تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  إصدارات المجلة»  طائر الشوف الأصفر.. الجزء الأول

طائر الشوف الأصفر.. الجزء الأول

عدد مرات المشاهدة :3909 - May 16, 2008

شوكت الربيعي

طائر الشوف الأصفر.. الجزء الأول

 
 

الكتاب الأول 
 

أحزان الذاكرة 


1999
طائر الشوف الأصفر 

القسم الأول
صفر أثنين صفر أثنين
 
(1)
المرائي تتشرب هذه اللحظات بأنوار الفجر الزاحف من لبدات الغبش. تتداخل ألوان ماء الهور وألوان السماء، ولا يتميز بعضها عن البعض الآخر، على امتداد الأفق، في مثل هذه الأيام الأخيرة من شهر كانون الأول من كل عام. تلفّعت السماء الآن بسنا الصبح والصمت والأفكار المتزاحمة في الذهن، وهي تتضع بعظمة السرائر، تتغنى، تتلاحق، موجة رخية من نفحات البرد، إثر موجةٍ مشتعلة بسعار لا ينطفئ في أعماق الروح وفوق مسطح ماء الهور، إلاّ بعطاء الغيوم التي تسوقها بالسياط، ملائكة الرياح الشمالية الباردة، الشديدة الاندفاع، لكي تفضح ما تضمر من أمطار، فلا تذهب أغاني السرائر سدى.. الأمواج تتحرك متلوّنة، متلاطمة، نسج عليها الريح خيوطاً تتموج بنور ضبابي خافت. الضباب الأزرق الرطب الذي غطّى المنطقة بأجمعها وغمر تيجان القصب وعرائش ( البردي والجولان) بالندى البليل، قد غمرنا، وملأ قلوبنا نشوة، وتبعثرت أحزاني طافية معها كالأوراق الذابلة المتراكمة، بقعاً، بقعا عالقة على امتداد حافات المياه المتزاحمة بالقصب الذاوي، وقد غمرته تباشير الصباح. أخذت شهيقاً بعمق، وكأنني لم أتنفس من قبل، مثل هذا الهواء الشفاف. وانطلقت مني ضحكة لم يتردد لمثلها صدى في أغوار النفس.   
(2)
قلبي الذي كان يخفق فرحاً، يفتش الآن كئيباً عن بدائل أخرى للمسرة، عدا الاستمتاع بشم الهواء النقي والاستغراق في الأحلام المستحيلة، وقد غاضت ينابيع صبري من لا جدوى الحرية.. فمن أية عبودية تحررت إذاً.. وكيف انقادت أحوالي إلى مدرسة العرفان الريفية عوضا عن لندن أو روما أو باريس لدراسة الفن؟
عدت أتأمل وأطيل النظر في الضباب المتكاثف، وتمنيت أن يتحول إلى مطر شديد يغسل كآبتي، ويفضح الفرحة الغامرة لأعماقي، بعد أن كانت في أشد أحزانها التياعاً، وأن أرى السماء تساقط بَرَداً صلباً مثل ( قند ) السكر أو فصوص الملح، كريّات من الثلج الناصع البياض.
مددت يدي إلى موجات الماء التي تتلاطم بخشب (الماطور). كان القارب الآلي الذي اندفع مسرعاً في (نهر الميمونة) هو ذراعي التي مددتها إلى الماء تحفر لها مجرى بين تقاذف الرذاذ المتطاير إلى وجهي. وكانت أفكاري تتطاير مع زبد الموجات المتدافعة شظايا من الفضة. انغمرت بسعادة الصور الأصيلة الأولى، التي كنت أراها في الأحلام، قبل البدء برسم أية لوحة جديدة. ومن هذا الانشراح الرقيق، فاض عندي الحماس، فملأ فراغ النفس المؤلم، واتخذ له شكل البرد الثلجي.  
 
 
(3)
الفنان شوكت الربيعي في مرسمهتخيلت (فريال) تمطر حزناً فوق هضاب البرتقال وبساتين الزيتون، المنغلقة على أسرارها بغلالة رقيقة من الرؤية المقدسة، التي وهبتها الطبيعة والحياة وأرباب الفن وذاكرة الوطن.
ما السر الذي جعلني سعيداً وغمر الأشياء التي أبصرها بنور المحبة..؟ هل هو انقداح السر الذي به رأيت السماء تمطر كريات شفافة ؟ ووهب الخيال قوة اخترقت حجب المادة نحو العلا حيث قتلوا أحلام المحبة، أو شبّه لهم. إذ لم أر مصلوباً مثل هذا القلب المقدس أبداً، فهل أتناول من كبد الحلاّج طعامي؟
أليس البراق الأبيض الأثيري الشفيف، هو الذي حملني محلقاً في الفضاء ساعياً نحو الوحدة بالحلم المنتظر ومنتشياً بمعرفة تفاصيل رؤيتي "فريال"، فتكون ملامستها النقية منداة بلعبة الثلج. تتطاير مع الموجات المتدافعة، شظايا من الفضة والماس إلى وجهها ووجهي، باردة خفيفة. تقطعت أنفاسي من النشيج، وتهدّج صوتي فرحاً بها. أطبقت أجفان عيني على هذه الصورة..
روحي تفرح الآن.. وكانت قبل هذه اللحظة، غريبة عن المسـّرة. لم تتعلم كيف تلهو وتلعب كالطفل في طوّية منطلقة مع كريات الثلج الصغيرة، التي هطلت من سماء الذاكرة. مسحت القطرات العالقة فوق أهداب عينيها وأنفها وجبهتي، كأنها لطخات من الألوان الباردة على مساحة وجهي، كانت تتناثر شذرات دقيقة ناعمة منها في روحي. تومض أعماقي برؤية ( فريال) منتشية من الخيلاء.. تتوهج مشاعري، لتفجر في عينيها دمعتين رائقتين كصفاء البلورات الشفافة. علوت على جسدي في هذه اللحظة، وبدأت آلهة الرقص تتبختر ثملة في داخلي، فطربت ورقصت.
ها هي عرائش القصب يلفها الضباب، ورائحة البردي في أنفي تفوح رطوبة خفيفة. وكلما توغلت في عمق الهور، فاحت رائحة أعواد القصب وتيجانها وتكاثفت الرطوبة في الممرات المائية الضيقة التي تتشعب بين مساحة الهور وأغواري. طيور(الحذّاف) ترشش فوق صفحة الماء. السماء تستعد لإرسال هداياها من الماس والبلور، طير " الكطكيط" يهبط سريعا على خياشيم الأسماك، يختطف من صغار سمك (الزوري).. الخلاف الأبدي ما زال متعاظماً على ضفة النهر بين القط الذي يطارد جرذ النخل الأسود، وبين الكلب الذي لا يطيق مشهد القطط. عداؤهما غريزي، كعداوة الشاهين للوز.. تتباين تعابير الوجوه التي أتأملها فوق (الماطور)، وملامحها تتغير من رنين استذكار إلى ومضة فكرة مستلقية في الماضي أو متوثبة إلى الغد المجهول. كل إنسان من هؤلاء الفلاحين والصيادين، له عالمه الخاص، يغزل لنفسه نسيج حياته. كان يلـفّهم اعتقاد متوارث عن آلاف السنين، بأن كل واحد منهم محاصر بقوة شرسة غير منظورة، أشد فتكاً من الأعداء المنظورين، وهي وراء كل بليّة تحيق بهم من سوء الطالع وضيق الصدر والعصبية والكآبة والحزن ودنس القلوب بالنفاق والرياء والخيانة، تضلّ أرواح الضعفاء المنخدعين بآمال عريضة، فغدت حياتهم شقية. ولكنهم كانوا صابرين يبحثون دائماً عمّن يشعرهم بالأمان. اغتبرت تجاربهم بحزن يقطع الأنفاس. فكان ذرةً من منازلة المخاطر التي تحيق بالضعفاء، وهم يسبرون أقاصي أحلامهم .
قلت ذلك لنفسي، وكان نور الشمس ينتشر قبةً فضيةً ماسيةً تختلط بألوان الذهب المصفّى. تتوسع القبة في كبد السماء، تنهض، ترتفع، ليحل سطوع الذهب من قلب الهالة الدائرية التي اتسعت وتسامت نحو العلا واتشحت باللون الأزرق. ضوء الشمس ينساب هادئاً ساكناً، وكانت سقوف الصرائف المصنوعة من البواري المقيّرة تمتص من روح الشمس حرارتها ولونها. تتحول (حصران الكواسر المضفورة) المغطاة بالطين، بألوانها الترابية المخضوضرة، إلى بقع متناثرة من الضوء الذهبي المرتعش هنا، والضوء الفضيّ المتموج هناك، على مساحات متقاربة ومتباعدة ومتباينة ومتداخلة. وكان ثمة نساء يجمعن حطباً لإشعال التنّور. وصبيّات فاتنات ينهضن من نومهن مبكرات ليساعدن أمهاتهن.. أراهن منشغلات بعمل (السيّاح) و(الطابك) يعددنه خبزاً للفطور مع ( القيمر والزبد واللبن والتمر).. يمددن أيديهن إلى كانون النار، فكأنها " أذرع " من قشور السنابل اللامعة بلون نجم سهيل.. والى اليمين منهن، يتوجه بعض طلبة المدرسة التي اشتغل فيها معلّماً. وهنا تعودت أن أصحو من النوم مبكراً مؤدياً صلاة الفجر، متأملاً النجوم التي تجعلنا نشعر بالأمان. فهل هذا هو التشوق إلى الاعتلاء ؟.. لا أعرف كيف نفسر علاقة الأمان الذي يحتوينا ويشعرنا بنشوة الطمأنينة كلما راقبنا النجوم المتبقية في السماء. هل لأننا نحيا بأنوارنا فتتجدد الأوصال بدماء الفتوّة المتحمّسة ويرقّ جَلَدنْا، وتذهب عنّا وحشة الغربة المغمومة فنتساءل: إذا كانت النجوم أماناً لأهل السماء فمن يعطينا الأمان على الأرض ويصرف عنا خوف البلية المحزونة المرتقبة في يوم الفزع الآتي؟.
أغمضت عينيّ ومسحتهما بظاهر كفي، ثم فتحتهما على مرائي قوارب يدفعها رجال ملثمون وشباك الصيد ملقاة في أحضان بعضهم، يعقلون نهايات الأجزاء المتقطعة منها. ويحمل البعض الآخر ( فالات ) طويلة يطعنون بها السمك الذي يلامس وجه الماء. وآخرون يتجهون بزوارقهم إلى (دوشات) قنص الطيور المختلفة. كنت أعرفهم واحداً واحدا، والتقي رجالاً مثلهم، من الصبر لا يتعبون.
غدت تلك المرائي بعد لحظات من انتشار ضوء الصباح، تتموج بالألوان البراقة الزاهية وتتداخل فيها ألوان ملابس النسوة والأطفال والرايات الملونة: حمر، صفر، خضر، ترفرف فوق الأكواخ الطينية النائية. وخلفها مشاهد أخّاذة لعرائش القصب المتزينة بألوان وأشكال تنتظم في عينيّ فأختزلها وأعيد تشكيلها بصيغ لونية وخطية ومعمارية جديدة، في بقع وخطوط وزوايا وسطوح ترتدي ألوانها: الأصفر والأوكر والأحمر والأزرق والبرتقالي والأخضر والبنفسجي. ولكل لون منها رمز وإيحاء. وعلى امتداد الأفق تحتضن ألوان‘ الماء ألوانَ السماء وألوانَ المرئيات. 
 
 
(4)
كلما اقتربنا من المساحة الضيقة من الأرض، التي تقع عليها أكواخ القصب والبواري والحصران والطين التي تشكل صفوف (مدرسة العرفان الريفية)، كلما كانت تعلو وتتقوّس وتتلوّى وتتجسّد موجات الماء التي تدفعها ( المهيلات والماطورات). كأن تلك الموجات المتلاحقة، كثبان رمل بلون الصبح المنغمر بتوهج الشمس. تندفع حلقات الموج تتثنّى نصف دائرية، رقيقة هادئة رخية، ثم تتنضّد موجة جديدة تتعرى بها الأفكار كأجساد آلهة الأحلام التي تجامع الرجال عند المنام، زبد الموج يستلقي هادئا على سطح الماء، تلوّن أطرافه لمسات متقطعة من ضوء القمر، تنعكس على أطراف موجات صغيرة، بضّة فضية، تزحف على حافات الهور، تنساب فوق الماء الآسن المتعفن الجاثم فوق طبقات من أعواد القصب و"عرائش البردي وشدّات الجولان"، التي تغلفها حصران صفراء منقّعة بالألوان الخضر الصدئة..
تنساب الموجات هذه المرة صغيرة ناعمة خفيفة منغمرة بتوهج الشمس الطالع على الأشياء التي يلامسها، ببطيء، يبعث التوهج والارتياح لمرأى الشاطئ ولحصيرته الخضراء الداكنة، كأنها بلون الصدأ المطلي بصبغ (النيلي).. موجات كأنها غلالة خضراء وزرقاء وبنفسجية رقيقة شفافة محاطة بحرير أزرق مضيء منغمر بالبياض الزاهي، فكأن عينيّ ظامئتان لارتشاف خمرة موجتها الرخية.. (رسمت) هذه المشاهد كما أصفها الآن في أوقات مختلفة وبعواطف واستجابات متباينة من الفجر والظهيرة والمساء.
هذه اللحظات التي تشغل أثناء الرسم، الوجيزة العمر في الواقع، هي الأوقات التي تمر علينا بسرعة، دون أن نثبت محتواها وأحداثها إلا في ذاكرة الفن. لهذا اندفعت في الأيام الأخيرة من الشتاء، إلى الرسم بالألوان المائية وعلقتها على سياج (مدرسة العرفان) المصنوع من (القصب والبواري). فأقمت المعرض في موطن المشاهد التي ترعرعت فوقها أفكار وتجارب فنان مبتدئ مثلي.
 رسمت قرية (الرفاشية) كعذراء غافية مستلقية على امتداد البصر باتجاه (منطقة الخضر) غرباً نحو الشطرة حيث كانت تزدهر قبل آلاف السنين مدينة (لكش) التي أنجبت (اوركاجينو) أول مشرّع قانوني في العالم. تذكرت ذلك وأنا أغرف بمجدافي متجهاً نحو الشرق، عائداً إلى مياه (الخمس) في ناحية السلام، التابعة لقضاء الميمونة. أناجى الشمس في الهاجرة. أصبحت ألوان مياه الهور صفراء داكنة خابطة بفعل اندفاع الغرين والطمي بكثرة في أيام الموحان هذه. وكانت عرائش القصب مخضوضرة طرية تتخللّها ألياف بيض تشير إلى النضوج بلون المشيب. والثمرة الناضجة تدرك نهايتها. لهذا تنتفض ناهدةً ريانة متباهية بفتوتها النضرة واكتمالها ومصيرها الذي تواجهه، وهي في الذرى لتقع فوق الماء. فهل لابد للثمار الناضجة من اقتطاف، وللحقل الحصيد من احتطاب. هذا ما كان أبي يردده على مسامعي دوماً.  
 
 
(5)
تغمر المنطقة ألوانٌ خضر ورمادية وصفر وبرونزية، تنتشر في ممرات الهور، وتغطّ في لون الظلال.. أعواد قصب البردي السامقة المتكاثفة المتلاصقة المتداخلة المتشابكة. تبدو تيجانها بفعل ضوء الصباح المشع على سطوحها رقيقة؛ نصف أخضر مضيء، ونصف أخضر غامق ندي، وأخرى صفراء اللون. ومنها مرصّعة باللون الأبيض الناصع لانغماره بنور الشمس الساطع. الحلفاء تنام متموجة على مسطح الماء، تهتز راقصة يمنة ويسرة. ترتفع فجأة وكأنها تنهض من قعدتها إلى أعلى، ثم تهبط سريعاً متموجة في انعطافاتها واندفاعاتها بين سيقان القصب المتعانقة، تأتيها موجات صغيرة متلاحقة؛ موجة وضّاءة صافية الاخضرار إثر موجة يعلوها زبد أبيض خفيف، كأنها غلالة رقيقة من الحرير الشفيف. تبدو الموجات الصغيرة المتلاحقة المتجاورة، كلوحات تعكس قلق أرواح العشاق في بهاء نورها المبهج قبل أن يكدره (فيضان) هذه السنة. إذ أن الأهوار تشهد سنوياً غضب (الموحان) الذي يغرق الصرائف فتطفو فوق المياه. إلاّ التي شيّدت على (اليشان) و(العرازيل) القريبة من (الرفاشية) بارتفاعاتها التي تبقى جافة أثناء الفيضان. وأخشى ما أخشاه، وأنا أتجول سعيا وراء اختيار المشاهد لرسمها، هو(النيص)، وهو حيوان صغير شرس جداً يكمن لي ويغافلني، كما فعل معي مرات عديدة، ولكنني فاجأته أخيرا بنبات (الجنج) الخضيرة وهو نبات يسبب موته إذا استنشقه.
كنت أناغي نفسي وأشيط من الأنين، وأنا أسمع عن قرب اصطفاق أجنحة طيور (الخضيري والحذاف والفخاتي) دون أن أرسمها. تتلاحق نظراتي المندهشة وتنسحر بالموجات المتلاحقة، التي تختفي بين تكاثف القصب وتغور بين منعطفاته المتشعبة. لمحت عن بعد زوجين ملونين من طيور الحب يتناجيان في زورقين متجاورين متلاصقين، وقد تشابكت أيديهما كما تتشابك سيقان القصب. ما أوسع فضاء صبري وأنا المح في وجهيهما خوفاً مباغتاً، إذ فاجأتهما غارقين في نجوى الروح. لم أشأ أن أحرجهما فغيرت اتجاه (طراّدتي) ويبدو أنهما قد شعرا بالأمان، فبقيا في مكانهما. لقد جعلا الحب ينمو في أعماقي متساميا مع أشواقهما، هل هي عدوى ربات الأحلام اللاتي يباغتن الفتية الخجولين؟
تصاعد الدم إلى وجهي، والتهبت أعصابي حباً. خطفت نظرة سريعة أخرى، رأيته يطوقها بذراعيه. انسدلت (شيلتها) على كتفيها وغرق هو في ليل شعر رأسها الفاحم الطويل، وخلفهما بقع متوهجة من ضوء الشمس، فكأنما كنت أنا البقعة الملتهبة التي ترتّد أبدا إلى سعادة السحابة الساحرة التي غمرتني مع فريال قبل سنوات الغسق التي صعدت بها هضبة البرتقال ووضعت إكليلا من الزيتون فوق رأسها وهي تحمل رمادها لتنثره على أفكار العالم.
كان وهج الشمس يمتد إليّ ويضرم النار في عمق الهور ليزيده دفئاً على دفء العاشقين اللائذين بحماه. أردت أن أخفّف من لهفي على هذه اللحظات.. التفتّ إلى وراء، لأشبع فضولي؛ قفز إلى زورقها الآن، ها هو ينحني عليها فتستلقي على ظهرها (ابنة آنو؛ عفريتة الأحلام) وكان (هو) كالعصفور الكبير الذي يطأ أنثاه سبع مرات. وتناهدت روحي والشمس (تنجاس)، فكانت كربوة (شلهت) من الفيض. وأرتطم (بلمي) فجأة بحزمات ناتئة من أعواد القصب المتكاثفة المتشابكة، وانعطف الزورق بقوة، ولم أرهما بعد هذه الانعطافة المفاجئة. تمسكت بأعواد القصب؛ أعواد روحي وجسدي المنغرزة في أعماقي، تمتد جذورها إلى عمق أربعة أمتار وفي بعض المناطق إلى عشرة أمتار. يقول أهالي المنطقة انهم يسمعون، في بعض الليالي التي يختفي فيها القمر نهائياً، أصواتاً غريبةً تختلط بأصوات سلاسل حديدية تتحرك في أعماق مياه الهور. لغز لم يفكوا خيوطه وأسراره (عرابيد) وعفاريت من الجن تحرس كنوز مملكة سومر وملوك أور ولكش. إذ كان هذا المكان امتداداً لميناء (أور) في منتصف الآلف الرابع قبل الميلاد.. ولماذا لا تكون آراؤهم وظنونهم صادقة!. أليسوا ورثة السومريين وأحفادهم في هذه المنطقة من العالم، كما ورثوا عنهم نوعاً من الرياضة الذهنية يواجهون به الأحزان والمخاوف، فتوصلوا إلى فك اللغة الرياضية التي تمجّد الأمور الخفية المقدسة من خلال منشد التعاويذ: المعزم؛ (الأشيبو) في اللغة البابلية، هل يعني أنهم ورثوا قوّة الحواس التي تكشف عّما في الغيب من جزئيات النور التي ترى بالبصيرة وتفضح أسرار المجهول. ولمعرفة ذلك، قمت ذات ليلة بمجازفة ساذجة كانت مخاطرة دون حساب، جهزّت نفسي بأغطية ثقيلة أدفئ بها جسدي، إذ تهبط درجة الحرارة إلى تحت الصفر بعد منتصف الليل شتاء. فاندفعت بزورقي ليلاً إلى المكان الذي قيل لي أنه يحتضن كنوز ملوك أور.
انتظرت بين حزم أعواد ( البردي والجولان)، عسى أن أرى "عشتار" إلهة الحب والحرب وسيدة المعارك السومرية، وهي تحمل القوس والكنانة، وقد برزت من كتفيها حزم من الأسلحة واتخذت الأسد رفيقاً.. وقد أسمع أصوات السلاسل هادرة تحت الماء معلنة افتتاح أبواب السور القديم. ولكنني شعرت بتحركات مريبة للمبهرجين (المهربين).. وكان عليّ أن أتمهل قليلاً قبل الشروع بهذه المغامرة التي كدت أعرض فيها نفسي للقتل بلا قضية. فقد أخذ المبهرجون يطلقون الرصاص من بنادقهم صوب المنطقة التي كنت أختفي فيها بين أعواد القصب. وانبطحت على وجهي في بطن الزورق متذكراً الفرق بين استلقائي مذعوراً في (كورة) الخوف، وبين استلقاء ( زوجين محبين من طيور الحب) في بطن الزورق هذا اليوم. كانت كل خلجة في عمق الهور (تلبط) بالخوف كالأسماك المذعورة في داخلي، فألقي بشباكي المتهرئة الخيوط لأصطاد نفسي. ولم أستطع مقاومة استذكار العاشقين في آخر لمحة وهما يتعانقان وشعرها الأسود الفاحم المنسدل على كتفيها يغطي رأس فتاها وكأنه في ليلة التراوح ينحني عليها وهي مستلقية على ظهرها مرتعدة تحت غيمة الحلم. لم أقل شيئا. لم أتفوه بحرف واحد عن الحزن الذي لازمني هذه اللحظة. بل القصب هو الذي فاضت أحزانه. 
 
 
(6)
عدت منكسراً في الصباح وكانت الأضواء تغرق الطبيعة الوسيعة بدفء الروح. تمددت على فراش كأنه حزمة من نبات (فرز) كثير الأشواك أفكر برسومي المائية وقلقي وشطحاتي. إلاّ أنني آثرت أن أراها كاملة في وقت رائق مناسب. فما زلت قلقاً سابحاً في مخاوفي.. نهضت عازماً أن أخمد تلك المخاوف بالرسم حتى تهدأ نفسي تماماً.
إن حاجتي إلى الرسم المتواصل والتدريب المستمر كل يوم، لا تشبع. فقد غدت مثل حاجتي إلى الهواء والماء والطعام، وقد لازمتني بقوة، حتى كدت لا أفرق بين غريزة الخوف والجوع والجنس، وبين سطوة الفن في الرسم وفي الكتابة والقراءة عن الحياة. فأضفتها إلى إحدى الغرائز المكتشفة التي تتفجر لهيباً في جميع الأوقات ولا تتقيد بنظام يحكم انطلاقها ويكتم تفجرها. قوة هائلة مؤثرة فاعلة نارية خلاقة، وفي الوقت نفسه، رقيقة رخوة حالمة أثيرية وضاءة، لها نور الفجر وشعاع الصبح ودفء الشمس في منتصف النهار واحمرار الشفق عند الغروب، هي مجمل عناصر الجمال التي ما تفوهت برقتها وسحرها إلا  بهمس الأنفاس الحارة التي تنشرح لها الأسماع انتباهاً. وأنها في أعمق المشاعر صمتاً، وفي أشهر اللحظات إمتاعاً، تتضوّع بعطر الحياة. أناجيها، ولا صوت أناجي به المشاعر والعواطف مثله. تلتقي عند أقصى الممرات النائية في نقطة أجسّد فيها أفكاري التي نضجت وتسعى إلى الانتشار كالضوء في الأغوار. كان حضورها يحقق قيمة الجهاد الحقيقية من الفن. أنها قيمة الفن التي تهب القدرة على تثبيت الأفكار والآمال المشرقة الوضاءة في كل فن عظيم والتي تولدت عن قطرة الحب الخالدة.. لقد أحيت هذه اللوحات في ذاكرتي الصبوات الأولى في مدرسة الأمير الابتدائية ثم في ثانوية العمارة حيث كان شريكي في مقعد الدراسة عيسى الياسري يردد على مسامعي إلا تشبع من الرسم، وهو لم يشبع من الشعر.. ففي ذلك العمر النضر، بدأت مفردات لغة جديدة تتقد حماسةً وتنتفض على هيئة أحلام، حركت مروج الروح صوب الرياح والشمس بانطلاقة الفتوة الذهبية المفعمة بالآمال: "عيسى" باتجاه عذاب الشعر وأنا تنبعث أحلام الرسم أمامي متجسدة وتستغرقني تفاصيلها وتسحبني إليها من حين لآخر. فكان حلم السفر إلى لندن لدراسة الفن، يراودني في بداية سحرية قادتني إلى المحطة الأولى وفي جيبي (عشرون باوناً إسترلينيا) لأتصرف بحكمة عمتي (سكنه)، فأفكر وأتأمل انطلاقتي في قلب الواقع الجديد، أبحث عن عمل أسدد به نفقات دراستي في ظروف حرجة تعيش فيها بريطانيا فراغاً روحياً كان يعمّ معظم أوربا وأمريكا واليابان والاتحاد السوفييتي، إذ لم يتحقق شيء من الأحلام التي ماتت من أجلها الملايين من البشر بعد الحرب الثانية.
غصت تدريجياً في سطوة التأمل التي لا تقهر، وانهمرت الصور في خيالي، تتدافع كموجات صغيرة ناعمة رخية شفافة، تتثنى موجة مخملية طرية بإثر أخرى تتلوى إلى انحناءة جرف تداخلت فيه الحدود والانعطافات، بسبب تراكم تلقائي لكميات من التبن والبواري والغرين كانت بلون الصدأ.. تتطافر فقاعات من زبد الماء خيوطاً فضية متموجة، سرعان ما تتضاءل وتغوص مع لون الرمل المستلقي رطباً ثقيلاً. وتقبل خيوط حريرية مسرعة إلى آخر بقعة من ضفة الهور، وتفيض نفسي بها سروراً وينشرح ذهني بلّذة مراقبتها. يخفق قلبي ويزداد وجيبه حركة وانتفاضاً، وكأنني اغتسل بالموجات المتلاحقة التي نثّت رذاذاً متطايراً غمر أهداب عيني فريال فامتزج مع كريات دموعها الحارة لتسبح على شفتيّ دافئة مالحة سرعان ما تترسب رطبة في مسامات الروح المستثارة بجمال هذه اللحظات وهمس تأثيرها ومناجاتها لأوصاب القلب.
تتصاعد اللذة في جسدي مستنفرة مثارة مبتهجة متوهجة.. اندفعت الموجة في حركتها الدائبة على الاندياح في منخفض الشاطئ. وتناهى إلى خاطري رنين رخيم من جرس الأعماق التي اشتهت، فيما مضى من اللحظات العصيبة، أن تتحسس في ضمتها إلى صدر الأشواق المتباعدة في الماضي، حناناً وتأسياً خلال حرية الأغوار التي قذفت في فضائها مشتعلاً بالحب؛ حب الرسم والمرأة والكتابة والقراءة والاستماع إلى الموسيقى والتأمل والتفكير بالحياة وبأشواقي التي لا تنتهي إلى مصير. فكنت كلما أشعر بالضيق وتوقع حدوث المكاره، ألقي بنفسي في كنف الألوان، أو أنزوي مع صفحات كتاب، أو أشرع بكتابة قصة قصيرة أو رواية أو أواصل القبض على جمرة الشعر. هل هي شجاعة فن منعزل عن مفردات الحياة، وإن كان في نسيجها يرفو ما تمزق من حافتها وثقوبها. فهي بطولة منعزلة في مخاضها، منغمرة بماء منبتها، متصلة ومنفعلة بواقعها.. كيف لي أن
المؤلف: شوكت الربيعي 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن