د.هناء القاضي في ديوانها " سيدي البعيد " ..
أحمد فاضل
احلام تتوارى خلف رؤى شعرية ..
لا أعلم كيف تجتمع الرقة مع الشعر مع طب فسيولوجيا الأعصاب ، خاصة اذا كانت تلك الأحاسيس المرهفة ادوات شعرية تختلط على طاولة الجراحة في غرفة العمليات ؟
وهل في مقدور القلب ان يتحمل منظر كل ذلك النزف البشري ويتحول بعد أن ينزع عنه " كمامة الخوف " الى نبض شاعر يخفق لشيئ بعيد ، ( لرجل يلوح في ضباب اللحظة ، يسربله الالتباس .. ساكن فيها بين وهج الروح وثنايا الذاكرة ..يقف على بعد نبضة من قلبها :
أنا لم أقل لك يوما
أني احبك
وأنت لم تقل لي يوما
انك تحبني ! ) *
" سيدي البعيد " احتضن تلك الابيات كما احتضنت الأم وليدها ، أو كما تعانقت القلوب البعيدة بالقريبة ، هنا نحاول أن نقترب من بعض قصائد ديوانها الأول لنتعرف على هذا السيد البعيد الذي تناولته القاضي بأحرف كلماتها بدلا من مبضع الجراحة الذي يبدو انها لاتميل لاستخدامه .
تقول بعد ان وقفت وحيدة إلا مع افكارها :
وحيدة ...أقف
عند شواطئ افكاري
يُلقي إليّ ..المد
حقائبا
مليئة ..بالنوارس
والاخبار
يا بعيدي...
بم .. تفكر ؟
اتراك تغار ..؟!
لو علمت .. أنا .. أغارً عليك
من كل النساء
اغارُ عليك ... من لغة الحوار
...
في خيالاتي ...
نسجت خيوط مساء ... يجمعنا
أنا .. وعينيك .. وسفن ابحاري
وقوف الشاعرة لتحاور نفسها في هذه الابيات هي حيثيات للتفاهم مع روحها المتأججة لملاقاة " سيدها البعيد " ، هذا الوقوف فيه ولوج ايضا لروحه بعد ان تجمعت خيالاتها لتنسج من خيوط المساء لقاءا مفترضا تبحر معه الى شواطئ بعيدة ، وهو هروب من غيرة ماحقة اكلت حتى حوارياتها معه ، لكنها ومع ذلك اللقاء المفترض تنوء ابياتها بحمل ثقيل ، هو عبارة عن مجموعة تساؤلات تبحث عن اجابة :
لو تدري
كم أحب .. أن اكتب لك يابعيدي
بالرغم من أنك .. لم تكن لتمتلك الوقت
لتحبني
ولم تحاول يوما أن ... تفهمني
فالكتابة لك ..صارت
من طقوس عشقي
فتعال لأنثر حولك بخوري ...
وعلى صحائف صماء
أقدم لك قرابيني ونذوري
وأسفح فدى عينيك ... ياسمينا
وفلا ... وجوري
قد اتفق مع الناقد عسقلاني حينما قال : ( تعيش الشاعرة هناء الهيام باجتياز مسافات الانتظار ، للخروج من صقيع الغربة وظلم مطرقة الغياب .. توشوش الريح الذاهبة إلى دفئ الشمس ، واثقة أن ريحها سترقص عند نافذته ، حيث تقول :
واني في حضرة عينيك
يصيبني الذهول
واعجز عن الكلام
أن في عينيك لحن قديم
قدم الزمان .. )
بينا أنها في ركن آخر من قصيدها لاتحتاج للذهول بقدر احتياجها " لشيئ من الضجيج " أو " موسيقى واغنيات " تقول عن ذلك الاحتياج :
ما أحتاجه الآن..
شيئ من الضجيج
ربما موسيقى واغنيات
تدندن
ليداهم عينيّ .. النوم
سيدي البعيد قصائد حالمة للقيا ترسخت في البال لكنها قد تكون حقيقة ، وطيف ذلك البعيد يكاد يلامس حروف تلك القصائد :
أنا
الوريثة الاثيرة .. لآخر سلالات الوجد
ولا أكف عن التفكير بك يا بعيدي
قالوا انك .. تغيرت كثيرا
.... وأنا من مسافاتي
لمحت فيك التعب
غُبار الألم .. علق باصابعي
وأنا أمسد جبين الوقت
احيانا
اشعر كأن شيئا ما
ينقرُ شرفات الروح
ومع وداعنا الأخير لهذه الاحلام التي توارت خلف رؤى شعرية نقرأ للقاضي أن زمانها هو زمانه وكل الوعود تلتقي في هذا النهر الجاري الذي يسمونه الحب :
كأن الزمان يعود لنا
وكل الوعود تصب بنا
يذكر ان د. هناء القاضي طبيبة عراقية تعمل في عمان بالأردن ، حاصلة على الماجستير في فسيولوجيا الأعصاب ، وتكتب الشعر والخاطرة الأدبية ، وقد عملت مذيعة في البرامج الصحية ابان حقبة التسعينيات كما أذيعت كتاباتها في البرامج الأدبية في الإذاعة العراقية ، وترجمت بعض اشعارها إلى الإنكليزية ، نشرت اعمالها في العديد من الصحف العربية والمواقع الإلكترونية .
هوامش /
* الناقد غريب عسقلاني في وصفه لديوانها .
خاص "أدب فن"


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):
أود أن أعرب لك عن شكري وامتناني لمقالتك ، ولا أخفي عليك أني فرحت جدا وكذلك تفاجأت بها لأن الوقوف بنصوص سيدي البعيد يعني لي الكثير.
بعد مغادرتي للوطن ...تغيرت أشياء كثيرة في حياتي وأيقنت حينها أن الأنسان أن لم يحقق كل ما يصبوه أليه ..أو على الأقل جزء مما حلم به ..فأن الأكيد أن حياته ذهبت هباء، ومن هنا كان قراري بأعطاء وقتي الأكبر للكتابة ..لأنها كانت الترياق الذي أعانني على الوقوف من جديد.
كلما قرأت نقدا أو دراسة تطال نصوصي ..أتيقن أكثر بأني أصبت حين تمسكت بحلم الكتابة
شكرا لك ..ولوقوفك بسيدي البعيد
تقبل تحياتي وتقديري
أضف تعليقك