مذبحة اريامو "للشاعر عبد الهادي فنجان الساعدي
أحمد فاضل
قراءة في نص شعري يسترجع الذكرى بألم !
الشعر في واحدة من معانيه مصاهرة الاحداث والاعلان عنها حتى وان كانت هذه المصاهرة لا تعجب الجميع بما فيهم اولئك الساعون لطمس حقيقتها كونها بائنة المعالم كنجمة الصبح أو كضوء النهار .
ومن يقترب من قصيدة "مذبحة اريامو" للشاعر العراقي عبد الهادي فنجان الساعدي سوف يتذكر حتما "محمود درويش" الذي أرشف مآسي الشعب الفلسطيني وأرخ لمذابحه، نقرأ له ونحن على اعتاب قصيدة الساعدي، يقول درويش:
على شاطئ البحر بنت
وللبنت أهل وللأهل بيت
وللبيت نافذتان وباب ..
وفي البحر بارجة تتسلى بصيد المشاة على شاطئ البحر
اربعة، خمسة، سبعة يسقطون على الرمل
والبنت تنجو قليلا لأن يدا من ضباب يدا ما إلهية اسعفتها فنادت
أبي يا أبي قم لنرجع فالبحر ليس لامثالنا
لم يجبها أبوها المسجى على ظله
في مهب الغياب
دم في النخيل
دم في السحاب
يطير بها الصوت أعلى وأبعد من شاطئ البحر
تصرخ في ليل البرية
لا صدى للصدى فتصير هي
الصرخة الابدية ..
هذا التصوير الشعري الذي عيشنا اجواؤه درويش هو نفس التصوير الذي نقلنا الى اجواء اخرى منه شاعرنا الساعدي حينما افتتح القصيد الذي بين ايدينا :
على اعناق خط العالم الوهمي
اريامو غدت وهما.
على الاطفال ...
سال الموت كالتيزاب
كالافعى
سرت في جسد الاطفال
ديدان .. من البارود
صار الموت
يستقبل ضحايا العصر.
يستقبل لظى البارود
في اعماق اريامو .
هنا يتحدث الشاعر عن هذه القرية الصغيرة اريامو أو وير يامو القابعة في موزمبيق بالقرب من سد كابوراباسا على ضفاف نهر الزامبيزي التي هجم عليها الجنود البرتغاليون فاحرقوا اكواخها وقتلوا من سكانها عددا يقدر باربعمائة قتيل ووضعوهم في حفرة بعد ذلك وطمروهم الى الابد ، هذه البشاعة جعلت شاعرنا يستنهض كل رؤاه الشعرية التي اختلط فيها الألم مع الصراخ فيقول:
على اعناق خط العالم الوهمي
اريامو غدت صفرا
وعاد الصفر مذهولا
كطفل يأكل البارود..
والتيزاب
في غابات اريامو..
شحنات شاعرنا العاطفية الممزوجة بحس انساني بدأت بالارتفاع وهو يقلب تلك الصفحات وكأنه يذكرنا بأناشيد الشاعر الانكليزي "كولردج" واعني منها نشيد الاكتئاب الذي يقول في بعض منه:
وهكذا بدت الثمار وأوراق الاغصان التي تنتمي لغيري وكأنها ملكي
ولكن البؤس يميلني الآن الى الارض
ولا أهتم انا بمن يسرقون بهجتي ..
يقول شاعرنا بعد أن ايقن ان القتلة قد رحلوا مخلفين ورائهم جثامين كانت قبل قليل أرواح مغردة تملئها حركات مفعمة بالحياة :
وأنتم .. يا ضحايا الموت
والنابالم
يا صمتا يغيض الوحش
يا صفرا غدا في اعمق
الصحراء
يا صوتا ذراه الموت
والبارود
ما انتم ؟
بقايا عالم اسود
يغيض الوحش والتيزاب
وبحس يدفعه الى مجزرة اخرى، كان مكانها هذه المرة ضفة اخرى هي " ماي لاي "، والقتلة هم القتلة ولو تغيرت فيهم جوازات سفرهم، أو سحناتهم، ماي لاي مجزرة ارتكبتها القوات الامريكية في فيتنام وراح ضحيتها مئات الاطفال والنساء والشيوخ وقد وضعوهم ايضا في حفرة كبيرة تم الكشف عنها فيما بعد، يقول عنها :
يا " ماي لاي "
يا ذكرى صرير الموت
للقتلى
على اعناق خط العالم
المفجوع
اريامو
غدت ماي لاي
ومن ماي لاي ينقلنا الساعدي الى " كفر قاسم " في فلسطين، بكائية اخرى لعرس دم لا ينتهي، هذه القرية الفلسطينية هاجمتها العصابات الصهيونية وبوحشية القرون الوسطى لم يسلم منها حتى الاطفال الرضع :
" كفر قاسم "
وعرس الدم يجتر البقايا
من كفر قاسم
غدا للارض شرخ يبلع
الاطفال والقتلى
غدا ليل البغايا يزرع
النابالم
عرس الدم
يجتر البقايا
يزرع البارود في اروقة
الاعين
كفر قاسم
غدت طفلا
يعب الدم والبارود
اريامو
غدت في ليلة مقتولة
العينين
طفلا من كفر قاسم
ولأن الفواجع كثيرة فقد حاول الشاعر ان لا يمر عليها مجتمعة واختار موزمبيق وفيتنام وفلسطين وترك "حلبجة" وبقية فواجع أهل العراق لشاعر آخر قد يزيح التراب يوما عن عشرات المقابر الجماعية التي اقترفها النظام الصدامي :
على اعناق خط العالم
الوهمي
اريامو.. غدت طفلا
يجوب الليل والغابات
يحصد ليلها المزروع
بالبارود
والدفلى
على اعناق خط العالم
المفجوع
اريامو
غدت شمسا
الشاعر عبد الهادي فنجان الساعدي بقصيدته هذه يهز ضمير العالم عله يستفيق من سباته الطويل ليرى بشاعة الموقف الاجرامي للقتلة في كل مكان، وهو تذكير عله ينفع الذكرى .


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك