أدب فن: رواية " الطريق " لكورماك مكارثي .. رواية " الطريق " لكورماك مكارثي .. ================================================================================ أحمد فاضل on 26/ 2/ 2010 السينما حينما تعيد عوالم محطمة الى الوجود! هذه رواية غير عادية تستفز قارئها منذ كلماتها الأولى : ( هل هذا سيحدث حقا ؟ وماذا لو كان حدث فعلا ؟ هذا هو حقا ما سيحدث ! ) ، فبهذه الاسئلة المحيرة يأخذنا " كورماك مكارثي " وهو أحد الكًتاب الاميركان الذين يضعون القارئ في دهشة كبيرة لأن كتاباته لاتسلم من تلك التساؤلات التي تحتاج الى فبركة عقلية للإجابة عليها . و "الطريق " روايته التي نشرت اول مرة عام 2006 كان كتبها في رحلة مع ابنه الاصغر جون وزوجته الثالثة التي انفصلت عنه ، الى احدى الجزر المنعزلة لانه بطبيعته يعشق العزلة ، ومن هناك وفي صباحات مبكرة يتكرر نهوضه اليومي من السرير وينتقل الى نافذة غرفته المطلة على البحر ليلتقي اول ما يلتقيه اشعة الشمس التي تبدأ بالظهورفتتناثر خيوطها على صخور الشاطئ ، هذا الصمت الموشى برهبة المكان أوحى له أول خيط من خيوط الرواية ، وبعد 40 سنة مضت من مسيرته الأدبية يتسائل وهو ينظر الى جون ولده الذي كان يغط في نوم عميق : ( ترى ماذا ستفعل لو عشت وحيدا في هذا الكون ؟ ). كورماك مكارثي وهو يعيش في السبعين من العمر حاول في روايته " الطريق " ان يجتاز الواقع الذي يعيشه الى واقع آخر اكثر قتامة لايجد فيه سوى أرض خالية من البشر الا على عدد قليل من المشردين واللصوص والقتلة ، هذه الأنواع لو أردنا لها أن تتحسن وتتمكن من العيش في وئام فإننا واهمون لانها فكرة خطيرة وسط أرض خربة يغطيها الرماد وتتناثر فوقها جثث مجمدة . مكارثي فاز بجائزة بوليتزر عن هذه الرواية التي اصبحت من اكثر الكتب مبيعا ففي مقابلة أجرتها معه ملكة الحوارات التلفازية " أوبرا وينفري " عام 2007 ، ذكرت ان الناشر البريطاني " بيكدور " قال ان مبيعات الرواية عند صدورها بلغت فقط في بريطانيا 530000 ألف نسخة ، وفي امريكا 950000 ألف نسخة ، في حين ان مكارثي لم يهتم لهذه الارقام بل قال لوينفري : ( أنا اعتقد ان الرواية هي أهم كتاب يتحدث عن البيئة في الوقت الحاضر ، وهي لاتحتوي على رسوم بيانية وجداول ولا حتى ارقام أو تحذيرات أو تنبؤات أو حجج ، لكنها ببساطة تغير كل تلك المفاهيم بلغة بسيطة وانها بعد قرائتها سوف تغير الطريقة التي ترى بها العالم ، لانها تقدم وصفا لما يحدث لتلك العلاقات الإنسانية في تجربة افتراضية لنهاية العالم ) . كورماك مكارثي ولد في ولاية رود آيلاند ، وقال انه حضر الى جامعة تينيسي اوائل العام 1950 وانضم الى سلاح الجو الامريكي الذي قضى فيه أربعة سنوات ، اثنان منهما في قاعدة في الاسكا ، ثم عاد الى الجامعة حيث نشر في مجلة الطالب الأدبية وفاز بجائزة الكتابة الإبداعية في عامي 1959 ، 1960 ، ثم ذهب الى شيكاغو حيث عمل ميكانيكي سيارات بسبب الصعوبات المادية التي كان يواجهها ، لكنه كتب وسط هذه الظروف روايته الأولى " حارس البستان " ، نشرتها دار " راندوم هاوس " عام 1965 ، بعدها حصل على زمالة من الاكاديمية الامريكية للفنون والآداب الى ايرلندا عام 1966 ، كما حصل على منحة من مؤسسة روكفلر ، وطاف في جولة اوربية لكنه ما ان استقر اياما في جزيرة " اببيزا " حتى شرع في كتابة رواية جديدة هي " الظلام الخارجي " عاد بعدها عام 1967 الى الولايات المتحدة لتنشرها له راندوم هاوس عام 1968 ، واستمر في اصدار رواياته منها رواية " المساء الأحمر في الغرب " التي كتب مقدمتها الكاتب الرائع " هارولد بلوم " والذي قال فيها : ( لاأجرؤحينما أقول ان الكًتاب المعروفين كبيشون مثلا أعطانا القوة التي لاتنسى كما اعطاها مكارثي في هذا الكتاب ، فقد صور لنا بواقعية رائعة تلك الوحشية التي عاشت بها ولاية تكساس الحدودية مع المكسيك في منتصف القرن التاسع عشر وكيف ان ابطالها من الجرحى منهم من هو في سن المراهقة يواجهون عنفا استثنائيا لعصابات تمتهن القتل ، انها رؤية عبقرية لمآسي الغرب الامريكي ) ، هذه الرواية نشرت عام 1985 لكنه لم يعرف الشهرة كما عرفها مع روايته الأخيرة " الطريق " التي صدرت في العام 2006 التي اشادت بها وسائل الاعلام خاصة منها بوسطن غلوب ، و كريستيان ساينس مونيتور ، و دنفر بوست ، و كانساس سيتي ستار ، وغيرها من الصحف والمجلات . هذه الرواية أخذتها السينما الامريكية لتصنع منها فيلما من أفلام الكوارث انتجته " نيك شسلر " بينما كتب السيناريو له " جو بينهال " واضطلع باداء ادواره " فيجو مورتنسن " الذي جسد شخصية الأب الذي يدافع عن ولده الصغير الذي ادى دوره ببراعة " سميث ماكفي " ، من أجل البقاء على قيد الحياة في أرض مدمرة كانت حتى وفت قليل مدينة عامرة بكل اساليب الحياة الحديثة ، لكنها وبغمضة عين قتل فيها الجميع ومات حتى النبات والحيوان ، واختفت الشمس واكتسح المكان برد قاتل وجليد لايمكن المشي عليه بسهولة ، فكان على الأب وابنه تجاوز كل تلك المحن وكل تلك الجماعات المتوحشة بفعل انقلاب الطبيعة ، والوصول الى الجنوب للعثور على الغذاء والوقود . الرجل في " الطريق " لايحمل معه سوى مسدسا بعيارين ناريين ومع كل تلك المعاناة يأخذنا مخرج الفيلم الى متواليات سردية من الاحلام مستخدما الفلاش باك في تناوله لقصة الزوجة التي تضطلع بأداء دورها النجمة " تشارلز ثيرون " ، التي أخذت حيزا اكبر مما ورد في الرواية الأصلية والتي تفقد الارادة على الذهاب معهم ، وتتركهم في منتصف الليل لقدرهم المحتوم ، من جانبه الأب بعد كل تلك المعاناة التي لاقاها نراه يسعل دما ويدرك انه من المرجح أن يموت قريبا ، لكنه يحاول غرس قيم المحافظة على النفس البشرية وإعمارالأرض في ابنه الصغير . رواية مكارثي " الطريق " أخذتنا الى عوالم محطمة اعادتها السينما الينا كواقع نكاد نتلمسه ، حققته في النهاية إرادات متمازجة من افكار لونتها خامة بيضاء عريضة وسط ظلام دامس تتحرك فوقها تلك الشخوص . خاص "أدب فن"