تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنــقـد»  القصيدة الرقمية: الفن هو تكنولوجيا الروح

القصيدة الرقمية: الفن هو تكنولوجيا الروح

عدد مرات المشاهدة :1968 - September 19, 2007

مرح البقاعي

القصيدة الرقمية: الفن هو تكنولوجيا الروح

بهذه العبارة المثيرة للجدل يقدم الشاعر الأميركي روبرت كاندل، أحد رادة القصيدة الرقمية في الولايات المتحدة، لموقعه على شبكة الإنترنت الذي يحمل عنوان "دوائر الكلمة" Word Circuits.

يبادر كاندل إلى شرح نظريته في كتابة الشعر إلكترونيا بقوله: "كلنا يعرف أن الشعر والتكنولوجيا شأنان متوازيان لا يتقاطعان، إلا حين نتذكر أن الكتابة ليست سوى ضربا من التقنية أيضا".ففي أي اتجاه سوف تتحول تقنيات الكتابة الحديثة في مجاراة عصر الإعلام الرقمي؟ وهل ستنتقل أدوات الكتابة الإبداعية، نتيجة لهذا التحول في حال وقوعه، من عوالم الحبر إلى إحداثيات "النقاط الضوئية" Pixels محققة نقلتها النوعية من طواعية القلم إلى غواية الحرف الإلكتروني على الشاشة؟ وما الذي يميّز النص الرقمي عن مِثْله البكر على الورق؟ وهل تعتبر تجربة الكتابة على الكومبيوتر جواز سفر للكاتب إلى عالم الحداثة وما بعد الحداثة؟ وهل من مفرّ من سطوة نزعة "البصري" في فن الكتابة مقابل "الشفوي" والحسي التقليدية للقصيدة الكلاسيكية؟ أوَليستْ الثقافة فعلا تراكميا لا يُلغي المستحدَث منه قديمَه بل يعبّئه ذخرا في مسيرة الحضارة الإنسانية، وبناء عليه فإن فعل الكتابة الإلكترونية لا ولن يلغي أصالة الخط على الورق وخصوصية الكتابة بالقلم؟سألت كاندل عن الهدف من كتابة ما دعي في البدء بـ"النص على الشبكة"Hypertext فقال: "هما أمران: الأول يتعلق بالإضافات والتحسينات التقنية التي يمكن أن تعزّز من بنية النص وتُحِيله إلى مشهد بصري ديناميكي مسرحي الأداء والهيئة، وهذا ما لا توفره الكتابة على الورق بالطبع".يستطيع قارئ القصيدة الرقمية متابعة هذا التلوّن المشهدي بين مؤشر الحركة، وتقنية الموسيقى، وتمايل الكلمات حتى الثمالة في مجريات قصيدة "اليقين"Faith على موقع كاندل على شبكة الإنترنت حيث يتمكن من متابعة الكلمات تَنبُت وتُضيء على الشاشة وتحوم حومتها في مد وجزر، أخذٍ وردّ، قبيل أن تتساقط متهالكة إلى بعضها البعض وكأنها تؤدّي مشهد الحياة منذ ولادة أول الكلام، مرورا ببناء جسم النص المتحول، حتى لحظة تداعيه القَدَري إلى نهاياته في عمق المشهد، كلٌ في طقس من المتعة والإثارة البصرية والذهنية لا يضاهيان.ويردف كاندل قائلا: "دافعي الآخَر لكتابة القصيدة الرقمية هو رغبتي في إعادة الاعتبار إلى بيئة الإنترنت الافتراضية فيما وُصمتْ به من تلوث بهجمات مخترقي الأنظمة والفيروسات التخريبية ومواقع الصور الخلاعية وأفلام العنف والإثارة، مؤكّدا على تفوق هذا الإنجاز الخارق في عالم الاتصالات من جهة، وأهمية الثقافة الرقمية وما تبشّر به من نشر للفن والإبداع في كل جهات الأرض من جهة أخرى".هذه النقلة النوعية من حال التعامل مع أدوت عضوية طَيّعة وحسية كالورق والحبر إلى عالم يحكمه منطق الطاقة والتكنولوجيا شكّلتْ منعطفا جدليا لم تشهده الكتابة الإبداعية منذ فجر الطباعة في القرن الثاني عشر. وسرعان ما انقسم الكتّاب في شأنها إلى مؤيّد متحمس، أو حيادي غير آبه، أو معارض يرى في كتابة الشعر على الشاشة تخريبا للحالة الحسية الشعرية التي قوامها مثلث الورق، والحبر، والقلم، وما يربط بينها من علاقة كاريزماتية ساخنة. فهل تشكل التكنولوجيا عائقا في طريق تحليق الشاعر في ملكوت أحلامه أم أنها تطلق عنان مخيلته حيث لا حدود ولا شكل نهائي لكتابة القصيدة، وحيث الباب مشرع على كل الاحتمالات في البناء والهدم ثم إعادة البناء في أسراب من حروف ضوئية تنطلق في حرية لا تحدها حدود وتتشكل في ملايين الاحتمالات والمتحولات الصياغية للغة والحس معا؟!يقول كاندل: "في العام 1990عندما شرعت في كتابة القصيدة الإلكترونية لم أكن أعرف أي شخص يمارس الكتابة الإبداعية على الشبكة ولا كان للشعر الإلكتروني تسمية اصطلاحية في حينها أفضل من اسم هايبرتكست التي عرفت بها نصوصي في ذلك الوقت.. وَحْدَها كانت طيوري تحلّق في ذلك الفضاء الإلكتروني المطلق". 

بَجَعات القصيدة المتوحشات 

 

جمهور القصيدة الرقمية هو حُكْما أكثر تنوعا وخصوصية من جمهور القصيدة المطبوعة ويتّسم بهوية عالمية. والقصيدة الرقمية لا تشغل اهتمام قارئ الشعر فحسب بل يتلوّن جمهورها من مشتغل في ميدان الفنون البصرية وتطبيقاتها التكنولوجية إلى أكاديمي متخصص في علوم الاتصالات والإعلام.

يقول كاندل في هذا الشأن: "تندرج قصائدي الرقمية في المناهج التعليمية للمعاهد والجامعات الأميركية، وتصلني الكثير من الرسائل الإلكترونية من قرائها على الشبكة ممن يتجاوبون مع هذا اللون من الإبداع على عكس الحال في شأن قصائدي المطبوعة فنادرا ما أتلقى رسائل في شأنها".وتتقدم القصيدة الإلكترونية على نظيرتها الورقية لِجِهَة خاصية الأداء التي يُحيلها عالما مسرحيا متحوّلا ومفتوحا على كل الاحتمالات حيث تتقاطع في عرضها الدرامي المؤثرات الصوتية مع حِراكية الحروف. وتتحول قراءة القصيدة إلى حالة تفاعلية في البعدين الحسّي والتخييلي للنص الذي يتحوّل إلى استعارات بصرية ولغز مُشرَع على اختيارات لانهائية. حالة التحولات هذه تجعل من اللغة عالما ديناميكيا متحرراً من ثقل المكان والزمان والمادة وتُحِيل الكلمات إلى أسراب من البجع الوحشي المنتشر في فضاء الشبكة اللامتناهي.لا تنتفي الحالة العاطفية في القصيدة الإلكترونية، ولا تلعب التقنية هنا دورا سالبا لجهة الحالة الحسية والعصبية للقصيدة بل إن المؤثرات الصوتية والبصرية تزيدها عمقا، وتعرِّض القارئ لخاصية التجربة التفاعلية دونما إملاءات من طرف الشاعر.

وقد تطوّر عن القصيدة الرقمية لون إلكتروني آخر يدعى "قصيدة الومْضة" Flash Poetry وهي تعتمد كليا على برنامج العُروض التفاعلية Macromedia Flash الذي يؤسّس لهيكلية جديدة للقصيدة يكون القارئ مشاركا فيها ومتحكما في بنائها عن طريق مفاتيح جهاز الكومبيوتر في محاولة لإيجاد بديل بصري للوزن والقافية، وفي محاكاة وإعادة صياغة للقصيدة التقليدية في صيغة إلكترونية مستحدثة من خلال إدخال تحسينات تكنولوجية تطبَّق على بنية النص الشعري الأصلي. وتنضم قصيدة الومضة إلى سلالة القصيدة الرقمية في مرحلة متقدمة تتداخل فيها الكلمة، بالصورة بالموسيقى، لتشكّل مجتمعة بديلا شعريا بصريا هو الأجرأ في تاريخ تدوين الشعر منذ أبد الكتابة.

 

علم الجمال واختراق المسافة 

 

إلى أين يسير هذا الكائن الشعري المستولد من رحم التكنولوجيا؟ وكيف يلتقي الدماغ الإلكتروني مع سيّالة العصب الدافقة وفي أي موقع يفترقان؟ وهل لا ينبض الشعر إلا حبرا كما يؤمن بعض الشعراء المتعصبين لسياسة القلم والورق أم أن مدّ التكنولوجيا قد استوعب أيضا دفقات الروح تماما كما اخترق المسافة نحو الآخر القصي؟ وهل في علوم الاتصالات ما يقربها من شرط الحالة الشعرية وإشكالاتها؟

قد تتزاحم الأسئلة وتتناقض الإجابات بالتوازي وجدلية المسألة قيد البحث.. إلا أن بيت القصيد هو اللغة عينها كواحدة من أقدم وسائل الاتصال البشري في عصر الاتصالات الرقمية. ومما لا شك فيه أن الشعر، ذلك المخلوق اللغوي في أحسن تقويم، إنما يحاول اختزال القدر الأكبر من الكونيات في صور بيانية وحسية، ومن ثَمّ ضغطها في استعارات ومجازات لغوية محمّلا إياها مساحات من الزمان والمكان في محاولة لاختزال العالم في لحظة إبداعية أزلية. وفي هذه الآلية ما يقارب إلى حد بعيد مساحة شبكة الإنترنت كونها تختزن في نقاطها الضوئية كمّا لامتناهيا من المعلومات تبثه شاشات الكومبيوتر في كل بقاع الأرض سواسية.وعن مستقبل القصيدة الرقمية يختم كاندل بقوله: "أعتقد أن علم الجمال سيظل يفاجئنا بمستحدثاته مضيفا المزيد من الفرادة والتميّز النوعي على الكتابة الرقمية كلما تطورت تكنولوجيا البرمجيات".وحين تصبح الشبكة الوسيلة الأكثر سرعة واقتصادا لنشر القصيدة وتداولها يكون المنتصر الأكبر في انقلابات الحداثة هذه هو الشعر.

المؤلف: مرح البقاعي 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن