أدب فن: "رائحة الشتاء" قصص لم تسلم من الجدل "رائحة الشتاء" قصص لم تسلم من الجدل ================================================================================ كريم ناصر on 13/ 4/ 2010 إنطباعات نقدية بعد قراءة متأنية غالباً ما يخلو العمل الأدبي من الوحدات الفكرية التي يؤلّف الصراع الطبقي موضوعه الجوهري، وإذا كان الخطاب الوطني يعتمد على هذا النسق، فلأنه كما نلاحظ يمثّل كلاً مترابطاً يكوّن متنَ الموضوع، القصصي، ولكنّ الأمر هنا يعاكس النسق ولو افتراضاً، وهذا مما يسوغ امكانية نفي (ـ المادة الأيديولوجية) (1) كمبدأ أساس، وتعويضها بالاستطيقا تلافياً لحدوث الثغرات، والشيء الأهم من ذلك هو الأمساك بخيط الخطاب الذهني في الإطار نفسه، كمسعى إلى تأسيس نمط تجديدي يقوم على تأويل اللغة من منظور استطيقي (+ جمالي) بصري تارة، أو تقني (+ لغوي) أُسلوبي تارة أخرى دون الإخلال بالوظيفة الأدبية للسرد القصصي. هكذا نخرج بانطباعنا بعد قراءة متأنية للكتاب الذي بين أيدينا للقاص العراقي "محمود عبد الوهاب" فنحن لم نعالج على مستوى التحليل إلاّ عينة خاصة، أي بمقدار ما يتضمّنه المؤلَّف من دون الرجوع إلى المرجعيات التي تقع خارج سياق ما نعمل عليه، وقد يتعذّر أحياناً تمييز التطابقات النصيّة ما لم نفهم أسباب انزياحاتها البلاغية أو الجمالية أو التقنية. إنَّ صعوبة تحقيق الدلالة على صعيد البنية الفكرية المتمثّلة في الصراع داخل المشهد الواحد تضع القاص أمام اختيارات تسمح لانزياحات العدسة التصويرية، لتكشف بجلاء العمقَ الإستراتيجي للأحداث بواسطة منظار الثديولايت لمسح المَشاهد كيفما كانت مراجعها الفنية، ذلك من أجل إخراجها من أسار نمطيتها، ثم العمل على تعميقها أو تداولها على شكل سرد لوقائع وأحداث وأخيلة ورؤىً أسلوبية تكوّن المَشاهدُ السيميائية البصرية، أو السينمائية التشكيلية موضوعها العام، نظراً لكونها تنتمي إجمالاً إلى نفس الواقع. فالفرق بين الإنزياح الإستطيقي والإنزياح اللغوي واسع المعنى، فالأول يقدّم صياغة تكمن دلالتها الحقيقية في امتدادها الجمالي، والثاني تحقّق اللغةُ التصويرية فيه على المستوى الدلالي أهدافها، وهذه الطريقة ترجع غالباً إلى عقلنة القصة أي لجعلها ذهنية لتصبح طريقة أو آليّة على نقيض ماهو معروف، وذلك لإنشاء بنىً متماسكة لغوياً، تكون مصدرها اللسانيات، انطلاقاً من التنوّع الأسلوبي للسرد كقيمة تعبيرية خالصة تفرض نظاماً خاصاً يعمل على اختزال التفاصيل، وليس اختزال الأفكار.. وقد نلاحظ أنَّ صورة البطل في "القطار الصاعد إلى بغداد" تبقى جزءاً من بنية القص المطابقة لانزياح المضمون الذي تجسّده اللغة، ولكن هذه المرّة من أجل إنتاج الدلالة: "إنّ شيئاً ما في داخلي، دافئاً غريباً جعلني أبدو أكثر ايماناً فوضعت قدمي في الطريق العريضة وأخذت أسير متّبعاً ذلك الإنسان القوي الضخم المتين العضلات" ص142 (القطار الصاعد إلى بغداد) الإنزياح البصري لتوصيف الصورة الإستطيقية: نادراً ما يستطيع عمل أدبي انجاز وظيفته الدلالية، في غياب القرائن، نحن لا نرى خيط الصراع لكي يظهر الفرق جليّاً، يجب أن نعرف أنّ الفكر ليس حاضراً دائماً، كلّ هذا يدل على أنّ مادة المحتوى تبقى مضمرة، لأنها لم تقدّم معياراً مرئياً لمعرفة الوحدات الفكرية بمعنى من المعاني.. نحن هنا إذاً نتحدّث عن بنية إسنادية معبّرة تصوّر التحوّلات المهمّة، لتزوّدنا بمعطيات جمالية تتغيّر وظيفتها بتغير الحدث، وتصنع معناها من التفاصيل البصريّة، باعتبارها السمة المهيمنة والتي تعدّ إحدى المكوّنات البنائية للإنزياح. هذه البنية تصبح أيضاً آلةً لمسح الصور، ولكن ليس لالتقاطها، فالغاية التي ترمي إليها تظلّ نوعياً إيحائيّة: "إني أشمّكم أيّها المعلمون إنَّ لكم رائحة برية القلم الرصاص" ص24 (يوم في مدينة أخرى) فغياب الدلالة الفكرية يُسقط عن القص كلّ ما هو أساسي غايته الفكر، ويبقى أن نفهم أنَّ القيمة المفهومية تحديداً هي النتيجة الأسلوبيّة المعبّر عنها فنيّاً بصيَغٍ معروفة لدى القاص، لأنّها كانت بدورها ظاهرة سادت ذلك الوقت.. ولا يُستبعد أن تكون التضحية بالمحتوى الفكري استجابة لمقتضيات المرحلة، لكن مع ذلك نحن لا نراها مثلبة، ولا نستطيع أن نحكم سلباً على الأداء، ما دامت السمة العامة لا تناقض المقاييس المعياريّة للقص، وإذا قبلنا بهذه الثيمة، إذ إنّما نقبل بها باعتبارها نمطاً خاصاً قياساً بما تقدّمها القصة التجريبية في أثناء صيرورة تطوّرها، والفارق في ذلك سيكون لدى القاص كما هو الحال ما يبرّره للتسليم بالنتائج لنفس السبب.. يظهر أيضاً أنَّ التكرار سينال من جمالية الصورة، ويجعلها خاضعةً لنمط من الهيمنة، وفي شأنٍ متصل نلاحظ أنَّ الفعل المضارع (2) يتكرّر كثيراً، مما يلزم الكاتب أن يصنع بديلاً معيارياً يستجيب لمعادلة مشابهة توازي ما يميزها في درجة الانزياح، أي أن تسمح الصياغة بتأويل الدلالة وليس بإضعافها: "الشارع يتحرك في عينيه: يبرق. يضيق. يرتعش. يشحب. يزحف في حركته لا ينقطع. يطوي هذا العدد الضخم من الناس والأشياء ليستعد لنهار جديد في رحلة لا نهاية لها) ص128 (طقس العاشق) إنَّ مثل هذه المحدّدات لا تصبح في حصيلتها مرجعاً مفيداً، وما الإفراط في استعمال الفعل الماضي الناقص في قصة "سيرة" على سبيل المثال إلّا قيمة إضافية للسمة الهيمنة (3) وهذا ما يجعلنا نعتبر نموذجاً مثل "يحدث هذا كلّ صباح" (4) صورة واضحة من الخطاب العام، كما لو أنَّ هدفه الجوهري هو تقوية الجانب الجمالي على حساب البنية الفكرية العميقة، فضلاً عن التخلّي المبكر عن البعد الأيديولوجي، وهذا مبدأ أساس سارت عليه القصص للإحتفاظ بنسق تعبيري معيّن يفرض قيمته الأًسلوبية على مساحة السرد تماشياً مع المتطلّبات الجمالية والرؤيوية في الواقع.. هذا الفارق يسوق الكاتب إلى اتخاذ الاستاطيقا أُسلوباً جمالياً لتجسيد تصوّراته بأُسلوب لم ينتهجه غيره، وكانت هذه حجّة تكفي أن تظهر قصصه بريئة، وربما يرجع السبب إلى طريقة معالجته المتفرّدة في بناء الحدث، ووجه الاختلاف في ذلك هو حساسية الوضع السياسي، ولكيلا يفتحَ على نفسه إمكانية حرب مفتوحة يضيع بسببها نتاج حقبة كاملة، وبهذا تأخذ الأحداث معناها من جوهرها، والغاية مبرّرة أساساً من إحداثيات السرد التي لا تقابلها في الواقع وحدات دلالية فكرية، تكون نقطة انطلاقها الصراع: "آه لماذا لا أستطيع أن أتصوّرها إلاَ بهذا الثوب مع أنها لم ترتدِه هذا اليوم؟!" ص58 (يحدث هذا كلّ صباح) وقد نلاحظ نفس السمات في قصة "إمرأة مختلفة": "راقب حركة يديها وهي تزيل بإصبعين، برقة الخزف، الشريط الأحمر من مكعب الزبدة لتفصل ورقته الفضيّة عنه وتُلقي بها في الطبق البلوري" ص62 (إمرأة مختلفة) الإنزياح اللغوي لرسم الصورة البلاغية: لا يختلف المعيار بتاتاً مهما تنحسر الدلالة الفكرية في مستوى معيّن، لطالما يتحقّق المبدأ الأساس على مستوى دلالي أعلى يجعل من المضمون غالباً نتيجة تابعة لصيغة تكون التفاصيل موضوعها الأول.. من المفيد أن نعرف أنَّ الإحساس بالمعنى الدلالي لا يخضع لأية شروط تلزم الكاتب على اجتراح الخطاب بالطريقة نفسها، ولكن الملاحظ أنَّ هذه الاستقلالية، إنّما هي جزءٌ من صيرورة مماثلة تضع اللغة في إطار جمالي أو ذهني في أحسن الأحوال، لتكون حاملاً لها، لتصوّرها كهدف للعمل القصصي كما سنرى. إنّ اللغة هنا قوام القص، والإنزياح يكون مسنداً لكل التفاصيل الجوهرية. يبقى ضرورياً جدّاً أن نفهم المعاني من الوحدات التقنية الموزّعة في مفاصل القصص، وقد يُظهر تحليلنا أنَّ المقاطع الستة في "الشباك والساحة" تغدو المعاني فيها معبّرة دلالياً، والإمساك بهذه الحقيقة يأتي باطّراد من نتيجة قراءة تامّة بعد القبض على دلالة المضمون، وليس الدلالة الفكريّة المضمرة: "آه أيمكن أن يكون هو ذلك الصبي الذي في داخل الشباك؟" ص14 (الشباك والساحة) وإذا أخذنا هذا المثال سنجد نفس السمات المنتمية لدلالة المضمون في الجملة: "لماذا نحب أمهاتنا يا أولاد؟ سِت، لانهنَّ لطيفات، يحضرن لنا الطعام ويدثّرن لنا سيقاننا المشلولة" ص13 (الشبّاك والساحة) وكيفما كانت طرائق التعبير، تجريبية أم ذهنية، إستطيقية أم أسلوبية، فتظهر اللغةُ في جميع الأحوال رصينةً ومسبوكة بحرفية عالية ـ كما سبق أن قلنا ـ على رغم من أننا نعتبر الفكرة المركزية من ضمن البديهيات العامة، غير أنَّ القاص يكثّف من هذا المستوى ويعوّض عنه بالإنزياح، كصيغة معقولة يضعها في إطار الحركة الموصولة بالحياة. إنّنا في وسعنا أن نحتفظ بمادّة المعنى داخل المعطم أو خارجه، داخل القطار أو خارجه، داخل الحافلة أو خارجها، داخل الترام أو خارجه كصُوَرٍ يمكن أن تصنعها الطبيعة بدقّة موضوعية، لأنّها تمثّل اللغة المعيارية للواقع، ولهذا الغرض يقود المؤلّفُ أشخاصه أحياناً إلى جوّ الرومانسية التعبيرية، وطوراً إلى الفنتازيا لخلق حالة من التوازن تكون بعيداً عن الدراما الإنسانية، وتكتفي بالاحتفاط بمادة لا ملامح طبقية لها، وربما لإظهار تجلّيات المعنى من محتواها البنيوي، من حيث هي تراكيب خالصة يفترضها المؤلف. نفهم من ذلك أنَّ الكاتب في "عين الطائر" يشبّه مجازاً فعل الطيران، ويزنه بميزان الحريّة جاعلاً من الشاطئ مادة أُسلوبيّة معبّرة، جوهرها الدلالي: الإستقلالية المتجسّدة لغوياً في صورة النورس، وعليه أنّ التحليق في الأماكن العالية أياً كان معناه، فإنه يرمز إلى الحرية (+ الثيمة) التي لا تمنعنا من أن نربطها بالمدلول: "أكاد أسمع مواءها كلّما ضغطت شفتاه على شفتيها" ص85 )سطوح المظلات( "اندلق السائل بلزوجته على غطاء المائدة وتدلّى من الحافة على أرضية المطعم يتدفق، يسيل يتشعب في عروق منتفخة" ص111 (الملاعق) وانطلاقاً من هذا نعتبر الثيمة مقوّماً أساسياً للمدلول الحقيقي، وتكاد تكون "رائحة الشتاء" القصّة النموذجيّة التي تمتاز بخاصية جدلية مختلفة كلياً، إذا ما قارناها ظاهرياً بسابقاتها، والواقع أنّ الإختلاف هنا يرجع بالتحديد إلى إمكانات القاص في اختياراته الإستعارية الذكيّة لمستوى شكلي تكمن دلالته الأُسلوبية في تركيبه السوسيولوجي، كاختيار معرفي لتشخيص طبيعية العلل الإنسانية وتحليلها على اعتبار أنّها ظاهرة مستديمة تنخر جسدَ المجتمع: يقول سلمان الشاعر: "جاء الشتاء كيف سأحتمي من متاعب الربو والقصبات بهذا المعطف؟" ص91 "لقد استحال معطفه إلى غلالة رقيقة ما إن تمسه ابرة حتى يتهرأ بين يديك لقد مات اكاكيفتش من البرد" ص92 (رائحة الشتاء) هوامش: (1) على جسدك يطوي الليل مظلته، على سبيل المثال. (2) الحديقة أنموذجاً. (3) مثل: كان وكانوا وكانت وكنت إلخ ص71 (سيرة) (4) كذلك توليف/ الحديقة/ نعي/امتياز العمر/الممر/إمرأة مختلفة /عابر استثنائي/طيور بنغالية. خاص "أدب فن"