أدب فن: نافذة على الأدب الروسي.. (الحلقة الثانية) نافذة على الأدب الروسي.. (الحلقة الثانية) ================================================================================ أحمد فاضل on 05/ 4/ 2010 باسترناك ونوبل! من بين الاحداث المرتبطة بالذكرى المئوية لبوريس باسترناك، تحتل جائزة نوبل مكانا خاصا فيها، فمع عدم استلامها من قبله عام 1958 بسبب مطرقة ستالين الحديدية التي كانت تطارد الكُتاب الاحرار ومنهم باسترناك الذي وقع في دائرة المغضوب عليهم بسبب مواقفه الجريئة فاختار الانزواء بعيدا عن تلك المطرقة التي كانت تضرب بهمجية معلنة، فظلت السنوات الثلاثين التي قضاها بعد منحه الجائزة غامضة حتى بعد موته. والحديث عن باسترناك وجائزة نوبل تجرنا لسنوات ما بعد الحرب وفي وقت مبكر وفقا للمعلومات التي قدمها الرئيس الحالي للجنة نوبل للسلام لارس، فقد تم ترشيحه للسنوات 1946 حتى 1950 وظهر ترشيحه في عام 1957 وتم منحه الجائزة اخيرا عام 1958 ، ومع انه علم بها بشكل غير مباشر فقد تعمد تجاهلها تدعيما لخط تصديه لهجوم الانتقادات الداخلية التي انهالت عليه درءا للاخطار التي احاطت به نتيجة لذيوع شهرته في اوربا بعد اذاعة هذه الجائزة وصدور روايته " دكتور زيفاجو " في الغرب. هذان الحدثان دعمته الكتابات التي ظهرت على صفحات الصحف البلجيكية والفرنسية والغربية الاخرى التي من بينها اذاعة البي بي سي التي قدمت قراءات واحاديث مستفيظة عن باسترناك وادبه ، ومع ان اغلب اعمال الكُتاب الروس قد ترجمت الى عدة لغات حية إلا ان دكتور زيفاجو تم الانتهاء من ترجمتها الى الفرنسية عام 1958 وتعاطف معها عدد كبير من الكُتاب الفرنسيين من ضمنهم الفيلسوف " البير كامو " الحائز على جائزة نوبل للعام 1957 والذي عبر عن اعجابه بها وبمؤلفها الذي منحته لجنة نوبل جائزتها لإنجازاته البارزة في مجال الرواية والشعر ولإثرائه الأدب العالمي بكتاباته التي تحدث قسم منها عن معاناة الشعب الروسي في ضل نظامي القياصرة والبلاشفة ، مما مهد لهذا الجفاء الذي تعاظم مع نظام روسيا الأخير وعدم تمكنه بالتالي من استلام الجائزة . بعد تسعة وعشرون سنة من وفاته قررت لجنة نوبل تسليم جائزتها التي منحتها لباسترناك عام 1958 لنجله الذي التقاه سفير السويد بموسكو السيد فيرنر بُعيد حضوره المعرض العالمي لباسترناك والذي افتتح في متحف الفنون الجميلة عام 1989 وأكد رغبة بلاده بمنح والده الجائزة التي لم يتسنى له استلامها بسبب التجاذبات السياسية التي كانت تعصف به ابان الحكم الستاليني ، وانه يتعين عليه ان يأتي الى ستوكهولم لقبولها ، فطار هو وزوجته على متن احدى الطائرات وكان في استقباله البروفسور لارس الذي انطلق به الى افضل فنادق السويد " جراند "، حيث استقر هو وبعض من اقاربه واصدقائه فيه . شعاع شمس الصباح الخافت تسلل عبر الستائر ببطئ وايقظ النائمين بينما توارت من وراء نوافذ الفندق أذرع البحيرة البحرية ، والجسور ، والسفن المستعدة للإبحار الى جزر الارخبيل ،بينما ستوكهولم على الجانب الآخر من التل المستدير الذي يحتظن الجزيرة التي شكلت المدينة القديمة مع قصورها الملكية والكاتدرائيات ومبنى البورصة حيث الاكاديمية السويدية تحتل الطابق الثاني منه ، والشوارع الضيقة ، سوق عيد الميلاد والمتاجر والمطاعم ، من ناحية اخرى قاعة المدينة ، ودار الاوبرا وحديقة التل المرتفعة الواصلة الى المدينة الجديدة الضاجة بالتجارة والاعمال ، ضيوف نوبل قضوا يوما بصحبة البروفيسور " نيلز أك نيلسون " الذي اجتمع قبل ثلاثين عاما بباسترناك ، كان ذلك في صيف 1959. وما ان دخل اليوم التالي حتى تقاطر المدعوون الى الاكاديمية السويدية وكان من بينهم من حاز على نوبل في السنوات الماضية وسفراء كل من السويد واتحاد الجمهوريات السوفياتية قبل بعثرتها ، وكذلك العديد من الضيوف والسكرتير الدائم للأكاديمية " ستوري ألن " ، الذي أعطى ميدالية نوبل الى نجل المحتفى به الذي قرأ برقيتين كان باسترناك قد بعثهما في 23 و 29 من تشرين الأول عام 1958 وقال : ( ان هذه للحظة تاريخية ان نسلم الجائزة لابن باسترناك لكننا نشعر بالندم لأنه ليس بيننا ) ، بعدها تلا نجله الكلمة التالية وهو ممسك بالجائزة : ( انه من دواعي امتناني وسروري ان الاكاديمية السويدية ولجنة نوبل قد قرروا قبول منح الجائزة لي نيابة عن والدي الراحل الذي عانى من الاضطهاد على يد رجل انفرادي تسبب في معاناته ومرارته ، حتى اضطره على التخلي من استلامها ، واليوم وبعد تلك التغييرات الجليلة التي تجري الآن في العالم وفي بلادي بالذات جعلت من الممكن ان نحظر هنا بحرية مطلقة كما كان والدي يدافع عنها ) . كانت تلك مناسبة عظيمة أقدمت عليها لجنة نوبل عرفانا منها لموقف باسترناك الذي حرمته الدكتاتورية من نيل الجائزة ، ووسط جو احتفالي مهيب وموسيقى باخ التي كانت تعطر المكان بأريج النغمات وقف ملك السويد ومليكته ليسلموا الميدالية الشهيرة وبعد انتهاء تلك المراسيم كان المحتفلون على موعد مع صوت هاملت الذي ظهر على المسرح في وداعية لباسترناك صارخا : من مقر الألم هدير بدء يزحف قابضا على صدى بعيد يقول : ماذا سيحدث في حياتي ؟ في صباح اليوم التالي كانت الطائرة قد توجهت الى موسكو وهي تحمل نوبل لباسترناك الذي افتقدها كل تلك السنوات وآن ان يتسلمها ظله الممدود على كل بقاع روسيا .