أدب فن: لقاء مع القاص المبدع جمال نوري لقاء مع القاص المبدع جمال نوري ================================================================================ د. فاتن عبد الجبار on 13/ 2/ 2010 حاورته : د. فاتن عبد الجبار القاص المبدع جمال نوري قاص متميز ونوعي على الرغم من قلة انتاجه المنشور قياساً على تاريخ تجربته ، فهو يُعنى بالقصة عناية بالغة حتى يمكن القول إن قصته تتمتع بأناقة خاصة ، يحرص فيها على نوعية التجربة واللغة والصياغة والحوار والسرد ، لينتج دائماً قصة ذات طبيعة سردية خاصة من حيث ولعه بمجريات الداخل الانساني وتجلياته ، وهو يشتغل في بناء قصته بقدر عالٍ من التركيز والاختزال حتى لا يجد القارئ ما يمكن الاستغناء عنه او حذفه من القصة . وهو فوق ذلك يترجم القصة من اللغتين الانجليزية والكردية وينتخب لذلك تجارب نوعية تقارب مزاجه القصصي ، كما أنه يمارس كتابة المقالة النقدية التي يعرض فيها للتجارب الابداعية التي تروق له بروح انطباعية لكنها عميقة ، تنبع من قارئ مبدع يعرف كيف تتألف النصوص وتتألق وتحيا في الضمير الانساني على مر العصور . وله تجارب في قيادة اتحاد الادباء فرع تكريت إذ سبق له أن ترأس الفرع أو شغل مناصب مهمة فيه ، وأحد المسهمين الحقيقيين في تأسيسه ونشاطه في كل مراحله ، وله علاقات مميزة مع كل أدباء المدينة والكثير من أدباء العراق . ولكل ذلك سعينا الى إجراء هذا اللقاء معه للكشف عن تجربته بتاريخها وآمالها وطموحاتها بوصفه وجهاً متميزاً من الوجوه الادبية في المدينة : * كيف بدأت علاقتك بالقصة القصيرة ؟ وهل كان هذا الخيار هو الخيار الابداعي الاول أم سبقته خيارات أخرى أنتهت الى القصه ؟ - بدأت الكتابة مبكراً ، وقبل ذلك أقبلت على قراءة الكتب والروايات التي كان يجلبها خالي عباس عبد الرزاق أثناء فترة أدائه للخدمة العسكرية نهاية الستينيات ومع أنني كنت طالباً في المرحلة الابتدائية إلا أن هاجس المعرفة والفضول والبحث عن أشياء جديدة حدت بي الى التهام مكتبة المدرسة ومن ثم مطالبة أبويّ بشراء المزيد من الكتب ولا يمكن أن أنسى دور والدتي في أستقطاع جزء من مصروف البيت لشراء الكتب من معلمي واستاذي الشاعر والكاتب المعروف (جلال زنكابادي) الذي لم يبخل علي بالنصيحة والتوجيه وهو الذي أكد لي ضرورة الكتابة في مجال القصة القصيرة بعد أن بدأت شاعراً وأمتثلت لنصيحته وأشتغلت بهذا الفن الجميل .. * هل القصة لديك هواية أم احتراف ؟ وما الفرق بينهما على صعيد الكتابة والانتشار والتداول ؟ - لا أستطيع أن أقول لك بأنني أحترفت الكتابة وليس بامكان الكثرة من القاصين العراقيين أن يحترفوا بسبب الكوارث التي داهمت حياتهم ولا شك أن مسألة الاحتراف تستدعي تفرغاً وترفاً وإمكانية جيدة .. فأنشغالات الحياة ومفرداتها القاسية في العقود الثلاثة الاخيرة ضيقت الخناق على الفرص المناسبة للكتابة مع انها كانت زاخرة بالمواقف والمعاناة الكبيرة التي خلقت العديد من المواهب الأدبية المهمة وأستشهد هنا تأكيد على ما أسلفت ما قاله بابلو نيرودا (لافضاء أوسع من فضاء الالم ) ومثل هذا الفضاء جدير بإجتراح أمكانيات الكتابة فالسعداء لايكتبون حتماً وان قدر الكاتب ونصيبه من هذا العالم هو الكثير من الالم والتجارب الصعبة ، لذا كنت وما أزال هاوياً فان يكتب القاص ثلاثة قصص في السنة أمر يدعو الى التساؤل أما المحترف في هذا المضمار مثل عبد الستار ناصر وشوقي كريم .... وغيرهم فانهم ربما كانوا يكتبون في كل يوم قصة وهذا مدعاة الى أنتشارهم ووصولهم الى أكبر عدد من القراء ... * ما الذي يثيرك لكتابة قصة ، هل الحياة ومشاهدها اليومية أم الخبرة والتجربة التي لا تنفعل بالحدث اليومي بل تنتظر النضج والتكون ؟ - ربما كانت الحياة والتجربة والخبرة عوامل وروافد مهمة في تجربتي القصصية.. نعم قد يثير في مشهد ما كأن يكون اخر شعلة صغيرة تحتضر بعد ان التهم الحريق كل شيء او أسماك ميته في حوض ماء .. أحاول الاستفادة من التفاصيل التي الصغيرة وأبحث بروية ودأب عن كل التفاصيل التي تحيط بالحدث او الواقعة القصصية وربما كنت ممن يهتم كثيراً بالمعادل الموضوعي الرمزي وتصاعده مع وتيرة البناء والحدث في نسيج السرد . قد تمسكن بخيوط القصة للوهلة الاولى إلا أن ان ما أكتبه يستدعي قراءة ثانية وثالثة مع بساطة لغتي وسهولة وسلاسة السرد لدي وفي آخر قصة كتبتها متأثراً بمشهد مؤلم أصبح مألوفاً في تفاصيل وجغرافية عراقنا الجديد ، حيث شاهدت جثة متفحمة وجهاز موبايل لم تثرني الجثة قدر ما اثارني الجهاز لعلي اجد في تفاصيله أخر المكالمات او الهواجس او اية حوارات اخرى تسعفني في بناء القصة . * هل القصة هي المجال الارحب الذي يمكن أن تقول فيه ما تريد أن تقول لكي تعبّر عن تجربتك في الحياة والابداع ؟ - بالنسبة لي وجدت في القصة متنفساً ونافذة ثرة للبوح ولكن ذلك لم يمنعني من الترجمة وكتابة بعض النصوص النقدية وكتابة الاعمدة الصحفية .. أرى شخصياً ان زمننا الحالي هو زمن الرواية حيث أصبح لها حضورها وتفاعلها واصبح هاجس الشاعر والقاص ان ينجز خطاباً مختلفاً يستطيعان من خلاله ان ينفتحا على آفاق أكثر رحابة وعوالم أكثر عمقاً ودهشة .. * هل تعتقد أنك فعلت شيئاً مختلفاً في قصصك على الصعيد التقاني والفني والاسلوبي يمكن ان تختلف فيه عن مجايليك من كتاب القصة؟ - يقول بارت ان اسلوب الكتابة وليد توأم مع النص الاول والى ذلك أشارت فرجينيا وولف ولهذا اجدني مختلفاً عن اقراني جيل الثمانينات - من حيث الاسلوب والتقنية والتناول - ليس من باب الاعتداد بالنفس - ولكن لا ننى اعتقد بأنه لكل من أستمر وتواصل وواكب الاحداث الجسيمة لجيلنا ان يمتلك امتياز حضوره وصوته الخاص ربما كنت مهتماً بالجانب النفسي للشخصية وبنائها أو التأكيد على المفارقة والفلاش باك والفنطازيا والاستفادة من الموروث الحكائي الشفاهي والمدون وكذلك المكان بما ينطوي عليه من دلالات وشفرات فاعلة في اسناد وتثوير انسيابية نسيج السرد القصصي . * هل حظيت تجربتك بما يكفي من أهتمام النقاد أم أنك تعتقد أنك مظلوم نقدياً قياساً على أهمية تجربتك القصصية ؟ - مشكلة النقد قائمة طالما كان المهتمون الحقيقيون قلة قليلة لا تستطيع ان تحيط بالمد الابداعي الكبير الذي ينتج ويضخ الكثير مقارنة بالجهود الحثيثة لقلة من النقاد الذين يتواصلون بأمكانياتهم المتاحة في انتقاء النصوص وملاحقة هذا المد الذي ازداد اتساعه بعد احداث 2003 لاسيما بعد ان توافرت فرص النشر كتبت مقالة قبل فترة بأسم (بيضة الديك) وأشرت الى هذا القصور الذي يتحمله الناقد ولا أقصد هنا إلا النقد الحقيقي المنهجي وليس من يمتهن كتابة العروض العابرة تحدث عني الكثير من النقاد وتناولني أكثر من باحث في رسائل الماجستير ولكني اطمح الى تناول نقدي جاد لاعمالي القصصية . * تجيد اللغة الانكليزية واللغة الكردية هل أضافت هذه المعرفة اللغوية لك شيئاً جديداً على صعيد تطوير تجربتك القصصية ؟ بالتأكيد معرفتي وأجادتي لثلاثة لغات حيّة جعلت مشارب المعرفة أكثر تنوعاً وأصالة في تفعيل ثقافتي وتجربتي في مجال الكتابة ولم أكن لاستطيع الاستمتاع - مثلاً - برواية الشيخ والبحر لولا أنني قرأتها بالنص الأصلي وهكذا مع بقية روائع الاداب العالمية الاخرى . * ترجمت الكثير من النصوص والمقالات عن اللغتين ، كيف تختار المادة التي تعتقد أنها مهمة ومفيدة للترجمة ، وهل لديك إعتبارات ومقاييس وقواعد في ذلك ؟ - أنا أعول كثيراً على ذائقتي الخاصة في القراءة فاذا اعجبني نصٌ بالانكليزية او الكردية سارعت الى ترجمته الى العربية مع ايماني بأن الترجمة تؤذي النص الاصلي وكما قال احدهم : (الترجمة كالقبلة من خلف زجاج) أو كما ذهب اخر وقال (أنها أشبه بالوجه الثاني للسجادة) ومع ذلك ترجمت العديد من القصص والقصائد والمقالات النقدية من اللغتين الى العربية . * كيف تنظر الى مستقبل فرع اتحاد الادباء في تكريت ، وهل يمكن أن يكون مجالاً رحباً للانتاج والاكتشاف ، مع وجود قصر الثقافة والفنون الذي لدية نشاط أسبوعي مهم وواضح وهل يمكن أن يحصل بينهما شيء من التكامل مستقبلاً ؟ - لقد تأسس فرع أتحاد الادباء والكتاب - فرع صلاح الدين عام 1994 وعانى مثل بقية فروع المحافظات من مشكلة المكان وبعد ان توافر المكان في تسعينيات القرن الماضي استطعنا ان نقدم النشاطات الثقافية وكان للدكتور القاص فرج ياسين والشاعر رشدي العطية فضل كبير في تواصل نشاطات الاتحاد فضلاً على اصدار مجلة طروس التي استوعبت نتاجات الادباء في المحافظة وبعد احداث 2003 صودر المكان ولم تسعف كل الاستنجادات بالمسؤولين الى أن افتتح بيت للثقافة في صلاح الدين فوجدنا في المكان اطلاله ومساحة للبوح والتواصل وهكذا انعقد شمل اعضاء الاتحاد ضمن هذه المؤسسة ليشرعوا بمشوار ثقافي جديد ولقد استطاعت نخبة من المثقفين عبر حوارهم الهادف مع الساسة في مجلس محافظة صلاح الدين ان يدشنوا بهمة الطيبين قصراً باذخاً للثقافة والفنون ولا شك ان توافر المكان اللائق سيتيح امامنا الفرص الحقيقية لتفعيل وتطوير الحركة الثقافية في المحافظة . * وأخيراً كيف تنظر الى مستقبل القصة العراقية بعد الاقبال المنقطع النظير من قبل أكثر المبدعين على كتابة الرواية ؟ - كما قلت لك لقد اخلصت لهذا الفن وسأبقى ولكن هذا لا يمنع من ان يجرب القاص حظه في كتابة رواية جديدة ولكلا الفنين خصوصيتهما وابداعهما ولم اجد حقاً من بين الركام الهائل من الروايات إلا تكراراً واجتراراً لاعمال عالمية وعربية ناهيك عن اعمال روائية عراقية مهمة لفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وعبد الخالق الركابي وغيرهم .