مقابلة ما بين كاتلين راين وأوليف جيرمان توماس*
حسين عجة
ترجمة : حسين عجة
كاتلين راين : عندما كنت طفلة، ككل الأطفال، كتبتُ أشعاراً كانت والدتي قد أملتها عليَّ كلمة بعد أخرى. لم تكن أشعاري، بل أشعارها. لقد عكست نفسها عبر طفلتها الغالية. ولكونها
اسكتلندية، فقد ورثت العديد من الأغنيات الشعبية التي كانت تعرفها شفهياً، كذلك كانت تردد عن ظهر قلب أشعار "ميلتون"، والرومانسيين خاصة "شلي". كانت تلك طريقتها في الوجود، حساسية خاصة بها، ولغة طبيعية... عنها ورثت هذا الموقف الشعري من العالم.
أوليفيه جيرمان توماس : هل كنت تعتبرين أنه ينبغي عليك التعبير عن العالم الداخلي لأمك؟
كاتلين راين : في البدء، ظننت بأني المبدعة الوحيدة لكتاباتي، ولم أكن أعرف بأن أمي كانت مصدر إلهامي... لقد صنعت مني شاعرة. فمثل جميع الأطفال، كنت أحب الشعراء الرومانسيين، بيد أني لم أكن أفضل أحدهم على الآخر -فقط منْ هم غير شعراء يمتلكون مثل ذلك التفضيل-، فأنا أحب وأقرأ كل الأشعار.
أوليفيه جيرمان توماس : لم تكن هناك أية "صدمة" في حياتك قد حددت توجهك؟
كاتلين راين : أن الأغاني الاسكتلندية التي كانت أمي تغنيها، وكذلك أخواتها وجدتي هي بمثابة تجربة كاملة في الموسيقى والشعر، جعلتني اهتز وأنا طفلة. آنذاك، قمت بكتابة
بعض الأغاني الشعبية، والسونتات. أما والدي، فقد علمني الشعر الكلاسيكي ضمن جميع أشكاله. غير أني أحبذ العفوية. فكما هو الأمر في الموسيقى، تسبق البنية الشعرية المفردات،
الكلمات الحية...
أوليفيه توماس : إيقاع، ثم تأتي الكلمة لكي تعبر عن ذلك الإيقاع، تحتل الموسيقى مكانة في أشعارك.
كاتلين راين : نعم، أنا أصغي لنوع من الموسيقى يتناظر مع لون من ألوان العاطفة. أنطلق عادة من تأملات داخلية تستند على الطبيعة. وفيها أكتشف لغة مقدسة. فشعري هو شعر
الزهور، الرياح، وعناصر الطبيعة. فأنا لست بالشاعرة المناقبية، لأن المناقبية تأتي بالدرجة الثانية، وأنا مدانة بها لوالدي الذي كان أستاذاً للأدب الانجليزي. لقد حصل على
شهادة الدكتوراه بعمله على "وردزورث" ويعبد شكسبير. كان يصطحبنا للمسرح. وفي لندن شاهدنا سوية كل التراجديات الإغريقية.
عكست أشعاري الأولى جهل فتاة جاهلة. ففي حينها لم أكن أفهم اتساع المعرفة التي تشكل عمق أي شعر. لكني اكتشفت، شيئاً فشيئاً، بأن الشعر ليس مجرد "تعبير عن
الذات"؛ لذا قمت بتوسيع معرفتي، قمت بقراءة كل ما كتبه "بليك". وكذلك جميع الكتب التي كان "بليك" قد قرأها. فهو قد قرأ الكتب التي كان البرنامج الجماعي يستثنيها :
الأفلاطونيين المحدثين، الخيمائيون، وجماعة "زهرة الصليب" الذين كانوا، بالرغم من عدم تدينهم، يتمتعون بثراء روحي تجهله انكلترا.
أوليفه توماس : كنت قد تأثرت بالكتاب الإغريق.
كاتلين راين : لم أكن أعبد الآلهة الكاثوليكية مثل عبادتي للآلهة الإغريقية. نعم، عندما كنت طفلة كانوا يرافقوني. لقد مررت من حبي للمثولوجيا إلى حبي لأفلاطو والأفلاطونيين المحدثين. فالأفلاطونية، وليس المسيحية الإرثذدوكسية، كانت الديانة السرية لجميع الشعراء الانجليز، العمق الحقيقي، جذور كل الشعر الأوروبي. لقد تمّ، لسوء الحظ، كسر هذا التواصل عن طريق الأديان، فالكنيسة تفضل أرسطو على أفلاطون. ومع ذلك، يظل أفلاطون معلم الشعر.
أوليفيه توماس : لماذا فضلت كتابة سيرتك الذاتية؟
كاتلين راين : شعرت بحاجة لفهم نفسي، ولفهم حياتي التي كانت قد تحطمت... ولكي أخرج من الالتباس، ومن ثم أمنح نفسي لسيرة ذاتية داخلية.
أوليفيه توماس : عالمك الداخلي : علاقتك بالطبيعة، بالصوفية، شعورك بالعزلة بالحب والصمت، كل هذا تُعبر عنه أشعارك أفضل من سيرتك الذاتية.
كاتلين راين : كنت أبحث عن أخطائي وهويتي، وكانت لدي رغبة في معرفة الخيط الحقيقي لحياتي. يمكن للسير الذاتية أن تعيننا على عيش الحياة الذاتية والعامة، فيما
يمنحنا الشعر بعداً آخر.
أوليفيه توماس : لقد ولدَ نزوعك الشعري، كما تقولين أنت، التعاسة لمنْ هم حولك.
كاتلين راين : الآن وأنا امرأة عجوز، أدرك بأن الحياة التي مارستها كانت قد سببت ألماً لوالدي، لأزواجي، لأطفالي ولأحفادي. لكني اقتفيت درب مصيري.
أوليفيه توماس : كنتِ مدفوعة بقوة تتجاوز أي عقل، أي حكم أخلاقي أو اجتماعي، ولم تكفي عن الانحدار نحو العزلة.
كاتلين راين : أنها قائمة دائماً في الشعر. فالشعر الذي هو لغة الروح والمخيلة يتكلم عن عزلة الشاعر إلى عزلة القارىء. ثمة شخصان فيَّ. الشاعر الموجود في العزلة وكائن آخر. كان لا بد لي من العثور على هذا الآخر، الفرد الذي يضاعف الأخطاء ويتحمل ثقل هذه الحياة الصعبة...
أوليفيه توماس : في جامعة كامبردج، حيث قمت بدراستك، كنت تواجهين الأيديولوجيات المادية، وقد بحثتِ عن سبل لتجاوزها...
كاتلين راين : تبدأ حياتي برؤية عابرة عن الفردوس وتتواصل في كامبردج عبر مدرسة الأيديولوجيات العلمية... وهكذا تعرفت على ترجمتين للكون.
أوليفيه توماس : أنت لا ترفضين كشوفات العلم والفيزياء الحديثة، لكنك تقاومين الوضعانية والإدعاء العلماني.
كاتلين راين : كنت أرغب في أن أكون عالمة نباتات. أحب إلى ما لا نهاية الأشكال الجميلة للطبيعة وبنية الكون. بيد أن العلم، والوصف الفيزيائي يبدوان لي محدودين، فالذهن المختزل
إلى حدود "الكومبيوتر" ينفي أي أحساس بالمقدس، وبالعالم الداخلي... ذلك لأن الوضعانية والإدعاء العلمي يلغيان إنسانية الفرد، يحولانه إلى ماكنة. كنت أبحث عن علاقة أخرى ما بين
الإنسان والكون. ومن ثم فقد وجهت نفسي نحو بحث داخلي لا ديني، فأنا لا أومن بلغة العقائد، ولكن بكشف الإنسانية.
أوليفيه توماس : في كامبردج، وفي وسط الأديولوجيا الوضعانية، لم تكنِ الوحيدة التي عاشت حدس كهذا، بيد أن القيم التي كنتِ تدافعين عنها لم تحظ على الاعتراف. لكنك، في النهاية، أي في لحظة الحرب، التقيت بفرجل.
كاتلين راين : وليم بليك. بفضله كنت على معرفة بما كانت تقصيه الأفكار السائدة في تلك اللحظة، التقاليد الهندية، المتصوفة الإسلاميين والأفلاطونيين المحدثين. بدءً من لحظة بعينها، تلتقي كل الأشياء. ففي ندوة "كوردو" جرى الحديث عن توجه جميع النقاط العلمية، الفلسفية والشعرية نحو بؤرة واحدة. أن طقس العالم يتغير.
أوليفيه توماس : لماذا تمّ اختيارك للشعر بغية التعبير عن هذا العالم العسير على الإدراك، العالم المتخيل الذي تتجه نحوه جميع التقاليد؟
كاتلين راين : لقد اختارني الشعر. فحتى قبل معرفتي "لوحدة الفكر"، كنت أكتب الشعر. فإذا لم يعبر الشعر لا عن الروح ولا عن العقل الإنساني، لا قيمة له.
أوليفيه توماس : كما فعلت في ديوانك : "على ساحل الصحراء"...
كاتلين راين : يعبر هذا الشعر عن تجربة موت أحد الأصدقاء، فهو رؤية عن الموت والحب، الحدود الغائمة ما بين الفناء والخلود. أنه واحد من تلك الأشعار النادرة التي أنا واثقة من قيمتها. أنه ما زال مجهولاً في انكلترا التي لا تحب الكلام عن الموت، بل وحتى تحرمه.
أوليفيه توماس : والحب؟ الحب باعتباره إمكانية لبلوغ الوحدة؟
كاتلين راين : الحب هو جوهر كل تفكير. فبدون الحب، ليس هناك من دافع، لا شعر ولا فلسفة. ولن يكون ثمة من فن. في البدء، كان الحب إيروسي وإنساني، أما اليوم فأنا أعرف أنه لم يعد محدوداً، حب للمطلق.
أوليفيه توماس : في "داخل شدق الأسد"، الجانب الثالث من "أناك"، بعد "وداعاً أيتها الحقول السعيدة" و"المملكة المجهولة"، كنت قد قررت عيش تلك المغامرة الغريبة مع "كافن".
كاتلين راين : لقد حاولت تحرير نفسي من أحداث لا تُغتفر، وذلك بضمها إلى عالم أوسع من تلك "الأنا" المؤلمة.
أوليفيه توماس : لقد ولدت بينك وبين "كافن" عاطفة من القوة والعنف الخارقين حد تخطيكما والإفلات عن أي تفسير.
كاتلين راين : أنا شاعرة وللشعراء ميل لعيش حياتهم بذات الطريقة التي يكتبون بها أشعارهم. في "المتخيل" حاول العديد من الشعراء (شيلي من بين آخرين) قيادة حياتهم وكأنها شعر. كان "كافن" شخص مثلي، لذا لم تطرح لا مسألة العيش في بيت واحد معه، ولا الزواج منه. لقد كنت أفكر بأن الحياة ما بين امرأة شاعرة ورجل ممكنة...
أوليفيه توماس : لقد اصطدمتِ بالواقع اليومي؟
كاتلين راين : بالنسبة لي، الواقع الشعري وحده ما يحسب له حساب. ألا تغرق فيه أحداث الماضي؟ فبعد موت "كافن"، لم يبق لي سوى الألم والشعر، شعر علاقتنا السابقة والشعر الذي أكتبه. فالشعراء والفنانون يدفعون الثمن غالياً دائماً، ليس مباشرة، لكن ما أن يصبح من المستحيل عليهم تغيير الاتجاه. حينئذ، يذهبون إلى نهاية الشوط دون ندم.
أوليفيه توماس : منذ البدء، كنت تعرفين بأن حياتك مع ذلك الرجل ستكون كحياة دانتي مع بياترس...
كاتلين راين : كانت علاقة مع الشعر، حب على الطريقة الشعرية... اغتصاب مرعب، عطية حبية عظيمة وحمل ثقيل جداً على التحمل.
أوليفيه توماس : حتى النهاية، لكن منذ موته خاصة، وأنت تتساءلين عن طبيعة الحب.
كاتلين راين : كان يحب الشعر. وعبري كان يحب الشعر، وليس المرأة.
أوليفيه توماس : هل أنت متيقنة من ذلك؟
كاتلين راين : تقريباً. كان يقود حياة شاعرية لرحالة يكتفي بالكتابة عن المناظر والحيوانات. في البداية، كنت أشكل في نظره ألاهة، وفي النهاية كان ينظر لي وكأني ساحرة. لقد لعبنا
لعبة مُرعبة، انتهى هو فيها بالموت، فيما أواصل أنا الحياة بغية الفهم.
أوليفيه توماس : كان ثمة من زمن بينكما، عبر الطبيعة والعالم الخارجي، اتحاد وقطيعة. كنت قد سمعتي بزواجه وخداعه... لقد جعل محيطك يظن وقام بكتابة كتاب يقول فيه بأنك
كنت بالنسبة له ساحرة ألقت به في مصير ما... هل كان حقاً يصدق ذلك؟
كاتلين راين : كان يعتقد به. لكن ما هي الحقيقة؟ الشيء الوحيد الحقيقي هو ذلك الحب المُضيّعِ، الذي تم تحطيمه...
أوليفيه توماس : مع رفض الغفران، تقولين، يختفي كذلك الحب.
كاتلين راين : لدي نوع من الغرور يتمثل دائماً برغبة العطاء إلى منْ هو أضعف مني. فأنا لا أتحمل فكرة عدم تمكني من النهوض بالمهمة أو أن ثمة عيب كان يشوب فعلي.
ذلك ما فهمته في وقت متأخر. ولم يبق لي سوى أن أكون شاهدة.
أوليفيه توماس : كان "الياس كانيتي" شهداً على اتحادك الصوفي المغرور "بكافن"...
كاتلين راين : كان مفتوناً بتلك العلاقة المتفردة.
أوليفيه توماس : هل كان مستشاراً جيداً؟
كاتلين راين : لم يكن لدى "كانيتي" ما يقدمه لؤلئك الذين ينتظرون منه إجابات بسيطة، لأنه معلم لهؤلاء الذين يبحثون عن إجابات مركبة ومعقدة.
أوليفيه توماس : هل كنت ساحرة، هل فكرت بذلك في يوم ما...
كاتلين راين : كنت ضائعة، كدانتي، في غابة ضبابية. فحتى الحركات النسائية كانت تدينني. لقد وفرت لي تلك السيرة الذاتية الخروج من هذه الغابة.
أوليفيه توماس : حطامات، تعاسات، وموت.
كاتلين راين : كل شيء يمر عبر الموت. كانت النهاية مفزعة. لقد مات "كافن" في العتمة. آمل أن يكون قد غفر لي.
أوليفيه توماس : "هل كان بمقدوري حقاً رمي مصير ما"، تقولين أيضاً.
كاتلين راين : ما كان السؤال ليطرح لو كنت مادية أو وضعانية لكن... بالنسبة لي المصائر، الصلاوات وكل أشكال الفكر قائمة.
أوليفه توماس : ... ولها تأثير في العالم.
كاتلين راين : أنها قائمة في ما هو ذهني ولها نتائجها. كنت أحب "كافن"، وأتمنى له كل ما هو خير في العالم، ولأني لم أكن أنتظر منه أي شيء على الصعيد الجسدي، كنت راغبة في القيام بأي شيء من أجله، فهمه، غفران أفعاله، ومع ذلك، كنت أنا منْ يحصل أنانياً على كل الأشياء، إذ كنت أنا الإلهة والساحرة.
*تمت الترجمة عن كتاب "مغامري العقل" لأوليفيه جرمان توماس، منشورات
"مانيفيكتر".


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك