الرئيسية »  الـنــقـد»  ملاحظات حول

ملاحظات حول

عدد مرات المشاهدة :2114 - 02/ 8/ 2006

حسين عجة

ملاحظات حول

د. محسن مهدي* جامعة هارفرد
ترجمة :  حسين عجة 

تتألف "ألف ليلة وليلة" من مجموعة قصص نتدرج ضمن إطارقصصي أعم يروي الظروف الصعبة التي شهدها التاريخ العريق للعائلة الملكية الساسانية ذات لأصل الهندي-الفارسي، التي يقال أن حكمها كان يمتد من سمرقند حتى الهند والصين. ويسرد سوء الطالع المرعب الذي لحق بهذه العائلة الملكية ومدنها الرئيسية بلغة متواضعة تخلو من أشكال الإعتناء، وتتصف أحياناً بالسوقية، وتضفي بالإضافة إلى النهاية السعيدة للعمل، على مجمل العمل، صبغة الملهاة بصورة جلية. كتبت قصص "ألف ليلة وليلة" أو أعيدت كتابتها في العهود الأسلامية، فزمنها التخيلي هو الماضي، الذي يشمل أزمنة ظهور وانتشار أديان الوحي على الأقل، إبتداءً من عهد النبي سليمان. ومع ذلك فهي تتابع في إطار قصصي يجعل راويها يقف خارج أزمنة ومناطق اليهودية والمسيحية والأسلام.

أنها مروية من فتاة وثنية لملك وثني في منطقة وثنية، وفي أزمنة وثنية. فشهرزاد تدعي بأنها تروي حوادث ماضية، ولكنها، في الحقيقة، تتنبأ بحوادث مستقبلية. فهي تتحدث عن المخاوف والآمال، عن الكوارث المقبلة، وعن نهاية سعيدة، وخاتمة زاخرة بالبهجة. ولعل بالإمكان القول عموماً، بأن كل موضوع "ألف ليلة وليلة" هو تاريخ العلاقة بين الملكية الوثنية وأديان الوحي، ذلك التاريخ الذي بدأ في الأزمنة القديمة بظروف يبدو أنها تقود هذه الملكية إلى مصير مأساوي، إلا أنها تنتهي بمهرجان تحتفل هذه الملكية وحاضرتها فيه بالنصر والحياة الرغيدة.

1

إن وجهة النظر الأولى القائلة بأن الدين يلعب دوراً معيناً في سوء طالع العائلة المالكة موجودة في مشهد الحديقة الشهير في قصر الأخ الأكبر الملك شهريار. فمشهد الخيانة المبكر في غرفة نوم الأخ الأصغر الملك شاه زمان في سمرقند، يدل على تحطيم قوانين الزواج التقليدية، ويشير إلى تضمينات سياسية عن تمرد النساء، سيما إذا كنَ من الملكات. بيد أن مشهد الحديقة هو أكثر إستعراضية. أنه يجري في الهواء الطلق ويضم، ليس شخصين، بل أثنين وأربعين شخصاً، إذ تظهر الملكة في الحديقة مصحوبة بأربعين أمَةً من نسائها. وعندما يخلعن ثيابهن، تتحول عشرون منهن إلى رجال سود كانوا تنكروا بملابس نسائية وتم إيواؤهم في القصر. فعشيق الملكة لم يعد الخادم الشبحي في غرفة نوم شاه زمان، بل رجل أسود تناديه بإسمه، يهبط عليها من قمة شجرة، ومن ثم يقوم في نهاية المشهد (الذي يستمر طيلة اليوم) بالقفز من فوق جدار الحديقة إلى الطريق. يتكرر ذلك المشهد مرتين داخل إطار القصة. تتم ملاحظته أولاً من قبل الأخ الأصغر، ويترك فيه أثراً علاجياً لأنه يظهر له بأن سوء طالعه لم يكن قطعاً وحيداً من نوعه، وهو ليس بالضخامة التي كان يعتقد : فهو عندما يفكر الآن بذلك، عن طريق المقارنة، يكتشف أنه في حالة مرضية في الحقيقة. يلاحظ الأخ الأكبر تغير لون الأخ الأصغر وشهيته، ويلم، عندما يقوم بسؤاله، بالحادثتين. أنه مستعد لتصديق سوء طالع أخيه الأصغر، ولكنه غير مستعد لتصديق سوء طالعه هو؛ لهذا يدعوه الأخ الأصغر لرؤوية ذلك بنفسه، ويشهدان سوية إعادة تمثيل المشهد. ومع ذلك، هناك فارق : في العرض الأول تنادي الملكة عشيقها، المسمى مسعود (المحظوظ أو السعيد)، لكنه لا يتكلم معها. أما في العرض الثاني فهو يهبط من أعلى شجرة ويقول لها، عندما تطأ قدماه الأرض : "أنا المحظوظ، حظ الدين" (أو "أنا سعيد"، سعد الدين). إن هبوط حظوظ العائلة المالكة يبدو متلازماً مع صعود حظوظ الدين الجديد، الذي تظهر نجمة سعده لكي تشير على صعود حظ من لا حظ له، خادم الغرفة والإنسان الأسود. في الحقيقة، أن تحول العشرين خادمة إلى رجال في المشهد السابق يدل على أن التقاء النجوم الجديد هو لصالح من لا حظ لهم بصورة عامة، النساء والرجال السود، المرتبطين فيما بينهم من خلال تمرد واحد ضد التقاليد التي ركزت دونية موقعهم.

إن أثر المشهد على الأخ الأكبر هو أبتعاده عن أشياء العالم عامة وعن السلطة الملكية خاصة. لهذا، يقترح على أخيه الأصغر التخلي عن مملكتهما والتجول دون هدف إلا "حب الله"، وعدم العودة إلى ديارهما قبل الإلتقاء بأحد ما ذي مصيبة أكبر من مصيبتهما. ولم يستغرقا من الوقت أكثر من يومين للوصول إلى شاطىء البحر والإلتقاء بمخلوق كهذا. يبدو أنه ذلك العفريت الأسود الذي كان قد فكر بمشكلة السيطرة على النساء، وإبتكر المخطط التالي : لقد إختطف عروساً جميلة ليلة زفافها، ثم وضعها داخل صندوق زجاجي كبير مقفل بأربعة أقفال حديدية، كان يخبئها (المفاتيح الأربعة) في قاع البحر، ولم يكن يسمح للعروسة بالخروج من الصندوق إلا عندما كان يستطيع الإختلاء بها على الشاطىء. عندما رأى الملكان أقتراب هذا المخلوق المنفر منهما، تسلقا شجرة ضخمة وإختفيا بين أوراقها. لكن ما أن أسند العفريت رأسه في حضن سيدته وغط في النوم، حتى رأتهما، ومن ثم أزاحت رأس العفريت عن فخذها، وأرغمتهما على النزول من أعلى الشجرة لإشباع رغبتها، مهددة أياهما بإيقاظ العفريت ليلقي بهما في البحر إذا ما رفضا. فالملكان الغيوران يخدعان العفريت بسبب خوفهما من الموت الذي سيحل بهما ابتداءً من تلك اللحظة محل الخوف، ثم يكتشفان ان السيدة كانت معتادة منذ زمن طويل على خداع العفريت بنجاح، وفي أغلب الأحيان في حضوره. فهي كانت تحتفظ بخواتم عشاقها التي وصل عددها، حسب بعض الطبعات إلى 98 خاتماً، وحسب طبعة أخرى إلى 570 خاتماً. وهي بإحتقارها التام للعفريت، تفسر الخلل الكامن في مخططه بأنه يتمثل بجهله في حقيقة أن المرآة إذا ما رغبت في امر ما، فلا شيء يقف في طريق حصولها عليه، وأن لإرادتها قوة المصير والأمر الألهي ذاتهما.

لقد تسلى الأخوان وابتهجا بإطلاعهما على ضخامة مشكلة العفريت، وعلى الإستحالة الكاملة لإبعاد النسوة عن دروبهن المشؤومة. فمؤسسة الزواج، ذلك "العهد" القائم ما بين الرجل والمرأة والذي يثبت دونية المرأة وقدرة الرجل على تأكيد حقه المطلق، قد تم دحضها الآن. ولا يمكن لمخلوق حتى إذا كان فائق القوة وخارق للطبيعة، كالعفريت المفزع، تأكيد ذلك الحق. عند عودته إلى مملكته، يتخلى الأخ الأكبر عن التزاماته كملك، يقتل زوجته وخادماتها، ويؤسس ذلك النظام المعروف القاضي بأنه حينما "يتزوج" امرأة في المساء عليه أن يقتلها في صباح اليوم التالي- إلى أن تأتي شهرزاد وتوضح له بأنه لا يمكن الإيقاء على هذا الحل للمشكلة، فهو غير ضروري بالمرة.

لقد تم تقديم شهرزاد على أنها متعلمة، ذكية، عاقلة، وتتمتع بمهارة أدبية. كانت قد قرأت العديد من الكبت، بشكل خاص نوعين منها : تلك التي تتعلق بالفلسفة والطب من ناحية، وتلك التي ترتبط بالتاريخ وأقوال الحكماء والملوك من ناحية ثانية. ويبدو أيضاً أنها كانت قد فكرت طويلاً وبقوة بورطة الملك والمدينة، التي أصبح من الصعب العثور فيها على امرأة يمكن الزواج منها، وصممت على معالجة الأمور.  تطلب من أبيها، الوزير، أن يقدمها زوجةً للملك. ويظهر مدى حكمتها أولاً من خلال حوارها مع أبيها الذي يحاول إقناعها بعدم رواية قصة الحمار والثور، وهي قصة تتعلق بأنواع غربية من المعرفة الخفية التي يمكن الحصول عليها، لا من الملائكة، بل من الحيوانات. كان هناك تاجر يمتلك حقلاً وعدداً من الحيوانات. وكان سره يكمن في معرفته لغة هذه المخلوقات الفطنة لكنه لا يستطيع الكشف عن تلك الحقيقة إلا تحت طائلة الموت.  إنه يسمع الحمار، الذي كان يتمتع بحياة مريحة، يشرح للثور المكد كيف أن هذا الأخير يستطيع الوصول إلى حياة مريحة من خلال تظاهره بالمرض، عندما يجرب الثور هذا المخطط، يقوم التاجر بتحميل الحمار عمل الثور السابق. ولأنه أصبح تعيساً بحكم إنقلاب الأحداث، يخبر الحمار الثور كذبة : لقد سمع التاجر يقول لعامل مزرعته إنه إذا أستمر الثور في مرضه في اليوم التالي، فإنه سيقوده إلى المجزرة. يضحك التاجر عند سماعه ذلك. وتصر زوجته أن تعرف سبب ضحكه، إذ كان على وشك البوح بسره ومن ثم التعرض للموت. عندما سمع ديك، يعرف كيف يتدبر أمره مع دجاجة دون صعوبة، يخبر كلب بأن كل ما يحتاجه سيدهم هو أن يأخذ زوجته إلى غرفة صغيرة وينهال عليها بالضرب حتى تتوب. يتبع التاجر نصيحة الديك وينقذ نفسه.

لم تفلح القصة بإقناع شهرزاد. وطالما أن نجاح مخطط شهرزاد سيعتمد كليةً على نجاح قصصها، كان من المجدي إذن تشخيص سبب فشل تلك القصة، على أن تكون شهرزاد قد فهمته، لأنه يجب التأكد من أنها سوف لن تقتل في اليوم التالي، بسبب عدم نجاح قصتها. إن قصة بعينها يمكن أن تخفق للأسباب التالية : قد تكون في معالجتها للقضية المطروحة، أو لأنها قد رويت بطريقة سيئة ولا تتماشى مع وجهة نظر المستمع، إلى آخره. في حالة كهذه، تنشأ العلة وتتأكد؛ فالوزير الذي يقوم بسرد القصة لا يعرف هو نفسه القصد الحقيقي، بل يتصور أن لها غايتين ناتجتين عن الموقف الذي يجد نفسه فيه مع شهرزاد. فهو يقول أن شهرزاد مثل ذلك الحمار الفضولي الذي أنتهى به الأمر إلى تحمل عمل الثور. أما هو فكان كالتاجر سيعاقب شهرزاد مثلما عاقب ذلك التاجر زوجته حتى تبدل تفكيرها. وإذا كان الأذى قد لحق بالحمار، فذلك بسبب من معرفة التاجر بلغة الحيوانات، وهو ذات السبب الذي ألحق الأذى بالزوجة أيضاً. غير أن الوزير لا يتمتع بمثل هذه المعرفة السرية، فشهرزاد هي، في الحقيقة، من يتمتع بها. فتلك المعرفة السرية تعينها على إكتشاف أن الغاية الحقيقية للقصة كامنة بالكذبة التي يبتدعها الحمار لجعل الثور يرجع ثانية للعمل. وهذه هي، كما رأينا، الحادثة التي جعلت التاجر يضحك ويتورط مع زوجته. فهو نفسه لم ير الغاية الحقيقة، لأنه ترك زوجته تهدده بالموت بدلاً من أن يسكتها بتهديدها بإرسالها إلى المجزرة. وتلك هي أكثر من مشقة العمل القاسي أو تحمل ألم الضرب بالعصا، الغاية السرية للغات الحيوانات.

على عكس التاجر وعلى عكس أبيها، تطبق شهرزاد مباشرة لغتها السرية وذلك بتهدديها إرسال أبيها إلى المجزرة، إذا جاز التعبير، اللهم إلا إذا قبل بتقديمها إلى الملك. وإلا فإنها ستذهب مباشرة إليه، كما تقول، وتخبره بأنه قد أخفاها، وعصى أوامر الملك، (كان يفترض أن تكون من بين المقدمات إلى الملك، الذي كان قد بدأ ببنات النبلاء، ومن بعدهن ببنات العسكريين، وفي النهاية ببنات التجار). إن قصتها ناجحة. فهي تطبق معرفتها السرية دون الكشف عنها. إنها تنوي أخبار الملك بقصة تستولي بها عليه وتجعله يغير سبله، وبالتالي تخلص نفسها وتعتق أمتها. ولتحقيق مآربها تحتاج لوسيلة، أو إلى عون، إلا وهي أختها الصغرى دينازاد، التي كانت قد علمتها ما يجب عليها قوله عندما تحضر في غرفة نوم الملك. وحينما أصبحت في حضرة الملك، سفحت شهرزاد دموعاً كاذبة لكي تقنعه بأنها تود رؤية أختها وتوديعها. أما دور دينازاد فهو جعلها الملك يعرف بأن شهرزاد تعرف العديد من القصص المشوقة، ومن ثم إرغامها على سرد قصة "صغيرة"، وبالتالي تثمينها بإعتبارها قصاصة رائعة؛ فإسم شهرزاد يعني ولادتها من "جنس نبيل"، فيما يعني إسم دينازاد الولادة من "دين نبيل". وهكذا يظهر الدين للمرة الثانية كونه "إسماً" لأداة تم إستخدامها من قبل الملكة في نيتها ضد الملك. لكن هذه المرة لم يعد الإسم "سعد الدين"، بل "نبل الدين"، وهو لا يشير إلى عشيق أسود، ولكن إلى سيدة شابة تحب أو تدعي حب القصص؛ يوقظ حماسها المعدي رغبة الملك بسماع قصص شهرزاد، ومن ثم تمكين "الجنس النبيل" من تجريب الفن الشافي. إن الجانب الأسود والمعتم من الدين الممثل بمسعود قد تم إبداله بالجانب المغفل والمحبوب لدينازاد، تلك الأداة الموضوعة لا في خدمة عاطفة سوداء، بل في خدمة حكمة سرية.

2

القصة الأولى التي روتها شهرزاد هي قصة التاجر والعفريت. يمتلك التاجر ثروة ضخمة. وله أسرة كبيرة مع كثير من الخدم، النساء والأطفال، ويقوم كذلك بإسفار بعيدة للإشراف على أعماله المالية. لكن، بالإضافة إلى ذلك، فهو ورع، يؤدي واجباته الدينية، ويحترم تماماً التزاماته إزاء من هم تابعين له وكذلك حيال زبائنه. كان بالكاد قد أنتهى من شعائر الصلاة، في يوم قائظ، داخل حديقة في مكان ما من جزيرة أجنبية وإذا به، دون علمه، يتورط بموقف غامض وخطير. فبعدما أكل بضعة تمرات مع غدائه وألقى بنواها بعيداً عنه، وإذا بعفريت مرعب يظهر فجأة، شاهراً سيفه، مدعياً أن واحدة من تلك النوى قد أصابت أبنه اللامرئي وقتلته في الحال، ومن ثم فهو يطالب بحقه المشروع، الذي يخوله القانون الديني، بالإنتقام لإبنه بقتل التاجر، ويرفض الإصغاء لحجج التاجر الذي يتذرع بأن فعل القتل الذي إرتكبه لم يكن متعمداً. إنك ترى ورطة التاجر. فهو يؤمن بالقانون الديني وكان خاضعاً دائماً له. وها هو الآن يواجه هذا المخلوق المرئي-اللامرئي الذي يدعي أنه كان قد قتل أبنه اللامرئي، ويزمع الإنتقام وفقاً للقانون الإلهي، بغية حماية المخلوقات المرئية. يدعي العفريت أن القانون الذي يهتم بتنظيم العلاقات المرئية يطبق أيضاً على العلاقة القائمة ما بين المخلوقات المرئية واللامرئية، ومن ثم يرفض الإعتراف بالتمييز الشرعي ما بين القتل المتعمد وغير المتعمد. إنه يصنع قانونه الخاص. أما التاجر، الذي لا يستطيع فهم ورطته عبر مفردات القانون الديني، فيسندها إلى عمى المصير المحتوم. إذ يبدو العفريت والقوى التي يمثلها عازمين على تحطيم الإنسان الخير والقضاء على الدين وعلى القانون الإلهي.

عند هذه النقطة، وتبعاً للنسخة الأولى الموجودة من ألف ليلة وليلة، يبزغ النهار. تجد دينازاد (المنحدرة عن الدين النبيل) تلك القصة القاسية مسلية ورائعة! بيد أن الملك هو الذي ينبغي عليه الأبقاء على حياة شهرزاد. فهو لا يجد القصة لا مسلية ولا رائعة، بل محزنة وتثير الفكر. أنها تمنعه من التخلص من شهرزاد، مثلما قد تخلص مما لا حصر له من النساء قبلها. فالملك شخصياً كان قد أختبر الخوف من الموت على يد ذلك العفريت المفزع المتزوج، إذا جاز التعبير، من امرأة، وها أنه يكتشف أنه بالإمكان أن تكون للعفريت ذرية، أبناء وبنات لامرئية تنتحل أشكالاً مرئية. فليس بالأمر من شر إذا كان عدد البنات المرغوب فيهن في مدينة قد تم إستنفاذه ولم يبق إلا القبول بالإختلاط ببنات العامة، ذوات الأصل المجهول. فماذا يمكن أن يكون عليه الأمر إذا ما كان الوزير قد قدم إليه  في ليلة، دون معرفة منه، أبنت عفريت، وإذا كان الملك قد قام بقتلها، دون معرفته، في صباح اليوم التالي؟ فالعفاريت، كالملوك، يفسرون القانون بطريقة جافة ولصالحهم، وسرعان ما يقومون بالإنتقام. إذ تدلل له شهرزاد بأن ما كان قد فكر به كحل لمشكلته الأولى، أو على الأقل ذلك الحل الذي قد يمكنه من العيش لبعض الوقت كونه زوجاً وملكاً، هو حل لا يمكن الإحتفاظ به. لأن كل ما يعرفه، هو أن أبا شهرزاد الحقيقي عفريت، أو أنه كان قد قتل في السابق بنات عدد من العفاريت، وهم في طريقهم إلى قتله. ومادام أن التاجر الفقير في تلك القصة لم يقتل بعد، والقصة نفسها لم تنته، ينبغي على الملك أن يكتشف إذا ما كان هناك ثمة من سبيل للتخلص من هذه الورطة الجديدة. لهذا، يقوم بإنقاذ حياتها، ليس بحكم الشفقة، ولكن بحكم خوفه هو بالذات من الموت. فشهرزاد تقيم ميزان رعب يشل الملك.

عندما تستمر القصة، يتوسل التاجر إلى العفريت أن يرأف به ويفشل، لكنه يوفق في الحصول منه على تأجيل لموته لمدة عام يودع فيه عائلته، يقسم ثروته، يدفع ديونه، ومن ثم يعود إليه. يلزم نفسه بميثاق وعهد، ويقسم على ذلك بإسم الله. لهذا، فإن العفريت، الذي كانت لديه شكوكاً حول نية التاجر في العودة إليه بعد عام، يصدقه الآن. إن إيمان العفريت بإيمان التاجر في القانون الإلهي ووفائه بعهده أمام الله يكشف عن شرعيته. إذ يرجع التاجر في نهاية العام إلى العفريت. وذلك أما لأن خوف التاجر الورع من الله هو أقوى من خوفه من الموت، أو لأن حفظ العهد قد تحول عنده إلى طبيعة ثانية. وعلى أية حال، أثناء إنتظاره للعفريت، يمر بقربه ثلاثة شيوخ مسنيين، يصحبون معهم غزالةً وثلاثة كلاب صيد، وبغلاً (أو أي شيء آخر)، ويخبرهم بقصته، فيقرروا البقاء معه، وينتظرون ما سيحدث. وعندما يقدم العفريت، يقترح كل واحد من هؤلاء الشيوخ الثلاثة القيام بسرد قصته الخاصة، لكي تكون كل واحدة منهن ثلث الفدية التي كان على التاجر تقديمها لإنقاذ دمه. تهدف تلك القصص الثلاث إلى إشفاء العفريت من رغبته بالإنتقام، وإلى إبطال ذلك القانون المتبجح به، والذي كان قد أحتكم إليه، ولكي تكون بديلاً للقانون الديني، الذي أصبح متعذر التطبيق بسبب العفريت.

في القصة الأولى، تحول زوجة الشيخ الغيورة والصبيانية، أثناء غيابه، خليلته وأبنها إلى بقرة وعجل. وحينما يعود، تدفعه تلك الزوجة الغيورة على التضحية بخليلته، وكاد يضحي بأبنه أيام العيد الكبير الذي يحتفل به بمناسبة تضحية إبراهيم بإبنة إسحاق. تنقذ أبنة قصاب، الساحرة في نفس الوقت، الأبن شرط أن يخولها الأب الزواج بأبنه فيما بعد، ولكي تبعد شر الزوجة الغيور تحولها إلى حيوان.  يحتج الزوج الشفوق على فكرة تحويل زوجته إلى بقرة، أو إلى جاموسة أو حصان، ولإجل إرضائه، تحول كنته زوجته إلى غزال جميل.

في القصة الثانية، قصة الشيخ الثاني، ذلك التاجر الذي يلتقي في الهند أثناء أحدى سفراته بنتاً، صغيرة وفقيرة، لها جدائل طويلة، فيعطف عليها ويتزوجها، فتتحول إلى عفرية متدينة، تحبه وتنقذه من أخويه الغيورين الذين يحاولان إغراقه مع خطيبته أثناء رحلته للعودة إلى دياره. تصر هي على قتلهما. أما هو فيتدخل لصالحهما ويلتمس منها أن تغفر لهما، ويلح على ذلك حتى تلين، فتحولهما إلى كلبين أسودين وتصر على إبقائهما على تلك الحالة لمدة عشر سنوات.

أما القصة الثالثة، فهي قصة ذلك الرجل الذي يرجع من سفره فيجد زوجته مع عبد أسود. تحول المرأة زوجها إلى كلب وتطرده من البيت. فتتعرف عليه أبنت قصاب، وتخلصه، وتحميه وذلك بتحويل زوجته إلى بغل. لا شيء يقع للعبد الأسود.

إن القصد الكلي من هذه القصص يكمن في إمكانية أن تكون القصص فدية لحياة فرد ما. ومهما يكن، فذلك القصد وثيق الصلة بصوة أكبر بظروف شهرزاد. ففيما يتعلق بالملك، يبدو أن تلك القصص تجعل موقفه الحالي أقل منطقية حتى من السابق. أولاً، بحكم وجود هذه الفنون السحرية التي يسهل تعلمها كما يبدو، والتي يظهر أن العديد من الفتيات يقمن بممارستها. إذ كيف يمكن له، أي الملك، أن يطمئن إلى المرأة القادمة في فراشه سوف لن تحوله إلى كلب، أو بغل، بدلاً من أن يتمكن هو من تحطيمها؟ ولأي غرض ستخلصه امرأة بعد كل ما قاله وعمله بحق النساء؟ فإكتشافه بأن كل العفاريت ليسوا قساة ولا هم من طبيعة شيطانية قد أقلقه. فهو ليس بمقدوره أرواء قصص، وليس من نوع اولئك الرجال الذين تعشقهم عفرية متدينة. لذا، فهو يشعر بتهديد القوى الإنسانية السحرية وبقوى العفاريت ما فوق-الإنسانية. وشهرزاد تبدو على علم بأعمالهم. فهي تتحدث عنهم بيسر وخبرة تجعل المرء يصدق بصعوبة أن هذه السيدة المتعلمة لا تمارس نفس تلك الأعمال. وفي النهاية، من تكون هذه السيدة في الحقيقة؟ فعفريتها المنتقم قد تم  نزع سلاحه بفضل ثلاث قصص عن مخلوقات إنسانية، ولم يقتل أي احد في هذه القصص إلا الخليلة، التي يضحي بها بمناسبة الإحتفال بذكرى موقف يضحي به صديق الله، بطلب من الله، بإبنه. فالشخص الوحيد المسؤول في تلك اللحظة هو زوجة غيورة، لأنها لم ترزق بولد، لذا تدفع الأب على قتل أم ولده وتريد منه أن يقتل أبنه أيضاً. وفي النهاية، حتى النساء الحقودات أكثر رحمة نسبياً، وهن يحولن أعداءهن إلى حيوانات ذات مظهر جميل. أما الرجال فلم يقتلوا أبداً زوجاتهم عمداً، حتى وإن قبضوا عليهن زانيات، ومع ذلك، فهم يتحملون المآسي والذل على أيديهن. إذ يبدو أن مثل الزنى الوحيد، لزوجة مع عبد أسود، قد مر دون عقاب. فالزوج يشتري زوجته وذلك بتحويلها إلى كلب أوبغل، لكنه لم يعاقبها بسبب زناها ولم يفعل أي شيء للعبد الأسود. والزوج الإنساني للعفرية المتدينة يود أن يغفر لأخويه الذين يسعيان لقتله هو وزوجته. أن أقل ما يمكن قوله عن تصور شهرزاد للدين، في القصة الأولى، كان تصوراً غامضاً. وفوق ذلك، الفرد الوحيد في القصة قد تم تقديمه كونه ثابتاً، ملتزماً بالقانون، ومواطناً تابعاً. ومع حقيقة أن العفرية المتدينة تمسك على القانون بيدها، وهي أشد قسوة من زوجها الأنساني حيال أخويه، لكنها لم تذهب أبعد من العقاب المثبت في القانون والذي يمكن أن يعمم في حالة تخفيف العقوبة الشرعية إلى الحبس، إذا جاز القول. من الجلي أن شهرزاد لا تتعاطف مع أساليب الملك الفظة، ومع ذلك، ليس من الواضح أنها تريد منه أن يفعل غير ذلك، فقصتها الأولى هي بالأساس عن تجار لا يتولون منصباً أو عملاً عاماً، ولا تمس المدينة ولا الملوك الذين يحكمون المدن.

3

إن قصة الصياد والعفريت، التي تأتي بعد القصة الأولى، هي قبل كل شيء عن الملوك. تجلب شبكة  الصياد قنينة ممهوراً على سدادتها إسم الله الأعظم. يفتح الصياد القنينة، وفي نيته بيعها، وإذا به يواجه عفريتاً مرعباً – ينطق العفريت مباشرة بإسم سليمان الحكيم، نبي الله، ويعلن بأنه لن يدنس بعد اليوم كلمته ولن يتمرد على أمره. حينئذ يلتفت حول الصياد ويطلب منه أن يختار الطريقة التي يود الموت فيها. يعلم الصياد العفريت أن هذه هي نهاية الزمن، وأن سليمان كان قد مات منذ ألف وثماني مئة عام، ومن الأجدر به أن يفسر له سلوكه المجنون. إن هذا العفريت، مثلما يتوضح الأمر فيما بعد، كان أحد العفاريت الهرطقيين، المتمردين، الذين عصوا سليمان، ولقد تم وضعهم في قناني ممهورة بإسم الله الأعظم


شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
روايات الكاتب المبدع برهان الخطيب

روايات الكاتب المبدع برهان الخطيب

   الجسور الزجاجية رواية تأليف: برهان الخطيب304 صفحة، حجم متوسط، غلاف سميك + غلاف سوبر ملون . السعر 5 يورو الشحن 10 يورو.    في مقال
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: