ممر الضوء .. ممر الحياة.. قراءة سريعة في مجموعة قصصية متميزة
ريسان جاسم عبد الكريم
بعد صمت طال أكثر مما ينبغي ، يطل علينا القاص { ودود حميد } بمجموعة قصصية جميلة ــ { ممر الضوء } ــ
أكدت بعمقها ودلالاتها المتعددة رسوخ هذا القاص في خارطة السرد العراقي عموما ، و البصري بشكل خاص ،
مؤكدا أن البصرة ملأى بالمبدعين بالمنجز القصصي ،منهم مَن عُرِّف وأُحتُفيَ به ــ مثل الأستاذين الكبيرين { محمود
عبد الوهاب } و { محمد خضير } ، بشكل غطى أو كاد على مبدعين بصريين أغنوا المنجز القصصي في البصرة ،
منهم { قصي الخفاجي / مجيد جاسم العلي / عبد الحسين العامر/ طاهر ظاهر / رمزي حسن / عبد الصمد حسن /
ريسان جاسم وغيرهم .
و عذرا من مبدعي القصة القصيرة من الشباب ، الذين أكُّن لمنجزهم القصصي المتقدم كل تقدير و إعجاب ، لكنني
أتحدث هنا عن مجايلي الأستاذين الكبيرين .
** في الدلالات :
تشير أكثر من قصة في المجموعة إلى مداخلات سياسية ــ ودود ابن السياسة العراقية منذ ستيناتها الملتهبة ، حتى حاضرها المتذبذب ــ استطاعت أن تحافظ على بعدها الفني ، رغم أنها تتناول موضوعات تستدعي ــ إلى حد ما ــ أن تكون مباشرة ، ولكن مقدرة القاص ــ الفنية ــ صعَّدت الفن على المباشرة ، ليعطينا واحدة من قصص لابد أن يشار إليها كلما أريد للقصة العراقية أن تؤرّخ .
** قصة { ممر الضوء } ، التي حملت المجموعة عنونها ، ارتأينا أن نبدأ بها قراءتنا هذه ، إذ رأينا فيها { ملحمة
قصصية } مكثَّفة لسجناء سياسيين أرادت سلطة البطش و الجريمة أن تنقلهم من سجن في البصرة إلى سجن ( نقرة سلمان ) ــ ذلك السجن الرهيب الذي يشخص في صحراء أكثر رهبة ورعبا ــ و قتلا ــ من قتلة فاشيين أداروه خلال متعاقب حكم هذا البلد الموبوء بأهله ، المتذبذبون منهم والأسوياء ــ في سيارات خشبية : { العجلات تدور ..
القافلة تتحرك .. في مقدمتها ووسطها وخلفها ، سيارات لفظت سقوفها لكي تمتد أعناقها للمراقبة .. الناس الذين شاهدوا الترحيل ، بين مودِّعين ومحتجين .. } ص 80 . يحاصرها الليل ، فيأمر قائدها ــ مغلوبا على أمره ــ { أنّى له أن يختار و قد أوثقوه تعهدا بعدم الوقوف دون الوصول . } ص81 ــ أن تتوقف القافلة : { من أجل أن لا تتعمق القافلة تيها فد لا ترجع منه بعد ، قرر آمرها التوقف .} ص82
في تلك الصحراء لتي لا تنضح غير الرمال ، تعانق الرجال أحلامهم .. ذكرياتهم التي لا يملكون غيرها : { الجميع كأنهم في نزهة .. يعانقون مدينتهم في الحب .. العيون فراشات تطير على الأزقة و الشوارع .. على تلك الأعمدة ألْصقتْ أكُّفهم الأوراق البيض في ليال غاب عنها القمر .. تطوف الابتسامة الشفافة ، ممزوجة بتذكر الممرات المسدودةِ النهايات ، عندما تتحول إلى مصائد للمخبرين . } ص80 .
• و سنبحر ــ بالممكن ــ مع مجموعة أحلام ــ هي من صلب القصة ــ تراود رجال الصحراء أولئك ، يمكن لكل منها ــ الأحلام ــ أن يكون قصة قصيرة جدا ــ أنهى بها القاص قصته المتميزة هذه ــ فنا و موضوعا ...
" زُّجَ في بحر صحراوي . " يقول لنا { ودود } في " حلم الرجل لأول " : الصحراء بحر ترسو على سطحه الرملي ــ لاحظوا ــ عشر سفن صخرية . " السفن ليست خشبية ، كما هي { اللنجاة } في جنوب العراق ، و عموم الخليج العربي .. سفن صخرية { ترسو } في الصحراء ... إذن هي السيارات التي تنقل السجناء ...توقفنا كثيرا عند { حلم الرجل الثالث } ، لأنه { حلمنا } ، حتى و نحن في أوج يقظتنا .. مجموعة رجال يتحركون بحمية و نشاط ليشيدوا مسرحا !! يلقون من فوق { خشبته } : هاجسنا .. وعينا .. تاريخنا :
" هذوله احنه ، سرجنه الدم ،
عله صهيل الشكر يسعود . " ص85 .
• " صديقي بيرو صديقي بيرو ..
مع ضوء القمر .. ريشتي انكسرت
افتح لي بابك .. أعرني ريشتك ..
لأكتب كلمة . "
لا يريد { ودود } ــ القاص ــ أن { يظل } عراقيا فقط ــ ودود عراقيٌ حتى النخاع ــ وهو في { صف اللغات } ــ في ( نكرة سلمان ) .. فلمن { يقرأ } إن لم يكن لـ { فيكتور هيكو } ..؟! { حلم الرجل الرابع } ص86 .
• { ممر الضوء } قصة لا تريد أن تنتهي ، بل ، لعلها تبدأ من صفحتها قبل الأخيرة :
" أبواق السيارات تعّج منبهة إلى حصول شيء ما .. حدث ما .. مركبات الشرطة تجن من جديد .. تأويلات الذهول تضرب في الرمل ــ { ما زلنا في الرمل } ــ .. مدينة تقفز من أعماق الأرض .. أهي البصرة .. هل عدنا أدراجنا ؟أهي بغداد .. أم إحدى القرى السعودية ؟ " بل هي جنة الصحراء التي ستقيمون فيها ." الآن بدأ الإدراك ، حين تذكروا قولا " إن نكرة سلمان لا يراها القادم إليها إلا عندما يقف أمام سفحها المطل على واديها ...
بعد المكوث زمنا ، تأكد أن الأحلام التي راودت النائمين في البراري ، أضحت حقيقة } ص93 .
• يقول لنا ودود أن القصة كُتبتْ في البصرة .. و ليته لم يقل ، فالقصة { مكتوبة } في كل مكان .. ف ي ك ل م ك ا ا ا ا ن .
** تقدم لنل قصة { الرجل والصحراء }، بطولة صامتة ــ هادرة .. ثمة رجل ــ سجين أراد أن يغادر سجنه ، متحديا جبارين عاتيين : السلطة ــ السجن و الصحراء .. " رحلته لم تكن نزوة و لا افتعال شجاعة .. كانت نتيجة ..أضاءت في نفسه قبسا من الأمل هو وقوده في كل خطوة على الطريق ، و بتعاقب الليل والنهار و الرجل يسير متحديا الطبيعة بصحرائها و رملها .... ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة ، و قال لنفسه : أإلى هنا فقط ، أيها الرجل ؟! و أصر على السير ، لكنه سقط ، ورغم هذا بدأ يسحب نفسه بيديه .. لا يريد أن يستسلم ، فالاستسلام هزيمة مهما تبررت بالواقع .... حاول أن يبتسم ساخرا من الموت ، لكن الغشاوة تكثفت أمام بصره .... توقف وجيب قلبه .. و الشمس مضت في مسارها عبر الأفق .. وسجى الليل .. ثم جاء يوم آخر . " ص34 .
• إن لم يعبر سجيننا ألا مسمى ــ الذي يحمل كل الأسماء ــ ، إن لم يعبر الصحراء جسدا فقد عبرها روحا محلقة في أجواء حرية يحلم بها لا لنفسه فقط بل لكل الذين تبتلعهم صحراء الموت .. صحراء المغول والتتار والكستابو .
** { ألـ لا منتمي } ، ليس من { كولن ولسن } بل من { ودود حميد } ، في قصته { مكمن السر } ، أضاء لكل مَن شاطروه ــ في
أعماقهم ــ الرغبة في أن يخترقوا جدار العادي ، و المألوف ، و المتعارف عليه و .. و ليتمردوا على واقع خانق .. لـ { يتعروا } ،
ليغتسلوا بماء المطر الذي غسل كل شيء في المدينة .. " الشوارع نظيفة لامعة صقيلة .. الأشجار تخضَّر ، بعد أن ذهب المطر بغبارها .. الورد يزهو بنشوة ... " ص41 . مَن بقي ليغتسل بعد ،غير الناس .. البشر .. و ليكن هو في طليعتهم .. " تأمل برهة ، ثم بدأ يخلع
ثيابه .. ساحت الخيوط المائية على جسده و شعر بارتياح حين كان يمسح جسده و يمسِّد شعره .. " ص41 . لكن المتجمهرين حوله ، مطوّقون بكل أغلال { العرف الاجتماعي } ، الذي كثيرا ما ــ بل دائما ما ــ أجهض أهم الرغبات ــ النزوات الجميلة في عمق الإنسان ، لذا رأيتهم ــ كما رآهم أللا منتمي ــ " بدأ الإعياء ينتابهم .. يخفت صوت بعضهم ، و يصمت البعض الآخر .... و أطبق سكون شامل . "
ص43 . و ....
ليتنا لم نسمع " زنزنات الاسلكي المبثوثة من الراديو لتعيد توازن أحاسيسه . " ص46 . لتوقظ ــ منتمينا ــ من حلمه اللذيذ .
** للناي في المجموعة حضور لا يستهان به ، فهو يشكّل ــ مع النافخ فيه ــ في قصة { رحيل النغم } أهّم مكوناتالقصة ..ويطل علينا
من جديد ــ الناي ــ في قصة { تراكمات الرؤى المنطفئة }،إذ يشبِّه صوت المرأة ــ الممرضة بصوت الناي . " مَن أعَّدَ كل هذا ؟ أهي المرأة صاحبة الصوت الذي يشبه صوت الناي . ص98 .
** " خلف غشاوة منسوجة بالضباب ، يتحرك شبح امرأة ، ينساب صوتها دافئا حنونا مثل صوت الناي. " ص97 .
بهذا الـ{ شعر} ، الذي لا ندري إلى أين يطير بنا ، يفتتح { ودود } قصة { تراكمات الرؤى المنطفئة } .. تنتشله ــ إلى حين ــ ممرضة
من جحيم أجواء كابوسية مدمرة ، إلى فردوس إنساني عذب ، يغيظه ــ و يغيظنا معه ــ أن هذه الممرضة التي تعالجه ــ جسدا
وروحا ــ { ترحل } ! قبل أن تتوطد علاقة ــ يريدها ــ معها ، لتؤكد ــ في مسار آخرــ أن { الرحيل } ، أيضا ــ يشكِّل عاملا مشتركا
لأكثر من قصة في المجموعة .. فعازف الناي في قص { رحيل النغم } يرحل . " أزاحها بساعده ، مارقا من أمامها إلى الداخل ، ليرتقي السلَّم قاصدا الغرفة ، حيث يأوي العازف ، فصاحت في أثره : لقد رحل .. رحل . " قصة { رحيل النغم } ص59 .
وكان جميل جدا لو أن القصة انتهت عند هذه الـ { رحل ..رحل . } فالسطور التي تلتها لا تقدم شيئا للقصة .كما أننا تمنينا لو كانت نهاية
قصة { تراكمات الرؤى المنطفئة } غير هذه النهاية المأساوية .. نهاية متفائلة واعدة بانتظارٍ مفْعمٍ بأمل إطلالة الوجه الذي توقف
ابتسامته شعر الرأس . " ثم استدارت بعد أن أرسلت له بسمة أوقفت شعر رأسه . " ص102 .
** يملئنا افرح و نحن نتابع { نبتة } نغرسها .. يتصاعد اهتمامنا بها مع تصاعد {النسغ }في براعمها و امتداد جذرها في عمق الأرض ..
نبتة تزرع في حديقة عامرة بأشجارها وورودها و أرضها الخضراء .. فكيف بـ { نبتة } غرست ــ بكيفية ما ــ في أرض كونكريتية
شحيحة المياه . " كنا نرتشف فضاء المستطيل الأزرق حدّ الدوار .. إنه آخر الشتاء و أول لربيع الذي لا نرى فيه هنا إلا المساحة
الإسفلتية و الجدران الملحاء ... وفي لحظة هائمة في ثنايا الزمن ، لمحنا برعما شفاف الخضرة يشرأب بعنقه الغض ، يحاول أن
يتحدى صلابة الصخر ."النبتة ص 108 .
لعل ودود { رمز } بهذه { النبتة } إلى {فكرٍ} حاربته كل قوى الظلام و القهر ، ولكنه بقي متجذرا في الأرض ، ناميا في عقول مَن
آمنوا به .
** عرفنا { الاغتصاب } ممارسة منحرفة تكون ضحيته ــ عادة ــ أُنثى .. نقول أُنثى ، و لم نقل امرأة ، لأن عمر
أو وضع { المغتصبة } لا يشكل أي أهمية لمن يغتصبها .. و تلك ظاهرة متفشية ــ ظاهرة الاغتصاب ــ في المجتمعات المتقدمة ــ المتطورة ، بل الأكثر تطورا في العالم ــ تابعوا جرائم الاغتصاب في أمريك و بريطانيا ـ أمريكا و بريطاني ــ ثم بقية \دول أوربا .أما أن
يكون {المغتصب } ــ لاحظوا ــ المغتصب بلا تاء التأنيث .. بل إن تاء التأنيث { هي } الفاعلة ــ المغتصبة ..و الغرابة ــ المفارقة ـ
اللذيذة ــ المدهشة أن المغتصِب ــ بكسر الصاد ــ إمرأه !! ــ ليست { زليخة } بالتأكيد ــ ..امرأة سوداء يصعد { فيها } شبقها الأفريقي الملتهب ، إلى حدٍ " أمسكت به و شدّت على يديه و سحبت جسده دون أن تترك له فرصة التراجع .. أدنت فمها تلعق شفتيه و عنقه ..
فحيح احتراق أنفاسها يلطم وجهه .. لم يكد يرى أو يشعر كيف تمكنت من أن تنضو عنه أرديته الأولى و الأخيرة ... حتى استدار بعنفوانه الفتي يمشط أجزاء جسدها بجنون متوحش ، وبتنفيس الرغبة الموءودة . حتى أحس بينابيعه تتفجر و تنفض عنها سباتا قرويا متحجرا."
{ الاغتصاب } ص121 .أ{ دخلتم } في مفارقة ــ أكرر ــ مدهشة ــ لذيذة مثل هذه في تاريخ الأدب ؟! مثل هذا {الاعتداء } الذي اهتزت له
حتى سعفات النخلة . " ارتمت بجانبه ، تنتابها إغماءة التمتع بلذة الاسترخاء لأخير تحت ظل النخلة التي هزّت
الريح سعفاتها ، فتلامست و افترقت و عزفت رفيفا سرِّيا مزيجا من الفرحة و الاحتجاج . " ص122 .
• بقيت بضعة قصص لم نتناولها بقراءتنا ، المتواضعة هذه ، لا ضعفا فيها و لكن قصورا منا ، آملون أن يتصدى
كبار نقادنا لهذه المجموعة القصصية المتميزة ، ليقرءوا ما بين سطورها أكثر مما استطعنا .
نشد على يدي ودود ، و نتمنى أن يتحفنا ، بعد ، بمزيد من منجزه الإبداعي .
خاص "أدب فن"


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك