المعيار الجمالي للصورة.. ووظيفة البناء الدرامي في اشتغالات صلاح القصب المسرحية
سعدي عبد الكريم
القسم الثاني
ان براعة ( صلاح القصب ) تكمن في توزيع مهاراته الفنية وجهده الفلسفي ورؤاه التخيلية الجمالية القابعة في شكلنة الفحوى ، والكامنة في جوف وظيفة الميزانسين ، لذا نراه قد اتخذ من الفعل المسرحي لازمة صورية موزعة ضمن منظومة المعيار الجمالي والبناء الدرامي في وحدة متكاملة من فوضاه الصورية التي تنتشي داخل جسد الفعل لتحيله بالرمة الى حدث صوري نافع في موازين التحليل والإقناع لأنها وضمن إجمالية الوصاية للصورة على الفعل فهي تتقلد على عاتقها ( اي الصورة ) مقاليد الحث والتثوير للحصول على الاستجابة المثلى من لدن المتلقي ، وهناك ثمة ملاحظة علينا الإشارة إليها هنا ونحن نتحدث عن مسرح الصورة عند القصب ، هي أن الإدراك وموضوعية المواصلة وفضاءات الفهم والتلقي في جهد القصب الصوري ، لن يكون سهلا في عملية التلقي ، إلا من قبل قناعات نخبوية جادة في فهم طروحاته المسرحية التي يكتنفها الجمال المحلق داخل مناخات التراتبية التكوينية المقنعة .
يُعـد ُ( صلاح القصب ) المخرج صاحب الامتياز الذي ادخل النواة الأولى لمسرح الصورة وهو صاحب المحاولات البكر على مستوى المسرح العراقي والمسرح العربي بالعموم ، وهو من المخرجين العراقيين الأفذاذ ، واحد أهم الأسماء المسرحية الراقية ، فقد تخرج من بين عباءته العلمية التنظيرية العديد من الممثلين والممثلات والمخرجين، وأضاف للمشهد المسرحي العربي الكثير من الإبداعات على صعيد الرؤية الإخراجية ، ولأن المسرح مدرسة متوازنة القيمة ما بين هموم المحيط المتكور في زمن اللحظة ، والهنا ، وبين نوازع الفنان الذاتية ، التي يزمع الوصول الى ملاحقتها ، وإظهار ملامح القبح والجمال بداخلها فان القصب ، قد نجح برأينا في مهمته تلك.
ان صلاح القصب تتلمذ على يد (لفي جوليه) التي اخترقت بمخيالها الفني التنظيري جل المسميات والإشكال لتحيلها الى صور مرئية ، وعاد هو الآخر ليخلق من طينته التكوينية المطواعة ذات الإشكال والمسميات الصورية تعبيرا أخاذا لذلك التسامي الروحي المنبعث من أقاصي الذات ، لتؤطر ملامح الذاكرة الجمعية بذات الإبهار ، ان (القصب) ذاكرة فنية ملهمة استطاعت ان تختط لها طريقة صوفية في تمازج وتقارب تلك الملامح الصورية التي يكونها الذهن البشري بألوانها الشاحبة والمشعة ليزفر بها صوب الباحة بكتل ملونة تعبق بها الحياة ، أنها صور لها دلالاتها الرؤيوية والوعيوية الرائعة ، وفي راينا ان القصب ملاذا أمينا لصورة التكوين المسرحي العراقي والعربي الناضجة فنيا وتقنيا ، لأنها مجبولة بنوازع تفسيرية تتشظى وقت الانفراط البوحي.
شاهدت له أبان رجوعه من زمالته الخارجية عمله الموسوم ( كيف يكمن تفسير ملحمة كلكامش غبر البوستر السياسي ) في أواخر السبعينات ، كان العرض مزدحما بالصورة ، والرؤيا الجمالية القصبية البكر ، وكان ثمة تساوق ملحوظ في تشظي الصورة ، بشكل مفرط ، ولم يكن المعيار المرئي التفسيري للصورة واضحا على رمة العرض ، باعتبار ان هذا النوع من الأساليب المسرحية او التجارب المسرحية نوعا جديدا من أنواع الفرجة العرضية ، رغم انه بذل جهدا خارقا في توزيع الكتل من باب القاعة الرئيسي الى الباحة المسرحية ، ليوحي لنا عبر البوستر انه يحلق بنا صوب ملحمة كلكامش ، لكنها كانت تجربة قد امتزجت برؤى جديدة في التحليق بذهن التلقي الى أبعاد غير مرئية ، وأنا شخصيا تحدثت حينها في أنصاف العرض ، لكنني وبعد أعوام وتحديدا في أكاديمية الفنون الجملية ، شاهدت للقصب عملا مسرحيا رائعا (الخليقة البابلية) من تأليف د. ثامر كريم ، كان عملا مبهرا منظما ، مزدحما بأناقة الإبهار للصورة المرئية المفسرة لذلك السفر الرائع لبداية النشأ الأول للإحياء ، وكان لاقتضاب اللغة وقعا موسيقيا رائعا في مجاورة الصورة لتفسيرها ، لان معالم التغيير عبر الصورة كانت واضحة رغم هذياناتها الجمالية الممتعة ، ثم توالت العروض المسرحية (القصبية) لتعلن عن ذاتها المشفوعة بمسرح الصورة ، لتخلد هذا الطراز الرائع في الدراية المعملية الإخراجية ، لبلورة تفسير الثيمات (القصبية) عبر النص المحلي والعالمي . ان القصب عبر عروضه المسرحية يحاول محاورة العقل الناشط النخبوي للمتلقي ، ومن ثم يلاحظ إفرازاته الاستجابية من خلال رصده للعديد من أوضاعه وحركاته اللاإرادية وهو يمكث على كرسيه في قاعة العرض ، وهذه العملية برمتها مرهونة بقدسية الإخلاص للعمل الفني المسرحي ، لان النتاج المعرفي الصوري هو بالأصل نتاج فني إبداعي ، يزمع الوصول الى اعتراضات فهميه خاصة تأخذ المتلقي الى مناخات ذات أبعاد مخملية عبر التصور والتفسير اللحظي وفق أدواته المهارية الاستقرائية ، وهذا بطبيعة الحال وحسب رأينا .. يحسب للمسرح (القصبيّ) انه يحاول مشاغلة الذهن الحاضر في زمن التلقي ليحليه الى مرصد حقيقي مجهري ، ينقله عبر الدهشة الصورية الى ملامح الاعتراض او التحريض ومن ثم الإبهار بجل مفاصله الجمالية ، ليخلق معه حالة الانسجام والرضا ، ليخلص الى نتائج فضلى في عملية التغيير داخل المُحفز للمدرك العقلي ، والمدرك الحسي ، والتلاقي الجمالي ، وينتزع من لحظوية تلقيه مفاتن الإنصات الماسية ، وتثوير معطيات الاستجابة المثلى لديه ، أبان زمن مشاهدة العرض المسرحي .


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):
ارجو الحصول على عنوان السيد صلاح قصب
هاتف او بريد الكتروني
ارجو الاهتمام
أضف تعليقك