تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  لقاءات»  لقاء مع الكاتب الروائي برهان الخطيب

لقاء مع الكاتب الروائي برهان الخطيب

عدد مرات المشاهدة :2363 - October 07, 2007

برهان الخطيب

لقاء مع الكاتب الروائي برهان الخطيب

برهان الخطيب: لا يوجد عندنا وسط أدبي طبيعي*
أربعون عاما على كتابه الأول  

حاوره: محمد سعيد الريحاني

برهان الخطيب واحد من أبرز الروائيين العراقيين، ولكنه واحد من أكثرهم إثارة للجدل أيضا. إنما ليس في أثره الروائي الذي يشمل روايات ذائعة الصيت مثل ”الجنائن المغلقة“ و“شقة في شارع أبي نؤاس“، ”الجسور الزجاجية“، ”سقوط سبرطة“، ”ضباب في الظهيرة“، و“خطوات الى الأفق البعيد“، بل في الموقف السياسي منه، وذلك بسبب المسافة التي وضعها بينه وبين جميع الأنظمة والأحزاب والتيارات السياسية.  ولكن الأديب ظل هو نفسه، باحثا عن نسيجه الإبداعي الخاص.  وهنا حوار معه.
- ما رأيك في تكسير مرآة ضمائر السرد ( المخاطب منها والغائب) والحديث مباشرة عن مشوارك الشخصي والأدبي؟
 
ـ الصدق الحياتي غير الصدق الفني طبعا، على أي حال تحتاج الرواية مكيدة، وأنا لصدقي هنا وهناك لا مكائد عندي، فهل أصلح لأكون بطل رواية صادقة برأيك؟ ربما هناك العديد من المكائد حولي، الكتابة عنها تتطلب معرفتها جيدا، من أين لي الإلمام بها توثيقيا، إذن احتاج التخيل لإكمال الناقص من الصورة، هكذا اتحول إلى بطل عادي، نصفه متخيل ونصفه حقيقي، لا الروائي نفسه الذي تقترح الكتابة عنه. يمكن طبعا ابتكار مكيدة حول الروائي، وكتابة رواية عنه، ستكون عادية في هذا الحال، اطمح لرواية استثنائية دائما، دع عنك إن كتابة رواية بمقترحك هذا، غير الغريب عني لأني تأملته سابقا، وتكلمت فيه مع صديق بل صديقة، يضطرني لتصوير الموضوع بعيني الخاصة، من بُعد واحد، لا أريد هذا، لا يتيح لي تفحص الموضوع بعيون عدة شخصيات من عدة جهات، كما في رواياتي عادة وصولا إلى صورة مجسمة بأكثر من بُعد لحقيقة روائية هي أقرب إلى الحقيقة الموضوعية.
 الحقيقة الذاتية تباعد بين الناس، تقدم رؤية على حساب رؤية أخرى، الحقيقة الموضوعية أو القريبة لها تقربهم، تقدم العالم باعتباره مكانا للجميع، لا لفرد واحد أو مجموعة، هكذا تساعد القارئ في التخلص من اغتراب عن هذا العالم. الجانب الفني هنا يمتزج ترى بجانب أخلاقي للعمل الإبداعي. بل هنا وبهذا يرتقي العمل الفني ليكون عملا إبداعيا بحق. فأنا في هذا الحال لا أسرد ما حدث فقط بل أعرض أيضا النقص والاختلاف في ما حدث وحوله. طبعا هناك كتاب ونقاد لا يولون بناء الرواية كل هذه الأهمية، يعتبرون كتابتها مجرد لعبة، لعبة فنية طبعا لها اصول، تخبرنا عن شئ حدث بطريقة مقنعة جميلة، أنا لا أكتفي بهذا، أريدها أن تغير الناس، لا نحو يسار أو يمين، بل إلى الأمام.
 الكلام في عدم ضرورة الخلفية الاجتماعية للرواية، واهمية النظر على المنظور، واولية نقض النفس على نقض الغير، معقول ، قديم، استهلكناه في الستينات، إنما تبقى الرواية ليست حيزا لإفراغ الذات حسب، بل مرآة للوجود كله، هكذا أراها ببساطة، الوجود بشقيه الفيزياوي والميتافيزياوي، من هنا تبنيت مبكرا بعد تجلى ذلك في روايتي الأولى (ضباب في الظهيرة) وهي اقصوصة، قبلها مجموعة (خطوات..) رؤية مزدوجة للقصة والرواية انتقلت لتلون افكاري عن السياسة بعد حين، تستوعب رؤى آخرين. لعل التقاء الوجودية والماركسية سابقا في ذهني سمح لي ذلك، حتى ذابت الفلسفات والمدارس الفنية وجعلني ذلك اكتب في حرية بلا ايديولوجيا، كنت كشاعر حفظ دواوين العرب ثم نساها وبدأ يكتب شعره.  
 التنويع ضروري طبعا، أعود إلى ضمائر السرد، ليس عبثا وجدت متنوعة، هي أدوات ينبغي إجادة استعمالها، وإلاّ جرحتنا، استعمالها أبعد عن أن يكون عشوائيا. تكنيك السرد متنوع، يتضمن العديد والمختلف من أنواع المداخلات غير المباشرة عادة للإحاطة بالمشهد الروائي عريضا وتقديمه مجسما للقارئ، ضمن حدود منطق صارم يسمح باستخدام هذه الكلمة مثلا بالذات لا غيرها ولو كان السرد يجري في موضوع غير صارم تماما. المباشرة حين تكون مبررة، وفي وقتها، غير مباشرة في الحقيقة، تدخل ضمن السياق الفني أيضا. والتركيز على هذا التفصيل أو ذاك جزء من رؤية عامة لموضوع الرواية، لا ينبغي أن يحدث مصادفة.
 استخدام الضمائر أساس عملية السرد، يخضع لتصفية تمرر هذا التعبير ولا تمرر ذاك، هناك فرق كبير حين تستخدم ضمير الغائب أو المخاطب أو الضمير الأول، كل من هذه الضمائر يتضمن نوعا من سارد، حسب الموضوع الذي تكتب عنه، قد يكون هناك أكثر من سارد لحدث رواية لكن يجب أن يكون هناك روائي واحد يمرر سرد الاخرين من خلاله، ولا بأس أن يتشارك روائيان بسرد ما يسرده آخرون، لكن يجب ان نعرف دائما أين هو الروائي وأين هو شخصية أو شخصيات الرواية. مقياس فنية السرد أو عدمه نستخرجه من داخل العمل الروائي ونضعه خارجه ونبدأ الالتزام به وقياس كيف يجب أن يتدفق السرد.
 ما تفضلت به عن تكسير المرايا، والحديث مباشرة عن مشوار شخصي وأدبي لي أو لغيري يخلق رواية معينة، بمواصفات معينة، لا يهشم التنظير الروائي، هذه أيضا سوف تكون مشروطة بقواعدها الخاصة. الحق كأنك تسللت إلى مكتبي وعرفتَ ما أفعله حاليا، اعترف لك واتمنى أن لا يكون في هذا شؤم لا أؤمن به على الرواية، لا أحب الكلام عن رواية قبل الانتهاء منها، أكتب الآن رواية من هذا النوع. لكن، لو امكنك التسلل إلى مكتبي واكتشاف ما افعله لا أدعك تتسلل إلى عقلي لمعرفة ما أفكر فيه لهذه الرواية، وماذا سوف يكون فيها. ليس كل ما يُعرف يمكن الكتابة عنه، فهذا يعني قبل كل شئ مغادرة حدود الفن الروائي إلى الصحافة، وهذه تركتها من زمان، كما لا أريد خيانة الرواية، تذكر ما قالته مارلين، الإغراء فن اخفاء ما يُراد إظهاره، هكذا الرواية، لا يجب أن تكشف كل شئ حتى لو كان بطلها هو الروائي نفسه الذي يعرف الكثير لكنه لا يكشف كل ما يعرف، خوف تجاوز حدود الفن لا من شئ آخر. 
ما اكتبه الآن إذن قد يصلح فصلا لهذه الرواية المقترحة منك، بل وأنت بطل فيها ولا تدري.  

كادت عربة الكتب تقتلني
- تجربتك مع النشر، كيف تقيمها؟
ـ هذا موضوع يمكن كتابة رواية خاصة عنه، فيه الكثير من المرارة والضحك والحزن والخيبة والفرح، مرة قلت لصحافي سويدي سألني عن هذا الموضوع إذا كنت تجدني استحق جائزة كروائي، وأنا غير منشغل بها حقا، فأنا مؤكدا استحق جائزة كناشر، وكنت امزح طبعا، لأني أكثر الكتاب في العالم تعذب ربما من نشر الكتب، ليس في هذا مبالغة، السبب: ابتعادي عن الاحزاب والدول ومطابعها، التي خربت بالسياسة كما خربت في الأدب، حتى دور النشر الخاصة تنشر حسب مزاج لا تحزره، لا علاقة له بالجودة، أي واحد يستطيع دفع مبلغ في إمكانه نشر كتاب له الآن، كان في إمكاني أيضا أن أفعل ذلك، لكن ما كان ذلك ليشعرني أني كاتب حقا. هذا يعني: فوق حقه دقه. مقابل جهد سنوات ادفع لتسوق نفسك. لذلك كانت سعادتي كبيرة حين نشرت لي مؤسسات محترمة جدا بعض رواياتي دون دفع مني، مقابل ذلك عانيت كثيرا من نشر روايات أخرى لي، لم تسمح لي الظروف لدفعها إلى مطبعة، إذا نجحت في ذلك جرت حرب وضيعت المنشور، جاء تسفير وضيع المخطوط المجهد بكتابته، خسارات جمة لحقتني من حرفة الأدب هذه. إنما وأنا أنظر إلى كتبي اليوم اشعر كأن ابنائي بعد السهر والقهر اصبحوا اطباء ومهندسين أمامي.
 ليس من عادتي الشماتة لكن فرحت حين حُجبت جائزة محترمة كبيرة عن دور النشر، لأنها لا تستحق التقدير كثيرا، القائمون بها معظمهم لا يختلفون عن قصابين، العفيف فيهم قلة ضائعة بين كثرة خبصت الأدب درجة أصبحوا معها من أسباب تأخره في منطقتنا، رغمه اشعر بأسف عليهم، هم أيضا تجار يريدون الكسب والعيش في صورة أفضل.
 مرة كدت أقتل تحت ثقل عربة الكتب حين انزلقت نحوي وهصرتني بالجدار، سمعت أضلاع قفصي الصدري تطقطق، وهي تسحقني على الجدار بطيئا، قوة هرقلية لا أدري من أين انبعثت فيّ جعلتني أقاومها حتى انقذت، كان عليها أكثر من ألفي نسخة من روايتي (نجوم الظهر) قلت لنفسي حينه في حالة اختناق حد موت تقريبا: هل كتبت نجوم الظهر لأريها للناس أم لأريها لنفسي! تكلمت عن الموضوع في وقت سابق، لا أجد حماسا كبيرا للكلام فيه بعيدا.
 فوضى النشر في منطقتنا وعشوائيته من فوضى أوضاعها السياسية، تغيرات ايجابية تحدث في مضمار نشر الروايات، تخصيص جوائز لها سيرغم الناشرين على طبع الأعمال الجيدة أملا في كسب لو فازت.
ماذا فعلت بنا يا برهان!
ـ من خلال تجربتك مع القراء، ما هي أقوى ملاحظة اخترقت مسامعك ووجدانك من قارئ من القراء؟ وما هي أطرف ملاحظة تلقيتها من جمهور قراء تكتب له؟
ـ فوجئت أكثر من مرة بملاحظات قراء توقعت منهم الألمعية لكن لا إلى تلك الدرجة من النفاذ إلى ما تحت النص، لا استهين بهم طبعا لكن حرفية ملاحظاتهم استوقفتني، لكل مهنة عالمها تعرف، قد يتوقف خياط عند موضع من رواية ويتوقف غيره، مناضل أو شرطي أو امرأة متحررة عند موضع آخر منها حسب الاهتمام والخبرة والذكاء. لما جاءت ملاحظاتهم خارج نطاق اهتماماتهم أو ضمنها لامست تفاصيل خفية تحت السطح جعلني ذلك أشك في مصدر الملاحظة، كأن يكون مثلا سمعها المتكلم أو قرأها في مكان وجاء بها إلي كأنها من عنده. شككت إن أحد النقاد أو المتتبعين لما اكتبه وضع على لسانهم تلك الملاحظة أو غيرها رغبة في سماع رد فعلي خاصة لصدورها من غير متخصص. سألت احدهم مرة عن كيفية توصله لما قال، ابتسم، كأني اكتشفت لعبته. آخر أكد من عنده. واحد اعترف بأن فلان اخبره أن ينقل لي الرأي الذي ذكره. عموما ما وصلني قد يبدو من باب الاطراء، وجدت فيه دلالات لما يمكن أن تلعبه رواية في حياة مجموعة من الناس. ملاحظة أصلية باقية في ذاكرتي عن أخي احسان، قال: بغداد صاروا يقسمونها إلى شمال وشرق وجنوب وشمال في محطات الإذاعة والتلفزيون بعد صدور روايتك (ليلة بغدادية). فيها حرصت فعلا على تثبيت احداثيات للمدينة بهذه الطريقة، لإعطاء صورة واضحة للقارئ عما يحدث في الرواية. سابقا كانت مناطق بغداد تذكر حسب تسمياتها دون تحديد موقعها من المركز.
 أيضا شارع المتنبي العريق المعروف، كان يسمى شارع المكتبات أو شارع الكتب بل وشارع السراي، سوق السراي جواره، اكثر من تسمية غير رسمية له، عام 1966 نشرت قصة قصيرة عنوانها (الموت والناس)  ذكرت فيها بأن الشارع اسمه شارع المتنبي، لا أذكر بالضبط لماذا فعلت ذلك، عام 2003 قال لي احدهم لولا قصتك المنشورة في الستينات ما ثبت اسم الشارع على المتنبي. كل واحد أسماه على هواه، هو شارع قصير بلا تسمية رسمية، الآن المتنبي أشهر شارع في بغداد.
 وفي ديرة عرب بعيدة، كانت مسرحا لروايتي (نجوم الظهر) عن أحداث الخمسينات، قال لي أحد اقاربي لولا روايتك كنا نسينا الكثير من تفاصيل حياتنا وأجدادنا، بعد قراءتنا الرواية ارجعنا المضيف إلى مكانه، عادت بعض الكلمات إلى حياتنا بعد نسيان.
 آخر، شاعر عراقي، كتب إليّ أنه لولا هذه الرواية ما كان عرف جيدا ما حدث في بغداد القديمة.
لكن أقوى الملاحظات التي اخترقت مسامعي حقا صدرت عن مثقف متنور حامل شهادة دكتوراه، قال: مَن يقرأ رواياتك يصير أكثر حكمة. آخر مكلوم من مشاكل الغربة قال: روايتك سقوط سبرطة كتبتها عني؟ غيره قال كنا في مظاهرة امام السفارة العراقية وخرج لنا القنصل يكلمنا حاملا مسبحة بيد وكأسا باليد الأخرى فقلنا هذا قرأ رواية برهان الخطيب وخرج يطبق برؤوسنا، وإذا به يتكلم بالضبط ما قلتَه في روايتك، فجاوبناه نحن أيضا بما كان مكتوبا فيها.
 لكن أطرف الأمور التي حدثت ربما سمعته في المسيب: ماذا فعلت بنا يا برهان ونحن كنا في ظروف الحصار، تكتب في روايتك عن ذهب مدفون في بئر طمرناه قبل ثلاثين عاما، اضطررنا إلى خلع طابوق ساحة البيت، حفرنا وحفرنا ولم نجد شيئا، أردنا الكتابة إليك لمعرفة الموقع الحقيقي للبئر، سمعت الشرطة لا أدري كيف وجاءت تطلب حصة من الذهب، يابه لسه ما لقينا شيئا، قالوا تحفرون أمام أعيننا، هذا رقيب منا هنا. تعال غديه وتعال عشيه، ابتلينا، خفنا، اردنا نبطل الحفر، قالوا لا،  تواصلون. أخيرا عجزنا، ما لقينا أي شئ. صحيحة استاد برهان قصة الذهب هذه؟ يبدو حضورك الآن إلى المسيب بعد غيبة ربع قرن بسببه. ابتسمت طبعا وقلت له: صحيحة، الذهب أراه أمامي الآن، لم يعد مدفونا.  صاح: أين حصتنا إذن منه؟ قلت له إلا يكفيك هذا الكتاب جئت به لك؟! زعل ابن خالي وقال ضعه في جعبك.
الرسالة وصلت
 
- من هو قارئك المفترض؟ كيف تتصوره؟ كيف تتوقع تفاعله مع إنتاجاتك؟
 
ـ هناك أكثر من قارئ مفترض أكتب له، احدهم يعيش في أقصى الكون، الثاني ملكة بريطانيا، الثالث فلاح من بلدي. لماذا هذا الاختيار؟ لا أعرف. الأول ربما لأني أريد أن تكون روايتي مكتفية بذاتها، قادرة على إيصال محتواها إلى الغريب حتى لو كان من غير هذا العالم. أيضا اذا انقرضت البشرية أفكر كطفل أن تكون روايتي رسولا لغيرنا، لإعادة بعثها في الذاكرة، وإذا استطاعت تعديل مسيرتها حسب احلامي.
 القارئ الثاني اخترت في اللاوعي ملكة بريطانيا، ربما لأني طمحت أن تكون رقيبا أرضيا على ما أكتبه، باعتبارها قمة الرصانة والتطلب في نظري، هكذا عليّ أن أجيد مخاطبة كل الناس كما لو كانوا هي. الفلاح اخترته كي لا أغرّب عن وطني بعيدا. كم نجحت بهذا في شد القارئ إليّ؟ اعتقد لا بأس، ردود الفعل التي وصلتني من أعلى المستويات، من أكثر من بروفسور، من طالبات ثانوية مثلا، أكدت  لرواياتي ترحيب وقبول عند الفضلاء، لا امتدح نفسي ورواياتي، اذكر رد الفعل نحوها بالضبط. هل هناك من وقف ضد هذا الرأي؟ نعم. قراء ثلاثة أو أربعة كتبوا تعليقات على موقع الكتروني ضدها. بعد حين اتصل أحدهم معي وقال أن بريده الالكتروني استعمله مجهول لتحرير ذلك التعليق، بل ان الشخص الثاني من المعلقين، قال يعرفه، دهش أيضا من استخدام اسمه ككاتب للتعليق الآخر.
  ليس في صالح رواياتي إبراز الردود الايجابية فقط عنها، لكن ذلك ما حدث. أخيرا لا جدال في الذوق. كل واحد يعجب أو لا يعجب بما يراه ويقرأه. حين يبدي شخص على مستوى عال من التعليم من السويد مثلا، وآخر من المغرب، ناقد عندكم من فاس، أستاذ في الجامعة، أو من العراق، اعجابه بها، يعني أن التفاعل تم على أصعدة مختلفة وأن رسالتي وصلت.     

الكتابة بين اليقين وفقدانه

 - تختلي بنفسك، تسهر، تكتب، تنشر وتواكب ردود الأفعال القارئة وغير القارئة. لماذا كل هذا الإصرار على الكتابة في مجتمعات عربية ضعيفة الإقبال على القراءة ولا مبالية لكل الأشكال الثقافية المكتوبة؟
 
ـ لو قلت لك اسأل المطر لماذا يهطل، والنهر لماذا يجري، والبركان لماذا يثور، ترد لذلك اسباب معلومة، إذن أقول توجد اسباب ايضا لماذا أكتب، تسأل عنها، أنا أراها وراء الغيم في شكل نسالات تتطاير هباء احيانا، اراها في ضحكة وبكاء طفل، أراها في بسمة امرأة جميلة أو غير جميلة، كل النساء جميلات، أراها في هموم رجل تعبان، أراها في كل مكان باختصار، وفي كل وقت، لذلك قلت يوما لا أجد فرقا بين الحياة والأدب، لكليهما عندي باب واحد إلجه وأجد نفسي حاضرا هناك يكتب أو يمشي أو يأكل، أسأله أحيانا ماذا تفعل هنا يا أنا، يرد دعني يا ظلي، عليَ مواصلة وجودي بطريقة ترضيني، أنبهه أحيانا لكنك تعبت، لكنك تتألم فلماذا لا تترك كل شئ وتخرج إلى المقهى القريب، فتيات جميلات هناك، يمكنك الكلام والضحك معهن، هيا. يرد: طيب انتهي من هذه الفقرة وأفعل ما تريد، لكني في حالة عصيان دائم، على نفسي، على غيري، أكتب بحثا عن سلوان ينسيني ما أنا فيه، مم تعاني وكل شئ متوفر، أكتب لأني جد متضجر، لأن عليّ أن أكتب لو اختصر، لأني أريد أن يكون الناس وأنا أيضا أفضل وأجمل وأذكى وأكبر، كأني كلفت من رب الأرباب أن أهدي الناس إلى صلاح، أن أقلب الأتراح إلى أفراح، أن أصل إلى يقين كبير يعوض فقدان الإيمان بكل الأرواح، أن أطرد عنكم كل الأشباح.. أن.. أن.. أن أرد على سؤال يؤرقني لِمَ أنا موجود، لمَ تتوالى تحت يدي أقداح، لِمَ يلجأ صاحٍ أحيانا للراح، عليّ أن أوقف هذياني وإلاّ نزل الصبح الوضاح، وما وصلت لجواب شاف، ولا قدمت الايضاح..
هناك ألف سبب يدفع لارتكاب حماقة، اعتبرها مني هكذا طالما لا تجد سببا للكتابة، لكنها حتما أصعب الحماقات وأرقها، ولو انصفت قلت لو اهتز ايمان شخص بحث عن درب إليه بالكتابة، عن رد واحد لملايين الأسئلة المنهمرة على رأسه، بالكتابة يحاول الهرب أو الاستعاضة عن عالم غير منظم بآخر ينظمه بنفسه، عن عالم كتبت مرة لا يقدم ردا على أهم أسئلته إلى آخر يضع له بنفسه أسئلته وأجوبته، هكذا يشعر بسيطرة عليه، هكذا ينقذ نفسه من جنون.
وجودنا صار أثيريا
 - الكتابة الإبداعية في زمن القرية الكوكبية، زمن العولمة، كيف تراها؟ 
ـ سؤالك من شقين، أولا يعني ما تأثير العولمة على الكتابة الإبداعية على مدى بعيد، أيضا قد يعني ما حال ومآل الكتابة الإبداعية على مدى قريب، في هذا الزمن، زمن العولمة، الذي هو أشمل من العولمة. ثمة مسافة بين السؤالين. إذا تناولنا الأول يقتضي الرد فهم ما هي العولمة أولا وما موقفنا منها. الايجابية والسلبية نحوها حسب فهمك وموقفك من العولمة. هنا نخرج من دائرة الأدب إلى دائرة السياسة. داخل تقاطعهما يوجد أدب تخوم العصر، أدب الرواية السياسية مثلا، للمقالة الأدبية أيضا في زمن العولمة وجه سياسي، من هنا يكتسب إبداع زمن العولمة حيوية فائقة، ليس مصادفة اعتبار معظم النقاد أدب الرواية السياسية هو الأرقى والأصعب، هذا صحيح في رأيي، لم تعد الرواية آه وايه و وصف وقصف، هي تستوعب الآن جماليات الرواية المعتادة وتضيف إليها نكهة حريفة حادة من عالم السياسة. تؤثر العولمة إيجابيا اعتقد، أصبحت الرواية أمتع وأروع وأغنى وأشمل وأوسع وأقرب إلى الواقع، في الأقل ذلك كان طموحي حين كتبت (على تخوم الألفين) (غراميات بائع متجول) و(ليالي الأنس في أبي نؤاس) و(الجنائن المغلقة) وغيرها. 
إذا تكلمنا عن زمننا عموما واعتبرنا العولمة ظاهرة تنمو فيه نجد إن مصادر الكتابة اغتنت وتنوعت، معرفتنا تتسع وتعمق، تجاربنا تتنوع وتكثر، حرياتنا تكبر وتصغر، اصبحنا نتنفس مع العالم، سابقا كنا نتنفس فيه، الوان العالم وعطوره ومذاقاته وسطوحه ازدادت حدا جعل وجودنا أكبر، أثيريا اتسع بالفضائيات، هكذا اهتماماتنا، هكذا متطلباتنا صارت مما نقرأ ونصنع.
رواياتي متعددة الأسطح
 - أيهما أهم في الإبداع الأدبي: الخلفية النظرية أم النص الإبداع؟ هل تمتلك مشروعا جماليا يكسب نصوصك خصوصية وتفردا؟
 ـ النظري والإبداعي كلاهما ضروري. بالأول تغذي عقلك، بالثاني وجدانك. لكن ينبغي أن لا يؤثر أي منهما في الكاتب عميقا، كي لا يصبح مقلدا. العفوية ضرورية لسرد حيوي، هذه تنبع من تجربة الكاتب وثقافة شعبه وميوله الفطرية. كل هذا لا يلغي اهمية النص العلمي وكذلك السياسي للكاتب، ليجعل معرفته بالعالم متوازنة واسعة وتعبيره عن موضوعه منطقيا، يجب المتابعة والاطلاع بين حين وآخر على مستجدات العلم والسياسة والاقتصاد ليكون عقل الكاتب جزء من عقل العالم الذي نحن منه، هكذا يكون التفكير نابعا ورافدا فيه، ذا جدوى. هل امتلك مشروعا جماليا يكسب نصوصي خصوصية؟ اعتقد يحسن لغيري الرد على هذا السؤال، خاصة النقاد. يمكن القول أني حين بدأت في الستينات الكتابة كنت واعيا نقديا من كثرة قراءاتي، أعرف ما أريد أن أفعله بعد أن اطلعت ونبذت وقبلت مما كتبه الكبار قبلي، كانت نزعات التجديد الفالتة من عقالها على يساري، الواقعية التقليدية حد الابتذال على يميني، لم أشأ الانغمار في أي منهما. كنت أريد أن أكتب روايات حقيقية تبقى بعدي، كالتي كتبها اساتذة الفن الروائي، هذا يعني على هذه الرواية استيعاب لا ذاتي فقط بل ذات الأمة التي انتمي إليها دون سقوط في سطحية وتبسيط، بلا نزعة شعبوية أو نخبوية. في كتبي الثلاثة الأولى كنت أعرف أني أتمرن على كتابة الرواية الحقيقية. قبلها كتبت ونشرت ايضا. لكن كنت أعرف احتاج في الأقل عشر سنوات لبدء بدايتي التي أريدها، ذلك ما حدث، منذ (الجسور الزجاجية) عام 1975  طرحت روايتي جديا في الحركة الأدبية، للأسف لا يوجد عندنا وسط أدبي طبيعي فهو خاضع لسماسرة السياسة والنشر، لكنها حازت على اعلى تقدير من اهم النقاد في العراق وهنا في سكندنافيا، فهل كان مشروعي الأدبي الجمالي يحمل في ثناياه خصوصية وتفردا؟ ردود فعل أخرى لم تكن سيئة. قبلي كان الروائيون العرب يركزون على الجانب الخارجي للحدث والشخصيات، في الستينات غرقوا قي استبطان الذات، أنا حاولت الجمع بين الاثنين. كتبت مجلة (الحوادث) اللبنانية عام 72 عن روايتي (شقة في شارع أبي نؤاس) مثلا بأنها رواية عن فنان منشق على نفسه، وهي أيضا كانت رواية سياسية بامتياز كتبوا في الآداب اللبنانية. إذن هي رواية عرضت موضوعها من الداخل والخارج، كذلك سعيت في رواياتي الأخرى لاحقا، ما جعلها متعددة الأسطح والأغوار، هل في هذا جدة؟ للقارئ أخيرا والنقاد الحكم. المهم أكثر من الجدة في رأيي أن يكون العمل الأدبي صالحا للقراءة بعد سنين من كتابته وهذا قد تأكده الأيام. رواياتي منتمية لغيري مثل انتمائها لي، سمعت هذا من قارئ فطن، في هذا ربما ضمان بقائها، أكثر من هذا لا أطمح.
إظهار الواقع من غير تضاريس
 
 - الثقافة والسلطة، الإبداع والرقابة، والأفق اللامحدود والخطوط الحمراء... ما هو موقفك من هذه الثنائيات؟ وكيف تموقع كتاباتك بينها؟
ـ من الطبيعي أن يستمع الكاتب لنداء قلبه وثقافته ويتخلى عن الخضوع لسلطة، هذا لا يعني أن عليه بالضرورة أن يكون مناهضا لها، غير معقول، ماذا لو ان سلطته عادلة ورحيمة، عالم السلطة والسياسة شئ وعالم الأدب آخر، عدم خلطهما نافع، مرة أخرى هذا لا يعني أن على الكاتب أن يغمض عينيه عما يحدث ولا يقارب السياسة، بالعكس يجب أن يكون في منتهى الفعالية حسب ما يسمح له الوضع، مقاربة السياسة بالكتابة شئ وممارستها كأداري شئ آخر، شخصية السياسي الحدية غالبا غير شخصية المثقف التصالحية، طبعا تستفاد السياسة لو مارس مثقف دورا ف


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن