الرئيسية »  الـنــقـد»  صرخة احتجاج موزعة علي خطوط حمراء ساخنة

صرخة احتجاج موزعة علي خطوط حمراء ساخنة

عدد مرات المشاهدة :646 - 25/ 2/ 2010

د. باهر سامي بطي

صرخة احتجاج موزعة علي خطوط  حمراء ساخنة

  

رؤية نفسية من وحي حكايات الشماعية" لخضير ميري


اطلعت مؤخرا على الطبعة الثانية من المجموعة القصصية للكاتب خضير ميري (حكايات من الشماعية) والصادرة ضمن كتاب واحد مع رواية "أيام الجنون والعسل"في طبعة واحدة عن مكتبة مدبولي في القاهرة.
. وعبر مرافقتي لخضير ميري من أول لقاء في الردهة داخل المصحة العقلية التي كنت اعمل طبيبا فيها وطبيبا معالجا لخضير ميري آنذاك "1987-1991"وحتي صدور مجموعته القصصية (حكايات من الشماعية) يواجهني دائماً الاخرون بسؤال: هل خضير ميري مجنون أم عاقل؟ كنت في البداية أحرص علي محاربة كلمة مجنون لأني أعدها وصمة عار علي المريض العقلي ولكن مع تبلور خطاب الجنون لخضير ميري وتفاعلي مع هذا الخطاب بت مقتنعا بأن أستعمل كلمة مجنون بطلاقة لأني توصلت إلى ما كان يريد ميري أن يقوله دائماً(ليس من العيب أن تكون مجنوناً) فالجنون ليس عاراً بل العار أن لا نفهمه ولانصغي إليه ولم أعد أداري في الجواب علي التساؤل كثيراً!
الجنون هوموقف من الحقيقة بلغة خاصة بالمريض لذلك يقف الجهاز المفهومي العام عاجزاً عن فهم لغة الجنون ،فالمسألة هنا هي مسألة سوء فهم إلي حد ما!
الواقع أن المرض العقلي له أعراض ومتغيرات فسلجية وهذا أعطي الحق للجهاز الطبي أن يتولي مسؤولية تدبير هذه الأعراض وتصنيفها إلى أمراض وعلاجها بذات النمط ولكن ما لم يفعله الطب هوإتخاذ موقف معرفي من الجنون بما هوقضية وليس مرضا. لذلك فان الطبيب يقف أخلاقياً في موقع الإدانة للمريض لطالما أنه يحمل شهادة متفق عليها أجتماعياً تسمح له بأن يكون قاضي السيرة السلوكية السوية علي المريض. لكن هل يطابق الواقع الحقيقة دائماً؟ هل يتطابق الوضع الطبي مع المفهوم المعرفي؟
في 12"حكاية من الشماعية وحكاية "صنعها (جورج الامريكي) ولم تنشر في الطبعة الثانية توجد خيوط مفككة وخيوط مركبة. ولايظن القارئ إن ما يقرأه هوالمتن فالحقيقة أن كل حكاية هي هامش وأن المتن موجود في عقل الكاتب مرة وعقل الحاكي مرة أخري وعقل القارئ مرة أخرى لا يجب أن تكون الأخيرة بل مشروع للبحث عن المقصود. أن الفرويدي الظاهر ما هوإلا قمة جبل الجليد وتحت السطح هناك بحث باستخدام وعي من نوع خاص في بحر لا قرار له أسمه ثنائية الوجود والعدم (أن أكون أولا أكون) الشكسبيرية موجودة في ثنية الخطاب المستعصي علي لغة العقلاء. الأنا-أكون هنا هي مشكلة أونطولوجية من جهة المجنون ومشكلة إبستمولوجية من جهة الطبيب النفسي ومشكلة في بنية الخطاب الإتفاقي المركزي(اللغة!).   


الجنون أدبياً   


تعتقد ليليان فيدر في كتابها " الجنون في الأدب" (أن التفسيرات الأدبية للجنون تعكس وتتحري إيضاً الإفتراضات والتصورات الطبية والثقافية والسياسية والدينية والسايكولوجية للعصر الذي تظهر فيه كما تقوم هذه التفسيرات والتصورات إيضاً باستكشاف العمليات الخاصة بالتحويلات الرمزية التي تحدث نتيجة حدوث هذه المظاهر الغريبة من السلوك ...
أن التمثيلات الأدبية المتكررة للجنون تكون تاريخاً من الاستكشاف للعقل في علاقته بذاته وبالآخرين وبالمؤسسات الإجتماعية والسياسية الموجودة فالمجنون مثله مثل أي شخص لا يوجد بمفرده فهويؤثر ويتأثر بالمحيطين به). في(12 حكاية من الشماعية) نجد في قراءة أولى صرخة إحتجاج موزعة في خطوط ومنحنيات الحكايات بلغة مكشوفة ومبطنة وفي "اللالغة أيضاً". حكايات يدور في أجواؤها كل ما هوغير سوي وكل ما يمكن إن يحتويه مصطلح الجنون وبالرجوع لتصنيفات الطب النفسي سنجد الذهاني والعصابي والمعتل الشخصية والمدمن. وسنتعرف علي الأوهام و أضطراب الكلام، الاضطراب العاطفي ،اللامبالاة ،الهلاوس، اضطرابات السلوك، التماهي مع الأشياء(شخصنة الأشياء) والتماهي مع تمظهرات الوجود(شخصنة الكون).
نستطيع بواسطة هذه الحكايات إيضاً الإنتقال إلي أجواء الشماعية لنتحسس الإحتجاج علي إضطهاد المجتمع للمرضي هذا الإحتجاج يتمثل علي عدة مستويات فمن رفض الوضع الإجتماعي للساكنين في المستشفي إلي رفض المنظور الطبي الحالي لهم إلي رفض الواقع الاجتماعي الذي ساقهم إلي التموقع في الجنون سواء أكان ذلك باختيارهم أم لا!
اللغة الجريئة بل الوقحة للحكايات تقتحم القاريئ لتذكره بالمنسي والمغطى والهامشي في نظام المجتمع ناهيك عن إنتهاك المحرم الجنسي (زنا بالمحارم، لواطة، عادة سرية، تلصص وكذلك اللقلق الذي يريد أن يضحكنا). الرأس هو ذلك الشيء المعلق فوق الكتفين واللامبالاة واللامسؤولية وتبادل الشخصيات في كل ذلك يقول لنا خضير ميري إن الجنون هونتاج ذلك الجزء المنسي والمهمل بتعمد من الحضارة. ولقد آن الآوان ليقول هذا الجزء رأيه ويكشف عن موقفه من السؤال الإنساني الكبير:(من له أن يخبرني من أنا؟) كما قاله شكسبير علي لسان الملك لير وكما بحث عنه دويستويفسكي مطولاً ومعمقاً في رواياته التي يقال أنه أفاد من خبرته الشخصية كمريض بالصرع في كتابتها. لكن علي كثرة نماذج الجنون في الأدب حيث يكاد لا يخلو نص أدبي كبير من واحد يقول علي لسانه ما لا يقوله الآخرين أو يكمل أجواء النص الحياتية، فان المجانين في حكايات الشماعية يتفوقون علي تلك النماذج في قدرتهم علي إستفزاز إستقرارية العقول السوية وكاتب الحكايات يريد القول عبر إضطراب لغة أبطاله أن ليس من الضروري أن يجدوا إجابات متفقة مع النسق العقلاني المركزي حتي يعترف بحقهم في احتلال كراسيهم في صفوف الإنسانية.
نعم نحن نريد أن نشترك في لعبة الوجود ولكن ما المانع أن نعترف بحق غيرنا في الجلوس والتفرج بلامبالاة على هذه اللعبة الغامضة!!
الفرق بين الحالتين يكمن في إن العقل قد أستغني عن الواجب التركيبي للربط بين التفكير واللغة وتفكك بطريقة أو باخري فخرج عن النسق الاجتماعي والدلالات التوافقية للغة بينما بقيت الإجزاء التفكيرية تمارس عملياتها التوليدية بتكاثر خارج عن حدود (الذات) التي فقدت برنامجها المركزي بفقدان نسق اللغة. أنه صراع الطبيعة ضد البرنامج التوافقي: منا من خضع للبرنامج ومنا من تحداه بالشك والسؤال ولكن أحتفظ برجله الثانية في موقع القبول ومنا من أغرقه التحدي ومنا من قرر أن يحتفظ بموقع السؤال طالما أنه لا يجد جواباً يروي عطشه وأن يتخذ موقع (لا تحقق الذات) أو تفكيك الذات إختيارأ ومن النصوص الأشد تعبيراً عن هذا الموقف نص (أناشيد مالدورور) لكاتبه ايزيدور لوكاس لوتاريامون.
في الحكاية السادسة من حكايات الشماعية سنسأل أنفسنا: المجنون يرثي من؟ هو من جهة في حالة تطابق مع المدينة (تماهي مع المكان) لفقدان الحدود بين الذات والعالم المادي وهو كذلك يتوحد مع الكلي لفقدان القدرة علي تركيب الجزئيات وهو من جهة أخري يري ما لا يراه السوي في هذه المدينة لأنه يتوحد في ذات الوقت مع هذه الجزئيات ويتوحد مع كل تفصيل وومضة ويعيش لحظة دهشة مستمرة بلا توقف في تماهي مع الزمان. لذلك يري في المستشفي باحتجاج إنها اعتقال للمدينة التي لن يجد فيها السوي جواباً علي تساؤلات عقل يري ما لا يراه العقل النسقي للسوي وأن رآه تغاضي عنه!
بقراءة متأنية سنجد إن لا ذنب للمرء الذي يختبر الحياة في (المنزل الذي فقد أسبابه) أو أن (الذي أشعل فانوس القراءة لكي ينسي) أو ذلك الذي نقب في العلاقات الاجتماعية أكثر من المسموح له (نسيت فأبصرت) ومن وجدت في الجني الصالح ملاذاً لها ولن يكون هناك ذنب لمن (تضيق به ذرعاً الكتب المدرسية) ولم يجد مخرجاً سوي (يقينية الخمرة) اذا سمح الأسوياء لبعض الطيور أن تغرد خارج السرب وان يقرروا في المستقبل أن يعيدوا النظر في شروط الاتفاق!!!


الجنون أونطولوجياً


الجنون كما نجده في حكايات الشماعية لخضير ميري هو البحث عن الحقيقة التي لم تعد الأجوبة الجاهزة كافية لأشباع العقل المنقطع عن أسباب بقائه. العقل الذي رأي أن لا معني في مغامرة الوجود غير المضمونة النتائج، فإذا حدث للإنسان أن تقمص هذا الإشكال سيصبح غير قادر علي الحفاظ علي قدرة التوافق والانضواء إلي النظام الاجتماعي. وسواء كان ذلك اختيارياً أم لا فأن النتيجة ستكون اتخاذ موقف يرفض هذا الوجود وسيحاول بعدة طرق استعادة الاستقرار وان كلفه ذلك التطابق مع المؤكد الذي بقي له أي العدم. ولكن خضير ميري وجد حلاً أهم من العدم إلا وهوالإحتفاظ بموقع التساؤل، وحق التمرد إلي حد الرغبة في عدم الاقتناع باللغة طالما أن اللغة هي إيضاً توافقية، (الكلمات لشدة حرصها علي أن تكون معقولة. تمنع الطوفان القادم الذي لا بد منه لكي نتكلم.) كما يقول ميري، الطوفان هو ما دأب الجهاز الطبي علي تسميته بإضطراب الكلام ولكن ما الذي يقبع تحت هذا التشظي في الكلام؟ يقول ديلوز عن فعل التفكير (إنه ثني وطي للخارج بداخل يمتد بامتداده) واللغة هي الإداء التعبيري لهذا التفكير. لكن التفكر غير مشروط ولا ينغلق علي مفهوم سابق للمارسة فيقول ميري في كتابه (الفكر المشتت-تعقيب على فوكو 1997) (لا بد من إشكالية وعي من سلسلة تضادات وتواترات ومتغايرات متجاذبة الأطراف تكون لها فاعلية تصيير ـ العلاقات ـ التباساً ثم مدها لتؤدي تسلسلاً إدراكياً ظاهراً ومؤثراً في حدوث التصورات المؤسسة عليها.).
وهذا الامتداد الإدراكي في ثنيه وطيه إلي الداخل والخارج يشكل لدائنية علائقية تنتج عنها اللغة ويقوم الجهاز العقلي بعملية الربط بين التفكير واللغة (إطروحة دي سوسير)، فاذا تعرض هذا الجهاز للتفكك أوأنقطع عن تتبع الإشكاليات وفق البرنامج الملقن (لعدم الكفاية أوالكفاءة!) هذه الشبكة ستنعزل عن جهاز الترميز المتعارف عليه، وسيقوم نظام آخر خاص وفرداني بإعطاء معانيه جديدة للرموز وستنشأ منظومة دلالية خاصة تخضع لخصوصية التصورات الذهنية المشتغلة في شبكات الإدراك والتفكير المستوحدة (الاوتزمية). عندما يواجه الإنسان (جلدات الحياة) و(غرابة الجنس البشري) و(تذوق القذارة مبكراً) ويعاني من (الشعور بمزيج من الخيانة وسوء الحظ، مزيج من الرعونة وانعدام المعني) أويضيق به تمرده علي الحضارة فانه مع الاستعداد البايولوجي الكافي سيتجه الي تفكيك منظومته العقلية وسيعمل الوعي هنا علي تحديد اتجاهات التفكيك. مع فقدان البرنامج