أدب فن: خُضيّر ميري.. الأدب هو محاولة للاحتفاظ باعتباطية اللغة خُضيّر ميري.. الأدب هو محاولة للاحتفاظ باعتباطية اللغة ================================================================================ بلال رمضان on 05/ 10/ 2009 قضي سبعة عشر سنة في المصحات النفسية ليخرج منها كاتبًا، "خُضيّر ميري" الكتابة بقوة الحياة والجنون هو الخطاب الذي يسعي إليه، صدر أله أكثر من خمسة عشر كتابًا ومازال يطمعُ بقلة الضوء حوله. حاوره في القاهرة بلال رمضان: * الكاتب بطبعهِ هو سليل الحياة الثقافية، هو علي الأغلب موظف فيها. فكيف لنزيل سابق للمصحات النفسية والعقلية أن يكون كاتبًا مهمًا واستثنائيًا إلى هذا الحد؟ ربما يكون الجواب علي أسئلة كهذه يفترض أن تدخل في حقل التبرير فلستُ مطالبًا بأن أقدم تبريرًا عن حياتي في المصحات أو تبريرًا لها خارج أعمالي، وذلك لأن المصحة كانت قدر أُجبرتُ عليه ثم اخترتهُ بعد ذلك، لم أكن أُميًا يوم دخلت المصحات فقد كنت قارئًا مبكرًا للفلسفة والأدب والمسرح وكنت أعد نفسي لكي أكون كاتبًا مختصا بالفلسفة قبل أن تطلق إلي المصحات ندائها وتصحح مسار حياتي وتفكيري. * كيف صححت المصحات مسار حياتك وتفكيرك؟ - ببساطة أنني كنت أثق بالكتب، وكنت منذ طفولتي مولعًا بقراءات الأدب العالمي وكنتُ سعيدًا بذلك، ولكن سؤ علاقتي بالعائلة ورغبتي في التمرد حال دون حصولي على الاستقرار المنطقي والمهم لكتابتي او احلامي بها، وبالتالي فإنني كنت أمارس حياتي مبكرًا بطريقة عشوائية، وكنت أحمل حقيبة مليئة بالكتب وأتردد علي البارات والمواخير (الملاهي الليلية) وكنت أنام في الشوارع العامة والحدائق، وكثيرًا ما كنت أشاغب وأسرق الكتب وأغش البارات؛ فكنت أشرب وأهرب، ولأن عائلتي معروفة اجتماعيًا فإن والدي وأخي الأكبر كانا يبذلان جهدًا للحد من حماقاتي وعودتي إلي المنزل أكثر من مرة، وهكذا جاءت حالة إصابتي بالأرق وأنا في الرابع عشر من عمري عذرًا لي بزيارة المصحة في المرة الأولي، وهكذا تم إيداعي في مصحة (ابن رشد) للأمراض النفسية بصحبة والدي، ثم صحبة أختي الكبيرة، لأكتشف حريتي هناك،وتعرفت على نوع الحرية التي ارغب فيها والتي قلت عنها ذات مرة" أخذتُ من الجنون كل ما ينقصني من الحرية"، لقد حررني المرض من المسئولية، وجعلني أعيش حياتي طولاً وعرضًا مدللاً بفكرة الجنون ومُعتاشٌ عليها، ولولا موهبتي المبكرة في القراءة والتفكير لساعدني الجنون أن اكون نسيًا منسيا. * ما هي المسئولية التي وددتَ الهروب منها؟ - لأن الجنون يؤهل المبدع لأن يتخلص من أعباء الثالوث المقيت (الأسرة - المدرسة - المجتمع) وهكذا استطعتُ أن أستبدلهما بثالوثٍ مُغري (الشارع - البارد - التشرد) فإن هذا الأخير يجعل الكاتب يقف مواجهةً مع نفسه في كل لحظة، فالمرء لا يكون موجودًا بحق إلا عندما يكون وحيدًا تمامًا كما يولد وحيدًا، ويكتب وحيدًا، ويموت وحيدًا. لقد ساعدتني المصحات علي التخلص من رهبة التفكير ومنحتني أسلوبًا جديدًا، وساعدتني على التخلص من عبادة الذات وأثمعان العلاقة مع الآخر، أو البحث عن التقييمات الأخلاقية التي هي غالبًا خيانة للرغبات الحقيقة، كنتُ علي مشارف ضياعٍ ولولا أنني كنتُ أؤمن بنفسي ككتاب لما ترددت أن أكون مجرمًا، أو قاتلاً مأجورًا. * هل يمكن لشخص بهذه الأخلاق أن يمتهن الكتابة والفلسفة ويصدر ثلاثة كتب تكاد أن تكون أكاديمية عن ( الإشكالية في السؤال الفلسفي - عن فوكو- عن نيتشه) كيف لشخصٍ مجنون أن يكتب عن خطاب عقلي فلسفي؟ - أنا لم أكتب عن الفلسفة بل فى الفلسفة، ولقد كتبتُ كتابي الأول (الإشكالية في السؤال الفلسفي) عن قيمة السؤال بوصفهِ تأجيلاً للفهم؛ لأن الفسفة مغامرة ابداعية فهي غالبا ما يساء فهمها على انها مجرد تراكم تاريخي للمعلومات المبذولة من قل فلاسفة آخرين او طريق منهجي من أجل الإجابة، لأن السؤال الفلسفي هو استبعاد الفهم باعتبار إنِّ هذا الأخير هو خيانة للسؤال أصلاً، وذلك لأن الفلسفة هى نتائج عدم تطابق العقل مع نفسه كما أن الأدب هو خيانة لنفعية اللغة فلو كان هذا العالم عقلانيًا لما احتجنا إلي الفهم لتفسيره، كما أن الأدب هو محاولة للاحتفاظ باعتباطية اللغة ونسيان نفعيتها، وبالتالي فإن أعمالي القليلة عن الفلسفة كانت تهدف إلي اختيار قيمة العقل في مواجهة لا قيمة كامنة في داخله وشاردة عنه وذلك لان العقل الانساني يزداد ظلالا كلما غلفناه بالمنطق وهو احدى وسائلنا الناقصة بالبحث عن التطابق العقلي مع الغقل جملة وتفصيلا بينما يساعد العالم على ارباك اي مسار منطقي جاد وهو بذلك لاينتظر الفلسفة المشبعة بالفلسفية التامة او العقلانية الكبرى بل هو يدلنا عبر النسيانات الصغيرة والفجوات والتتناقضات والحماقات للتخلص من ثقل الارث الشرطي للفهم الكلي وبالتالي فإن كتابتي الفلسفية هي بمثابتة مرورنحو مرحلة لاحقة لامتحاني سؤال الجنون وهو السؤال الذي لخصهُ الفيلسوف "مارتن هيدجرا" القائل : لماذا ثمة وجود وليس ثمة عدم؟ وكان هذا السؤال يعنى عندي : لماذا ثمة عقل وليس ثمة جنون؟ وكيف يتسنى للكاتب أن يفقه بعقله الصغير العابر والمهدد بالعدم في كل لحظة الوجود اللامحدود المعلق من لاجهويته الغامضة مع أن اللامعقول في العالم أكبر، من هنا ذَهبتُ إلي المصحات بعد خروجي من الاعتقال احتياطيًا لكي أقيم في عالم لا يتطلب مني الفهم ولا العقل ولا الإجابة. * تنكرتَ من كتابك الأول. لماذا؟. - لقد كتبتُ كتابي الأول وأنا دون العشرين من عمري، ولقد تنكرتُ له بعد العشرين بأربع سنوات؛ وذلك لأنني وجدته كتابًا منطقيًا جدًا وملئ بالإتكالية المعلوماتية وفيه نمط فلسفي ونسقي بما لا يمنحهُ حياة كافية، وهكذا علمتُ أنَّ هذا الكتاب لا يمثلني، لأكشف أنَّ الصحافة العراقية تهتم بهذا الموضوع، لأنه ليس له سابقة ربما او لانها كانت فرصة لهم للنيل مني وهي اسباب يطول شرحها، ولعل من الثابت في ان الكتاب في ثقافات الأمم غير معتادين علي مغالطة كتبهم أو التبرؤ منها أو الاعتراض عليها كما يعترض صديق علي صديقهُ أو العبد علي سيدهِ أو الزوجة علي زوجها. * قُلتَ في حديثٍ : إنَّ المعلوماتية الآلية هي أميةٌ متطورة. هل ثمة توضيح؟ - إنَّ الاعتماد المطلق علي الأخر والذوبان في محيط الكتب والمعلومات إنما هو تعطيلٌ للذكاء، وذلك لأن الكاتب يفترض به أن يتفقد ذاتهِ في كل حين، وأن يخون مرجعياتهِ، وأنَّ يطور أدواتهُ الذاتية، وهو الجانب السلبي في التجربة الصحيحة، ولا أفهم من جعل الكاتب مسئولاً عن كل ما كُتبَ قبلهُ أو كُتبَ بصفةٍ عامة، إنَّ الممارسة الكتابية هي نوع من الحرية، والحرية تتطلب الرفض والقطيعة والتحرر من ما هو ماضوي، ولقد جرت معركة طويلة الأمد بين التراث والمعاصرة، وكأن ثمة كتابة قديمة وكتابة حديثة بينما في واقع الحال ثمة قراءة حديثة فحسب والقراءة الحديثة لا تعرف الفرق بين التراث والمعاصرة، إنما الكتابة هي من تطلب ذلك، القراءة هي قراءة لكل شيء،ولكن روح العصر تتطلب أن تكون الكتابة معاصرة، والموضوع هو آليات التعبير وليس ثمة جديدة في هموم الإنسان بالأمس أو اليوم.