المسكوت عنه في (رائحة السينما) لنزارعبدالستار*
محمد عبد الموجود البدراني
(أبونا) أنموذجا
إن مهمة الناص ليست هي الكلام فقط،بل هي دفع المتلقي إلى المشاركة في الكلام والحوار أيضاً؛أي أنها دعوى إلى نبش المسكوت عنه من صمته وسكوته وانتظاره فالسكوت أوالصمت ليس عدماً أو فراغاً عشوائيا ًبل هو بنية قابلة للتأويلات المتعددة. لذا فإننا نسعى إلى أن ننبش عن المدفون في تلافيف قصة(أبونا) ومن الطبيعي أن هذا النبش يختلف بين حفارٍ وحفار.رفض بعض السيميائيين" فكرة وجود ارتباط ثابت بين الدال والمدلول وقدموا تصورهم على إن الإشارات (تعوم)سابحة لتغري المدلول إليها لتنبثق معها وتصبح جميعا(دوالا)أخرى ثانوية متضاعفة لتجلب إليها مدلولات مركبة وبذلك حرّروا الكلمة وأطلقوا عتاقها لتكون(إشارة حرة)؛وهي تمثل حالة(حضور)،في حين يمثل المدلول (حالة غياب)معتمدا على ذهن المتلقي لإحضاره إلى دنيا الإشارة،وهذه العلاقة لاتتاسس إلا بفعل المتلقي العارف الذي يؤسس هذه العلاقة ويقيمها بين الدال والمدلول وهي مايسمى بالدلالة" (1) وان القراءة السيميائية لاتلغي القراءات السابقة عليها وان كانت تفيد منها وتحتويها ،فهي بتركيزها على قراءة أعماق الدال ،بحثا عن الأنظمة الدلالية للشفرات والعلامات وطرق إنتاج المعنى ،لتفتح المجال واسعا لفعالية القراءة وحفز الطاقة التخييلية لدى القارئ ليشارك بفكره وثقافته في إبداع النص من خلال كشف مخبوئه وتفتيق دلالاته (2) تقوم الفاعلية النقدية لدينا على كسر النسق الظاهر إشارة أو تلميحا وإيحاء في النص لبيان النسق المضمر، المخفي بأقنعة( الجمالية الأدبية)وكشف عيوب الجمالي والإفصاح عما هو عميق وخطير وقبحي في الخطاب وهنا يتجلى( فن التأويل)في الحفر إلى أكثر معاني (المسكوت عنه)قدسية،وهو (الممنوع والمكبوت والمهمش)عبر قراءات ثلاث،يتموضع المسكوت عنه التحتاني والفوّقاني(المقدّس) بأشكاله وتجلياته كافة منها مواضع رئيسة تكشف لنا آلية التناص في أحايين كثيرة عن (المسكوت عنه)في بنى النص الثاوية في تلافيف جمالياته غيرالبلاغية0العنوان أوثريا النص أوكما يقول (جيرارجينيت)،عتبة النص هو"علامة سيميائية وأول عتبة يمكن إن يطأها الباحث السيميائي قصد استنطاقها واستقراءها بصريا ولسانيا وأفقيا وعموديا"(3)وإذا كان العنوان على المستوى السطحي يعمل على الحفاظ على اهتمام القارئ عن طريق تامين كمية كافية من الإعلام فان نوعية الاتصال وجنسية العمل سوف يعملان على تفكيك الكمية الإعلامية هذه وتحويلها إلى عناصر في تفاعلات نصية أوفي تعاليات نصية(Transtextualite)،تخترق المستوى السطحي،لتبني نصية العنوان في العمق (4).
أبونا
م
ويتضح من هذا أن عنوان القصة(أبونا)،علامة دالة على مدلول القصة،وهو إشارة تناصية( لنص ديني غير إسلامي)،إذ يتجسد في المثلث المقدس-للآخر-الأب،الابن، روح القدس.فأبونا... سلطة كلامية موجودة في المخيال أكثر مما يجب والأعمال عجائبية قياساً بما يستطيع الإنسان أن يفعله في حياته القصيرة فهو"الذي وضع التصاميم الهندسية لجسر نينوى...عمل سفيرا في زائير ورئيسا لجامعة الموصل وهو بطل آسيا في رفع الأثقال وانه كان طبيب انف وأذن وحنجرة ووو......"لكنها (السلطة)في الواقع غير موجودة لاتدل على الفاعلية فهي أشبه بالصورة"نجلس أمامها بخشوع ورهبة واحترام ومحبة"فهي (سلطة زائفة)غير موجودة إلا في المتخيل السردي....أبونا خرج من البيت!!!.أما(أخونا)،.....عاشق زينب ابنة عمه قحطان ،فهو ينتظر حتى تستطيع زينب أن تلد وهي لم تتزوج !!!أخذ أخونا يشرب العرق ،حاولت أمنا إخفاء مجونه والتستر عليه ولكن فضائحه الليلية استفحلت ولم تعد تتقبل علاج الصمت والكذب ....أخونا خرج تزوج( حسنة ملص) ؛صاحبة ملهى الأندلس.أخونا خرج من البيت !!!(سلطة زائفة)000كان أبونا هو أول من خرج وبعده إخوتنا ولم يبق منهم أحد.
أخونا
(أمنا)،......قبل أن تقفل أمنا الباب كانت تبذر الأيام ..فعلت هذا بإسراف ومتعت شبابها ببهجة الأيام فهي المرأة الوحيدة التي عاشت حياتها بالطول والعرض وهي أول وآخر امرأة في تاريخ الموصل ظهرت صورتها على غلاف مجلة الشبكة ،كنا نتطلع إلى صورها في مايوه فاتن على الشاطئ البيروتي ..أواللاذقية في صور سنوات عسلها مع أبينا ...نسينا الباب ونسيت هي المفتاح حتى خفنا أن تفتح الباب وتخرج!!!كانت قد بدأت بالتفكير بالغياب....إذن فهي(سلطة زائفة)
الأم
فالمقدس الاجتماعي (الأم/القداسة)السلطة الحاضرة في (البنية الفوقانية)هو شكل من أشكال حسنة ملص في(البنية التحتانية)وهي السب الرئيس في ضياع المفتاح الأبناء البركة.."اقتلهم جميعا وعد وحيدا"وهذا يكمن في تشكيل التناص شكليا اوبصريا في الخطاطة الآتية:
الأب الأب/القداسة
الابن الأم الابن/القداسة روح القدس/القداسة
الصورة الاشارية الحاضرة الصورة الاشارية الغائبة
(المخيال السردي) (المسكوت عنها)
من كل هذا نستنتج أن السلطة الدينية في الإشارة للنص الديني غير الإسلامي رأسه أبونا عالم خاص للعالم الموجود داخل الكنيسة صارا مزيفا غائبا لاقداسة فيه كأعمدة الكهرباء مصلوب0
أبونا
المتخيل السردي
الواقع
أبونا
فالعنوان أبونا هو سِمّة من سمات الإبداع فهو مراوغ ومخادع وساحر وهو يخفي أكثر مما يظهر فضلا عن ذلك فانه يركز على بؤرة النص النثري والتي هي حالة( ضياع السلطات)
ضياع المفتاح/أبونا ضياع المكان
أبونا خرج من البيت ضياع البركة
لذا فان ضياع( أبونا) يعني (ضياع العنوان) ،فالعنوان ممكن أن يكون (أخونا) أو( أمنا) أو(حسنة ملص!!!)
2-الإشارات التاريخية:لعبة اشتغال العنوان دلائليا ًتتيح لنا النظر في علاقات كثيرة أضاءها العنوان وانعكست في بنية القصة كالإيحاءات التاريخية نحو(خالد بن الوليد،الدولة الحمدانية،دولة الأتابكة..)فهي تشكل معادلا موضوعيا ل(أبونا)فالنصوص التاريخية (الغائبة/المسكوت عنها) هي:
أ-خالد بن الوليد(النص الغائب) في معركة اليرموك جاءت رسالة من خليفة المؤمنين (عمرين الخطاب)مفادها عزل خالد بن الوليد عن السلطة وجعل أبو عبيدة الجراح قائداً على الجيش (سلطة)لكن المعركة سارت بقيادة خالد بن الوليد وان كان هو (السلطة الغائبة/المسكوت عنها)
ب-الدولة الحمدانية(النص الغائب):ينتسب الحمدانيون إلى قبيلة تغلب العربية التي أقامت بنواحي الموصل ولما توثقت علاقاتهم بالخلفاء العباسيين قلدوهم الولايات ،فقد قلد الخليفة المقتدر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان الموصل (904م)ويعد بداية لعهد الحمدانيين السياسي لَقَبَّه الخليفة المتقي ب(ناصر الدولة)ولقب أخاه الذي ولي على حلب فيما بعد ب(سيف الدولة)وذلك لاعتقاد الخلفاء العباسيين بان الحمدانيين هم وحدهم الذين يستطيعون السيطرة على القبائل العربية في الموصل والجزيرة وعلى حركات الخوارج
والكرد،وقاموا بدور بارز في صد خطر الروم والتصدي لنفوذ الأكراد والبوهيين في الدولة العباسية كما تذكر المصادر التاريخية.
ج-الاتابكة(1127م-1260م)يبدأ العهد الأتابكي بتولي عماد الدين زنكه (1127م)وينتهي بهروب ولدي السلطان (لؤلؤ)بعد موته إلى مصر عام(1261م)واشتهرت إمارة الموصل باسم (اتابكية الموصل)...كان من مظاهر الحكم السلجوقي ظهور (الاتابكيات)التي ترجع إلى نظام الإقطاع الذي ابتدعه السلاجقة وطبقوه في الأقاليم التي سيطر عليها وأصبح عنصرا مهما من نظم السياسة والإدارة والاجتماعية ومن أشهر الاتابكيات على المسرح السياسي (اتابكية الموصل)الذي أسسها عماد الدين زنكي عندما أسندت إليه ولاية الموصل وأعمالها عام(1127م)من قبل الخليفة العباسي المسترشد والسلطان محمود السلجوقي وسمي (زنكي)أتابكياً.من كل هذه النصوص التاريخية الغائبة(المسكوت عنها) والنصوص الاشارية التاريخية الحاضرة المبثوثة في المخيال نستنتج العلامات الدلالية الآتية:
ت العلامة الدلالية النص الغائب(المسكوت عنه) النص الحاضر(الواقع)
أ- السلطة أبونا الأم
ب- الحمدانيين/السلطة العباسيين الحمدانيين
جـ- الاتابكة/السلطة السلاجقة الاتابكة
د- خالد بن الو ليد
السلطة أبو عبيدة الجراح خالد بن الوليد
إذن فالنص الحاضر في المخيال متناصص مع النص الغائب (المسكوت عنه)إلى درجة كبيرة والعلاقة التي تربط بينهما علاقة تعضيدية ،اعتمد القاص طريقة التجاور والتشابه إذ أن (نزار)قد متح من المخزون الثقافي إلا انه لم يجتره وإنما امتصه وأعاد توظيفه ضمن سياق نثري جديد وبذلك "يعكس التقابل في أي نص إبداعي عمق التجربة في مضامينها واتساع المعاناة وليس ضروريا أن يكون التقابل بين مفردتين أو عبارتين فقد يكون بين صورتين اوفضائين أو موقفين ولابد من الإشارة إلا انه كلما كان النص متوقعا كانت إمكانية مقروئيته أكثر كما يرى ميشيل أوتان0
3-النصوص المولدة :مدلول ألفاظ(متعت شبابها،عاش حياتها بالطول والعرض،بذرت أيامها ،استهلك المفتاح لحمها،سرها الأسود،كانت أمنا في عصرها السعيد تفتح كل مايجب أن يغلق ،فعلت هذا بإسراف ) توحي بدلالات جنسية مكبوتة منزوية في أفكارها وتطلعاتها وهي رمز معبر عن حسها الجنسي وآلامها وآمالها الضائعة وتصدعاتها التي تئن باستصراخ ولكن لايعي صرخاتها احد فهي تتناصص مع شجرة الزيتون (في المتخيل السردي)التي تبحث عن ظل /ذكر لكي تثمر فهي جدباء غير خصباء ..
صورة عارية على مجلة الشبكة
هي باقية شكلاً صورة في مايوه فاتن على الشاطئ البيروتي.اللاذقي.
شجرة عارية ليس لها ظل ولافيها ثمر
ظل
وهي الصورة الشكلية العارية/العاقرة بحاجة إلى: ذكر
ثمر
لذا فان القاص (نزار)يستدعي لفظة (عشتار)آلهة الحب والخصب في النص الأسطوري الغائب إلى النص
القصصي الحاضر لدلالة جنسية(مسكوت عنها)تتمثل بالترسيمة التالية:
النماء
(أمنا المقدسة)بحاجةالى.....الآلهة(عشتار).... لكي يعود الأب .. الخصب
الحياة
الثمر
(شجرة الزيتون المقدسة)بحاجة إلى...الآلهة(عشتار)...لكي يعود الظل فيكون الخصب
الحياة
لذا فليس هناك علاقة تواصلية جنسية بين الأم والأب؛لأن الأب(سلطة غائبة)وألام(سلطة حاضرة)كذلك بين شجرة الزيتون (سلطة حاضرة) والأب/التلقيح(سلطة غائبة)لذا فان الأم محتفظة بالمفتاح وتدسه هاهنا وهذه دلالة واضحة على رغبتها الجنسية في امتلاك(الذكر/الظل/المفتاح/الفحولة) فهي تفتح كل ما يجب أن يغلق لأن الرجولة كانت مختلفة تماما في وقتها فالجمالية غير البلاغية تسعى إلى كشف النص التحتاني المخبوء في تلا فيف سرديته ويمكن استثماره في المربع السيميائي:
تضاد
الفحولة الأنوثة
( تداخل في الإثبات ) تناقض تناقض ( تداخل في النفي )
اللاأنوثة اللافحولة
ما تحت التضاد
فالمربع عبارة عن :
الفحولة / الأنوثة = التضاد
الفحولة / لاالفحولة = التناقض
+
لا الأنوثة ∩ الفحولة = التعلق بالجنس واللذة والمتعة
_
لا الفحولة ∩ الأنوثة = لا تعلق
لاالفحولة Ø لا الأنوثة = التوسط
_
والمحورالاساسي (لاالفحولة ∩ الأنوثة ) ، هو المهيمن على النص ومضمونه
فمحور (تداخل في النفي)هوالذي يمثل (المسكوت عنه)الذي يضمره القاص(الأنوثة /الجنس)في النصوص المولدة مفترضين دائما إن هناك في النص المقروء معرفة ضمنية بنص أو مجموعة من النصوص السابقة المقروءة والمفهومة من قبل إذ يرى أوتان "إن فعل القراءة هو عملية تطبيقية القارئ-النص،وانطلاقا من معارفه ورموزه ورغبته ايضايستجيب لبعض مظاهر النص التي يعرفها أو يعتقد انه يعرفها ويتلو تلك المعرفة عمل محكم ينتج عنه التأويل النهائي"وأخيرا فهل بعد كل هذه القراءات الأولى لإبراز (المسكوت عنه)وإخراج البنى المخفية إلى العلن نكون قد هتكنا ستره وسره وأصبح نصاً مفتوحا وهل ثمة أشياء مسكوتا عنها عمد القاص لإخفائها في تلا فيف سرديته.ولنا في النهاية عملٌ أدبيُ يرتقي بالقصة القصيرة إلى مكان أعلى ويجعلها مِدْماكاً لقراءات متعددة فتصبح "بصلة دائمة التقشير"كما يرى رولان بارت.
إنه المبدع الذي تتشظى بينٍ يديه فضاءات الكتابة.
*في صومعة القاص الصحفي نزار عبد الستار:رائحة السينما(مجموعة قصصية)دار الشؤون الثقافية/بغداد/2002م.ليلة الملاك(رواية)دار الشؤون الثقافية/بغداد/1999م.المطر وغبار الخيول
(قصص قصيرة)اتحاد الأدباء في العراق/1995.
(1)انظر:الخطيئة والتكفير،عبد الله الغذامي:46.
(2)سيميائية العنوان،بسام فطوس:24.
(3)السيميوطيقا والعنونة،جميل حمداوي،عالم الفكر،1997،97.
(4)انظر:في مناورات شعرية،محمدعبدالمطلب:77


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك