تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنــقـد»  حكاية الروائي الذي اعاد ابتكار الشاعر وقرينه

حكاية الروائي الذي اعاد ابتكار الشاعر وقرينه

عدد مرات المشاهدة :1171 - November 29, 2007

سعد القصاب

حكاية الروائي الذي اعاد ابتكار الشاعر وقرينه

 
 
في التاسعة عشرة من عمره تمنى الروائي البرتغالي " سارماغو -1922" ان يكون كاتبا. هذا ما أشار إليه في احد أحاديثه الصحفية.ولكنه احتاج إلى وقت طويل كي يكون كذلك. فهمّ كتابة الرواية لم يدركه إلا في عمر متقدم قلما يلائم الإنسان لإحداث تغيير ما في حياته و البدء من جديد.
يعلّق على هذه المفارقة ويصفها بتهكم قائلا:إنه كاتب عجوز من الجيل الجديد!.
كان " سارماغو " قد اجبر على البطالة والعزلة عام 1975،بعد فشل الثورة في البرتغال. ولم يحتفظ قبل ذلك التاريخ بمسيرة واضحة في الكتابة، إلا من بعض الأشعار والمقالات التي نشرها بصورة متقطعة. عدا رئاسته لتحرير احد الصحف اليسارية.
كتب في سن الرابعة والخمسين روايته الرئيسية " موت ريكاردو ريس ". مؤلّف حافل بوقائع وأحداث متخيلة تسرد إعادة بعث شاعرين للحياة.
" ريكاردو ريس " الشاعر القرين للشاعر الحقيقي " فرنناندو بيسوا،1935-1888"، الذي لم يعرفه الكثير في حياته، ولكن حضوره بات طاغيا ومتألقا بعد موته. كان الأخير يحضر بثلاثة تواقيع مستعارة، هم أسماء لشعراء يبتكرهم في داخله ليكونوا بمثابة أنداد له، بل ويمنحهم حياة مفترضة، وتعيين تاريخ لولادتهم ولموتهم، والكتابة باسم كل منهم شعرا يختلف عن الآخر. وكأنهم شعراء قدموا من فرادة الخيال ليعينوه على الشعر بأسمائهم المزعومة. وقد تكون أسماؤهم المستعارة تلك، شخصيات أخرى يرغب الشاعر بامتلاكها، لإظهار ذاته بأوجه متعددة.
كان " بيسوا " شديد الأيمان بأن هنالك أناس لا حصر لهم يوجدون في داخلنا.
حياة غامضة ومتوحدة عاشها هذا الشاعر في مدينته "برشلونة "،التي لم يغادرها لثلاثة عقود حتى وفاته، بعد ان جعلها عالمه الوحيد، القائم على الحنين والذكرى. متجولاً في شوارعها والجليس الدائم في مقاهيها ومطاعمها الشعبية.
لم يتوقع الكثير من الآلهة والقدر، أو حتى ما يلتمسه منهم. لانه من جيل فقد الأمل في أشياء كثيرة، كان يعترف ان حياته ليست تلك الحياة التي يحياها. في كتابه النثري " اللا طمأنينة " يذكر... (أنا هوامش مدينة ليس لها وجـــود، أنا التعليق على كتاب لم يكتب. ليس بأحد أنا لا احد). يعلن في قصائده انه يحيا في عالمه الداخلي، المفعم بالتنوع والتحول والكثير التعاقب. عالم تتخذ أحداثه مسيرة حياة يومية، تمضي وتوصف تعبيراتها من خلال الشعر بحميمية لافتة. تدونها "ذات" مشغولة بتداعياتها وحكمة التعليق على ما يحدث في الخارج. وذلك يبدو ذريعة كافية لكي توجد. وما عليها سوى ان تطل من نافذة العزلة، وتبصر ان مثل هذا العالم ليس إلا غيوماً وسماءً مضيئة، وآخرون يمضون صامتون في الشوارع. همها ان تبقى وحيدة دونهم.
كان ذلك من الأسباب التي جعلت "سارماغو " يعيد الحياة إلى هذه الذات الغامضة والحذرة في روايته. ذات الشاعر " بيسوا "، الذي تعرّف إليها من أشعار وقعّها باسم مستعار هو " ريكاردو ريس ". وبأثر الثناء على جملة لطالما كان يرددها في كتاباته..(حكيم هو من يكتفي بالتفرج على استعراض العالم).
للروائيين الحق في ان تكون شخصيات رواياتهم حرة، ومفرطة في خيالها، وان تحس بإحساسهم هم وليس بإحساس الشخصية التي توصف في الرواية.
الشاعر " فريناندو بيسوا " جعل قرينه " ريس" يولد قبل عام من ولادته هو، ليتوفاه قبل زمن قليل من رحيله. بعد ان اجبره على العيش في "البرازيل " لمدة ستة عشر عاما. منفياً سياسياً. كما دفعه ليتردد على بلده الأصلي " البرتغال"، كلما سمحت الظروف بذلك.
ولكن ما فعله الروائي " سارماغو " وبقدر من الاختلاف، لتثبيت ادوار في روايته،انه سمح ل " ريس" البقاء لفترة أطول في الحياة، لمدة تسعة اشهر، واستدعاء "بيسوا " من الموت. حالة من بعث حياة عابرة، مثل حلم يقظة، تم افتراضها لأمرين. إنها المدة المعتادة التي يقضيها الجنين في الرحم قبل وجوده في العالم ككائن، ولان نسيان الموتى يتحقق بعد هذه المدة من الزمن كما يزعم الروائي.
إعادة علاقة تم إيضاحها بأحداث و حوارات وجدل قائم على التأمل والأفكار. والتي سوف تتخذ جميعها المشهد الشامل للرواية. ليكون عام " 1935-1936" تاريخها الزمني، والدلالة التي تشير إلى زمن الحرب الأهلية الأسبانية وتصاعد الفاشية والنازية في كل من ايطاليا وألمــانيا.
" موت ريكاردو ريس "، رواية حافلة بتاريخ وثقافة برتغالية. منذ أمجاد إمبراطوريتها في القرن الرابع عشر حتى دكتاتورية " سالا زار " السيئة في القرن الماضي. إنها تبدأ وتنتهي في "لشبونة " المدينة الحالمة والحزينة. ولكنها أيضا المكان اللامحدود الذي تطل فيه على البحر لتنتهي إليه و لتبدأ الأرض معها. يعود " ريس" إليها بعد قراءته خبر وفاة " بيسوا". لا يعرف الكثير ولا يعرفه احد.عودة يبدو أنه لا يوجد أثر للسعادة فيها، ولكنها أيضا لا تحمل أي شعور بالأسف.إلا من بعض التجوال في المدينة، بين أزقتها وشوارعها، ومشاهدة احتفالاتها وزيارة مسارحها ودور السينما فيها. تجوال تستوقفه حوارات مع " بيسوا "، والذي يظهر غالبا بشكل غير مرئي. وكأنه بعث من الموت لاعتبار شخصي، هو انه لم ينسَ الحياة تماما. كانت تلك الحوارات تستأنفها أسئلة في كل شيء، عن الحياة والإنسان والشعر والحب والسياسة والموت بل حتى الصحافة. هكذا وبطريقة عابرة لا تخلو من اختلاف وجهات النظر والأفكار، فمن الصعوبة ان يفهم الأحياء الموتى، هكذا كان يردد " بيسوا".
كان كل منهم هو مظهر للآخر. و حضورهما أشبه ما يكون بتبرير غياب الحدود بين الوهم والواقع. وهو الفعل الذي يستطيعه خيال يتسم بالسخاء.معا كانوا يحيون عزلة داخلية خاصة. تشبه مصيريهما. انهما لا يستطيعان البقاء أكثر مما افترض الزمن الروائي لهما. تسعة اشهر. وهو وقت لابد ان يحياه الاثنان بطريقة انطوائية ودونما إثارة. حتى "ريس " الأكثر واقعية، لطالما أمضى أيامه جالسا وحيدا في شقته، إلا من بعض زيارات متقطعة ل " ليديا " عاملة التنظيف التي تعرّف عليها في الفندق الذي سكنه في البدأ، وبعد غياب " ميرساندا " الفتاة الثرية ذات اليد العاجزة.
عدا لعبة الخيال التي استدعت شاعرين لإغراض كتابة رواية برتغالية، ما لذي أراده " سارماغو " من مفارقة متخيلة كهذه؟. الحديث عن بلد عاش طويلا بين إشكالية الدكتاتورية والأمجاد العابرة لإمبراطوريته..!. أم استرضاء حنين ذاكرة أعجبت تماما بالشاعر الغامض وسو داويته..!!. أم تكرار حكمة قديمة تعلن ان الإنسان ليس سوى كائن تراجيدي، لا يخلصّه لا الشعر ولا الخيال من مصيره الأخير.. الرحيل عن العالم.
في الصفحة الأخيرة من الرواية. تنتهي علاقة " ريكاردو ريس" و " بيسوا "، ليمضيا معا غير هيابين من الرحيل، بعد ان انتهى الزمن المخصص لهما. فليس هنالك من نهاية أخرى.

المؤلف: سعد القصاب 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن