الرئيسية »  لقاءات»  لقاء لم ينشر مع الشاعر الكردي الراحل محمد البدري *

لقاء لم ينشر مع الشاعر الكردي الراحل محمد البدري *

عدد مرات المشاهدة :929 - 21/ 1/ 2010

جمال نوري

لقاء لم ينشر مع الشاعر الكردي الراحل محمد البدري *

  

(القصيدة الخالدة هي التي تستطيع تجاوز الزمان والمكان وتعبر عن هموم الإنسان وتطلعاته وآلامه)

- لا أحد يختلف مع جون كوهين حين يقول (فالشعر يتشكل بالانزياح المستمر عن اللغة الشائعة ) وكأن اللغة الشعرية لغة خاصة ترتفع بالمفردة لتكسبها دلالة وإيقاعاً وبعداً متفرداً يمتلك أمتيازاً خاصاً ويؤكد على ذلك الدكتور محمد صابر عبيد اذ يقول عن الشعر (قول متعال في اللغة ذو أمتياز خاص ) ولا شك أن تجربة الشاعر الراحل محمد البدري تتميز بهذه الخصوصية حيث كتب باللغتين العربية والكردية وأصدر العديد من الدواوين الشعرية التي أحتلت مكانه مرموقة في المشهد الشعري الكردي العراقي لما تميزت به من قدرة في فهم وظائف اللغة الشعرية والارتقاء بها وبمستوياتها وكأنه يتفق مع فائز الوافي حين يقول (ان لغة الشعر هي لغة انبثاق وتفجر ، لغة توليد وابتكار ، لالغة المومياء المحنطة والقواميس الجامدة ، بإختصار انها لغة الحياة بكل غناها وتعقدها وتطورها اذ تبدو الحياة مرئية عبر حيوية اللغة المنبثقة) ولعل لغة محمد البدري الشفيفة استطاعت ان تتناول العديد من المضامين والمعانات التي عاشها الانسان في تلك الفترة العصيبة بتعقيداتها ومصادرتها للحريات والغائها لانسانية الانسان عبر لجم صوته وإغتيال احلامه.

*يعتقد الكثير من الادباء ان القصيدة الكردية ظلت أسيرة المباشرة والرومانسية ماذا ترون أنتم ؟
- إذا كانت المباشرة تعني مفهومية القصيدة لدى القارئ فأنا مع هذا الرأي وبالضد من التقيد المتعمد ، انا أهدف الى التأثير في المتلقي لان الشاعر لا يكتب القصيدة لنفسه وإذا ما أرادها لنفسه دون المتلقي فعليه الابتعاد عن أيصالها الى الاخرين ، وهنا لا أقصد القصيدة المليئة بالشعارات الرنانة والكلام العادي فهناك ما هو السهل الممتنع الذي لا يجيده إلا المبدعون ، ولم لا تكون القصيدة رومانسية حالمة بمستقبل أخضر للانسان وهو يخوض صراع الوجود واللاوجود في عالم يسوده القهر والاستلاب ، القصيدة الكردية بأمكانها التعامل مع الحياة والتأثير في الواقع من أجل خلق واقع آخر يخرج الانسان من آليته التي راحت الحضارة تكرسها وتدفع بالانسان نفسه الى التلاشي واللاشيئية ، القصيدة الكردية الان قد تجاوزت الكلام الموزون المقفى والحديث السهل وراحت تتغلغل في الاعماق البشرية مكهربة أياها ، مؤثرة في وعيها ، ناهضة بها الى ما يستلزمه هذا الزمن الصعب ، القصيدة الكردية عرفت كيف تستفيد من الرمز والأساطير والملاحم بهدف جعلها أدوات في خدمة قضية الانسان الكردي في محاولته اللحاق بركب الحضارة
*لقد أصدرتم عدة مجاميع شعرية ، ولكم حضور فاعل في المشهد الشعري الحديث ونقلتم تجربة الشعر الكردي الى الوطن العربي .. كيف كان صدى شعركم عراقياً وعربياً ؟
- شاركة في كثير من مهرجانات الشعر محلياً وفي الوطن العربي ، تونس سوريا، الاردن ، ونشرت العديد من قصائدي الكردية المترجمة الى العربية في مصر ، المغرب ، سوريا ، الاردن ، وفلسطين ، فوجدت صدى جيداً لشعري سواء ما سمعته من شعراء معروفين ونقاد أو فيما كتبه عني عدد كبير من الشعراء والنقاد العرب والعراقيين في الصحف والمجلات ويكفي أن أنقل لكم التقييم الذي قدمه الخبير الادبي السوري على الغلاف الاخير لمجموعتي الشعرية (شذرات متوهجة) والتي قام أتحاد الكتاب العرب في دمشق بطبعها عام 1998 فقد كتب يقول : (الديوان باقة من القصائد الشعرية الجميلة التي تضج بالحياة والشاعرية والتألق الفني ، تعبر عن الفرح والحرية والحياة والهم الانساني بصدق مدهش والقصائد في هذا الديوان مترجمة عن الادب الكردي بسلاسة وروح شعرية مرهفة ، تتمحور موضوعات القصائد حول الحنين للوطن ) .

*هنالك تجارب شعرية تشتغل على اللغة ودلالاتها أو أنها تنضوي تحت تجربة قصيدة النثر ... كيف تقيمون هذه التجربة ؟
- من حق أي شاعر أن يخوض من التجارب الشعرية ما يريد فهي محاولات للتوصل الى القناعة والرضا النفسي ، وهذه المحاولات تبقى مجرد محاولات بحثاً عن الجديد ، بحثاً عن حالة تجاوز ما هو سائد ويبقى الحكم عليها الى القارئ والناقد والزمن ، فقد أصطدمت محاولات الشعراء الرواد في الماضي (نازك ، السياب ، البياتي ، عبد الله كوران) بالقيم السائدة آنذاك ، وتعرضت الى الاستنكار والرفض بيد أن الابداع الحقيقي أستطاع إثبات وجوده وفرض نفسه على الساحة الشعرية فلا ضير من أستمرارية محاولات الشباب من الشعراء الكرد علها تستطيع الاتيان بالجديد .. وفيما يخص قصيدة النثر فأنا شخصياً لا أميل الى هذه التسمية القصيدة معروفة بايقاعها وليكن هذا الايقاع عروضياً أو مقطعياً كما هو جار في الشعر الكردي الحديث ، هذا الايقاع الذي يحدث التأثير في النفس بحيث يمكنك من نعته بالشعر عند سماعه ، فالنص الابداعي أما أن يكون شعراً وندعوه قصيدة ، أونثراً مكثفاً مركزاً ولاضير في ذلك فقصيدة النثر كما يدعونها تشبه الشعر المترجم من لغة الى أخرى ، ورغم هذا فالمرء حر في ما يختار من أسلوب للتعبير عما يريد .
*في قصائدكم صدق وجراءة وتواصل ، ما مدى انعكاس التجربة الذاتية على هذه السمات ؟
- أنا في الحقيقة لا أدعي الجراءة ولكني صادق مع نفسي أولاً قبل أن أكون مع الاخرين ولما كنت مؤمناً بضرورة أن يكون المبدع شاهد عصره فيجدر بمن يمارس عملية الابداع تحديد موقفه من متغيرات الحياة أذ لا حيات بالنسبة لمن يعيش محنة الابداع التي من شأنها تحويل حياتك الى سلسلة من المعاناة وهنا يكمن صدق الموقف ، تطابق السلوك اليومي الحياتي مع ما تكتب .
*للمرأة حضور دائم في قصائدكم ... كيف ترى المرأة من خلال نوافذكم الشعرية ؟
- من يقرأ قصائدي يجد حضور المرأة فيها بالتأكيد ، لان الحياة من دونها لا شيء ، المرأة هي الحياة ، ثق أن الشاعر ، أي شاعر حين يبدأ بكتابة قصيدة يتخيل أنه يتحدث لامرأة يحبها ، يتحدث لامرأة معينة لانها الوطن ، الملاذ ، الالهام ، وربما يصير الوطن هو الحبيبة ، يوجه نداءه الى الحبيبة ولكنه يقصد الوطن .. وكيف لا يكون للمرأة حضور لدى الشاعر وهو الذي يبقى العاشق الولهان المتعلق بالمرأة حتى لحظة موته الجسدي ؟ فالشاعر هذا الانسان المرهف الاحساس ، هذا الملاك المتأرجح بين الواقع واللاواقع ، بين العقل والجنون ، كيف يمكنه الانزواء في صومعة الوحدة بعيداً عن مصادر ألهامه المتمثلة في المرأة حتى المقاتل وهو في الصفوف الامامية حين يواجه عدوه يتذكر المرأة الحبيبة وكأنها تراقبه كيف يقاتل بزهو وأقتدار .
*ما الذي يمنح القصيدة خلودها ومجدها وحضورها وتألقها ؟
- القصيدة الخالدة هي التي تستطيع تجاوز الزمان والمكان وتعبر عن هموم الانسان وتطلعاته والامة أينما يكون ، فالهموم البشرية مشتركة ، الحب والحزن والحياة والامل ، والقصيدة التي تستطيع التعبير عن هذه الهموم والتطلعات بصدق هي التي ستبقى ... القصائد الجميلة التي حملت هموماً محلية أنسانية ترجمت الى لغات أخرى وبقيت خالدة لانها أنسانية ، هناك شعراء أشتهروا بقصيدة واحدة وهناك آخرون كتبوا مئات القصائد ، فالقصيدة الواحدة بقيت وخلدت قائلها لانها صادقة ومعبرة وآخرون طواهم النسيان لانهم لم يكونوا إلا شعراء يعيشون عوالم ضيقة وقصائدهم كلام موزون مقفى ، لماذا بقي أحمد خاني خالداً في ملحمة (مه م وزين) ونسي الذين كانوا يعاصرونه ، والسبب يكمن في شاعرية الخاني الذي وجد في قصة الحب هذه متنفساً للتعبير عما يريد قوله في الحياة والحب والفلسفة والدين ...... الخ .


*كيف تنظرون الى واقع القصيدة الكردية الان ؟
- القصيدة الكردية الحقيقية بخير ، والشباب هم أحرار في محاولاتهم سواء في كتابة ما يدعونها قصيدة النثر أو الشعر الحر أو الكلاسيكي فالجيد سيبقى والسيء يزول بالتأكيد ، والمسألة تبقى مسألة التجاوز لهذا يجدر بمن يريد التجاوز عدم رفض من سبقوه ويجد ربه العودة الى التراث الشعري الكردي للاطلاع عليه وهضمه ومحاولة تجاوزه ولكن بعيداً عن المزاعم والادعاءات انما لتقديم النتاج البديل ، بعيداً عن فبركة الجمل والهذيان وترصيف الكلمات أبتغاء التعقيد ... فالشعر يا أخي نزيف أنساني في سبيل تحقيق إنسانية الانسان وليس حبك طلاسم وحزورات وكلمات متقاطعة يضطر المرء من أجل حلها اللوذ بالمعاجم والقواميس ، الشعر هو تلك النفخة السحرية التي تحاول بلوغ الوتر الحساس في العمق الانساني من أجل التوحد معه .
*حتماً أنك تأثرت برموز الشعر الكردي ، من هم ؟ وكيف تأثرت بهم ؟
- ليس هناك من شاعر لم يتأثر بمن سبقه من شعراء كبار ، صحيح أن الشاعرية موهبة ، ولكنها في الوقت ذاته تحتاج الى الصقل والتشذيب عن طريق القراءة وحفظ الشعر لكبار الشعراء ، وبالنسبة لي بدأت كتابة القصيدة بالعربية وفق بحور الخليل ، كنت شاعر عمود وقد طبعت دواوين عدة بالعربية متأثراً بالجواهري والسياب إذ ولجت عوالم الشعر الحر ولقد حفظت الكثير في شبابي من قصائد هؤلاء الشعراء اضافة الى نزار قباني صاحب القصائد المفعمة بالحب والحياة والشفافية والسهولة الصعبة ، وفيما يخص الشعر الكردي فقد ولجت عوالم الشعراء الكرد ، خاني ، جزيري ، مولوي ، سالم ، كوردي ، ونالي ، محوي ، وآخرين ولكنني توقفت عند محطة رباعيات بابا طاهر عوريان ، هذا الشاعر الفذ الذي أستطاع السيطرة على زمناً طويلاً والذي أستطعت بالكاد الافلات منه .

*أجريت هذا اللقاء مع الشاعر عام 2002    

  

خاص "أدب فن"




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: