أدب فن: طائر الشوف الأصفر.. الجزء الثاني طائر الشوف الأصفر.. الجزء الثاني ================================================================================ شوكت الربيعي on May 22, 2008     الكتاب الثاني  همس الذاكرة 1999       القسم السادس طائر الشوف الأصفر صفر أثنين صفر أثنين     (1) أقلعت الطائرة العراقية في الساعة الحادية عشرة من صباح الثاني من نيسان عام 1975، وهبطت لمدة ساعة واحدة في بيروت. وفي المطار اتصلنا بالشاعر الكاتب "بلند الحيدري"، وكان آنذاك يعمل رئيس تحرير مجلة العلوم التي كنت انشر فيها بعض مقالاتي.. تحدث نزار سليم معه واخبره عن سفرنا إلى وارشو، بينما كنت منشغلاً بارتشاف القهوة التي لم نستطع الحصول عليها فيما بعد في مطار جنيف، حيث تأخرنا مدة ساعتين لحين وصول طائرة (لوت) البولندية فوصلنا إلى مطار (وارشو) في الساعة السابعة مساءً منهكين.. ومن ذا الذي يحملني إلى فراش النوم بعد هذا الإعياء.. وغط كياني في غياهب التعب المنكد، بينما سهر نزار سليم الليل في غرفته بفندق (فورم) مع منير الخضيري، أحد أصدقائه القدامى الذين عملوا معه طيلة عشرين سنة ماضية في السلك الدبلوماسي. بدأها في دمشق عام 1952 ثم في بون والخرطوم والصين وفي عدد من العواصم الأوربية التي لم يغادر أياً منها دون أن يقيم فيها معرضاً شخصياً أو (يكركت) رسوماً ساخرة وذات مواضيع وأفكار ساخنة من لب الأحداث المهمة السائدة. أو يكتب قصة أو مسرحية أو مادة نقدية أو شعراً ذاتياً أو يدون مذكراته أو ينشغل بمشروع للترجمة يستغرق منه وقتاً طويلاً، لكي يستفز ذاته على اللجوء إلى الرسم بالزيت أو بالباستيل والمائية والمواد المختلفة الأخرى. في صباح اليوم الثالث من نيسان، زرنا وزارة الثقافة والفنون.. وأنجزنا كل ما يتعلق بالشؤون الرسمية.. وكان المهم في الموضوع، هو موعد افتتاح معرض الفن العراقي المعاصر الذي من أجله حضرنا إلى بولونيا لمدة أسبوعين، وكان بودنا أن ننقله إلى باريس، بيد أنهم كانوا قد طبعوا أدلة المعرض وبطاقات الدعوة وبرنامج تحركه إلى خمس مدن. تكون العاصمة آخر مدينة يختتم فيها عرض اللوحات، وهذا يعني حتى نهاية العام 1975.. انطلقنا معاً إلى وارشو القديمة لمشاهدة معالمها التي تعرضت إلى التدمير في الحرب العالمية الثانية، بنسبة ثمانين بالمائة. لهذا كانت هناك متاحف صغيرة للملصقات الجدارية تؤرخ مثل هذه الأحداث التاريخية.. واحتفظنا بكتب مصورة وملصقات مستنسخة تباع بأسعار زهيدة. كما زرنا أسواق كروكوديل.. وصلنا إلى مدينة (بدكوشت) لافتتاح معرض الفن العراقي المعاصر. كان باستقبالنا جمع من الفنانين ونقاد الفن والصحفيين ومندوبي الإذاعة والتلفزيون. ويرافقنا مدير المعارض الفنية في وزارة الثقافة البولونية و(مارك) مرافقنا الذي أصر على أن نشاهد مدينة (تورن) في منتصف الطريق، والتي ولد فيها (كوبرنيكوس) الذي قمنا بزيارة آثار منزله ومشاهدة أدواته العلمية.. كما شاهدنا متحف المدينة واقدم كنيسة فيها تعود إلى القرن الثاني عشر.. كان حفل الافتتاح رائعاً ودعوة العشاء بسيطة متواضعة، ألقيت فيها كلمات ترحيبية متبادلة، تحدث كل طرف منا، عن واقع الحركة الفنية في بلده. سررنا بالانطباع الذي تركه لقاؤنا بالسيد محافظ المدينة، وتكريمه لنا وللحركة الفنية العراقية، حيث قدم لي ولنزار سليم (وسام الدولة البولونية)، يحمل شعارها الرسمي بسم مدينة بدكوشت وفنانيها ومثقفيها، رمزاً للعلاقات الحميمة التي تربط بين الفنانين من خلال النشاطات الفنية المشتركة. في الليلة ذاتها، عدنا إلى وراشو العاصمة.. وكان مرافقنا (مارك) قد دعانا لزيارة منزله في قرية تبعد عشرين كيلومتراً عن المدينة.. حيث تعمّد أول طفلة تنجبها زوجته في كنيسة القرية. احتفلنا مع عائلته وقدمنا لهم هدايا نقدية (بألفي زلوته) لكل واحد منا.. ولكن أجمل الساعات تلك التي انطلق فيها نزار سليم يرسم جميع وجوه الحاضرين من أقرباء (مارك وزوجته) بالكاريكاتور كانوا سعداء بهذا اللقاء.. وكانت حفلة رائعة استمرت حتى الفجر. حيث اغتنى نزار من زرقة عيني أخت (مارك) المذهلة الجمال حتى استخدم اللون الأزرق فقط في بؤبؤتي عينيها عندما رسمها بطريقته الكاريكاتورية الرائعة. وفي اليوم التالي زرنا (بيت شوبان) والحدائق التي تعزف فيها سمفونياته. وبعد زيارتنا لمقر الدكتور الأديب عبد الله سلّوم السامرائي سفير العراق في بولندة.. سافرنا في العاشر من نيسان إلى مدينة كراكوف العاصمة الإمبراطورية القديمة وزرنا أكبر قاعات عرض الأعمال الفنية فيها، ومتاحف المدينة الأخرى وأهم معلم من معالمها التاريخية هو (قصر فايفل) الذي يضم كل ما يتعلق بتاريخ الملوك والأمراء الذين حكموا بولندة. وبتنا ليلة واحدة حاولنا بعدها أن نزور مدينة "زاكوبانا" حيث الثلوج تغطي مساحات مرتفعاتها وجبالها. واستغرقت الرحلة إليها أربع ساعات متعبة ولكنها لا تنسى.. وبعد عودتنا إلى العاصمة وارشو، بدأنا جولتنا بزيارة المتاحف وقاعات العرض الخاصة وصالات المتاحف والآثار التي تعود إلى مراحل قديمة في تاريخ بولندة.. وتعتبر زيارتنا لأكاديمية الفنون، من أهم فقرات برنامجنا الثقافي، فاطلعنا على أقسامها الفنية الأربعة، وطرق تدريس المواد العملية والنظرية في النحت والرسم والحفر والطباعة والملصقات الجدارية.. وفي اليوم الخامس عشر من شهر نيسان عدنا عن طريق أثينا بيروت، إلى بغداد التي لكثرة خشيتي عليها من حسّاد الساسة، كنت أتمنى ألاّ يتحقق فيها قول الشاعر العربي إبّان حصارها وتدميرها على مدى نكبات الدهر: (من ذا أصابك يا بغداد بالعين ألم تكوني زماناً قرة العين) بغداد ذلك الاسم الذي له وقع خاص في الروح. ولولا جهود نزار ما فكرت بالمجيء إليها من البصرة.. إذ كنت قد التقيت به أيام تأسيس مديرية الفنون العامة، وكان الفنان الناقد جميل حمودي مديراً للشؤون الفنية، بينما كان الفنان الكاتب "نوري الراوي" يدير المتحف الوطني للفن الحديث (كولبنكيان)، رست القناعة على تعيين نزار سليم لهذا المنصب. وقد سبق أن نقل خدماته من وزارة الخارجية إلى الإعلام عام 1971. من هنا أقنعني بالعمل معه في مديرية الفنون العامة، وكانت تضم أيضاً، دار الأزياء العراقية والمعهد النغمي ومدرسة الموسيقى والباليه.. كنت شاهداً على ما أبدعه نزار في تطوير الحركة التشكيلية في العراق داخل القطر وخارجه.. أسهم بتكوين نقابة الفنانين ورئاسة اللجنة التشكيلية في هيئتها التأسيسية. وعمل على عقد المؤتمر الأول للاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب. وإقامة معرض السنتين العربي الأول ببغداد عام 1973.. وإستحصال الموافقة على تشكيل اللجنة الوطنية لنقاد الفن التشكيلي في العراق بتاريخ 26-7-1973، (وكنت أحد مؤسسيها).. لقد وضع نزار سليم الهيكل التنظيمي لدائرة الفنون التشكيلية واللجنة الوطنية العراقية للفنون التشكيلية التي عمل سكرتيراً لها حتى عام 1981، وحضور جميع مؤتمراتها الدولية والمساهمة في انعقاد هيئتها التنفيذية في بغداد عام 1976 وانعقاد المؤتمر الثامن للرابطة الدولية (إياب) في بغداد.. ومعرضها الدولي تحت شعار "الفنان ضد التمييز العنصري" ونذر نفسه فيما بعد إلى قلمه وفرشاته بعد عام 1979 بعد أن وضع الكثير من المشاريع وخطط العديد من الأفكار التي تخدم الحركة الفنية في العراق وفي أنحاء الوطن العربي (بله)، مساهماته النقدية والثقافية في تأليف الكتب والبحوث والدراسات وإلقاء المحاضرات الفنية والأدبية.. كان آخرها في عام 1981 أمسية شعرية على حدائق جمعية التشكيليين العراقيين ألقى فيها قصائد من شعره، وشاركه فيها صديقه الشاعر الكبير بلند الحيدري. لقد أنجز الكثير من الأعمال الفنية التي تجاوزت الألفين ونشر الكتب النقدية والقصص والمسرحيات والأعمال الثقافية المترجمة، ومجامع مصورة عن فن الكاريكاتور ومساهمته في المعارض الدولية لهذا الفن في بلغاريا.. وتأسيسه لجماعة الكاريكاتير في بغداد. وإقامة المعارض الجماعية الكثيرة لها في الخارج. نزار سليم الفنان القاص الناقد الفني الذي أحمل عنه الكثير من الانطباعات العزيزة والودودة والأشياء المكتنزة بالصورة الغنية وبالمشاعر الرقيقة والمواقف الثابتة.. في ذاكرتي صفحات مشرقة لم تكتب بعد.. إلا انه قد فاجأ الجميع بوداعه الأبدي كما كان يفاجئنا في تصوير الوجوه المعبرة.. وهكذا انطوت صفحة أخيرة من حياته في 13/5/1982 حيث فاجأته نوبة قلبية حادة في الساعة الخامسة من مساء الخميس ودفن بجوار أخيه جواد سليم الذي مات بنفس الطريقة في 23/1/1961 وسبقهما (رشاد) أخوهما الأكبر وعمره خمسة وعشرون عاماً.. نهضت أمامي الذكريات الحبيبة التي ضمتنا إلى عالمها.. فكانت شلالاً من ضوء الحب الهادر يتساقط في الذاكرة في كل لمسة ريشة بصمتها أناملنا في هذه الحياة القصيرة، وهي تستنبت معها بذور الوداع النهائي.. ما أشد لوعة الإنسان وهو يراقب عوالمه العزيزة تنهار أمامه فجأة.. لم أستطع أن أرثيه بكلمة سوى تنظيم معرض شامل لأعماله وكتبه ورسومه الكاريكاتورية والأغلفة التي صممها.. وسوى إصدار كراس متواضع كتبته وصممته وأشرفت على طبعه باسم جمعية التشكيليين العراقيين وقام بنشره الفنان (رمزي) على نفقته الخاصة.. إذ كانت الصورة أمامي مغبشة تعلو إلتماعات الدموع لتحجب عن قلمي الاستمرار في كتابة كلمات الوجد المتقدة في أعماق الخسارة ذاتها، خسارة الإنسان لحياته فجأة.. فلم تكن كذلك بالنسبة لعائلته وأصدقائه وحسب، بل ولحركة الفن العراقي المعاصر.. أي نوع من الحب وأي إنسان كبير يحمل قلب طفل وعقل مفكر كان نزار.. الذي سيظل يعيش في ذاكرة الفن.. كانت أخته الفنانة (نزيهة سليم) تحمل جانباً من روحه النقية دون أعماقه الساخرة التي تتفجر خلال رسومه الساخرة ولوحاتها تحمل توجهات جماعة بغداد في ربط قيم الحضارة العربية الإسلامية والتراث المشرق فيها بمفاهيم العصر وطبيعته العلمية. واستطاعت أن تتخلص من تأثيرات أستاذيها في (البوزار) سوفربي و(فرناند ليجيه) وتبحث في شخصيتها المتميزة فحققت أسلوبها وتفردت بتجربتها المغتنية باللون الحيوي وبالتقنية المبسطة كروحها الخالصة في رقة صافية وشعور بالوجد أو الحزن الذي نما في أعماقها منذ أمد بعيد.. فرأت العالم من منظور الآلام ليتعمق شعورها بالحياة وتؤمن بحدودها القصوى.. وآفاق حريتها الداخلية فتقترب في محتوى لوحاتها إلى روح الموقف الإنساني الذي مسته أشعة الحلم المقدسة كما عرفتها منذ عام 1959 أستاذة لي وزميلة وصديقة عظيمة.      (2)      لقد رسخ نزار سليم تقاليد أساسية في الفن العراقي وفي الإطار العربي أيضاً. وكان أول نشاط فني على المستوى العربي أن شهد مهرجان الواسطي الأول عام 1971 في بغداد، وانعقاد المؤتمر الأول للفنانين التشكيليين العرب ومعرض السنتين العربي الأول ومؤتمرات الرابطة الدولية للفنون التشكيلية ( إياب ) كما أسلفنا، ولكن يبقى استمرار مهرجان الواسطي من أولى الإشارات المضيئة في تجربة نزار سليم.. كانت أيام مهرجان الواسطي لعام 1971 قد شكلت المناسبة الأولى التي التقى فيها الفنانون التشكيليون العرب في الأفق الرحيب.. ومن بين الأسماء البارزة والمتميزة التي حضرته أعلام مبدعة عرفناها من خلال انتاجها، وها نحن نواجهها ونلتقي بها مباشرة ونتحدث إليها ونتبادل الآراء والأفكار معها. من هذه الأسماء التي أحببتها في الفن والأدب الفنان الكاتب "حسن سليمان"، منذ أن قرأت اسمه في مجلة الكاتب وفي مجلة المجلة المصرية وتابعت ما رسمه من تخطيطات فيهما. إذ كان رسام المواضيع الواحدة على مدى السنوات الثلاث 1962/1963/1964 في معارضه: (الزجاجات) (الزهرة) أو(الفازة) ومعرض (سكيجات الحمام). ولكنه لا يعبر عن طعام واحد كما في الحياة، كذلك في الفن والكتابة. فثار على رتابة الموضوع الواحد، فنوّع في محاولاته وتجاربه ولكنه امتحن ذاته وإمكاناته باللون الواحد ومشتقاته، فكان مقتصداً بالأسود والأبيض ودرجاتهما اللونية وحسب.. وفي العدد 92 من مجلة "المجلة" لشهر آب 1964 للسنة الثامنة، قرأت مقالة كتبها (ديمتري دياكوميديس) ونقلها عن الفرنسية الأستاذ القاص الرائد (يحيى حقي) في الصفحة 82/83.. وقرأت في مجلة الكاتب عدد مايس 1965 صفحة 176 مقالاً مصوراً للوحاته بالأسود والأبيض. ولم أكد انهي المقالتين، حتى قلت في نفسي: (هذا إياي).. وازداد تعلقي بمعرفة ومتابعة ما ينشره حسن سليمان من مقالات ودراسات في المجلات كما تابعت إصداراته منذ كتاب (سيكولوجية الخطوط) العدد 175 سلسلة المكتبة الثقافية والعدد 213 منها.. كتاب الحركة في الفن والحياة.. والفن الشعبي وكتابه الأثير الرائع (حرية الفنان) وكان آنذاك يعمل عضواً بمؤسسة الثقافة الشعبية ومشرفاً فنياً في مجلة الكاتب. وقد أسهم منذ تخرجه في كلية الفنون الجميلة عام 1951 في الحركة الفنية بمعارضه الخاصة والمشتركة داخل مصر وخارجها.. يمتلك حسن سليمان عينين نافذتين إلى عمق الأشياء، يختزل بهما كل شئ يراه، فيحيله إلى جمال رقيق في هموديته، لا ينقصه وعي بميزان ذهبي، ولا يستزيد عليه بمعيار ذهبي آخر.. عمل فني حساس ببنائه الرصين وبمتانة تصميمه وبألوانه المقتصدة، فكأنما هي لوحة مختارة من لبابها المتميز في رؤيته الصافية التي استجابت ذاتياً لقوة المحتوى. وذلك يتطلب إحساسا عالياً بقيم التنظيم الأساس: التصميم العام للعمل الفني، وأهم عناصره اللون، الذي يتطلب العمق في المعالجة أو التقنية والصنعة، لتمييز عناصر البناء بأجمعها.. فكيف وهو يمتحن مقدرته على اختزال الألوان ذاتها إلى لونين أو ثلاثة ألوان؛ اللون الأسود والرمادي، الأزرق والأبيض، واللون الأصفر ( الأوكر). أما مواضيعه المختارة، فهي زجاجات ذوات أعناق طويلة، وأوانٍ للزهور مرسومة في تجمعات ثلاثية على خلفية رمادية، حبات من الكمثرى في طبق ريفي، أو على قاعدة خشبية.. شطف من الفخار مرسومة على سطح لونه (مونوكروم).. زهرة متفتحة في آنية زرقاء، ومواضيع أخرى عن الطيور والإوز خاصة، والقطط والجاموس، ورسوم الصبية الريفيين، ومواضيع لوحات بيئية من ريف مصر: نساء محجبات، حمير، صخور، امرأة تملأ البلاحي، وطيارات الأطفال، (وعصفور يقف وحيداً في ركن لوحة رمادية واسعة، أو براءة وردة).. امرأة منكفئة على الكرسي على ماكنة خياطة.. لوحة الحمالين المنحنين تحت ثقل أحمالهم.. الفلاحون الذين يسوقون دوابهم.. وسوى ذلك من المواضيع التي تمجد الإنسان الفاعل في الحياة والمجتمع.. تلك هي صفات وعناوين مواضيعه الأثيرة.. وتلك هي خصوصيته في اختزال ما يراه في المعالجة والتقنية والبناء والحركة واللون والشكل العام. ولكنها تظل في ذاك التفاعل مع الحياة أقل مما يعتمر به فكره ووجدانه من آلام وأحزان دفينة أظهرها بحساسيةٍ مرهفة في رسوم الأشخاص، وببناء متماسك وقدرة عالية على تجسيد قوة الخط الخارجي، فكأنه كلاسيكي من طراز خاص يحمل روح التجريدي الماهر الخلاّق.. هذا ما كنت أعرفه عن تجربته قبل أن نلتقي ببغداد أثناء مهرجان الواسطي، ثم بعد أن دعته (جريدة الثورة) لزيارة بغداد مرة أخرى، وأثناء المؤتمر الأول للفنانين العرب، وفي المعرض الأول لاتحاد التشكيليين العرب الذي عرض فيه لوحتين من أعماله ضمن الجناح المصري.. ولكن معرفتي به الآن جاءت بشكل أعمق بعد أن التقينا كثيراً، وعرفت الوجه الآخر للفنان حسن سليمان الإنسان.. الفنان الذي التقيته، ليس الفنان الذي كنت أقرأ عنه منذ بواكير الستينات، إنما كانت معرفتي تلك عشر ما اكتشفته فيه من امتلاء وثراء وروح شفافة وموقف مبدئي في الفن والحياة. وكانت رسالته التي حررها لي في شباط عام 1989 وأرسلها بيد الفنان داوستاشي، قد أضاءت الكثير ممّا كنت قد أجهله عنه طيلة السنوات الغابرة التي افترقنا خلالها، فقد كان مشتاقاً لزيارة العراق، ولا يدري الوسيلة إلى المجيء بحكم انغماره في العمل المتواصل رسماً وكتابة، وهذا ما عبر عنه في كتابه الأخير (سجن الذات) الذي صدر عن دار الكلمة (المصرية).. وقد انتهى من كتابين جديدين، الأول: (بشاعة وضع)، وهو يبحث في علاقة الفنان بالتقنية والآلة والفن في مجتمع استهلاكي.. والثاني: المقالات التي نشرها في مجلة الكاتب.. فقد تم جمعها وتصنيفها وتبويبها لكي تطبع في كتاب متكامل.. حسن سليمان من أنشط الفنانين العرب إنتاجاً، منفرداً بسمات أصيلة من البيئة المصرية، لأن المدارس الحديثة لم تستطع أن تشده إلى عالمها.. لهذا انفرد بنوع الموضوعات التي جعلها مادة فنه كما أسلفنا متنقلاً بها من (ثيمات) مختارة بعناية، من الوردة الرقيقة الهامسة إلى مجموعات الزجاجات الفارغة الصمّاء إلى ثمرة كمثرى وحيدة ذابلة، إلى نفايات من الأواني والصفائح وأقماع علاها الصدأ، إلى طائر محنط، إلى شوارع ضيقة قديمة بجدرانها العالية.. يصوّر كل ذلك بالحب ذاته الذي يرسم فيه فتاة جميلة أو عاملاً ينوء تحت حمل ثقيل.. والسمة الرئيسة التي تميز لوحات حسن سليمان، هي شحنة اللون وأثره في البناء المعماري وفي الشكل العام للوحة، بألوانه الرمادية التي تتراوح درجاتها أو سحناتها الاشتقاقية من الأبيض ودرجاته والرمادي الداكن ودرجاته.. ولكن الهاجس الأشد إلحاحاً على فنه، هو الموقف وحريته الشخصية إزاءه في الفن والحياة..       (3)            ومن الفنانين الذين حضروا مهرجان الواسطي الأول عام 1971 في بغداد، الرسام "راشد العريفي" الذي بحث في فنه عن وحدات تراثية تبلغ بها تجربته مداها الفكري والتاريخي. وهذا جانب من اتجاه بعض الفنانين في البحرين، الذين بحثوا محاولة استلهام جوهريات الموروث الشعبي بصياغة تعبيرية وبتقنيات متنوعة، بعد أن سادت الواقعية والشهودية التقليدية في بعض الأعمال الفنية منذ أمد بعيد، أي عندما كانت التشبيهية أو الطبيعية الساذجة جزء من التعبيرية التي كانت سائدة في الخمسينات، قبل أن يعود المبعوثون في الخارج لدراسة الفن، إلى البحرين؛ أمثال الفنان حسين قاسم السني، الذي تخرج في معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1959 وعودة "المحرقي" من القاهرة.. أن لكل تجربة في الفن، مكونات ترفدها وتتساوق معها، وتتفاعل أجزاؤها بعضها البعض. ومنها، المكونات المعرفية والثقافية والوجدانية، ولا تنفصل الواحدة عن الأخرى، إذ هي متداخلة كالباعث على فعل الوجدان والمستجيب المنفعل بالحدث. ومن هنا تأتي الإشارة الى تجارب التشكيليين الذين أخذوا تحصيلهم الفني في معاهد وأكاديميات عربية أو أجنبية، متخصصة في الفنون التشكيلية. وهناك أعمال فنية تدقق النظر بوحدات ومفردات البيئة والمجتمع وتعكسها بأمانة واقعية وبمختلف الوسائل والتقنيات.. إلى هذه الرؤية تنتمي أعمال الفنانين "عبد الكريم العريض" وناصر نشابه وكريم البوسطه وأحمد نشابه وعبد المنعم البوسطه. كما أن هناك اتجاهاً مغايراً من الواقعية بصياغة مبسطة، يسعى الى التعبير عن مفردات الحياة. الى هذه الرؤية تميل أعمال "عباس الموسوي وعلي يوسف قاسم وعلي حسن علي وخليل وأحمد ترابي وحيدر حسن السيد ويوسف عبد الله وأحمد علي غلوم وأحمد الجوري".. في حين تتجسد التعبيرية في معالجة باهرة في لوحات رسام مات شاباً، هو "يعقوب يوسف قاسم".. وهناك فئة من الرسامين اتجهت إلى استعارة واستلهام وحدات، معينة، مختارة من الزخرفة العربية الإسلامية، كأعمال حسين المهدي. وفي منحوتات اسحق قاسم خنجي وأعمال علي المحميد، تتضح البساطة في المعالجة والحداثة في الصياغة والرمزية في الاتجاه.. إن جميع الاتجاهات الفنية السائدة في التجارب المعاصرة لابد وأن تعكس انفعال الفنان بحدث أو قضية أو حالات نفسية ومادية ضاغطة، وتعطينا انطباعاً عنها، ولها دلالات رمزية أو إشارية، فيعبر عنها تعبيراً صادقاً، ويعي وعياً عميقاً، أهمية تصاعد الشكل والمحتوى والمضمون. لهذا كان الفرق واضحاً بين الفنان المبدع وسواه في التعبير عن بيئته. ومن هنا تتجلى لوحات راشد العريفي مشحونة بباعث تراثي وحافز تأريخي يستمد عناصره من حضارة (دلمون) وقيمتها الإنسانية وتفاعلها واغتنائها بحضارة السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين والكيشيين، وما لذلك الاتصال من أهمية كبرى في التقدم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. إن عالم (الدلمونيين)، في الرؤية الثقافية، عطاء ثر لا يشيخ فيه الرجل، ولا يضمر فيه جمال المرأة.. والماء العذب يرفدهما بماء الحياة والخلود الذي بحث عنه (كلكامش) في هذه المنطقة من العالم. هذه الجزر والأقمار السابحة في بحر من الجمال الأخاذ، ترينا أي نوع متلاحم من المتناقضات بين الأرض والماء، وبين ماء البحر وماء البئر العذب، بل بين ماء البحر المالح وماء العيون العذبة الكثيرة التي تتفجر داخله في الخليج العربي.. أن ماء الخليج المالح يحمل في داخله ماء عذباً. منطقة تحتوي المتناقضين في لوحات راشد العريفي: بناء منغلق يحمل بناءات مفتوحة كما في لوحته (دلمون) التي يصور في أجزائها ووحداتها الصغيرة، عناصر الحياة من ماء وهواء وارض وسماء، كما تحمل رموزاً لوحدات الحياة المعيشية اليومية كالصيد والزراعة وصنع القوارب، والرقص والغناء والموسيقى الشعبية.. إذاً لوحات راشد العريفي، إذ ترفدها عناصر التأريخ، فإنما لكي يغني وحداته التكميلية في التصميم العام شكلاً ومحتوى. وفي هذا الاتجاه يسعى معظم الفنانين في البحرين.. لقد أخذ الفنان يؤكد على الارتباط بواقعه وبيئته وانتمائه إلى أمة لها حضارة عريقة وموروث شعبي، مستل من أسلوب القبائل وعاداتها وتقاليدها.. ويسعى الفنانون في البحرين إلى ربط ذلك المفهوم بروح معاصرة. تتراجع هذه التجربة وهي خاضعة لسطوة التقنية الحديثة وتتقدم وهي خاشعة إلى قوة وتأثير المضمون. وما بين هذه البحوث: التراجع والتقدم في بحث الصياغة الفنية ومعالجة الشكل والمحتوى، تتبلور صيغة جديدة. ومن الواضح أن تجربة راشد العريفي تحمل هذا الترديد والتماثل والتباين بين شكل العمل الفني ومضمونه، بخاصة إذا كانت وحدات الموضوع مستق