كلمات غير متقاطعة
أحمد جبار غرب
لأشد ما يؤلم في النفس إن تكون وسط أناس تتمنى أن يكونوا في مستوى رفيع من الخلق والأخلاق وان يتحسسوا معنى المفردات والأقوال التي يطلقونها، والتي غالباَ ما تكون في مهب الريح، وأن تكون لديهم نوازع للخير والفضيلة ووعي شخصي تجاه الأخر من خلال فهم دواخله وإيجاد مشتركات إنسانية معه، وأن لا يكون منطق الغاب (القوة) هو السائد بينهم من خلال طمعهم وأهوائهم في التكالب الشخصي على المصالح الأنانية، هو غاية ما يتمنون وتحقيق مكاسب فردية ضيقة تعبر عن الأنا المريضة وهواجس مريبة تعكس عدوانيتهم وحمقهم أللامعقول، وأن يتمتعوا بمستوى إدراك رفيع وقوة بصيرة ورجاحة عقل إزاء الفعاليات اليومية وان يكونوا غير هوائيين تتملكهم حالات النزق والفردية وذوي مزاج متقلب، ووفق ما تؤول عليه مصالحهم وان يكونوا مثمرين في تعاونهم مع بعضهم البعض الآخر وفي مواقفهم تجاه ما يحيط بالواقع من قضايا وإشكالات آنية، ولكنك حين ترى واقعا غير ما تتمنى وتتوقع تصاب بالصدمة والرعب من هول المشهد إمام ناظريك وتحاصرك تساؤلات مشروعة مثل لماذا يحدث ذلك؟.
لا شك انه التخلف في أقبح صوره والأمية الثقافية التي يمتطيها هؤلاء و(كومة) الأحاسيس الحيوانية التي تصارع إنسانيتهم. يتسامون بالمقدسات إلى اعلى رفعة ومنزلة وذلك حق مقدس للجميع لكن يداهمك واقعهم في صورة وهمية إطارها البلاهة والتزوير والشعوذة، ولكنهم لا يتورعون عن مضاجعة حيوان ميت عندما تصرخ الغريزة في أعماقهم وتنادي بأعلى صوتها (هيا !) فيستجاب لهذا النداء بسرعة البرق متناسين ما امتطوه من نفحة إيمانية ليحملوا الشيطان خسة أفعالهم... ليس قدرا إن يحدث هذا لكنها القيم الفارغة من محتواها والوهم الذي ابتلينا به والدجل الذي استمرئنا انتشاره في الذات المستلبة والمتقوقعة في جحود الفكر المنغلق وسطوة المظهر الكاذب وتربص الرذيلة بمديات شعورنا واستحواذ الأنا على مجريات حياتنا، وبسط مفاهيم الغزو والقوة وأسطورة البطل الذي لا يقهر التي ننشد لها منذ نعومة اضفارنا منغرسة في مخيلتنا عنوة في بدائية مخجلة تشمئز منها الكائنات غير الحية قبل الإحياء... ومع كل هذا التدهور والنكوص وعملية الهروب من هذا الواقع مستمرة ومتوازية مع هذا التكوين في لوحة سرمدية لا يمكن فرز الوانها إلى إذا قررنا الخلاص، أو يحين إنتاج عقول مدركة لواقعها مستلهمة لتطورها الأزلي، وتلك هي الحقيقة التي نبني عليها ونؤسس في إطارها مدخلا رحبا لحياتنا منطقا جديدا نتفق عليه ونتوافق فيه ونحدد مساره وانطلاقه ونواجه به الشيطان المتلبس في دواخلنا العارية، إلا من فقاعات هشة نستر بها عورتنا المعاصرة وبذرة خير تقبع في قاعنا تسعى للخروج على المارد فينا لنكبح به جماحنا وانفصامنا عن الواقع.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك