أدب فن: حوار مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي 2 حوار مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي 2 ================================================================================ بريهان قمق on May 13, 2008     حاورته: بريهان قمق     (تملؤني الغبطة وأنا التقيك اللحظة على كتف غيمات كونية نعلو كل الصخب والضجيج، نعتلي هدأة الذاكرة في استعادة قوس بمنبته ومراحله ان أذنت لي بفتح نافذة قلبك..!؟؟)،     * اللوحة تعبر عن ثقافة وذاكرة الفنان، قد قلتها انت ذات مرة، وهنا استحضر رؤيتك و الانثى، وتحديدا: الريفية. هذه الحاضرة بقوة في امتدادات ودلالات الرؤية البصرية لديك وفي لوحاتك التشكيلية الجميلة الرائعة.. فكيف تكرس هذا الحضور حتى بات علامة في انتاجك الابداعي.؟ المرأة الحاضرة في ذهنك تدفعني لسؤال..أترى لمن خفق القلب أول مرة.؟؟ وكيف.؟؟؟  - دعيني فقط أبدأ هكذا: من عودتي مع رفاقي في المدرسة والزقاق. كل واحد يروح الى الدار مساءً، متباطئين متعبين، فنبدو بوجوهنا الريفية المدورة، كورقة خريفية صفراء تهتز قاماتنا النحيفة من الإرهاق. ها أنذا اجتاز عتبة باب دارنا القديمة، فتستقبلني(الملاية جاسمية الزبيدية) ابنة عمتي ( مكية) وهي تناكدني وتصفني بالعاشق العذري الذي ليس له شبيه في العشق بين الناس. فأجيبها: (جدي مثلَ من أحببتُهُ تجدي مثلي..)  وكانت تردد بيتا من شعرها كلما تراني مقبلا عليها: ( شوكة ما يرى الحب صبح عاريّه، عليج ادموع شوكة دم يصبحيّه. و( صبيحة) : كانت جارتنا.. ذات عينين نجلاويتين، وجدائل خمرية طويلة، وقد أحببتها صبية باهية الجمال، ( تهيل وتميل وتترك القلب خاشعا وذليلا). فرسمت لها الكثير من (الإسكيجات) الملونة باقلام الشمع والباستيل لجدائلها المنغمسة بالحناء، وأنجزت تخطيطات متعددة ( لگْـصايـبَها ) المنسدلة على الكتفين في عدة لوحات، وكتبت، تحت آخر لوحة رسمتها لها بعد انقضاء (حول) كامل على انخطاف قلبي بحبها وهجا من الشعر العراقي الشعبي. و بقيت أتلوى عندما تم تعيينها باحثة اجتماعية في البصرة. وكنت أمام الأسئلة الكثيرة:( وين رايح. جاي. وين جنت ؟ جنت بالبصرة. وين رايح؟ رايح للعمارة) : (أمْشي وَگولْ وْصَلِتْ / والگـنْـطَرَة بْـعيدَة/ نَـگـضْـني مَشيِّ الدربْ / والشوگ هَـزْ الگلبْ / والگـنْـطَرَة بْـعيدَة.). كانت (معزوزة عيني وتنينة الروح) تدوخ وتصاب بالشقيقة من (جلة الشتاء) الجاف، وتأتي مبكرة (لشوفتي) ووجهها متورد من البرد وعيناها العسليتان تدمعان من (گرصة البرد). وكأن محبوبتي (صبيحة) (التي أصبحت زوجتي) تردد شعرا لزامل فتاح :   (لا لا يَا بَرْدْ الصبحْ/ ماتِحْمِلْ چْفوفي / زْغيرَة وچِـواني العِشِگْ/ وَتْـوَسَدْ زْلوفي. هيمَة وْجحيلْ الوَكِتْ / ومـا لَمْني نَـفْـنوفي./ أمْشي وَگولْ وْصَلِتْ والگـنْـطَرَة بْـعيدَة) (حَلمانَـه بَردْ الصبحْ/ رَجَّـفْ خَلاخيلي/ يـادِفـو چَـمْلْ الدِفـو/ يـاگمرْ ضَـويـلـي يـاذَهَبْ خيطْ الشمسْ / طوگـيـنْ سَوّيلي / لايِگْلي طـوگْ الذَهَبْ / والدَغشْ ماريدَه / (خِذْني عْلَى جَـفّـك سِـمْسِمَه / مـاهـي ثِـجـيـلَـه يَاسِـمَه/ ذِبْـنـي بْـحَـلاتي مْـديـرِمَه / يَـمْ شـوگي وَأنـسَى الـغيـبَه). أمْشي وَگولْ وْصَلِتْ / والگـنْـطَرَة بْـعيدَة.   كنت أستمع بكل جوارحي إلى صوتها المؤثر الحنون الذي كان يسحب عيون النسوة المحيطات بها إلى دمع هتون. وكانت تشدو بأشعارها الدينية، فتفيض عيونهن حزنا سكوبا، كانت تقرأ يوميات سوامق (معركة الطف)، عشرة أيام متواصلة بصوتها الدافئ، المستعطر أنفاس الآتيات لسماعها من نساء محلة (الجديدة) اللاتي يستعرن حماسة ويرددن بعدها شعراً شجياً اصطفته تعبيراً لأجمل ذكرى مقدسة، فتتولاّهنّ لحظات الوجد وتتفجر عيونهنّ دموعاً حارة، فتمطر من شعرها (نخلة البرحي) رطباً شهياً. وكانت ترى أن الشعر حالة تجليات إبداعية لمواقف تتيح انطلاق روح الشاعر. وفي دائرة الضوء الأزرق، تلك كتبت أجمل قصائدها عن ملحمة الحسين شعرا وهي تعيش وتتنفس بوحي من رموز الشهادة، ( أليست هي التي رأتني في المنام وقالت: هذا ابن خالي.. فقيل لها: (هذا يوسف).. وبسم (يوسف) أدخل بيتنا كل مساء وأقول: (حضر يوسف فلتنهض جميلات المنزل). ولم أسمع جواباً. فلا أنا يوسف ولاهن صاحبات زوجة العزيز الجميلات. وكانت لبنت عمتي تلك، صديقة شاعرة من قبيلتنا تدعى“ عنود الشحمانية ” ولدت في العمارة وترعرعت بالبصرة، وصفها خالي الملا فاضل : “بأنها من أشعر ما عرف من قارئات عاشوراء وأفصحهن كلاماً”. لأننا عرفناها كلما ازددنا قرباً لاكتناه هوى التغني في لغة شعرها، وكلما ازدانت معرفتنا بمفردات لغتها التعبيرية وبآفاق رؤيتها الشعرية، وبجمال وثراء رموزها الانسانية. كشاعرة أدمت القلب تفجعاً وعشقاً.. وقد ولهت بابن عم لها لم يوافق أبوها على تزويجها له كزوجة ثانية. فصبرت على ما آلت إليه محبتها. ومرضت، وانكسر قلبها وازداد سقامها . كانت قد  استشهدت بأبيات الشاعرة (فضل): ( لأكتمن الذي في القلب من غصص / حتى أموت ولم يشعر بي الناسُ / ولا يقال شكا من كان يعشقه / إن الشكاة لمن تهوى هي الياس. )  كانت الشاعرة ( فضل) قد نشأت بالبصرة، وعشقت الشاعر سعيد بن حميد من نهروان، فتجلت قائلة: الصبر ينقص والسقام يزيد / والدار دانية وأنت بعيد أشكوك أم أشكو إليك فإنه/ لا يستطيع سواهما المجهود وأفصحت بعد أن تكسر قلبها هجرا: يا من أطلتُ تفرسي/ في وجهه وتنفسي/ أفديك من متدلل / يزهو بقتل الأنفس “ فضل” شاعرة يحتويها بهاء وكبرياء الشعر، وفصاحة القول. وكان “المتوكل” يتحداها في سرعة إجازة البيت، ومن ذلك قوله:  تعلمت أسباب الرضا خوف عتبها / وعلمها حبي لها كيف تغضب فترد من فورها:  تصد وأدنو بالمودة جاهداً / وتبعد عني بالوصال وأقرب ولكن الصحيح أيضا ان عنود الشحمانية، لم ترغم على الزواج مكرهة كما جرى مع الشاعرة ليلى الأخيلية، وفتاها “توبة” الذي رفض أبوها تزويجها له، و قتل، فبقيت وفية له في شعرها، ترثيه: لنعم الفتى ياتوب كنت اذا التقت / صدور الاعالي وامتثال الاسافل لعمري لأنت المرء أبكي لفقده /  ويكثر تنهيدي له لا اوائل الا ان اجمل ماقاله توبة في ليلى: ولو أن ليلى الأخيلية سلمت / عليّ ودوني جندل وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا /  اليها صدى من جانب القبر صائح. كانت شاعرة أخرى رهينة القيد، ترتجز الأبيات. و“لما دخل عليها “بكرالناطفي” وهي أسيرته، وجدها دامعة العينين فقال: بكت عنان فجرى دمعها / كالدر إذ ينسل من خيطه فأجابته: فليت من يضربها ظالماً / تجف كفاه على سوطه فسألها أن تجيز له بيتآً تحيّر به، فأنشده:  فما زال يشكو الحب حتى حسبته / تنفس من أحشائه وتكلما فأطرقت قليلاً وقالت: يبكي فأبكي رحمة لبكائه / إذا ما بكى دمعاً بكيتُ له دماً” واستحث الخليفة هارون الرشيد السمار ليصوغوا له شيئاً يضاهي قول “جرير”: إن الذين غدوا بلُبّك غادروا / وشلاً بعينك لا يزال معينا وفازت “عنان” بذلك وهي تشدو: هيجت بالقول الذي قد قلته / داء بقلبي لا يزال كمينا / قد أينعت ثمراته في حينها / وسقين من ماء الهوى فروينا / كذب الذين تقوّلوا يا سيدي / إن القلوب إذا هوين هوينا.  وماتت رهينة القيد “عنان” سنة 622 هجري. وبالتالي ألا تثير تلك المختارات الرائعة من عيون الشعر ورموزه، في القاص او الروائي أو الرسام مثلي حافزا لعمل درامي أو سردا قصصيا أو مشروعا روائيا، او لوحة. كما تثير لدى الفنان مثل حالي، كوامنه ليتجلى في انتاجه وابداعه. وهذا ما برعت في الاستشهاد به الكاتبة. الباحثة. د. فوزية السندي التي أتابع ماتنشره من روائع الموروث العربي الاسلامي ومن خواطر ونقد ومتابعات في مقالاتها التي نشرتها في ثقافية جريدة الخليج الغراء وبخاصة، في مجمل ما أفرزته ذائقتها الرفيعة من مختارات الشعر وتيجانه التي تزينت به شاعرات تميزن بمقامهن الرفيع وخصوصيتهن في مرابع وعيون الشعر العربي.       *- اذن التراث تغلغل لحظتك، فكان حقلا خصبا للمبدع فيك في اتساع مساحات الخيال ليمسك بمفاتيح واقع ابداعي.. وها انت تتبع كتابات تروح للمراة في التراث..ولكن يبدو ان الجهدا كان هائلا على المبدع وقد غيب التراث قاصدا او بسبب ذكورة المجتمع كامل حضور الانثى، وبالتالي ما وصل المبدع كان دوما منقوصا وبالتالي ثمة منطقة فراغ.. فكيف استدعيتها من التاريخ لتطل على الحاضر وهذا ياخذني الى المحبة ومشاعر الحب التي لا يمكن الا وان تكون الوصفة السحرية في جينات المبدع، أترى هل الحب في حياتك سر مخبوء شهقته .. اترى أكان بكاء ام ضحكة كبيرة في الذاكرة وفي الحاضر ؟؟؟     - لو قيل عن حب العباس بن الأحنف وفوز أو (كثير) ومحبوبته (عزة ) أو عن حب جميل وبثينة أو قيس وليلى، انه حب يخفي سرا مكتوما مخبوءا. لقيل عن حب شوكت وصبيحة ( أجنحة وجذور) (روح وجسد). كان (الحب في حياتي حتى الآن، بكل تفاصيله وتنوعه ومعانيه ورموزه وغائيته وتداعياته وتضحياته وضحاياه..) هو ما اشتمل عليه سؤالك الأروع والأحلى والأجمل والأبهى والأشمل: (أهو بكاء ام ضحكة كبيرة في الذاكرة وفي الحاضر ؟..) ويظل الجواب عصيا على مثلي من الذين يرفضون الأثمان فيخسرون الرهان في كل الأزمنة والأمكنة. وهذا هو لب النواة التي ارتجفت حوله بشهقتي الأولى. ولما أكن بعد تعرفت الحلم، صبيا غضا لم افطن لنضوج ثمرتي الا حينما سقطت من غصني على تربة الحياة، فاحتوتني الطبيعة الأم بجسدها الكوني العظيم ( فكنت أنا اياها).  كانت(روحي) تسحبني للتحدث عن صفحات أمست محفورة في قعر الذاكرة من معاناتنا الذاتية ونحن في منعرج الدرب الموحل الذي نسعى أن نرى نهايته سعيدة. وهناك معنى محمل بالرموز والألغاز لذلك الاستذكار ولذلك المفهوم الآخر: (أهو بكاء ام ضحكة كبيرة في الذاكرة وفي الحاضر ؟..). أنجزت بقلم الرصاص تخطيطاً لنسخة جبسية من تمثال (رامي القرص) والتفت بحذر، فرأيت باقة من جميلات معهد الفنون. وابتسمت في اللحظة التي ضجت فيها صالة المعرض بالفتيات والفتيان دون العشرين، تغمرهم نشوة وأحلام تتفجر بقوة المستقبل.. ومن بين عشر شابات نضرات أدهشني جمال أطولهن قامة وكأنها نخلة رشيقة ممتلئة بالحيوية، وتفيض رقة مشبوبة. وكانت مهضومة الحشا فأخذت معها قطعة من كبدي.. وفي غضون عشر دقائق حملت لوحاتي الزيتية الصغيرة وبعض التخطيطات بقلم الرصاص والفحم وبمواد أخرى. ترجلت من صهوة التأمل لحظة أن رأيت (النخلة العراقية): وبعد أن توطدت علاقة الزمالة وانفتحنا على بعضنا البعض، أقنعت (النخلة الطويلة) ذات يوم برسم بورتريه في مرسمي الصغير من مكان سكني. وكان مشتملاً منهدا في زقاق يقع بين "الكرادة داخل والكرادة خارج" في منطقة ( البوليس خانة). فشعرت آنذاك بزهوٍ وخيلاء.عندما جلست أمامي لرسمها.. وبدأت فرائصي ترتجف، انخطفت من جسدي وجرّتني عربة التأمل، وغصت في بئره أمام مسند الرسم، أحدق في قماشة اللوحة البيضاء، أذرّي نشوتي على ألوانها. و سرح خاطري في ملامح وجهها و لون عينيها، معشوقتي التي لا قلب يسع التفكير بها إلاّ قلبي وحده. ولكنني اكتشفت بعد عامين من الغفلة، بأنني كنت في نظرها زميلا لا حبيباً، لأنها كانت تحب صديقا لنا في فرع الموسيقى لا يعيرها اهتماماً.. وصحوت من الوهم المضلل بعد أن دبجت ديواناً من الشعر المحموم بالحب العذري، أنقب فيه عن الجوى والهوى اللاهب لمشاعري الريفية الطيبة جداً، وقد استنسخته بخط يدها. صحوت بتأثير عميق من زملائي المقربين وبخاصة ماهود أحمد، الذي كان يستهزئ من هيامي الساذج ويذكرني بأسطورة (جلجامش) وما قالته (صاحبة الحانة) في معنى الخلود؛ (الخلود أن تأكل وتشرب وتنام في أحضاني.. ) ولكن.. يا لحزني ونواياي الطيبة.. أفكر بمن لا تحبني الآن، وأنسى أميرتي التي كانت تأتي مع الريح إلى الأهوار. ها أنذا أسمع صوت الريح دون بكاء أميرتي.. هاأنذا أتذكر بكل محبّة نقية أميرة الهور التي كنت أبصرها دائماً مبتسمة تيّاهة، يزدهيها جمالها وفتنتها.. وفي ملامحها انتشاء طفولة، وفي عينيها أحزان القصب الذاوي. تتمايل أعناق البردي وتيجان أعواد القصب، بفعل هبوب الريح التي تداعب خصلات شعرها الأسود الفاحم، ويتناهى إلينا نقيق الضفادع التي طالما كانت وسيطاً عزيزاً بيننا. كل صباح تطل علينا كأنها سنا الفجر، تدفع بمشحوفها متوجهة إلى الطاحونة.. وكانت حقاً من أرق شابات الحي جمالاً.. كانت تعلو عينيها الصافيتين مهابة فاتنة. وكان (أهل السلف) ينادونها بأم العيون (الزرق).. ولعيني أمها بريق أشد في زرقته وصفائه. ولبياض وجهها لوم الملح وفيه سحر لا يوصف.. ألتقي بها كل مساء لأتسلم منها طعام العشاء.. فقد كانت تخبز لنا تارة (سياح) وأخرى (طابك) مع السمك وثالثة (رصاع) مع طيور الخضيري..  وكانت تحمل حساسيّة الإنسان الذي طحنته تجارب الحياة.. كنت أدعوها (معلمة) وكم أعجبها هذا الوصف.. كانت تجربتها وحكمتها في الحياة اليومية، جعلت منها قارئة الفنجان الأولى، وضاربة للودع لا تدانيها امرأة في فراستها وفطنتها. رسمتها عدة مرات.. ورسمت معها مسطح ماء الهور وأعواد القصب وتيجانه.. وماكينة الطحين والمقهى وأنواع الزوارق: ( المخيط، المشحوف، ألطرادة، الدانك، البلم..) كانت المنطقة منقوعة بمياه الأهوار منذ آلاف السنين.. وكانت هذه الأرض التي نطأها الآن مغمورة بالغرين والأملاح وعلى مسافة قريبة منها كانت (أور) عامرة في عرس الحضارة. وعلى امتداد أهوار العمارة والناصرية المتداخلة تنتشر عرائش القصب (البردي والجولان) وتكثر فيها طيور (الحذاف) والخضيري والصيادين والفلاحين والقنّاصين من أصحاب (الدوشات) المنغرزة في حافات الأهوار.. ان رسامي مشاهد الطبيعة وهي في حالات مختلفة من النهار، أن أولئك العاشقين المنغمرين بالألوان المشمسة، يبحثون دائماً عن التوازن والانسجام، وهم يضغطون كل سنوات تجاربهم في لحظة إبداع مصعّدة بقوى الحياة المبتغاة وبعنفوان العاطفة واختلاجاتها المتقدة أبداً. وحينما أستنهض مثل هذه الأحلام من حدسها الأول وأمنح أرضها من حنين الروح البديل في فجر الطفولة، فلأنني أشعر بأن أحلام الشباب قد اختفت وراء حجاب كثيف من ركام السنوات العجاف، فانكفأت على نفسي، إلى حيث الصدعة الأولى تغشّيني طفولتي الساحرة. وهذه في الأقل الحقيقة المبتغاة، إلاّ في ذات فترة من سنوات الشباب الملونة بالأفكار والحالات التي انغمرت فيها بمراقبة العشق وهو ينمو كورد الجوري قصير العمر، فوّاحا، مزدهياً برقته وعطره معاً.. وهي صورة لا يمتلك فنان رسمها بالدرجة الحساسة التي كانت عليها، بسوى قوة العشق وبعنفوان طاغٍ تحتشد فيه العواطف وتختلج كل أحلام الفتية المتوهجين في ثوان وحيدة.. وبحيث تختصر كل سنوات العمر وتنضغط في لحظة واحدة تشرف على عمق الحب الخالص كالبرق ويتلاشى وينفى في ارتعاده لا تتوقف عن الانفجار المصعّد لكل قوى الحياة البديلة المشتهاة. ولكن المعنى المبتغى والمرتجى ليس ذلك الذي وصفته أو قيل عني.     * ياه قد كنت اذن مجبولا بالحب في كل نبضاته وبهذا الاحتواء بين الانثى في المعنى والرمز والحقيقة..وهذا يروح بي الى انك قد استبطنت أسرار حضارتك الذاتية، الفنية منها والأدبية وبكل مساحات الشعور المدهش الجوّاني، وهنا المحبة تروح لابعد واعمق وادق معانيها الانسانية بالعموم .. بعد كل هذا العمر الجميل والمضني أيضا، هل مازالت مناطق مخبوءة في هذه الأسرار تعيد اكتشافها واكتشاف صوتها نبرتها لونها...؟؟      – نعم.. ولكنني لم استنفذ بعد من تلك الاسرار الا النزر اليسير. منها شخصية جدا راكدة في حديقتي السرية ومنها عامة، اجتماعية وسياسية ومعرفية.. كانت تجري عدة لقاءات بين الفنانين والأدباء. في (مرسم) أصدقاء الفن وهو مقر جماعة الجنوب للفنون التشكيلية. وكنا نسهم في مفردات المواسم الثقافية والمعارض المشتركة.. وكان أهمها معرض خريجي معهد الفنون الذي أقيم على جدران المكتبة الوطنية المركزية في العمارة التي كانت آنذاك تتوسط حديقة غناء يقع خلفها مباشرة جسر الملك غازي، وتقابلها على الطرف الآخر سينما الخيام، وكان للمكتبة بهاء خاص وتأثير نفسي جعل روادها يشعرون باحترام وتقدير العلم والمعرفة. وكان يديرها الشاعر الكبير أنور خليل الذي كان يدعم اللقاءات الشعرية ويشجع مواهب الشعراء الشبان، وأقام دعوة خاصة في ديوان المكتبة للدكتور متى عقراوي، أول رئيس لجامعة بغداد. حضرها الكتاب والشعراء والمسرحيون والفنانون. وكان عبد الجبار البصري آنذاك (الكاتب الناقد الذي بدأ شاعرا في ديوانه – الى أبي الخصيب-الأول والأخير) طالبا في ثانوية العمارة بحكم وجود أبيه الشيخ داود محفوظ (امام) جامع العمارة الكبير في العمارة لعدة سنوات حتى وفاته ثم قفلت عائلته عائدة الى البصرة.. وكان رائد المسرح العراقي حقي الشبلي يزورها سنويا كما زارتها فرقة يوسف وهبي وفاطمة رشدي واقاموا أنشطتهم وفعاليتهم على مسرح ملهى الحمراء، الوحيد الذي تم أنشاؤه عام 1922م ثم شيدت بعد انتهاء الحرب الثانية مباشرة عام 1946م سينما الحمراء.. وقد ذكر الباحث جبار الجويبراوي(.. انه، ومن حسن حظ مدينتنا (العمارة) أنها احتضنت أدباء ومفكرين وظلت كذلك تحتضن كل من لجأ إليها مبعداً أو بحكم الوظيفة أو بحثاً عن الرزق أمثال حسن الجواد وإسماعيل آل ياسين ومحمد حسن الصوري والسيد محمد عبد المحسن الحلو والشيخ محمد حسين الحر العاملي والشيخ محمد حسين المظفر والأستاذ محمد جواد جلال الذي تركت جهوده الأدبية والثقافية آثاراً واضحة في الأدب العماري من أواخر الثلاثينات إلى أوائل الخمسينات. وقد تعاقب على المجيء إلى هذه المدينة أدباء معروفون أمثال جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وخيري الهنداوي وضياء الدين شكاره والسيد محمد صادق بحر العلوم وسعد صالح النجفي وصالح جواد الطعمة ومرهون علي الصفار والأستاذ محمد الأعسم وعبد المجيد زيدان ويونس الطائي وسعيد شابو ومحمد مهدي الجواهري وأخوه عبد الهادي وبرهان الدين العبوشي الذي لجأ إليها من فلسطين وسعد درويش الذي أنتدب للتعليم فيها من مصر.. ومن الإنصاف حقاً أن نذكر الندوات والمجالس الأدبية المنتشرة في مركز المدينة والتي كانت يقصدها شخصيات عراقية معروفة وكانت تزدهر بالمباريات الثقافية والأدبية وعليه فقد كان لها دور لا يمكن إغفاله في الإسهام في تفعيل الحركة الثقافية والأدبية في العمارة في حقبة الثلاثينات والأربعينات (كمجلس عبد المطلب الهاشمي ومجلس محمد جواد جلال ومجلس محمد حسن الصوري ومجلس الأنصاري ومجلس البدراوي). ومن الجدير بالذكر أن محاولات نشر نتاجات القصاصين العماريين في أواخر الثلاثينات ومطلع الأربعينات ومعظم تلك القصص كانت لا تعني بالقيم الفنية بقدر ما تفيد الباحثين في دراسة المجتمع العماري وخاصة في نواحيه الاجتماعية ومنها قصص الأديب خليل رشيد الذي صور فيها بعض مناحي الحياة على نحو يستهدف النصيحة والإرشاد حيث نشر عدداً كبيراً في الصحف والمجلات منذ الأربعينات وقد جمع قسماً مما كتبه ونشره في الخمسينات في مجموعتين الأولى بعنوان (الحياة قصص) عام 1952 والثانية بعنوان (خمر وغيد) عام 1954 فأنتشر عارفوه على صعيد القطر ثم تناقلت الصحف اسمه على صعيد الوطن العربي والسبب في ذلك الإسهام الكبير والمد الذي ظل يدفع في مجراه نتاجه الجم لقد كان يغذي الصحف والمجلات المحلية والعربية منها مجلة الرسالة للزيات والثقافة لأحمد أمين والقصة العربية الحديثة لسامي الكيالي والعرفان لأحمد الزين وصباح الخير اللبنانية والغري لشيخ العراقيين والبيان للخاقاني والهاتف لجعفر الخليلي والشعاع للعصامي والدليل للأسدي والمعارف للطالقاني. والكاتب القاص خليل رشيد كان حلاقاً وكان صالونه أشبه بنادي أدبي وإذا كان صالون (مي زيادة) قد جمع أعلام الفكر والأدب والفن في مصر في حينه فأدب الخليل وحسن معشره استطاع تحويل الدكان الصغير إلى منتدى يدور فيه حديث شيق عن كل ما يخص الأدب والأدباء. ولم تكن الحياة العلمية والثقافية في العمارة راكدة فقد أصدر وترجم علماؤها وأدباؤها مجموعة من الكتب العلمية وفي مختلف العلوم وكانت مكتباتها تغص بنفائس الكتب إضافة إلى المكتبة العصرية لصاحبها عبد الرحيم الرحماني كانت في العمارة عدة مكتبات منها مكتبة الإرشاد لمحمود جواد الكاظمي ومكتبة ياسر صادق ومكتبة الغد للأخوين شاكر وإبراهيم الهاشمي ومكتبة النجاح للأنصاري ومكتبة التحرر الوطني ومكتبة العروبة. ). كذلك فإن المثقفين العماريين بدأوا يعرضون على المسرح المحاولات التمثيلية الأولى. وفعلاً كانت التجارب المسرحية جادة وناضجة منذ تشكيل أول فرقة مسرحية في أوائل الثلاثينات التي ضمت أكفأ المثقفين وأقامت منذ ذلك الوقت دعائم المسرح العماري الذي بدأ مسيرته الناجحة وبدأ الوعي المسرحي يأخذ طريقه نحو التطور واجتاحت المدينة آنذاك خصوبة فنية أثمرت أنجح المسرحيات فكانت اجتماعية هادفة تطورت إلى مسرح واقعي مثلت على خشبته أغلب العروض الجريئة التي تعالج قضايا المجتمع والسياسة... وكانت فرقة أنصار الفن في أوائل الأربعينات التجربة الناجحة الأولى ثم أعقبتها جمعية الطليعة في مطلع الخمسينات التي كانت الأكثر نضجاً من الأولى والأكثر تطوراً. فكانت الخطوط البيانية للحركة المسرحية في تصاعد مستمر فعرضت الدراما والتراجيديا إلى جانب الكوميديا الهادفة. وفي عام 1947 عندما زار الفنانون المصريون – سراج منير وصلاح أبو سيف وحلمي رفله وفاخر فاخر والممثلة كوكا – العمارة لتمثيل فلم (مغامرات عنتر وعبلة) في ناحية المشرح عرض أولئك الفنانون مساعداتهم والتعاون مع فرقة أنصار الفن العمارية وأكدوا لهم أن المستوى المسرحي في العمارة عالِ جداً وأن الفرقة تعتمد على نفسها بالدرجة الأولى وأكد صلاح أبو سيف وسراج منير أن الحركة المسرحية في العمارة ستفوق الحركة المسرحية في مصر وتكون العمارة من أوائل المدن في العالم العربي تساهم وتطور الحركة المسرحية. كانت تلك المقولة من الفنانين المصريين حقيقة واقعة إذْ تعبر عن طبيعة العمل المسرحي آنذاك لو استمرت وتطورت الحركة المسرحية. وفي فترة الخمسينات