أسماء في قفص المراثي !!
ناظم السعود
لا اعرف من قال عبارة واخزة (الكلمة تنبت ولو بعد الف عام) لكنني موقن بصحتها في الارض وليس على الورق فحسب ومن هذه المقولة التي ترتقي الى مصاف الحقيقة اقول ان ما كتبه آخرون وما كتبته شخصيا من كتابات تنسب الى نمط المراثي يكاد يبصم اهميته في تلاحق الاحداث ودورانها المستمر ذلك ان (تأريخ الكلمة يكرر نفسه اكثر بكثير من التأريخ العام الذي يباغت او ينسف نفسه ومن حوله) ،ومن السهولة ان أصل الى تخريجة قاسية تقول ان السيرة الثقافية العراقية هي ،في الاغلب،مجموع المراثي التي اجملت المصائر والوان الحتوف والنهايات التي حاقت مجاميع من صفوة الادباء والمثقفين بل يمكن الاعلان جهارا ان (المراثي) هو الفن الاكثر تداولا وانتشارا منذ مائة عام !.
اليوم هيمنت على قلبي المعطوب _ على اثر ورود فجيعة جديدة هي رحيل الفنان الرائد عزيز عبد الصاحب _ فكرة ترى انه بالامكان الاعلان عن ناد ثقافي جديد لا اجد له نظيرا في اي جغرافية اخرى يمكن ان نطلق عليه فورا (نادي القلوب الثقافية الوحيدة !) وسنجد ان الغالبية العظمى من العاملين في الوسط الثقافي العراقي منتسبين اليه اما اختيارا او عنوة !.
كثيرا ما كتبت بل صرخت عن حالات مزرية وكرامات مخدوشة يعاني منها ادباء ومثقفون في هذا الوطن وطالبت ان يتم الاصغاء لتلك الدعوات قبل فوات الاوان وحتى لاتكون ارض العراق (ارضا مجدبة ثقافيا) كما ذكر لي الشاعر خزعل الماجدي في حوار سابق.في السنة الماضية والحالية حصل ما كنت اتخوف منه وخسرت الثقافة العراقية بعض مبدعيها اما موتا او صمتا او رحيلا جغرافيا، خذ مثلا انني في يوم ما كنت مع شاعرنا الكبير عيسى حسن الياسري قبل ساعات فقط من اغترابه الجديد حيث قال لي بألم مضض (تصور انني في مدينة كندية وعندي كل وسائل الراحة الثقافية والادمية وهناك طبيب خاص لعائلتي يزورنا باستمرار ويوفر لنا الفحوصات والعلاجات واذا تطلبت الحالة تدخلا اكبر يأمر بتحويلنا الى مشفى عام، كل هذا بالمجان وبيسر تام ومعاملة انسانية) وبعد صمت ومقارنة مخجلة بين الهناك والهنا يسألني بغتة (هل ان كندا اغنى من العراق؟) ولا اكاد اجيبه من الخجل والحرقة وتأنيب الوجدان لكنني اتأسى لذلك السرير المرضي المزمن الذي يتمدد فوقه عشرات من ادباء ومثقفي العراق بأهمال واضح ونبذ مفضوح من اهل المسؤولية في الثقافة والصحة والاخلاق العامة! طبعا بعد ساعات من حديثنا اضطر الياسري مجبرا على انتهاج طريق الغربة فعاد الى اقصى الارض.. هناك في كندا حيث يجد لشخصه وعلله الامان والعلاج والحنان المفقود!.وقبله باسبوع واحد كان الاعلامي الكبير والصحفي المتمرس الدكتور هاشم حسن يحدثني عن اوجاع صحية اخذت تتواجد في بدنه وروحه وتقلق يومه اكثر من ازيز المفخخات وانين الجوعى ، في مقهى (الشابندر) قال لي الدكتور هاشم ان علته الصحية الاخيرة لم يجد لها دواء ناجعا في بغداد (او لك ان تقول لم يجد المكان العلاجي الذي يرتاده في حالة النكوص والشعور بالاتوازن بين الداخل والخارج) وهكذا سمع به احد اقربائه في مدينة البصرة وعلم بحالته القلقة فطلب منه القدوم الى البصرة ليوفر له علاجا لم توفره بغداد له! هكذا ذهب الاعلامي والاكاديمي والنقابي مئات الكيلو مترات بحثا عن علاج في الجنوب وكل العناوين التي ينتمي اليها تقف عاجزة ومشلولة في دوائر البيروقراطية واللاادارية والمحسوبية تمعن في اذلال كبارنا ورموزنا الثقافية والاعلامية بحيث انهم جميعا لايعرفون ان يؤسسوا مركزا علاجيا لمداواة الجروح والكرامات.
ولسنتين كاملتين والمثقفون في بغداد يجمعون التواقيع ويذبحون الكلمات والبلاغات لاجل زميلهم الشاعر والكاتب عبداللطيف الراشد الذي كان يجرجر احد ساقيه في شوارع بغداد بعد ان تعرضت للحرق واشتكى قلبه الطيب من الخرق المستمر واصبحت ليلة في فندق يائس هي مثل الحلم في ليل بارد او نهار قائض ولكن انى له ذلك واصحاب الكراسي ينظرون ويشمتون وتأتيهم آهات المرضى والجوعى وهم يقهقهون ويتسامرون في كازينوهات الخليج واحتفالات عمان ومراقص الهونك كونك! وبقي الراشد يصرخ من معاناة المرض واجحاف العقوق حتى عثر عليه ميتا في اقليم المحمودية ! ولو احصيت ثبتا جامعا لمن اطيح به في ساحات الثقافة او معارج الادب لوجدت كما هائلا من الاسماء والعناوين التي تفاخر بها ثقافتنا العراقية ولكنها على اثر (دوران الفلك) او ضربة انقلاب او خطة باسلين وثوريين اصبحوا خارج الاهتمام الرسمي او المتابعة الصحية فكانوا كحضاراتنا القديمة (سادوا ثم بادوا!). ان هذا الامر الخارق لنواميس الطبيعة والوجدان اعزوه الى ازمة اخلاقية رهيبة تجلد الحياة العراقية بالمزيد من الصفعات والاطاحات بالرموز لسبب عمق الفجوة الفاصلة بين الخطاب العام المكتض بالقيم والشهامة والمصداقية والممارسة الواقعية المجحفة من سحق واذلال وتهميش ومباغتة الرموز الثقافية الى منطقة العتمة العتمة. اننا ايها الاحبة نعيد كلمة اخرى قد تنبت بعد مليون سنة وهي: الثقافة العراقية بحاجة الى جرعات من الحنان والاحتضان الضنينين!!.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك