الرئيسية »  الـنــقـد»  كأنّي أُقْدِمُ على جنديٍّ أو شرطيٍّ؟ إنّما أُقْدِمُ على ربٍّ غفور!

كأنّي أُقْدِمُ على جنديٍّ أو شرطيٍّ؟ إنّما أُقْدِمُ على ربٍّ غفور!

عدد مرات المشاهدة :1352 - 12/ 8/ 2010

آمال عواد رضوان

كأنّي أُقْدِمُ على جنديٍّ أو شرطيٍّ؟ إنّما أُقْدِمُ على ربٍّ غفور!

  

  

بهذهِ الكلماتِ أسْلمَ الرّوحَ أبو حيّان التّوحيديّ البغداديّ (923- 1023)، فكيفَ يكونُ مُلحِدًا وزنديقًا قائلُ هذهِ الكلماتِ؟
إنّهُ شيخُ الصّوفيّةِ وفيلسوفُ الأدباءِ، عاشَ يتيمًا مكروهًا مِن عمِّهِ، وصارعَ شظفَ العيْش بطموحِهِ الواسعِ واعتدادِهِ الشّديدِ بنفسِهِ، فامتهنَ حرفةَ الوراقةِ ونسْخ الكتب، ممّا أكسبَهُ درايةً واسعةً وروايةً لثقافةِ عصرِهِ، وقلَمًا سيّالاً يُبهرُ القارئ بحذاقةِ لغتِهِ الأنيقةِ وتوظيفِها بلباقةٍ فيما يرمي إليه، لكنّهُ كانَ دائمًا ناقمًا على عصرِهِ يائسًا مِن مجتمعِهِ، بسببِ نارِ القدْح الّتي اتّهمتْهُ بالزّندقةِ والإلحادِ، والتهمتْ نورَ مدْحِهِ، فعايشتْهُ الإحباطاتُ والإخفاقاتُ المتواصلةُ وتجاهُلُ المحيطينَ بهِ مِن أدباءَ ومؤرّخينَ ووزراء، وبرَعَ في جزالةِ مؤلّفاتِهِ وتنوّعِها وتناوُلِها شتّى ميادينِ الحياةِ الّتي عاصرَها، بأسلوبٍ شيّقٍ مشحونٍ بفكرِهِ العميق، وتركَ إرثًا نفيسًا في مجالاتِ الأدبِ واللّغويّاتِ والتّصوّفِ والفلسفةِ والنّوادرِ والأخبارِ السّياسيّةِ والفكريّةِ والاجتماعيّةِ، لكن؛ ما نظرتْ إليهِ عينٌ مُنصِفَةٌ، لأنّهُ كتَبَ بأسلوبٍ ساخرٍ فاضحٍ وناقِدٍ مُرٍّ، بعيدًا عن المُحسّناتِ البديعيّة، ممّا أثارَ حنَقَ الكثيرينِ مِن آرائِهِ ومواقفِهِ، وقد تقلّبَتْ عليهِ الأيّام والأعوامُ، ففرَّ إلى التّصوّفِ عساهُ ينعَمُ بالعزاءِ والسّكينةِ ويُخفّفُ مِن معاناتِهِ ومتاعبِهِ، وقالَ متحدّثًا عن نفسِهِ:
فلقد فقدتُ كلَّ مؤنِسٍ وصاحبٍ ومرافقٍ ومشفقٍ، ووالله لربّما صلّيتُ في الجامع فلا أرى مَن يُصلّي معي، فإنِ اتّفقَ فبقّالٌ أو عصّار، أو ندّافٌ أو قصّاب، ومَن إذا وقفَ إلى جانبي أسدرَني بصنانِهِ وأسكرَني بنتْنِهِ، فقد أمسيتُ غريبَ الحالِ غريبَ اللّفظِ، غريبَ النّحلةِ غريبَ الخلقِ، مُستأنِسًا بالوحشةِ قانِعًا بالوحدة، مُعتادًا للصّمتِ مُلازِمًا للحيرة، مُحتمِلاً للأذى يائسًا مِن جميعِ مَن ترى"!

لقد بلغَ بهِ صراعُ الأضدادِ حدًّا عميقًا كادَ ينتهي بهِ إلى الانتحارِ، لكنّهُ لمْ يجرؤْ على الانتحارِ الجسديِّ، وإنّما انتحرَ أدبيًّا، إذ أنقذَهُ التّصوّفُ وإيمانُهُ بشرفِ النّفسِ الإنسانيّةِ، واعتقادُهُ الرّاسخُ بضرورةِ الانقيادِ للنّفس النّاطقةِ بدلاً مِن الصّامتة، وعِوضًا عن ذلك، جسّدَ الانتحارَ في حياتِهِ بشكلٍ دراميٍّ، حين حوّلَ صدى فكرةِ الانتحارِ مِن نفسِهِ إلى كتبِهِ، فجمَعَها وأحرقَها بعدَما تجاوزَ التّسعينَ مِن عمرِهِ، لأنّهُ لم يرَ في كُتبِهِ منفعةً عندَ مَن لا يعرفُ قدْرَها.

هل حقًّا الشّعراءُ والأدباءُ والفلاسفةُ هم شهودٌ على حضاراتِ وثقافاتِ عصورِهِم؟
وهل يكونُ يكونُ لهم آثارٌ واضحةٌ وبصماتٌ جليّةٌ على العصرِ نفسِهِ؟
وهل يكونُ لآثارِهِم صدًى إيجابيًّا في أزمنةٍ لاحقةٍ، تفيدُ البحْثَ والتّنقيبَ والتّحليلَ في شتّى مجالاتِهِ الثّقافيّةِ؟
ألا يمكنُ أن يكونَ لشخصيّاتِهم وغراباتِهم وقعٌ سلبيٌّ في بلورةِ فكرٍ ما؟

أبو حيّان التّوحيديّ هوَ نموذجٌ متميّزٌ مِنَ التّراثِ القديمِ حولَ ظاهرةِ الانتحارِ، ولكن انتحارًا بشكلٍ مغاير، فهذا النّمطُ يُدعى بالانتحارِ الغيْريّ أو الإيثاريّ، الّذي أطلقَ مصطلحَهُ عالمُ الاجتماع الفرنسيّ "إميل دوركهايم"، وأسوقُ أمثلةً لهذا النّوع مِن الانتحارِ الإيثاريّ أو الغيريّ!

الفيلسوفُ الفرنسيُّ لويس التوسير، هو أحدُ معلّمي الفكرِ المعاصر، وصاحبُ المشروعِ المعروفِ لتجديدِ الماركسيّة، وقد مُنحَ درجةُ الدّكتوراه على مُجمَلِ أبحاثِهِ كحدَثٍ جامعيٍّ فريدٍ، إلاّ أنّهُ اتُّهِمَ بأنّه أفسدَ الفلسفةَ الفرنسيّة، وفي سيرتِهِ التّحليليّةِ والمُعلَنةِ، تكلّمَ عن ثقافتِهِ الضّحلة نسبيًّا لزملائِهِ، لأنّهُ لم يقرأ إلاّ القليلّ، وما عرفَ إلاّ سبينوزا وباسكال وأفلاطون، بينما زملاؤُهُ تفوّقوا عليه ثقافةً، فقرؤوا هيغل وكانت وهيديغر وهوسرل والوضعيّين المنطقيّين والقائمة طويل، ونتيجةً لنوباتِ الكآبةِ وعزلتِهِ الطّويلةِ، فقد أدّتْ بهِ إلى مأساةٍ دفعتْهُ إلى خنْقِ زوجتِهِ هيلين وقتلِ مَن أحبَّ، ليحميَها مِنَ الآلامِ الّتي كان يُقاسي منها، لأنّهُ لم يجرؤْ على قتلِ نفسِهِ!

أمّا الشّاعر جوته الّذي طالما راودَتْهُ فكرةُ الانتحارِ في نزوعِهِ الشّديدِ إليها، فقد تغلّبَ على فكرةِ الانتحارِ مِن خلالِ شخصيّةِ فيرتر المختلَقةِ في روايتِهِ المشهورةِ "آلام فيرتر"، كما استطاعَ أن يتغلّبَ على حبِّهِ البائسِ اليائسِ لحبيبتِهِ شارلوته كستنر سنة 1774، مُتخطّيًا بذلكَ آلامَهُ بوصفٍ شنيعٍ.
لكن؛ وللأسفِ تحوّلتِ الرّوايةُ إلى كتابٍ مرشدٍ عصريٍّ للانتحارِ، ممّا حدا بالسّلطاتِ الحكوميّةِ والمؤسّساتِ الكنسيّةِ منعَ تداولِهِ أو ترجمتِهِ، فأقدَمَ الأسقفُ مايلاند على شراءِ جميع النّسخ المترجَمةِ للّغةِ الإيطاليّة، وكذلكَ وليُّ عهدِ الدّنمارك منَعَ ترجمةَ الكتابِ واسع الانتشارِ في بلادِهِ، لكن، كانَ كلُّ ذلكَ قد تمَّ بعدَ فواتِ الأوان، وقد انتشرَ كتابُ جوته، واتّسعتْ موجةُ انتحارِ القرّاءِ بدلاً مِن انتحارِ الشّاعر!

ولكن جان بول سارتر الفيلسوفُ الفرنسيُّ (1905 - 1980)، فقد كانَ روائيًّا وكاتبًا مسرحيًّا وكاتبَ سيناريو، وناقدًا أدبيًّا وناشِطًا سياسيًّا، وهو صاحبُ المقولةِ الشّهيرةِ "السّلامُ هو الحرّيّة"، وهو صاحبُ النّظريّةِ الوجوديّةِ حولَ أهمّيّةِ وجودِ الإنسانِ، وأهمّيّةِ هذا الوجودِ عندَ تحديدِ أهدافِهِ وغاياتِهِ، وذلكَ مِن خلالِ كتابِهِ الشّهيرِ
"الكون والعدم" عام 1943، حولَ علاقةِ الفرْدِ بنفسِهِ وبالمجتمعِ وبالكوْن، وبأهمّيّةِ إدراكِ الحرّيّةِ واستخدامِها بشكلٍ صحيحٍ ونافعٍ، كي ينتقلَ مِنَ العدمِ واللاّشيء إلى كائنٍ حيٍّ، وإلى مشروعٍ لهُ قيمتُهُ المميّزة، فكانَ مناصِرًا لحرّيّةِ الإنسانِ ومدافِعًا عن حقِّهِ في الحياةِ الكريمةِ، وقد أثارتْ فلسفتُهُ الوجوديّةُ جدَلاً، ومُنح جائزة نوبل، لِما كانَ لهُ مِن تأثيرٍ كبيرٍ على الوسطِ السّياسيِّ والثّقافيِّ الغربيِّ والعرّبيِّ في تلك الفترة، وفي صناعةِ الفِكرِ الغربيِّ في الشّرق، إلاّ أنّ تقلّباتِهِ الفكريّةَ اللاّحقةَ، ومواقفَهُ مِن قضايا العالم وثوْراتِ الشّعوبِ، أخذتْ تُظهِرُ الغموضَ الّذي يكتنفُ شخصيّتَهُ، وبسببِ شعورِهِ بالخواءِ الرّوحيّ، جعلَ يقتلُ الوجوديّةَ بتنكّرِهِ لها، كما قتلتْهُ الوجوديّةُ روحيًّا، وكانَ انتقامُ سارتر مِنَ الوجوديّةِ انتقامًا ثأريًّا، وقد جاءَ انتحارُ سارتر الفكريُّ قبلَ رحيلِهِ، فتنكّرَ للوهْمِ ورؤيا للحقيقةِ المتجسّدةِ بالإيمان بالخالقِ نسْفًا للوجوديّة، وانتحارًا للفكرةِ الّتي مضى على الاشتغالِ بها كلَّ عمرِهِ!
أخيرًا، هل كانَتِ إبداعاتُهم بوعيٍ تامٍّ وإدراكٍ للنّفسِ والمجتمعِ، أم أنّ الأمرَ نوعٌ من الفانتازيا الآنيّةِ، مِن أجلِ إرواءِ متعةِ التّأليفِ لديهم؟




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
3.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل