوياتها التعليمية الابتدائية، وقد تقدمت شوطا مهما  في الثلث الاخير من القرن العشرين في الكويت والبحرين والامارات وسلطنة عمان واليمن والسعودية وقطر بعد انتشار وتوسع المعارف والمدارس والجامعات  في بقية أمصار الخليج العربي. و كانت الحركة الفنية التربوية قد ابتدأت "بالصورة" الواقعية والمشهدية الطبيعية والتشخيصية ثم اتجهت بعد سفر هواة الفن للدراسة في اوربا وامريكا وفي معاهد وجامعات الفنون التشكيلية العربية في مصر والعراق والشام .. وبعد عودة (موفدي الفن) محملين بخبرات جديدة استطاعوا ان يبلوروا لأنفسهم طرقا في الفن والتربية خلال الثقافة والفنون، فلجأ البعض منهم إلى تطبيق الإتجاهات والنزعات والمدارس الفنية السائدة في العالم ، بينما نزع البعض الآخر إلى استلهام جوهريات التاريخ المشرقة. ومالت فئة اخرى من الفنانين  نحو التجريد، وبخاصة استلهام الحروف والارقام العربية, فانحسرت الملمحية والشخصانية من محاولات الرسم، وحلت مكانها الإشارية والإيحائية والرمزية والتعبيرية، في حين طور ت معالجات النحت نحو مفهوم ارحب وأشد تأثيرا  من "الصورة" والتوسع بمناقشة . أسس " اللوحة" كما أنجزها في جدّه (الفنان الرضوي وصفيّة بن زقر), وناصر اليوسف (ضمن جماعة المنامة)ود. احمد باقر وراشد العريفي في البحرين, ثم حسن الشريف وعبد الرحيم سالم وعبد القادر الريس في الامارات وسامي محمد وحميد خزعل وعبد الحميد اسماعيل وخليفة القطان وأحمد الأنصاري في الكويت, وأنور سونيا ورابحة محمود وحسين عبيد ومحمد صايغ وحسن مير وموسى عمر ونادرة محمود ومريم عبد الكريم وأيوب ملنج وسالم المرهون في  سلطنة عمان.  وجاسم زيني ويوسف أحمد وفرج دهام وجمال عبد الرحيم .
السحنة الثالثة: هناك أعمال فنية نشاهدها بسعادة، و ننساها.. وهناك نتاجات تشكيلية نراها بنوع من التقدير، دون الموافقة عليها أورفضها، ولوحات او تماثيل، تبقى معنا، لاننا أحببناها بعمق، فنقتنيها. وهناك أعمال لا تحتاج لتعليقنا.. فمشاهدة العمل الفني الحقيقي ، هي حوار الرؤية الذي يتم بصمت.  هذه العملية تعطي تجربة الذائقة الفنية بعدها الواقعي، فاللوحات المعلقة على جدران المتاحف وقاعات العروض الفنية، وفي مراسم ومحترفات التشكيليين، تتحدث الى مشاهديها. وهي عملية ممتعة للعقل والجسد، فيها متعة التوحد مع الفن.  وهناك أعمال فنية ترى في ظروفها وبنت ساعتها، وكأنها منشورات سرية كلوحة الكورنيكا لبيكاسو ولوحات ريفيرا وسكيروس في المكسيك وتمثال السجين السياسي المجهول، أوالمفكر لجواد سليم وعشرات الأعمال الفنية التي كانت مشفوعة بكتابة مذكرات يومية، شخصية. وهذا ما رغبت الكتابة فيه، واردت تحقبقه لهذا الكتاب.
إن الفن لتشكيلي في عمان جدير بالانتباه، كالكماة في الصحارى، تتكاثر كلما أمطرت السماء. كما هو وثيقة على معراج الفن العربي المعاصر ، فلم نشعر بالملل من تدوين صفحاته  طيلة أربع سنوات من المتابعة الميدانية في عمان (..إن الأعمال التي خلفها لنا فنانو هذا التيار تعكس مدى تعدد أوجه المعرفة لواقع  حياة الكدح الشعبية، وصورت الناس بمجموعاتهم الكبيرة.. طبقات اجتماعية تواجه واقعها اليومي وتستمد منه دلالتها. كانو يرسمون البيوت الشعبية مكتظة بالجوع. والحياة بسعتها: واقعا ملونا بالحرمان , رسموا الناس، نماذج من حركة اجتماعية في زحمة العمل, وفي علاقاتهم مع الطبيعة ومفردات الحياة..) :كانت تلك هي اليوميات المدهشة التي رأيتها في الواقع وفوق مسطح لوحات  رسمها هواة الخطوة الأولى عام 1970م. وكانت بدائية، رائعة، معبرة عن حالات انسانية، كان كل إنسان ،يود مشاهدتها وحده، فرسومات السبعينيات لايمكن إنجازها في الستينيات لأنها شديدة الإختلاف، تصبح أكثر انطلاقا مع الفنانين الاستثنائيين، فهم كلما تقدموا في العمر، اكتسبوا ثقة بالنفس لا تصدق، وأصبحوا أكثر تحررا وتطورا واندفاعا نحو التجديد بالفن العربي، يمكن ملاحظة آثار قوة الفن الصادق المنفعل بالواقع الإجتماعي، كما يمكن الشعور بطاقته، ورؤيته الفنية التقليدية ، التي تبدو أكثر صدقا مما نطلق عليها (لوحات واقعية).من يقوم بتوصيل هذه الرؤى للمشاهد المتلقي سوى النقد؟ من يقرب هذه المفاهيم ويلغي المسافة المبهمة بين الرائي والعمل الفني، سوى النقد الفني التشكيلي. الأمر نفسه حدث مع مؤرخ الفن ارفين بانوفسكي عندما أوجز (عالم الفنان) على النحو التالي:
 ان وظيفة العجائن اللونية هي لتحقيق تأثير جمالي من نوع خاص يخضع لقواعد الفنان الذاتية، ذلك لان للفن تأثيرا أقوى من تأثير الطبيعة حتى إننا نؤخذ بجمال الألوان متفردة أو مرتبطة ببعضها البعض مثلما تسحرنا الأحجار الكريمة.
1- إيمانه باستقلالية القيم اللونية عن قيم  (التشيزم ) اللمسية المتجلية في خواص الزجاج والمعدن والمخمل والحرير والشعر والى غير ذلك.
2- اعتداد الفنان بالقيم التشكيلية والفراغية والضوئية فقط بوصفها مجرد وظائف لخدمة اللون.
3- توزيع الفنان للمساحات اللونية المتجاورة على فراغ اللوحة، بحيث تمثل كل مساحة منها احد العناصر المحددة حتى يكتمل التكوين الفني.
السحنة الرابعة:  متى  ينظر المثقفون والفنانون العرب الى تجاربهم الشخصية في سياق عموم الحركة الثقافية والفنية في بلدانهم خارج حدود المعنى المالوف وحاجة الرغبة إلى تدوين مجرد صفحات عن الفن التشكيلي في عمان، قد تكون مسكونة بخيبة الكاتب من دمار سيلحق بالعالم. وليس في صوت منهجي نقدي آت من أمكنة الإبداع ومسرات الإنجاز ؟   فهل سيكمن الجواب في (متى) ما وعى وأدرك واقتنع، بأ ن محاولة البارع منهم، في بحث او تجربة جمالية تمزج بين مفهوم: ان الفن (كيان من عمليات) وليس (كيانا من اشياء وضعية متراكمة)، كما تراها بعض مؤسسات الثقافة القائمة في الوطن العربي. ومابين تزاوج طاقة المثقف وانتاجه المرتبط غائيا بالمجتمع واقتصاد العالم، ينتج عنهما معرفة ثالثة نافذة من اشكال لها وجود المادة والروح معا، وجود قابل للتحول المتبادل،  شكلا وموضوعا وكتلة. دون أن  يؤلف نقضاً للمفاهيم والخصائص التي تتصف بها المادة، وتشكل ( كيانا لطاقة متفاعلة باستمرار تمثل الصورة الجديدة للعالم). ويمكن التعبير عنها، باستخدام وحدات جمالية مستنبطة من المجتمع والواقع، ومستولدة من الطبيعية ورؤى الانسان الفاعل في الخصائص الاساسية: ومنها مصدر الوحدات الجمالية اللازمة لفن (العمليات) الذي تشعه كيميائيا بألوان الخطوط الطيفية، لتجد بالالوان النقية، تعبيرها الفني المتميز. وذلك ( برسم صورة او تشييد نموذج) للعالم باعتباره - كياناً من عمليات). ولئن أمكن  تطبيق ذلك في مجال فن الانسان فإن الفنان سيعيد ترتيب مفردات الطبيعة بمعمار جمالي آخر، يعبر عن فن انساني جديد، وسيعيد بواسطته خلق نفسه ورؤيته ومواقفه، ضمن وحدات فن البشرية المستقبلي.. وبمساعدة مفهوم أن العالم (كيان من عمليات). وهذه ليست إيقونة متخيلة من الرغبات، بقدر ماهي منهج وعلم، يمتلكان آلية تطبيق وضعية ملائمة.
ان الالوان المكونة لكل وحدة هي ذات بعدين، واننا نتعامل هنا مع (وحدات من الطاقة) لا مع (موضوعات اشياء) من تجربة الحياة اليومية. ولهذا فليس هناك وجود أومجال لرسم بثلاث ابعاد. ان ضرورة الرسم ببعدين تتضح وفقاً لمعادلة (النسبية )، لأن الفن يستغني عن الرموز الكيميائية واللغة اليومية. ولكن الذرة كمعادلة للطاقة تجيز لنفسها الرسم الجمالي، اذ هي بهذا المعنى، بالضرورة تركيب او مجال من الالوان وتمثل كهذه الوحدة الاساسية للفن الجديد. ان رسم مثل هذه الوحدات الملونة في تفاعلاتها، أي رسم العمليات الكيميائية التي تتكون المواد خلالها، هو ما يمثل الفن الجديد. و المطلوب من الفن الان هو رسم مثل هذه العمليات بلاستيكياً . لهذا ينبغي على الفن ابتداع رموزه الخاصة ولغته الخاصة- لغة جديدة ورموز جديدة. فن يرسم الظواهر الطبيعية بطريقة تختلف عن جميع الفنون السابقة. انها لاتبدا بالموضوع( الشئ) كجسيمة مادية تسبح في الفضاء بل بالعملية الطبيعية كنسيج من العلاقات والتراكيب. انها لاترسم المواضيع( الاشياء) بل العمليات التي تكمن على اساسها. وبهذا المعنى فان مثل هذا النوع من الفنون  يرجع للانسان عالم الطواهر والمواضيع المستقلة الجاهزة المتميزة بعد ان تعيد تركيبها مجدداً. انها  تجرد تماماً من الفتها التقليدية. انها ليست الظواهر او المواضيع او الاشياء التي عاش وكافح الانسان بينها حتى الان،  وليست ورودا ملونة في مرابع الوهم السرية، بل تراكيب جديدة مثيرة. انها واقعية تعطي للانسان صورة لداخل الطبيعة، نموذجاً يهتدى به لاعادة تشييد الطبيعة. لهذا فان الصورة القديمة للعالم كـ: مواضيع- علاقات فضائية- فضاء تستبدل باخرى: وحدات للتركيب- علاقات تركيبية- تركيب. ان الفضاء اذا نظرنا اليه بهذا الشكل يبدو كتركيب او مجال مؤلف من وحدات من المادة( اطياف خطية) أي، الوان. هذه هي الصورة التي نحصل عليها فيما لو حول الضوء الابيض في عالمنا الماكروسكوبي بميكانيكية ما، الى الالوان المكونة له. ان كامل العالم الماكروسكوبي يصبح حينئذ نسيجاً او تركيباً من الالوان.
لقد اتت البشرية كامتداد للعالم ترى الفضاء والاشياء بالقدر الذي يحددها فيه الضوء الابيض. غير ان البشرية كتطور تكنو نووي (تتجاوز فيه خلال ادواتها المعقدة تحديدات وجودها الطبيعي/ الحيواني) تستطيع ان ترى الفضاء والاشياء بشكل مختلف بتحليل الضوء الابيض الى الذبذبات المكونة له انها تمثل قيماً دقيقة نافذة على مستوى كوني: فالكون الضوئي الواحد لايمكن ان يكون له بالنسبة للانسان الا قيمة واحدة فقط بلغة اللون. لهذا فان كل حرف/ وحدة من الابجدية الجديدة، كشكل/ صورة من الالوان مختارة محدود بخطوط مستقيمة يجسد معرفة موضوعية. انه ليس رمزاً اعتباطياً مثل حروف من حروف ابجدية اللغة الاعتيادية، او تجريداً مثل علامة رقم رياضي. ان وحدات الابجدية الجديدة هي وحدات حقيقية( نظائر) مرئية لوحدات مادية ذات وجود موضوعي.
لهذا فان الذرة في دورها كوحدة بلاستيكية اولية لواقعية الكم تصبح كوحدة متعددة الالوان في يد الفنان- وحدة للتعادل في رسم عمليات الطبيعة: وهي عمليات مستقلة في وجودها واصولها المكونة، عن وعي الانسان،. وهكذا فان الفن يحول نشاطا موضوعيا يمارس بدقة العلم الطبيعي. وبذا النعمى فان واقعية الكم ستتلخص من التعقيدات الذاتية لجميع الفنون التي وجدت حتى الان.
ان مثل هذه التجربة، اذ تعطي الفن مقياساً موضوعياً، فانها تردم الهوة المثبطة التي تفصل الفن عن المجتمع. فالانسان يصبح في مستطاعه ان يتابع خلال ابجدية الكم ما يجري في اعماق الطبيعة. ان العمليات الطبيعية غير المرئية تصبح مرئية للانسان. ان الفن الجديد يصبح عوناً للفهم الموضوعي اضافة الى المتعة . انه يوضح بلاستيكياً حقائق العلم الغامضة. ويضع اكتشاف العلم في متناول ادراك الانسان. غير انه سيحقق من الزمن اكتشافاته الخاصة به ايضاً. فالعلم والفن يحترمان احدهما الاخر. انهما يصبحان كلاً واحداً. فسيكون هناك فن علمي او علم فني للانسان. والفن هو الان اخر حقل للنشاط البشري لم تطبق بعد فيه الطريقة العملية. الا انه حالما تتخذ هذه الخطوة فان كامل النشاط البشري سيصبح فناً. وحينئذ ستظهر بشرية جديدة يكون هذا الفن الجديد نقطة الانطلاق لمسيرتها المستقبلية القابلة.
المصدر: واقعية الكم – محمود صبري -1972م مهرجان الواسطي الاول – بغداد
السحنة الخامسة:  دعوت هذا الكتاب، أوراق( اليوميات المدهشة)، مدونا فيها أفكارا وحيوات، كانت تبدو وكانها مبعثرة على امتداد أربع سنوات من البحث الميداني، عشتها في مسقط، جمعتها عن عمانيين تنغمر أرواحهم وأجسادهم الآن في تفاصيل حياتهم اليومية، رصدتها (عيني) وهم في سوادها، فوجدت معظم تخطيطاتها بين أنسجة ألوان ومساحات وأفئدة  الفنانين التشكيليين في عمان. يظهرهذا الجهد، في اللحظة الحافلة المطلوبة وفي زمنها الحقيقي، على ماهو عليه من نقص في تكامليات المرحلة التأسيسية في الفن التشكيلي، هو مدخل يؤرخ مسيرة الفن المعاصر في عمان، وومضةأولى وخطوة أولى من اصعب الخطواتفي ميدا البحث عن محتوى وشكل ومفردات التجربة التشكيلية الناهضة في رؤيتها وفلسفتها عبلا الخصوصية التاريخية المبتغاة. يثبت هذا الكتاب، أن تالريخ الوعي بالذاتن هو مرحلة ( طفولة) يجب ان تتجاوزها الفاعلية الإبداعية للعمانيين باتجاهخلق الذات وصنع تالريخها نحو الإضافة الحضارية. ولأول مرةفي تاريخ الثقافة والفنون المعاصرة في عمان، ونحن في عام 2006م، نسعى في هذا الكتاب إلى جمع جهود التشكيليين الفاعلين، روادا وشبابا، محترفين وهواة، من أجل المستقبل. حاولنا في تبويبه، أن يكون شكلا ومضموناموحدا، لأن طبيعة البحث، تسعى إلى وحدة المكونات الجوهرية في الفن التشكيلي المعاصر في عمان والوطن العربي والاسلامي. وها أنذا أعيد للعمانيين الأوراق برؤيتي وخط يدي، كما أراها بقناعتي، عالما رحبا مديدا، يكفي لتغفو امهاتنا على شهقة فرح يتيمة، تجعلهن يمجدن لحظة واحدة استلت من طفولتنا التي استضاءت، ذات حسرة، بابتسامة سرقت إغفاءة وجيزة من بيت الأشجان..تحية للأصدقاء الذين سهروا معي ورافقوني طيلة سنوات البحث الميداني الأربع. وكانوا سعداء بهذا الجهد بقدر ما كانوا حريصين على أن يكتب تاريخ الفن التشكيلي المعاصر في عمان من منطلق ورؤية عربية واسلامية ومن حرص على المسؤولية التاريخية أيضا. إلى التشكيليين العمانيين وعائلتي وأصدقائي كافة، أهدي هذ الجهد الذي ما يزال بحاجة إلى وضوح رؤى الزمن القابل، ويفتقر إلى الكثير من عناصر الكمال. (ولكننا) نعتقد ،بانه في حقول الإبداع التي نزرع في تربتها فسائل النخيل، ونبذر الورود والسنابل،  يولد المستقبل.. وإنك حين تكبر وتمتد بك الأعوام وتحتويك سنوات اللهيب والقحط  والجفاف، أو تحتضنك مرابع الربيع والفرح، وتأخذ حدقات بصيرتك مرائي الفن في ممراتها السرية والمكشوفة، عند ارتيادك ضفاف الرحلة الأخيرة في ساعاتها المتناقصة، التي تناءت عنها مسافات الأحلام الوردية، وتباعدت عن مواصلة القبض على جمرة الشعر واللون والحب، ستغدو كالثمرة الناضجة التي تسقط من غصن منبتها على ثرى الأبدية..)،  من هنا أهدي كتابي إلى بناة الثقافة والفنون والمعرفة في عمان.
شوكت الربيعي مسقط 2002م -2006 م 
 اليوميات المدهشة  القسم الأول  1 - المدخل:  الآن مالذي ستفعله معرفتنا بقيم النقد الفني التشكيلي، من اجل أن يؤدي دوره وغرضه وقيمته الجمالية والوظيفية، وبهذه الصورة الموجزة ؟  نعم. عندما يعرف الكاتب (في مجال النقد الفني التشكيلي) ما يريد قوله، فانه لا يطيل، إذ هو يسعى إلى إدراك الفكرة و توصيلها بسهولة و يسر و تبسيط الى المتلقي، بالايضاح و التحديد و التكثيف والتركيز والصدق. و هذا ما نسعى اليه أيضا في حديثنا عن  التحولات التي  شهدتها منطقة الخليج العربي، ابتداء من بواكيرالقرن العشرين المنصرم، وحتىالآن، بله أحداث العالم الأخرى، متزامنة مع تطبيق استراتيجية الرؤية الأحادية للسيطرة على مفاتيح السياسة الدولية، بأدوات تنفيذية جديدة، تسعى للهيمنة على اقتصاديات وثروات شعوب العالم. فكانت عاملا مؤثرا في واقع الثقافة عامة، وفي مراجعة ورسم المواقف التي طرأت على وسائل وممارسات وتطبيقات النظرة المستولدة عن سياسة القطب الواحد، مما أثر بدوره، في مجمل التفاعلات الخليجية القائمة ومنها الثقافة والفنون. بحيث تركزت في منطقة الشرق العربي والإسلامي ودول مجلس التعاون الخليجي، وما لحق بها من تبعات أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عام 2001. ، وما رافقها من  صناعة (العولمة الحديثة) وما أنتجته من توترات وعدم مساواة في توزيع الثمار والفوائد (المتخيلة) التي جاءت بها، مما أدى إلى توسيع الهوة بين أغنياء العالم وفقرائه.. وكانت القوى الاقتصادية الكبرى، مسؤولة عن وجود تلك الفروق والتشوهات السياسية والاجتماعية في بنية الشعوب الفقيرة. فالاستعمار كان قد ترك البلدان التي احتلها غارقة في وحل مشكلات عميقة في الشرق الأوسط تحديدا. ومنها مستجدات شبكة التفاعلات العسكرية، والجدل حول مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة قبل حرب الخليج الثانية عام 1991 وبعدها "، مما جعلها تعيش بجغرافيتها السياسية وأمنها في فلك ميداني خارج الإقليم الخليجي، " وأفرزت (الحروب) على منظومة العلاقات الإقليمية الجديدة، أنماطا من تفاعلات مختلفة ومتعددة ومتباينة المستوى بين (طموحات التحول و حدود النوايا)، والتفاعلات الصراعية والتنافسية مع البيئة الإقليمية. فالأحداث السياسية في المنطقة تتجه إلى مستقبل سيقع الكثير من عناصر شكله ومحتواه ضمن نطاق منطقة مغايرة تماما. وسيتضمن هذا الوصف تبعات سياسية وعسكرية مستقبلية مثيرة للجدل، ستتحدد بما ستؤول إليه الأوضاع في العراق وفلسطين وافغانستان وايران، وسيحدث تحول (أميبي) في منطقتنا العربية. ومنها ما هو ثقافي متعلق بمعنى الهوية وأزمة الحداثة والتحديث ونمط العلاقة مع ثقافة الاحتلال خاصة وثقافة الغرب عامة.
كان لابد أن تؤكد تلك الأحداث، على ضرورة توجه المثقفين برؤاهم المستقبلية الإيجابية، إلى إحلال واقع أكثر إنسانية في حياة البشر، ومنع المظالم التي تواجههم, دون  مغادرة حدود الممكن، والفصل بين ما يتضمنه الواقع، وما يتخيله المرء في (المشتهى والمأمول) عند التطبيق، لكي يكون ذلك الموقف مؤثرا وكبيراً، يعزز من حضور حقوق الإنسان في الحريات السياسية والفردية, وفي اسلوب (دمقرطة) المنطقة. من هنا يظهر دور المثقفين في نشر وتدعيم الرؤية الإنسانية العالمية، ومنهم المؤرخون الذين تكمن أهميتهم بقدراتهم على استنهاض قيم ومباديء إنسانية سامية من أحداث وتجارب التاريخ، واستحضار الشواهد التي تدعم التوجهات المستقبلية، وتؤكد على الرؤية الإنسانية المنفتحة على الحرية. ومنهم أيضا  رجال الإعلام, في توصيل الحقائق. ومنهم الأدباء بمواقفهم الجوهرية الثابتة, وتقديمها بصورة بارعة وجاذبة. ومنهم الفنانون ومسؤوليتهم الكبيرة في تنمية القيم الروحية والجمالية بخطاب يقدم رؤية موضوعية، وضعية متفاعلة مع أحداث العالم. ومنهم ( المرأة الخليجية) التي تلعب  دورا مؤثرا في مجمل التحولات الاجتماعية والثقافية، على الرغم من غياب تطابق دائم بين إقرار حقوقها السياسية، وأوضاع الحريات السياسية والمدنية المتاحة لها، ( فالفارق كبير بين إقرار الحق وممارسته) .ويرى البعض أن المشكلة الحقيقية التي تواجه مشاركة المرأة، هي اجتماعية بالأساس وليست قيودا دستورية أو سياسية، إذ يوجد (تابوات) اجتماعية منها : موقف الرجل، وعدم الثقة، والخوف من العقاب الاجتماعي. ويرى فريق آخر إن هذا الاستنتاج ليس منصفا في تقييمه وتعريفه ووصفه.لأن استشراف المستقبل لا تتضح رؤاه بتقديرات نسبية منتقاة ومجتزأة من هذا القطر أو تلك البلاد. إذ ان المرأة في الخليج العربي، هي (كيان من عمليات) التحولات الاجتماعية والمعرفية و السياسية التي تعصف بجغرافية المنطقة ولها فكر وموقف ومنطلق وأفق يؤثر بالعوامل المجتمعية والثقافية. تبحث ضمن حركة التاريخ المجتمعي والانساني، بالحوار  المشترك مع الحضارات الأخرى، عن لغة حياة جديدة من التطور العلمي بآلياته المتقدمة في إطار من المحبة والسلام. لهذا فمن الضروري (..أن يصار إلى تخليد ذكراها، عبر جائزة تسمى باسم جائزة المرأة للإبداع نظراً لقدرتها المتميزة على رسم صورة إبداعية للمرأة العربية في القرن الجديد خاصة.) 
  2- مستقبل المعرفة: الثقافة والآداب والفنون: كانت أوضاع التنمية البشرية في الخليج العربي. وعلى بساطة مؤشرات الإنجازات السريعة فيها، عالية الكلفة بسبب  انتشار السكان على رقعة جغرافية واسعة ذات تضاريس متنوعة،  مما استدعى وقفة مراجعة للمرحلة السابقة بالخيارات المتاحة والترتيبات والأولويات والتصورات الجديدة، لمعالجة المشكلات الراهنة أو المتوقعة مستقبلاً. وبخاصة بعد إعداد الرؤية المستقبلية للاقتصاد حتى عام 2020- وبعد انجاز الخطط الخمسية المتعاقبة منذ العقد الخامس في السعودية والسادس في الكويت  والبحرين والسابع في الأقطار الخليجية الاخرى. ولعل حضور عامل شجاعة الفكر المستقبلي في الاقتصاد والعوامل الاجتماعية والثقافية والفنية، كان وراء مواجهة الحقائق، وتشخيص أوجه العلل فى مسيرة التنمية الثقافية. كما إن الاهتمام بالبعد الثقافي ينبغي ألا يقل أهمية عن الاهتمام بزيادة الموارد المادية أو صيانة الموارد الطبيعية . فهذا جزء أصيل من عملية بناء البشر ، والارتقاء بقدراتهم وحسن توظيفها لخير الوطن والمستقبل . ولاشك أن تطوير المناخ الثقافي ييسر مهمة تطوير الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى حد بعيد . وهنا يبرز دور التربية الأسرية ومؤسسات التعليم والإعلام والثقافة الحكومية والأهلية على السواء .والمهم هنا، إحداث تحول حقيقى فى المجتمع من ثقافة الوفرة والرفاه إلى ثقافة الاقتصاد والندرة ، ومن ثقافة إحلال الجديد محل القديم إلى ثقافة صيانة وتطوير ما هو إيجابي قائم، ومن ثقافة الاتكال على الدولة إلى ثقافة الشراكة الفعالة من جانب الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدنى . فقد باتت هذه التحولات حتمية مع انكماش الموارد وتراجع معدلات النمو والحاجة إلى تنشيطها دون تحميل الأجيال القادمة بأعباء بيئية أو اقتصادية تهدر حقها فى التمتع بنصيب عادل من ثروة الأمة .
لقد عقدت مؤتمرات عديدة، ناقشت وقدمت توصيات وتطلعات لرؤى الثقافة، واقترحت الإستراتيجيات التنموية المناسبة فى كل مجالات تطورها الثقافي اللاحق، (.. من النظرية إلى التطبيق، من الفكر المجرد إلى الفعل الإبداعي المعرفي العلمي والتربوي والثقافي والفنى و الأدبى، والاعلامي، إلى الإدارة والتنظيم الاقتصادى والاجتماعى.. ) ولا يمكن للكاتب المنصف في آفاق المعرفة، أن يتجاهل حقائق منجزات التنمية والثقافة وشجاعة المواقف المبدئية في تنفيذها، وجعلها قوة بنائية مساندة، تتحول بالفعل إلى قاعدة راسخة قوية، يشيد الخليجيون العرب عليها دعائم مستقبلهم" المادية". متفاعلين مع المنجزات البشرية(الفيزيائية والبيولوجية والتكنولوجية)، مستفيدين من ثورة الاتصالات وما تقدمه من مفاهيم تحرير المعرفة. ويحمل هذا " المفهوم" الدعوة لحوار إيجابى و إرادى وواع بين الثقافة الاسلامية (و) العربية ، و بين الثقافات الأخرى. من هنا جاءت الدعوة الآن إلى مشاركة الفنانين في دعم التنمية والثقافة، لتكون صفحة وضاءة من طموحات خطط التحولات الجديدة في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والمعرفية والإعلامية، تدعيماً للتحولات الاجتماعية.ولعل هذا ما تسعى إلى طرحه فعاليات وأنشطة المؤسسات الثقافية.   


هل، نحن بحاجة ضرورية إلى دعم صفوة من المبدعين: من الأدباء والفنانين والمفكّرين الاجتماعيين، لتفعيل ذلك التوجه؟  وهل ينبغي مواجهة «عوالم جديدة»، وقوّى ـ ماليّة وتقنيّة، جعلت القدرات التكنولوجيّة الجديدة ـ ميدان الكائن الحيّ والدراسات الهندسيّة المشتركة والإعلام والآلات الأوتوماتكية والاتّصال والشبكات والافتراضي والمخيال التقني ـ لتصبح مستعمرات «من الداخل». في ظل اكتشافات الغزاة الفاتحين للمناطق الرخوة من عالم الفقراء. في المجتمعات والحضارات التي ضعف فيها التقليد. وظهرت طبقات اللاّمساواة الجديدة. ، فاندرج كلّ من المبدع الحداثيّ والسياسيّ التقدّمي ورجل الأعمال المجدّد بتحرير الفرد: المبدع والمغير القادر على إحداث عهود ذهبيّة قادمة. وأيّام انتصارات مؤجلة، (ستعلن عن زوال سحر العالم..) و«الصدمة البترولية». لأعتبرت (حداثة المحظوظين) انطلاقة في الإنتاج والاستهلاك..  بحكم ما تنشره مفاهيم الهيمنة: «إنّي أستهلك، إذن أنا موجود». مع عدم دوام المصنوعات، وتبدل الموضات، والإشهارات السريعة باستمرار. لترتهن المستويات الاجتماعيّة ونوعيّة حياة الفرد ، بسندات الاعتماد البنكيّ، وبقبول البطالة  والتصالح مع العقل المستلب العاجز عن تفعيل فكرة  العمل وما يوفّره من إمكانيّات. وبهذه الصيغة والتحليل، (.. تعتبر الحداثة مفعّلة للرخاء، وتشجع البحث عن أفضل مكان بين الجالسين حول مائدة الاستهلاك الكبرى..) وبدأ زمن العالم المحدود، المضيّق بفعل امتداد وتوسّع شبكات الاتّصال والوسائط بأنواعها والانفتاح على الخارج والأحداث والمجتمعات الأجنبيّة، ليتخذ منها غذاء مشبوها: للسلبية المستسلمة ولسوء التفاهم و(الفصل أو الإقصاء) ولأحلام الفرار (السفر) وللاختيار الشخصي (الالتحاق أو المشاركة أو المحاكاة.. وتساهم في تغذية وهم التحكّم العقلاني الكبير..) (– حول هذا الموضوع، أصدر المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون بتونس ترجمة لكتاب «متحضرون على ما يقال»، الذي نشر بالفرنسية عام 2003، أنجزها الباحث عبد الرزاق الحليوي.)     

  
3 - التأسيس و الوعى الثقافي:  

  
إن مثل هذه التحولات الثقافية، سوف تساعد على نضوج الوعى المعرفى بحقائق العالم، وفى توفير ما تحتاجه دول الخليج العربي فى مواجهة ما يعترض تقدمها من تحديات، ألا وهو توسيع الخيارات والفرص المتاحة لأهلها . وهذا هو لب مفهوم التنمية الانسانية. 
إن تدوين تاريخ الثقافة والمعرفة والفنون وأنشطة وفعاليات أي قطر من الأمصار العربية، لا يمكن أن يتم، ويستكمل بموضوعية، بمعزل عما تحدثنا فيه من قبل.
إن التجربة الفنية التي تسهم في مفاصلها العين واليد والمخ والخبرة، هي (معمار) ضخم ونسيج مركب من محاولات بصرية ومعالجات تقنية وممارسات حرفية  ومكونات فكرية. كما هي تزاوج عناصر كيميائية وفيزيائية ونوع من عمليات طبيعية، وجزء من علاقات نفسية وتربوية وتاريخية ومجتمعية، ونسيج من سوسيولوجية امة بأكملها. كما هي مسطح من مساحات واسعة في مقدرة الخيال، بحيث تشاد أركان انشائها، خطوة فاخرى، وليست هي (اشياء جاهزة). هذا هو التفسير الروحي والمادي لمعنى وقيمة وغاية ورؤية التجربة الفنية وعلاقاتها الشائكة المتداخلة المتواشجة بحقائق العالم. كما نفهمه في مسار حديثنا عن الفنون التشكيلية في عمان منذ العقد السابع من القرن الماضي وحتى الآن ونحن في عام 2006م .
كان يسيرا على المتابع لنشوء التربية المتنوعة، ومنها مجال التعليم الأساس الطوعي ومن ثم الإلزامي، أن يصل إلى معرفة ثالثة، هي: الأنموذج المقترح لنظام التعليم الأساس، كما طمح إليها مفكرو استراتيجية تطوير التربية العربية،  ومنها ( التعليم الابتدائي)، وهو الدعامة الأولى لكل أنواع التعليم والأساس في بناء شخصية الأفراد والجماعات بصورة سليمة. منذ مرحلة انتهاء الحكم العثماني بعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم خارطة الوطن العربي السياسية.وما تلا ذلك من أحداث ومتغيرات بعد معاهدات سايس بيكو  وسان ريمو، وتقسيم فلسطين. أي الفترة المحصورة بين  عام 1914م-1948م، والفترة: من عام 1949م-1967م، والرابعة: من عام 1967م-1991م، والخامسة: من عام 1992م-2006م
تضاف إلى ذلك، صعوبات العصر وتغيراته، في البلدان النامية التي تعيش الأزمة التربوية، وتواجه مخاطر الحروب والتخلف والكوارث التي تهدد المنطقة وتعيق عملية التطور، مما ترك آثارا سلبية عميقة في المؤسسات التربوية ونظم التعليم، فأحدثت انهيارات وفجوات كبيرة كائنة أساسا في شبكة تعليم الدول النامية في مرحلة ما قبل المدرسة وما بعدها، وفي ظل اختلاف البيئة ما بين المدينة والقرية، وما بين الذكور والإناث، وما بين شح الموارد وازدياد الطلب على التعليم. كما إن الثورة العلمية والمعرفية والتكنولوجية في المجتمعات المعاصرة، تتطلب أفرادا قادرين على استيعاب هذا الكم الهائل من المعرفة المتطورة، بالأدوات الحديثة، متبعين الأساليب العلمية، ومتكيفين مع التحول المستمر لحياتهم. وفي ظل تحولات مستجدة في مفهوم حداثي تتنازعه منطلقات مستقبلية. لذلك ظهرت الحاجة إلى وضع سياسات جديدة وصيغ مبتكرة لنظم تربوية متطورة. ولهذه أيضا   (مدياتها ومقترباتها). بالنسبة للفنون الزمانية والمكانية عامة. وبالتأكيد كان للعوامل الطوبوجرافية والجغرافية والمناخية، حلول ليست  حاسمة، ظل الانسان يبحث عما يلائمها من مواقف حماية لنفسه، وبيئته المواكبة للأحداث التاريخية المستجدة والتحولات الاجتماعية والثقافية والنفسية والمعاشية، وما ترتب عن ذلك من اكتشافات وابتكارات وابداعات لمواجهة قسوة  الطقس  والمناخ. : و مواجهة عنف البيئة الضارية : ومن هنا  يمكن أن نتحدث عن  القيمة المعمارية في مباني الطين وظيفيا وجماليا في الأقسام اللاحقة.
 إن الحديث عن القيمة المعمارية في مباني الطين، يكمن في الغاية  الوظيفية التي ترتكز إلى حاجة الإنسان الجوهرية في ظل ظروف زمانية ومكانية صعبة وحرجة ، محددة ومرتبطة بالبيئة الجغرافية وبالخلفية التاريخية لمفردات الحضارة القائمة في عصر محدد لشعب عريق ( اسري – قبلي – مجتمعي – إنساني ) يعيش في بيئة صحراوية –جبلية – سهول رسوبية منبسطة –على ضفاف بحيرات أو أهوار – أو شواطئ أنهار أو سواحل بحار ومحيطات. وتمتلك عمان في طوبوغرافيتها الجغرافية والتاريخية العامة، مثل هذه البيئة تماما. من هنا يمكن التحدث عن الإنسان وحاجته إلى ابتكار ( شكل آمن ) من إشكال المباني لحماية ( نفسه ) و عائلته في سياق البحث لاحقا.
 4 - نظم التربية الفنية
يمكننا تكثيف الحديث عن نظم التربية في المرحلة الزمنية للفنون التشكيلية في منطقة الخليج العربي، ابتداء من  أوائل العقد السادس من القرن العشرين المنصرم، في اليمن والكويت ومملكة البحرين وقطر والسعودية، ان يتحدث عن بداية ظهور مناهج التربية الفنية في المدارس. أي تدريس التربية النظرية والتطبيقية المبسطة للفنون التعليمية في الخليج العربي عامة. وبالإمكان التحدث عن ذلك أيضا في النصف الثاني من  الستينيات في دولة الامارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، بلغة التعميم، باعتبار ذلك منهجا في سياق النظم والمناهج التعليمية، سرعان ما تبلورت عنه قيمة تربوية لاحقة تخطت مرحلة الإقتصار على المناهج المقررة في  المدارس الإبتدائية والثانويات والجامعات، لتتحقق فكرة المراسم الحرة فيها، متأثرة  بما كان متبعا في مطلع القرن العشرين المنصرم: من (عشرينياته) في مصر ( 1908م) وتونس والجزائر والمغرب (منذ فترات عهود الإستعمار والإنتداب)  وفي أوائل ثلاثينياته في العراق ولبنان وسوريا. وكان الجميع يسعى إلى ترسيخ مباديء وقيم تربوية جمالية استلهمها الرواد في معاهد واكاديميات أجنبية تشكلت نواتها في (الأربعينيات) مع طاقات ومواهب محلية شابة كان قد بدأت تنهض، واتجه روادها إلى تنمية قدراتهم الشخصية والمؤسساتية ومتابعة ما يجري حولهم من  تحولات في مدارس واتجاهات وأساليب الفنون الجديدة وتقنيات الفنون المعاصرة في فترة لاحقة دائبة على التغيير والتطور، بعد الحرب العالمية الثانية لاستنهاض همم وامكانات وقدرات كامنة ليس في طاقات الشباب الحيوية فحسب، بل في منطلقات  المكتشفين منهم للأعماق وللآفاق الانسانية أيضا.

القسم الثاني : الخطوة الأولى كانت سلطنة عمان على امتداد السير والتشكلات التاريخية، جزءا من كيان العالم الدائب على التغيير، وقد استعادت قدرتها اليوم على الحركة والتحول بعد عام 1970م بخاصة في المجال التربوي والثقافي والرياضي والفني.   ولكن، اذ جعل العمانيون  يتسارعون في نمو مواهبهم تلك، فإنما سعيا لتنمية وترقية رؤى الموهوبين الأوائل التي نمت في النوادي الرياضية والاجتماعية : (نادي الأهلي والنهضة  والسيف ومطرح).  كما حدث لرسامي المحاولات الأولى المترددة بين الواقعيةوالتبسيطية في التجربة المشتركة منهم: (أنور سونيا  وحسن بن بوروك ومحمود مكي ومنير صادق ولال بخش ومحمد نظام وعبد الله الريامي وموسى صديق المسافر( ومعرضه الشخصي للرسوم المائية الأقرب إلى المعالجة التجريدية الذي اقامه في نادي عمان)). ولايكفي أن نذكر بأن مجرد إقامة مثل ذلك المعرض، تشكل ظاهرةجديدة بين أنشطة وفعاليات النوادي الرياضيةآنذاك، ولم تتوفر الوثائق والصور التي تشير إلى قيمتها الفنية ومستوى المضمون وعلاقته بالشكل، سوى القول أن مواضيعها، كانت مستلة من المجتمع العماني ومتأثرة بتجارب فناني الدول المجاورة.. وإنهم استمروا يعرضون لوحاتهم المائية سنويا في نادي النهضة، الذي شهد  آخر معرض مشترك لهم عام 1980 ولكنهم واصلوا المشاركة في المسابقات الفنية التي تعلن عنها المؤسسات الرسمية والاهلية، حتى أفلت جذوة الحماس لدى معظمهم وانطفات رغبة ممارسة الفن تحت صخرة الحياة اليومية الحرجة،   وما كان انضمام البعض من هواة الرعيل الاول (بخبراتهم البسيطة وتجاربهم القليلة ) إلى مرسم الشباب في سنة التأسيس الاولى، عام( 1980م)، إلا لكي يكتسبوا خبرة أولية فأخرى بممارسة الفن كما ينبغي اصوليا وتربويا واكاديميا مبسطا، بالتدريب اليومي والجهد المتواصل والبحث والدراسة والمتابعة والتجريبية المفصلة، مما هيأوا ابعادا أثارت الانتباه والاهتمام، وغدت جزءا من الحياة الفنية البسيطة آنذاك، وبخاصة لمنتسبي المرسم الهواة،و كان بهاء جعشم يشرف عليهم كأستاذ منتدب من مصر، من محبي رسم البورتريه والمناظر الطبيعية، ومن هواة الفن الواقعي، فأدرك الفنان العماني الشاب، الذي كان هاويا للرسم او الخط العربي والزخرفة الاسلامية، أهمية دراسة الفن نظريا وعمليا، وبدا جليا يومئذ، ان تربية الانسان الموهوب، وتوجيهه وتنمية قدراته، كانت أهم ما في تلك الخطوة التأسيسية الأولى، و لا تقل أهمية وحيوية، عن اي نظير لها في أية محاولة خليجية مشابهة.
آلية الخطوة التأسيسية : مرسم الشباب والجمعية العمانية للفنون التشكيلية ونادي التصوير الضوئي ومؤسسات أهلية أخرى
 لقد كانت فكرة انشاء (مرسم الشباب- 1980 ) قد وسمت  بميسمها  صفحة  تأسيسية  مشرقة في نشأة الفنون التطبيقية في عمان وفي مسيرة التشكيليين العمانيين كافة. إذ غدا (المرسم) وعاء لتنمية المواهب والقدرات وصقل الامكانات وتحفيز الطاقات الشابة على الظهور والنمو في بيئة تعليمية وتربوية صحية وذات رؤية مستقبلية في مختلف المجالات الفنية ، وجدانا ومهارة ومعرفة، ليكون منهجا لإنضاج القدرات وتفعيل الطاقات من خلال وضع وتنفيذ برامج مكثفة تعنى بإقامة الورش الفنية والدورات التدريبية وعقد الندوات التثقيفية وتوفير القاعات والخامات لإقامة الانشطة والفعاليات داخل السلطنة وخارجها وتوفير الكوادرالتعليمية الاساسية والتكميلية وتهيئة  المدربين المتخصصين في مجالات الفنون نظريا وتطبيقيا. وكان من بين (هواة )الدورات الأولى المنضوين تحت لواء التجربة الريادية، من تميز في فنه في ما بعد، ومنهم من عد من رواد الحركة التشكيلية، وبعضهم من تفرد في تجربته، ونفر منهم من تبوأ مكانة  في إدارة الحركة الفنية في مؤسسات أخرى . وواصلت فئة متقدمة من الشباب مسيرتها ومشاركاتها في معارض محلية وعربية ودولية. وهكذا بدأت شجرة مرسم الشباب تعطي أكلها وتفيض بعطائها وانجازاتها لرفعة وتنمية الذوق الفني السليم واعداد جيل جديد من الشباب  الموهوبين  الذين يسمون بتجاربهم ويرقون بإنتاجهم الفني، نحو وضوح معالجات وصياغات محاولاتهم التجريبية.  كما اثبت ( الفنان) العماني مرة ثانية، أنه جدير بتنمية موهبته وصقلها وتطويرها. وذلك ما أكدته محاولات الكثير من خريجي الدورات الأولى من هواة الفنون التشكيلية، حتى عام 1993، حيث ولدت الجمعية العمانية للفنون التشكيلية من رحم التحولات وخطط التنمية البشرية والثقافية والفنية.  ونجح في إدارتها سعود المظفر، ثم طه الكشري، وكانت نشاطاتها وفعالياتها، تشير إلى قيمة دورها التأسيسي في بناء التجربة العامة ودعم وتشجيع محاولات الشباب الهواة، مما عكس حسا وعمقا مؤثرين في أولويات التربية الجمالية، وفي رعاية مختلف المواهب وصقلها وتهذيبها وتأهيلها، والاستفادة من التجارب والاتجاهات والمدارس الفنية العربية والاسلامية والعالمية، بتركيز مبدئي على خصوصية المنطلقات والرؤى العمانية، وتوظيف الدلالات والرموز التراثية والبيئية والمعمارية الاصيلة، التي تؤكد عليها مبادىء  الجمعية اثناء تطبيقها لآلية أهدافها في رعاية ودعم وتطوير الحركة الفنية في عمان. ومنها الدورات الفنية النظرية والتطبيقية، ضمن ورش عمل فنية في مجال الرسم بخامات مختلفة ومتنوعة، كان آخرها بعنوان ( أساسيات الفن التجريدي ) في (11 - 21 ديسمبرعام 2005م ) تضمنت دراسات في التعريف بالخامات المختلفة المستخدمة في معالجات وتقنيات الفن التجريدي.  فكانت  امتدادا وتواصلا لورش العمل الفنية التي كانت بعنوان : التصوير التجريدي إلى العمل التجميعي التي اقيمت خلال الفترة من يوليو وحتى شهر اغسطس عام 2001م بمحافظة ظفار وضمت 33فنانا حاضر فيها آنذاك الفنان التشكيلي خالد محمد سيد فرج  من مصر الشقيقة.. وتبعتها في هذا المجال الكثير من الورش الفنية التطبيقية في مختلف اساليب وصياغات ومعالجات مسطح العمل الفني . ومن جملة اهداف هذه الورش الفنية تشجيع الفنانين الشباب ومنحهم فرص الارتقاء بخبرا تهم الاولية نحو اكتساب معرفة أوسع  بالمعالجات التقنية المتنوعة.  بله التفاعل والإغناء والاغتناء مع تجارب الآخرين لتكون في مصاف الحركات التشكيلية العربية. فظهر جيل حيوي،  حقق لنفسه خطوة أولى  في مضمار جديد، لايسهل الظهور والتباري فيه، وسط تجارب راسخة في الفن العربي الذي ينطلق في اتجاهات جديدة،  وفي عالم فني متغير كل يوم، يستثير الدهشة والعجب بتقنيته، المتتنوعة، المتعددة، المستنهضة، من شتى التوليدات الشكلية. 
التجارب والتطبيقات الفنية:  لقد نجحت التجارب والتطبيقات الفنية التي كانت تقام على امتداد أشهر العام الواحد في مرسم الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، ومنها  ورشة العمل في مجال التجريد المتخصصة التي تم تنظيمها بالتنسيق مع اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم في  ( منظمة اليونسكو) مؤخرا.. وقد أشرف على تلك الورشة وحاضر فيها، الفنان التشكيلي علي جبار المقيم في الدانمارك ، وقد بلغ عدد الفنانين، (27) مشاركا من اعضاء الجمعية،الامر الذي  حقق  الاهداف المرسومة من قبل الجمعية  وكان لمساهمة المشرف عليها وخبرته العملية، دور جوهري بتطوير مهاراتهم  وابداعاتهم الفنية، وفقا للاهداف المرجوة من الورشة، وهي  :-
1- خلق روح المبادرة في استخدام مواد الرسم، والجرأة في تنوع التقنيات المتعددة في الفن الحديث.
2- تفجير المخزون الادراكي بداخل كل مشارك.
3- تعزيز قدراتهم في معالجة الاعمال التجريدية.
4-  توسيع مداركهم الحسية والتجريبية المادية.
5- دفعهم  لحب التجريب والبحث والحوار مع صياغات العمل الفني المختلفة. 
وجاءت غزارة الانتاج الفني في هذه لورشة كدليل بارز لنجاح الاهداف المذكورة، إذ انتج المشاركون خمسا وثمانين (85) لوحة تجريبية في مجال التجريد، بالاضافة الى جدارية جماعية على مساحة  (مترين في خمسة امتار).  وكانت هذه التجربة قد حققت غايتها التثقيفية، النظرية  والعملية، بمثابتة نقلة نوعية  فكرية وابداعية للمشاركين، بهدف تطوير وصقل مهارات الرسامين وتوسيع خبراتهم..  وهذا ماحصل مع سائر التجارب الميدانية الأخرى التي أقيمت في مقر الجمعية العمانية للفنون التشكيلية و نحن اليوم نقف وقفة تامل لهذه المحاولات التجريبية التي ستصب حتما في مسيرة وتحولات الحركة التشكيلية العمانية الحديثة. 
نادي التصوير الضوئي لقد اعلن عن تاسيس نادي التصوير في الجمعية العمانية للفنون التشكيلية عام 1993م  وانضم إلى عضوية الاتحاد الدولي للتصوير الضوئي ( الفياب ) في مايو عام 1993م، وشارك اعضاؤه في المسابقات والمعارض التي تنظمها أندية وجمعيات التصوير المنتسبة للاتحاد الدولي للتصوير الضوئي .  وكان لزاما الحديث عن صفوة  من مؤسسي فن التصوير الضوئي، ومحترفي  تقنيات مبتكرة فيه تطورت تجاربهم السنوية في المعارض المختلفة الكثيفة، فوصلت إلى حد النوع المتميز، لتظل انتاجاتهم واحدة من أهم أعمال التصوير الضوئي في  تاريخ الفن العماني، ولها أهمية بالغة من حيث الحيز الذي شغلته في الذاكرة البصرية ووعي المتابع، والناقد معاً.. و شكلت التجربة في المجتمع حضوراً مؤثرا، و حراكا للحالة الثقافية والفنية و نوعاً من الحوار باتجاه الانجاز الفني.الأفضل، لهذا  ينبغي أن نعرف أهمية فنانين مصورين فوتوجرافيين من عمان عشنا مع ابداعاتهم عبر معارضهم الكثيرة داخل البلاد وخارجها، وإن  العمل الذي تركوه هو جزء من ضميرنا الجمعي، والاهتمام بهم هو اهتمام بمفصل من مكوناتنا الثقافية ومستقبلنا.. ان هذه الأعمال التي تركوها كنز كبير وتجربة غنية عكست جوانب من مراحل حياتنا الخاصة والعامة، ومن الضروري ان يحتضنها متحف، وتؤرخها مسيرة أمة بأكملها، فهي جزء من حقيقة قائمة  وشاهد على نهضة البلاد.
 إن نادي التصوير الضوئي، ملتقى لكل من ارتبط به وبفنه، من كبارالفوتوجرافيين والمثقفين والفنانين كما هو مربع للشباب من هواة الطلبة والمبتدئين..  كذلك فانه جمع تجارب لأجيال فنية مختلفة، ( تربطهم هواجس ابداعية، وتتباين بينهم تجارب ذاتية خاصة في مراحل زمنية متعاقبة. بمرجعيات فهمهم لمعطيات هذا الواقع، والتقاط اللحظة المناسبة أو تدوين الموقف المؤثر والرؤية الأجمل.. )
لقد نال نادي التصوير الضوئي ، الجائزة الفضية التي يمنحها الاتحاد الدولي للتصوير الضوئي( الفياب) ، ضمن جوائز البينالي الخاص بالتصوير ( الأسود والأبيض) الذي يقام كل سنتين متزامنا مع المؤتمر العام للاتحاد الدولي للتصوير الضوئي. وقد شارك فيه عشرة مصورين من اعضاء الجمعية، وهم: سيف الهنائي وابراهيم البوسعيدي وخميس المحاربي وخميس الريامي ومحمد مهدي واحمد ألبو سعيدي وخليل الزدجالي وسعبد الحارثي  وخلفان الشرجي  وزيانه الشيباني . وقد احتوى البينالي على العديد من الصور الضوئية بالاسود والابيض وشارك في المعرض 44 دولة  تختار كل دولة أعمالها في نفسها  فأختار نادي التصوير الضوئي في السلطنة موضوع (الصياد)  لتجسيده وتسليط الضوء عليه لما يتحمل الصياد، الكثير من مشاق العمل كسبا لقوته اليومي  .
وكان نادي التصوير الضوئي قد نال الجائزة البرونزية في البينالي عام 1999 في سويسرا  كما حصل على الجائزة الفضية عام 2001 في ايطاليا وهذه هي المرة الثالثة التي يحقق النادي نجاحا ملموسا لاعضاءه المبدعين . كما وضع نادي التصوير في خططه السنوية إقامة ورش فنية للتصوير الضوئي وعقد ندوات ودورات متخصصة في متغيرات واساليب فنونه، وبخاصة منها، فعاليات الدورات الصيفية لأعضاء النادي المبتدئين، وكانت تعالج أساسيات التصوير الضوئي بإشراف احمد بن عبد الله البوسعيدي واحتوت على العديد من المحاضرات والتدريبات العملية وعروض الشرائح، فكانت هناك أيضا محاضرات عن التاريخ الحديث للتصوير الضوئي كما كان هناك تدريب عملي على تحميض وطباعة الأفلام والصور (الأبيض والأسود). وخصصت دورات أخرى للأعضاء القدامى عن التصوير الرقمي واشرف عليها المصور والمصمم الرقمي سالم بن عبد الله البوسعيدي وقد احتوت تعريفا بالتصوير الرقمي وآلية حفظ الصورة الرقمية والتحديات التي تواجه المصورين الرقميين والطرق الصحيحة لطباعة الصور الرقمية. كما كانت للمشاركين مشاريع عرضت في ختام كل دورة، مع عروض الشرائح الرقمية. وقد نالت مشاركة المصورين العمانيين في (بينالات) دولية عديدة على جوائز كثيرة، منها الحصول على الميدالية البرونزية في بينالي الاسود والابيض الخامس والعشرين لعام 1999في سويسرا وعلى الميدالية الفضية ي المعرض السادس والعشرين عام 2001م وفي المعرض السابع والعشرين لعام 2004م في بودابست.المعارض اللاحقة حتى عام 2005م  ونال المصورون المبدعون في نادي التصوير  الجوائز العربية والدولية المهمة ، تواصلا مع علو مكانة وشأن مبدعي التصوير الضوئي في عمان، بنصوصهم البصرية العمانية، واتقاد جذوة الروح والمعنى والقيمة إياها التي تعودنا على الاحتفاء بسطوع رؤيتها وحضور دورها الاجتماعي المعبرعن واقع عمان المعاصر. بمنح  المتعة الفاعلة في الوجدان والضمير المجتمعي متحدثين إلى عيون وافكار المشاهدين  بلغة الفن الراقي المتسعة باتساع ثقافتهم وحرفياتهم الفنية والتزامهم بقيم الفن الرفيع عبر العدسة : العين الثالثة للضمير الانساني مبتهجين بدهشة ابداعهم وحضور رؤيتهم وافكارهم ومخيلتهم ليعبروا لنا عن مواقفهم ومتعتهم التي يودون نقلها إلى عيوننا فنتأمل ما تيسر من روح انشغالاتهم الانسانية مع الواقع العماني والعربي واستغراقهم بمفردات إنعام وغرائب وكوارث الطبيعة وعجائب أحداث ومتغيرات العالم.  وسنأتي على تفاصيل السيرة الذاتية للمصورين الفوتوجرافيين العمانيين في القسم الأخير من الكتاب . 
أثمار مسيرة الخطوة الأولى
لقد حققت تجارب (نادي التصوير الضوئي ومرسم الشباب والجمعية العمانية للفنون التشكيلية  )، خلال ربع قرن  من  المسيرة المثمرة، ما لم تحققه مؤسسات وأكاديميات ومعاهد عربية أخرى متخصصة في الفنون التشكيلية بمثل تلك الإمكانات البسيطة التي لاتقاس أبدا مع الكيانات المشابهة، ولكن شباب المرسم والجمعية ونادي التصوير وشاباتها)، قد حققوا لوجودهم حضورا بين تجارب فناني الخليج العربي، و بين تيارات وحركات واتجاهات ومدارس فنية راسخة في تاريخ الفن المعاصر، فأصبح بالامكان الآن الحديث عن حركة فن تشكيلي في سلطنة عمان. فكيف قيظ لهم ذلك؟  وكان قبل هذا، أمرا مقتصرا على أسماء معدودة من الهواة التقليديين والتلقائيين ومنتجي الأعمال اليدوية والتطبيقية المدرسية على فطرتها.
 لقد أصبح للفنون التشكيلية في عمان، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، حضور متميز، وطنيا، ومنزلة بين حركات فنية أخرى، خليجيا، وأصبحت الصحافة الفنية تتحدث عن واقع الفنون المعاصرة في الوطن العربي، وهي تشير إلى واقع جديد ينمو سريعا في عمان. وغدونا نتحدث عن خصوصية الفنان الواحد وملامح تجربته وخصوصيتها من بين تجارب الفنانين في السلطنة، وبتنا نحاول البحث عن القيمة الجيدة في تجارب المتميزين والعناصر المشتركة بين تجارب فناني الخليج العربي وغدونا نحاول إلقاء الضوء على الملامح المشتركة في المصادر والمنابع التي تبلورت بحضورها، سمات التجربة الفنية الواحدة والجماعية، محاولين الربط بين التراث والمعاصرة ، واستخلاص الرؤية الواضحة باتجاه الخصوصية الوطنية بعد الاستعانة بقيم تاريخ الامة، وبالتراث المشرق للأمة العربية والاسلامية، وبالموروث الشعبي، برموزه التاريخية والنفسية والاجتماعية في المشهد التشكيلي المعاصر، وبقي إلى الآن، مصدرا ملهما لتجارب الرواد منهم والشباب بخاصة. كما جمعهم عالم المأثورات الشعبية الحيوية والدعوة الى معاني وقيم ومفاهيم الأصالة، من تراكم خبرات ومهارات وقدرات مستنبطة من العادات والتقاليد والأعراف، ومن اللباب الشعبي والتاريخي، الذي يعبر عن حاجة سيكولوجية أو نفعية أو جمالية. كما حقق البعض منهم جانبا من التعبيرية  المباشرة، صور بها الأحياء الشعبية ومظاهر الحياة اليومية. بينما رسم  (أنور سونيا) وجيله، مفردات الحياة الشعبية وذهاب النسوة الى الضفاف وحاملات الجرار و البيوت الطينية في أحضان الوديان والجبال والحقول الذهبية المديدة وأشجار الفواكه والنخيل حققوها يمعالجة إنطباعية مبسطة، بصياغة مفردات الفن الشعبي على نحو شفاف مثير للدهشة، وكان شخوصه يقفون متراصين، يلعب في معمارهم، عنصرا التكرار والإيقاع الواحد، دوره المركزي في حركات تتجه إلى بؤرة العمل الفني المضمرة. بينما كانت عناصر ومفردات اللوحة الثانوية، تتكون من امتداد خط الافق وتداخله مع ألوان بحر عمان المضيئة وقت الهاجرة، وكانت زوارق  الصيادين وأشرعتها، تبدو منعكسة على موجات ماء البحر وإلى اليمين أطراف قلاع منتصبة، وصخور ساحلية، ورعاة غنم وجمال يعودون إلى أكواخهم. تلك هي العناصر المرسومة في خلفية اللوحة. بينما نرى في لوحات أخرى، مفردات المدينة والسوق والباعة والزحمة والازقة المختنقة بالسابلة، والاطفال يلعبون كرة قدم مبرومة بخرق وأسمال الملابس القديمة. وكل هذه الأشياء تفسر وظيفتها. وتشير  برموزها  المثيرة إلى إيحاءات، وإشارات مستلة من لباب الأساطير العمانية القديمة، لينتج عنها قيمة سردية إيحائية باتجاه تجريبية يعي الفنانون دورهم باستثمار نتائجها المستقبلية باتجاه وضوح الشخصية الوطنية.
 هكذا ينبغي ان يكون الحضور الحقيقي، قائما لكل عمل ريادي تأسيسي متميز، كما كان  عليه (طلبة) مرسم الشباب والجمعية العمانية للفنون التشكيلية ونادي التصوير الضوئي معا .. فكانت النتيجة في اطارها العام، ثرية وجوهرية المنطلقات، أسهمت بايجاد تجربة قدمها جيل كان لديه الموهبة اللازمة الشفافة، التي استعانت بمنجزات الفنون الحديثة في العالم، وما قدمته من أساليب واتجاهات فنية معاصرة، في ظل التحولات التقنية القائمة، لأثراء محاولاتهم الشابة، منطلقين على ارضية من البحث والدراسة والتدريب المتواصل، مدعمين  بصفوة من الشعراء والأدباء وكتاب القصة والرواية والمسرح والموسيقا والإذاعة والتلفزيون ونقدة الفن والأدب ورجال الفكر والمعرفة، وصفوة العلماء والتدريسيين، وبعض الموسيقيين والمؤدين والصحفيين. وهنا لابد من استثمار المجال الحيوي الذي يتيح لنا الحديث عن تجارب الرواد في خطواتهم الأولى. كان الرسامون الهواة  الأوائل، يفكرون بالمرسم الحر الذي يلتقون فيه ويرسمون ويقيمون المعارض المشتركة في رواقه مرسماً حراً ، كان من المقرر له أن يكون نواة لمشغل فني كبير، إلا أن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح بسبب تكوين العلاقات الاجتماعية وطبيعتها اليومية فالمرسم الحر يلزم الفنان بالعمل داخله في جو أكثر صرامة وضغطاً على حريته في حين كان ميل الفنانين وقتذاك نحو الخروج إلى ضواحي المدن في الحقول والأرياف والمرتفعات والجبال .. " فأنها بمقدار ما كانت تبدو فيه ( صديً ) للتجمعات الفنية الأوربية (كجماعة الأنبياء) الفرنسية مثلاً في نهاية القرن التاسع عشر ، كانت أيضاً ضرورة تاريخية اقتضاها نضوج الوعي الفني لدي الفنان العربي إلى الحد الذي أخذ فيه يتحمس للممارسة الفنية بصورة غير فردية ، كما كانت ضرورة اجتماعية وفكرية اقتضاها نمو وعي الجمهور الحديث في مطلع نشأته ، إذ هو يستكمل جميع أبعاد وجوده الإنساني ". 
وهكذا بدأت أولي العلاقات المضيئة في ارتباط البدايات الفنية بالفكر العالمي تدريجياً عن طريق اهتمام الفنان العراقي بالاتجاهات والأساليب الفنية في أوربا والشعور العميق بأهمية التقنية الشكلية التي تنضج من الأسلوب باتجاه وضوح المضمون تبلورت المفاهيم القومية والإنسانية المتقدمة في أوساط الفنانين التشكيليين وبلغت نضجها في العقد الخامس من هذا القرن وبأت من المؤكد القول أنه عقد التنوير أو العقد العظيم في تاريخ النهضة الثقافية الحديثة في الوطن العربي .. وقد شكلت خلالها الجماعات الفنية وبدأت ترتبط عن طريق اهتمام الفنانين أنفسهم بالأساليب الفنية في أوربا.. 
أن الحاجة إلى ظهور جماعات تلتقي عبر ملاحظات جوهرية اجتماعية وفكرية أعلنت عن نفسها للتعبير عن ظاهرة تجعل من الفن وسيلة عمل إبداعي لا يكون بمعزل عن المناخ
لقد كان الهدف من المشاركات الجماعية، هو جمع شمل محاولات الهواة الفنية وتنظيم أعمالهم والمساهمة في البحث عن قيمة جديدة لملامح الفن المعاصر في عمان ، لتكوين مركزاً حيوياً لكافة الاتجاهات الفنية الحسية والبصرية .. وتأجيج مفهوم الالتزام الجماعي بعد التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. . 
في عام 1970 ظهرت جماعة هواة اتفقت على تقديم معارض مشتركة كانت تضم" الأكاديميين "الواقعية الحديثة والحروفيين واستلهام فكرة الاشكال الكوفية الهندسية  التي استهلمت الحرف العربي .. كذلك برزت ظاهرة جديدة هي " تأسيس " صالات العرض الفنية في النوادي ارياضية.. ولم يكتب لهذه الفكرة الاستمرار ، على الرغم من أن الحركة الفنية في عمان في حيوية وأتساع متواصل. 
إن واقع الحركات الفنية في الوطن العربي ذو صلة رحمية بالاتجاهات والأساليب الأوربية من الناحية الأسلوبية ، وخاصة تلك التي جاءت نتيجة جهود فردية  على مستوي البحث عن أسلوب حياة وتجارب إبداع في تحرير معني العمل الفني. 
لهذا بات من الضروري النظر إلى ( العملية الإبداعية الفردية ) في الفن على أنها دلالة في تفسيرنا للأشياء والعلل وسببية الظواهر ، والفنان الحقيقي هو الذي يرتبط بالشروط الموضوعية والحالات التاريخية ، ولابد أن يسعى لتحرير هذا المعني بالتغيير واتخاذ الوسائل المتقدمة لكي يكون فعل التعبير (ضرورة) لا يمكن لبعض اتجاهات الحياة الاجتماعية والنفسية أن تفسر بدونها طالما لا يمكن أن تتم عملية ( التوصيل ) بغيرها ولا يمكن للأسلوب عداها أن يثير الحواس لخلق حوافز المشاركة في تغيير الأشياء والأنماط والاتجاهات السائدة نحو مرحلة جديدة ، ومتى ما عكس العمل الفني ، الحس الاجتماعي وتمثل صراعات الأمة جماليا حققت تلك ( الأفعال – الضرورة – التجربة ) خصائصها ، وتأتي بعض التجارب وهي تبعث على الحيرة والتردد دون أن تتسم بالغموض والغرابة والشبحية في خلق ( الأفعال – الضرورة ) – أو إلقاء الضوء على المنطقة الداكنة من بقاع الذات الأنسانى ، وما بين فردية الفنان – كذات – وتقنياته – كوسائل فردية تظهر علامات يتقرر في ضوئها وضوح المضمون والشكل باتجاه وضوح الأسلوب وهذا ما فعله فنان مثل ( بول سيزان – 1839 – 1906) من حيث بناء اللوحة واختيار الألوان التي خضعت إلى التجزيء في ألوان الطيف الشمسي المرتبط بدرجات الضوء وحساسية المادة. 
وفقا للكثير من الأساليب والاتجاهات الفنية التي سادت أوربا فقد تأثر الفنانون العرب خلال دراساتهم في المعاهد والأكاديميات الغربية وعادوا محملين بتقنياتها وأساليبها يحكم التفاعل والتأثير والتلقين ، وكان ينبغي إلا يتوقفوا عند التفاعل والتلقين وهم يحددون الأطر التي يتحركون داخلها. 
علة الظاهرة إننا – بعد ازدهار حضاري عظيم – عشنا في فترة مظلمة خلال ستة قرون توقف العقل العربي خلالها عن الإبداع والتغيير والتقدم ومرت بفترات سلبية وأن اختلفت أثارها الثقافية على مظاهرها ، فهي بالنتيجة متلقية ساكنة لثقافة استعمارية تفاوتت في تأثيراتها وتغلغلها في حركات الفنون التشكيلية ، وبحكم انهيار الدولة العثمانية العجوز ثم تقسيم مناطق النفوذ بين فرنسا وإنكلترا وما نتج عن ذلك من ظواهر متردية وعلل اجتماعية وتخريبية ومحاولة إلغاء الوجود القومي للامة العربية كان للفن التشكيلي نصيبه من تلك النتائج ، وأخطرها الفكر التجزيئى المرتبط بثقافة وفكر القوي الغازية الاستعمارية وشيوع ظاهرة التوسل بتقنياتها واتجاهاتها الفنية ، ( والفن المسندي ) من تلك الوسائل التي استخدمت في هذا الغزو الثقافي على الرغم من أهمية الفترة التي ساد فيها ذلك النوع من الفن في أوربا قرابة الأربعمائة عام باعتباره نتيجة لمظهر من مظاهر عصر النهضة ، فأنه بعيد عن قيم وتقاليد وروح الفنان العربي وبعيد عن مفرداته الأساسية في تعامله مع الحياة ، ومهما تحمل من أراء مضادة له فأنه مظهر بارز في وسائل التعبير الفني في العالم ، ومازالت هذه الظاهرة قائمة وستظل وليس فيها ( خطر كبير ) على واقع الحركة التشكيلية العربية المعاصرة اذا استطاع الفنان العربي أن يتفاعل ويميز طريقه فيبدع ويضيف. 
ترتبط هذه الملاحظات بطبيعة الظروف التي نشأ فيها الفن التشكيلي الحديث في الوطن العربي وتحولاته ، وفي المرحلة المتأخرة عند بواكير الخمسينات طرح عدد من الشباب العربي أفكارا جديدة ودعوات قومية وإنسانية إلى تحدي الذات وتحريك الذهن باتجاه العصر الراهن للتفاعل والتمثيل والبحث عن الهواية العربية في الفن ولم تكن تلك الدعوة إلى تحدي الذات العربية وحالاتها الملقاة بالماضي مرتكزة إلى فهم عميق للتاريخ والى تفسير موضوعي لحركته ، بل كانت عواطف صادقة لم ترتكز إلى فكر علمي قائد او حركة موحدة ثم سرعان ما تحول هذا النداء إلى مسألة وموقف (مثاليين) وفي حدود (كلامية الحضارة) لان نظرة ذلك (الجيل المتحمس) إلى التاريخ لم تتجاوز نفسها وسكونيتها ولم تحدد تصورا موضوعيا للزمن والصيرورة التاريخية وأولت اهتمامها للأشكال دون المضامين. 
الفنانون التشكيليون العرب جزء من شرائح أمتهم ولهم عنها مواقف إزاء تفسير ظواهر التاريخ المستمر في ذاكرتهم على الدوام ، وهذا يفسر غياب المنطق الأيديولوجي الذي يحكم مسيرة أمتهم ويحلل مرحلتها صراعاتها وينظم تصوراتها وطموحها ويؤشر أهدافها ويعمل على دمج ذهنية أبنائها بطبيعة العصر وتقنياته ويبلور خطط وأهداف مؤسساته المستقبلية ، من هنا نتواجه مع ذهنية الفنان التشكيلي وازدواجيته ، بين ارتماء سلفي في أحضان التاريخ وبين طبيعة عصر يواجهه كل لحظة ويتحداه بشروطه العلمية والتكنوذرية. 
ومن هنا يتجسد بشكل اكثر حدة ، التناقض بين عنصر المكان وعنصر الزمان الحضاريين إلا أن المسافة التي تتطاول بسرعة هائلة تكمن في عنصر الزمان الحضاري الذي نعاني منه ألان في محاولة تكيفنا مع المرحلة التاريخية المحددة التي نسعى إلى تجاوزه.
القسم الثالث: التجارب المتميزة 
ريادة في تصوير الحياة الشعبية العمانية
هل نسعى الان لمعرفة السيرة الذاتية للرسام (أنور خميس سونيا)، العماني الذي ولد في البحرين عام 1948م، وعاش في منطقة ( فلج العوضية ) في مرحلة دراسته الأولى  في مدرسة القضيبية  الابتدائية في المنامة. وكانت فترة طفولته قد ساعدته على مراقبة وتأمل مايراه في رسوم الكتب والمطبوعات المدرسية، وكان له من العمر تسع سنوات  فقط، عندما بدأ بتعلم الرسم  أثناء إقامة أهله في مدينة منامة البحرين.    وكان الفنانون في البحرين  على تماس مع الحركة الفنية العراقية والشامية والمصرية  منذ الستينيات وحتى عودة اسرته الى مطرح القديمة، حيث انغمست شغافات اعماقه، وأبجدية ذاكرته، بالبيئة والأوان ذاته الذي نشا فيه شابا فتيا في (عمان ) وكانت وما زالت بيئة غنية بتفاصيل الحياة اليومية وبمشاهد الطبيعة المختلفة. وبدأت شخصيته تنمو في ظل ذاكرة الامس في البحرين وواقع اليوم في مطرح القديمة.
و عمل إلى جوار زملائه الرسامين الهواة في النواد ي الأهلية الرياضية، وكان (أنور سونيا ) إذ ذاك يعلم نفسه ويطور تجربته التلقائية، معتمدا على إيمانه وإصراره العصامي العنيد على مواصلة الرسم.  وكانت مظاهر النضج المبكر قد برزت لديه في سن الخامسة عشرة لتتطور وتتعمق بفعل توجيهات معلمه الفنية في المدرسة ولم يك يعلم انه مهد لمحاولات تأسيسية  فنية جديدة  تربطه بين مرحلتين متعارضتين متناقضتين من مراحل الفن التشكيلي في عمان ، مما دفعنا  الى القول، دون مبالغة، بأن انطلاقة فن الرسم العماني قد ارتبطت في بداية السبعينيات بتجربته وبمحاولات زملائه الهواة الذين أقاموا المعارض السنوية ونشطوا في المحافظة على اتقاد جذوة الرسم. فهو بقدر ما اغتنى بتعدد المرئيات في روحه وعقله، قد اظهر التنويع التجريبي لرؤاه و امكاناته التقنية (خلال ربع قرن). و فيما يبدو ان بعض لوحاته، تشير إلى واقعية مبسطة مشبعة بثراء اللون وملتزمة بالمعالجة الفنية التقليدية الموروثة، المرتبطة  بحبه الاساس للطبيعة و الانسان، و مفردات المجتمع و شرائحه و بنيته و تفاصيل مكوناته الحياتية اليومية، و تلك هي سمة متميزة في محاولات الفنان (أنور سونيا) وظيفيا و جماليا. كان قد أدخلها ضمن هوايته ومنهاجه برسم الصور الشخصية، والمناظر الطبيعية و(الحياة الساكنة)، إلا أنه ابتعد عن المؤثرات الأوربية فيما يتعلق باستخدامات اللون والتكوين، و بدأ يكثر من إدخال العناصر الشكلية (الموتيفات) من الفنون الشعبية، التي منحت لوحاته، بعض السمات الشخصية الواضحة والطابع المتفرد الذي يعود في تاريخه إلى مرحلة صعبة من أحداث أمته. ولكن الفنانين آنذاك، استمروا في العمل على رسم الطبيعة وتفاصيل الحياة اليومية والصور الشخصية. كان الرسامون الهواة  الأوائل، يفكرون بالمرسم الحر الذي يلتقون فيه ويرسمون ويقيمون المعارض المشتركة في رواقه مرسماً حراً ، كان من المقرر له أن يكون نواة لمشغل فني كبير، إلا أن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح بسبب تكوين العلاقات الاجتماعية وطبيعتها اليومية فالمرسم الحر يلزم الفنان بالعمل داخله في جو أكثر صرامة وضغطاً على حريته في حين كان ميل الفنانين وقتذاك نحو الخروج إلى ضواحي المدن في الحقول والأرياف والمرتفعات والجبال .. " فأنها بمقدار ما كانت تبدو فيه ( صديً ) للتجمعات الفنية العربية في مصر والمغري العربي والشام والعراق والجماعات الأوربية، كانت أيضاً ضرورة تاريخية اقتضاها نضوج الوعي الفني لدي الفنان العربي إلى الحد الذي أخذ فيه يتحمس للممارسة الفنية بصورة غير فردية ، كما كانت ضرورة اجتماعية وفكرية اقتضاها نمو وعي الجمهور الحديث في مطلع نشأته ، إذ هو يستكمل جميع أبعاد وجوده الإنساني ". 
وهكذا بدأت أولي العلاقات المضيئة في ارتباط البدايات الفنية بالفكر العالمي تدريجياً عن طريق اهتمام الفنان العماني بالاتجاهات والأساليب الفنية في أوربا والشعور العميق بأهمية التقنية الشكلية التي تنضج من الأسلوب باتجاه وضوح المضمون تبلورت المفاهيم القومية والإنسانية المتقدمة في أوساط الفنانين التشكيليين وبلغت نضجها في العقد الثامن من القرن الماضي وبأت من المؤكد القول أنه عقد التنوير أو العقد العظيم في تاريخ النهضة الثقافية الحديثة في الوطن العربي .. لقد كان الهدف من المشاركات الجماعية، هو جمع شمل محاولات الهواة الفنية وتنظيم أعمالهم والمساهمة في البحث عن قيمة جديدة لملامح الفن المعاصر في عمان ، لتكوين مركز حيوي لكافة الاتجاهات الفنية الحسية والبصرية دعا إليه بعد ثلاثين عاما من المستقبل.. وتأجيج مفهوم الالتزام الجماعي بعد التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. . 
في عام 1970 . كما ظهرت جماعة هواة اتفقت على تقديم معارض مشتركة كانت تضم ذوي  معالجات " اكاديمية "واقعية حديثة وتجارب الحروفيين واستخدام  الاشكال الكوفية الهندسية  التي استهلمت مع سائر أشكال الحروف العربية .. كذلك برزت ظاهرة جديدة هي " تأسيس " صالات العرض الفنية في النوادي الرياضية.. ولم يكتب لهذه الفكرة الاستمرار ، على الرغم من أن الحركة الفنية في عمان في حيوية وأتساع متواصل. 
إن واقع الحركات الفنية في الوطن العربي ذو صلة رحمية بالاتجاهات والأساليب الأوربية من الناحية الأسلوبية ، وخاصة تلك التي جاءت نتيجة جهود فردية  على مستوي البحث عن أسلوب حياة وتجارب إبداع في تحرير معني العمل الفني.  لهذا بات من الضروري النظر إلى ( العملية الإبداعية الفردية ) في الفن على أنها دلالة في تفسيرنا للأشياء والعلل وسببية الظواهر ، والفنان الحقيقي هو الذي يرتبط بالشروط الموضوعية والحالات التاريخية ، ولابد أن يسعى لتحرير هذا المعني بالتغيير واتخاذ الوسائل المتقدمة لكي يكون فعل التعبير (ضرورة) لا يمكن لبعض اتجاهات الحياة الاجتماعية والنفسية أن تفسر بدونها طالما لا يمكن أن تتم عملية ( التوصيل ) بغيرها ولا يمكن للأسلوب عداها أن يثير الحواس لخلق حوافز المشاركة في تغيير الأشياء والأنماط والاتجاهات السائدة نحو مرحلة جديدة ، ومتى ما عكس العمل الفني ، الحس الاجتماعي وتمثل صراعات الأمة جماليا حققت تلك ( الأفعال – الضرورة – التجربة ) خصائصها ، وتأتي بعض التجارب وهي تبعث على الحيرة والتردد دون أن تتسم بالغموض والغرابة والشبحية في خلق ( الأفعال – الضرورة ) – أو إلقاء الضوء على المنطقة الداكنة من بقاع الذات الأنسانى ، وما بين فردية الفنان – كذات – وتقنياته – كوسائل فردية تظهر علامات يتقرر في ضوئها وضوح المضمون والشكل باتجاه وضوح الأسلوب، من حيث بناء اللوحة واختيار الألوان التي خضعت إلى التجزيء في ألوان الطيف الشمسي المرتبط بدرجات الضوء وحساسية المادة.  ووفقا للكثير من الأساليب والاتجاهات الفنية التي سادت أوربا فقد تأثر الفنانون العرب خلال دراساتهم في المعاهد والأكاديميات الغربية وعادوا محملين بتقنياتها وأساليبها يحكم التفاعل والتأثير والتلقين ، وكان ينبغي إلا يتوقفوا عند التفاعل والتلقين وهم يحددون الأطر التي يتحركون داخلها.  وكانت علة الظاهرة إننا – بعد ازدهار حضاري عظيم – عشنا في فترة مظلمة خلال ستة قرون توقف العقل العربي خلالها عن الإبداع والتغيير والتقدم ومرت بفترات سلبية وأن اختلفت أثارها الثقافية على مظاهرها ، فهي بالنتيجة متلقية ساكنة لثقافة استعمارية تفاوتت في تأثيراتها وتغلغلها في حركات الفنون التشكيلية ، وبعد انهيار الدولة العثمانية، ثم تقسيم مناطق النفوذ السياسية بين فرنسا وإنكلترا وما نتج عن ذلك من ظواهر متردية وعلل اجتماعية كان للفن التشكيلي نصيبه من تلك النتائج ، وأخطرها الفكر التجزيئى المرتبط بثقافة وفكر القوي الغازية الاستعمارية وشيوع ظاهرة التوسل بتقنياتها واتجاهاتها الفنية ، ( والفن المسندي ) من تلك الوسائل التي استخدمت في هذا الغزو الثقافي على الرغم من أهمية الفترة التي ساد فيها ذلك النوع من الفن في أوربا قر