المركزي (الأنا ـ الملقنة) سيحدد الوعي فيما إذا كانت الشبكة الإدراكية ستتحول إلي (خرقة مسح) أم ستفضل أن (تشعل فانوس القراءة) أو تتطابق مع (المدينة) وسينشأ خطاب من نوع خاص ومستوحد يتوجب علينا أن نتعامل معه بإدراكية مقابلة في ثنيها وطيها لنتفهم المضمون. ونعطيه حقه الإنساني أذا اختار الانسحاب من المسؤولية (صمم له موقفاً من المنازلة علي طرف الجنون) طالما إنه نتاج حضارتنا ونتاج صراع الطبيعة مع الحضارة أوأن تتوقف الحضارة عن تحضرها وتقرر إهمال ونبذ هذا الإنسان المتمرد الذي أسمته مجنوناً.
ان تحضرنا يخضع لتحدي (الحكايات) التي تريد ان تقيس حقيقته باستفزازه وبالسخرية منه (سرقت المعطف، وحملت حقيبة جلدية فيها معاملة العقاري في يد وحملت كتاباً غير مفيد عن القمر في يد أخري فأصبحت متوازناً). فهل نقمع من شاءت له المصادفة أن تحمله (عاصفة كقشة واهية) أو (موجة عصافير) إلي العدم أوغاب عنه يقين عاطفي أونموذج أبوي؟.
الجنون هو فقدان يقين وجداني لغياب الأم أو الأب غياباً ماديا ًأوعاطفياً (فالحبل السري هونفسه حبل المشنقة) ومعاناة الإنسان الذي انقطع عنه الحبل السري فخرج من رحم الطمأنينة ليواجه الحياة بصرخة إلم إولى، يمكن أن تستمر بسبب التآمر الاجتماعي كما نري في (الحكايات) ويقرر الإنسان حينذاك وإزاء تلك الصدف السخيفة أن لا مسوغ معقولا يسوغ وجوده ولايعود يرى في الحبل السري سوى حبل المشنقة أي أنه ينتقم من الولادة بالموت وينتقل إلي موقع اللامعني واللاجدوي كما لن يعود عقله قادراً علي وضع حدود بين الوجود والتمرد والعدم. ولن تكون الحضارة قادرة هي الأخري علي استيعاب هذا الخروج علي قوانينها ولا القبول ببرنامج غير برنامجها المركزي. حينذاك ستنشأ لعبة تمويهية يمكن أن تأخذ شكل شخصية بديلة أوتري" جني صالح" أوضبع أولقلق ضاحك كتمويهات ذهانية أوأدمانية أوعصابية (الممرضة نسرين التي أرادت رؤية الضبع!). الفرق أن التزييف الاجتماعي كما مارسته الممرضة أوالزوجة هو إمكانية لا يفضلها أويتمكن منها الكل وسيختار البعض استبدالها بالإمكانية علي التمرد وينشأ الصراع بين المجتمع والمتمرد الذي سيلجأ في شعوره أولا-شعوره إلي تمرير تمرده عبر هذه التمويهات وتنشأ لديه مجموعة التصورات الذهنية الخاصة به أي انه سيقيم ميتافيزيقيته المستوحدة في الطرف الأقصي من مدي الافتراق ويمارس(الشجاعة مع فقدان الأمل) أو(يجاهر بأكاذيبه) للعوم في بحر العدم أوأن يقرر إنهاء حياته بدلاً من كل هذا العناء!!


الجنون إبستمولوجياً

هل المجتمع يمارس السلطة عبر الطب النفسي كما أكد فوكو أم أنه يتعامل مع المرض الأكبر ليقتنع المتمرد بالبقاء ويبحث عن معني لوجوده من جديد؟
المرض الأكبر هو قمع الهامشي وعدم الأعتراف بوعي الجنون ورغبة المجتمع الفعالة في عدم الاستماع له وبالتالي رغبة الجهاز الطبي في عدم تصديق خطاب المجنون اللغوي والفعلي الصارخ بالاحتجاج. فالمشكلة ليست في أن نكون مع أوضد الطب النفسي بل هي مشكلة فهم خطاب الجنون والتوقف عن إدانته كمرض. الطب النفسي فيما اعتقد بحاجة لأعادة تعريف الجنون مفهوميا ومعرفياً قبل أن ينغلق علي المشاهدة السريرية. لقد قبل الأطباء منذ العصر الميكانيكي النظرية الترابطية وهم يعودون إليها في العصر المعلوماتي مع الحفاظ علي قابلية القفز علي أزمة تواترات العقل المجنون باعتبار أن الجنون هو نقيض العقل منذ (هيوم) و(لوك) وإلي حد الآن. النتيجة هي انقطاع في التواصل الخطابي بين المريض والطبيب وعدم تمكن الطبيب النفسي من الدخول الى النظام اللا-منطقي المستوحد في مواجهته للعدم لدي المريض المتحصن باللا-منطقية التي تعطيه الأمان أمام شعوره بالمجهول.ومع إن المدرسة الديناميكية في الطب النفسي تتعامل مع الصراعات الداخلية للمريض إلا أنها تعتمد قواعدا وأحكاما مسبقة في تأويلها لكلامه وتحيلها إلي المرض والعلاجات التي تضعها للمريض تنطلق من هذه الأحكام المسبقة إيضاً وعلي أساس التأويل نفسه. وقد أشار الطبيب شاركو إلي ذلك بقوله (إن فرويد يصنع الأعراض المرضية بالكلام ثم يزيلها بالكلام).
لفهم خطاب الجنون سنحتاج إلي إن نقف إلي جانب المريض وليس أمامه وننظر للأمور كما ينظر لها هولا كما نريد نحن له أن ينظر. وعلينا أن نمارس بحث إركيولوجي نفسيا لفهم المنظومة الدلالية الخاصة به وننقب فيها للوصول إلي كشف موقفه في إعماقه كما هولا كما نفترض مسبقاً له. حينذاك نستطيع إن نفهم الجنون علي انه مجموعة مستويات من المواقف المفهوماتية فهنالك الموقف(الأوفيلي) (أوفيليا احدي شخصيات مسرحية هاملت) الذي يمثل التفكك تحت ضغط الحدث الحياتي والموقف (الهاملتي) الذي يمثل التفكك المفتعل كوسيلة لمواجهة التآمر الاجتماعي والموقف (النيروني) او(السادي) التدميري والموقف (النيتشوي) عندما يتطابق المجنون مع العدم بوصفه الحقيقة النهائية.
في ضوء فهم كهذا للجنون علي إنه وعي من نوع آخر مختلف وعي لا منطقي لغوياً ولكنه حقيقي تجاه إشكالية الوجود-العدم سيكون ممكنا للطبيب إن ينظر للمريض علي انه مساحة للفهم والوثوق وسيتمكن من التضامن في خطوة إولى مع احتجاج المريض. هذا سيعني التعامل مع المريض علي انه إنسان رافض ويعبر عن رفضه بلغته الخاصة وان أصالة موقفه تدعونا لقبولها كوجهة نظر تضاف إلي وجهات نظر عديدة ما زالت تبحث عن الحقيقة. إن فهماً معرفياً للجنون علي انه خطاب لا لغوي لتأسيس موقف من إشكالية الوجود/العدم سيمكن الطبيب النفسي من ممارسة أهم واجب له وهو فعل المحبة تجاه المريض ووفقاً للأسس التي لخصها" اريك فروم" لفن المحبة في أربعة أسس: الرعاية، الاحترام، المسئولية، الوعي. وما يهمنا هنا هوليس وعي المريض بل وعي الطبيب تحديداً لما يفكر به المريض كأساس لاستكمال شروط المحبة. الخطوة التالية ستكون إنشاء تكامل بين الفوضوي الاغترابي والفكري الإبداعي عندما تتوفر إمكانية الإبداع أوبتنمية بذور الإمكانية في المريض لاستبدال فقدان الثبات الوجداني لديه بآلية لتشغيل الجهاز التفكيري وتحريك إبداعه في التعبير عن موقفه من إشكالية الوجود/العدم واستثمار قلقه الخطابي في إبداع فكري أوأدبي أو جمالي يمكن أن يشكل بالنسبة له إعادة لتموضع الذات وتحققها بتحقق خطاب الجنون وهذا يمكن إن يمثل عملية شفاء بالإبداع وبرغم تناقض نتائج البحوث حول العلاقة بين الإبداع والجنون إلا انه لا يمكن إنكار الزيادة في نسبة الاضطرابات النفسية لدي المبدعين فقد وجد لانج إن نسبة 12-13% من الناس العباقرة كانوا ذهانيين علي الأقل مرة في الحياة في حين إن النسبة في المجتمع الكلي هي 1% ويعد كلاً من لانج وكريتشمر ان العنصر المرضي النفسي هومحرض للنشاط الابداعي (ولاننسي طبعاً إمكان حصول العكس طالما إن التفكير الإبداعي هو تفكير لا اتفاقي) إن قدرة المعالج علي استيعاب خطاب مريضه ومساعدته علي نقله للخارج والتعبير عنه كونه خطابا ذا معني سيشكل حجر الأساس في شفاء المريض والتعايش مع حالة الاغتراب المتبادل بينه وبين المجتمع.
أما إذا لم تكن الموهبة موجودة فسيتوجب علي الطبيب السعي لأطلاق وتحرير خيال المريض وزرع الإمكانية للقيام بنشاط ذو جدة وقيمة ويشكل إبداعاً علي المستوى الفردي للمريض يؤدي لتحقق الذات لديه وشفائها ضمن مستوى المعاناة التي يعيشها.   


الجنون والحضارة   


يقول اندريه جيد "إن أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل ينبغي التموقع بينهما بالقرب من الجنون حين نحلم وبالقرب من العقل حين نكتب". وإذا إردنا الحديث عن الحضارة والجنون وما يمتد بينهما من الحرية والحلم في مساحة لا متناهية من الإمكانية للتوالد الخلاق سنجد إن الحضارة بما هي إنسانية في غايتها قبل أن يكون الإنسان محض وسيلة تحتاج إلي كل ممكنات العقل بما في ذلك إمكانيته في أن يكون لا معقولا وبالأخص خلال مراحل الانتقالات الحضارية الكبرى حيث يتعرض الإنسان إلي ضغوط نفسية تؤدي به إلي التفكك والمراجعة المتشككة في اليقينيات. وعلي المستوي الفردي سيكون كل إنسان ذو تفكير افتراقي مؤهلاً لمساءلة هذه اليقينيات باستمرار وسيجرب باستمرار قدرته علي التحدي ضمن إشكالية الواقع الإمكانية بمعاناة لامحدودة بقدر لا محدودية إمكانيته علي الحلم ورغبته في حرية لامتناهية. في ظل وضع كهذا سيتوجب علي الحضارة استيعاب خطاب الآخر اللاعقلاني خطاب الجنون كوسيلة من وسائل تجميع القدرات للاستجابة للتحديات التي تواجه الإنسان في هذا العصر الذي بلغت فيه العقلانية حداً أقدمت فيه علي محاولة اغتيال سبب وجودها وهوالإنسان وبلغ الصراع إلي حد انتقام (السكين) من (الكومبيوتر) بعد أن تآمرت العقلانية علي أصل وجودها (الإنساني) وأرادت إنهاء تاريخه ونقل الولاء إلي (الكومبيوتر).
اذا ما فكر الإنسان المفتقد لثباته الوجداني لأي سبب كان في كينونته من التراب وإلي التراب فانه سيجد صعوبة في التخلص من الشعور بوجود خديعة ما وستزيد مشاعر الخديعة أكثر عندما سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع النقص الإصلي للحرية ما بين ممكناتها وشروط علاقة الأنا-الآخر. حينذاك سيجد البعض ملجأهم في الحلم أن للأحلام مفعولية شفائية عرفتها الحضارة منذ زمان البابليين والفراعنة وكم جدير بالملاحظة هنا قول الإله نينورتا مخاطباً الاله إنليل " ثم أني لم أفش سر الآلهة لقد عرفه الرجل الحكيم في الحلم والآن أشر علينا ماذا نفعل به؟".
لقد أولى فرويد أكبر أهتمام للأحلام ولكن يونغ لاحظ أن الاعراض الفصامية تشبه الحلم برغم أن المريض يكون يقظا حيث يمكن أن نجد في لغة الذهاني مواصفات الحلم وهي الترميز والتكثيف والتحويل إلا إن لانج كان شديد الانحياز إلي عد الوهم والحلم يمثلان الذات الحقيقية الداخلية وعد الذات الخارجية زائفة ومخادعة ويقول إن حالة فقدان الأنا التي ينظر إليها علي إنها ذهانية قد تكون خاصة بفرد منهمك في محاولة اكتشاف الأعماق الباطنية للحياة. كما يصف كريتشمر " تنويعة هولدرلين" نسبة للشاعر الالماني هولدرلين المصاب بالفصام بأن هذه الحالة تتسم بأن الفرد الذي يعانيها يكون حساساً بشكل كبير لبيئته ومن ثم يتراجع إلي الحياة الخيالية الداخلية.
أن خطاب الجنون هو خطاب الوهم والخيال والحلم وهو أيضاً خطاب المقصي والهامشي وكل من يحاول إختراق حدود واقع الحرية وأن الرسالة التي تحملها لنا (حكايات الشماعية) لخضير ميري كما هي سائرأعماله الأدبية والفكرية التي اتخذت من الجنون والعرضية والإشكالية الانطلوجية مشغلا لها بقصدية المبدع ولغة الجنون أن من حق أي عقل أن يفكر كما يشاء وكيفما يشاء في حضارة تؤمن بحرية العقل وان واجب المجتمع الحضاري أن يحاول التواصل والتحاور مع هذا الخطاب قبل وضعه في خانة أعداء المجتمع وإقصائه واستعداء من يمكن أن تفيد منه الحضارة لوحاولت فهمه. ومع شيء من المخاطرة والجرأة غير المسبوقة تحاول الرسالة أن تقول بان ليس من واجب العقل المفكر في خطاب الجنون أن يتبني بنية خطاب المتلقي حصراً!!.
إن المشهد الحضاري في زمننا المعاصر بحاجة لأن يكون مشهداً عرضانياً وتعددياً كما يقول مطاع الصفدي في كتابه"نقد الشر المحض" ويقول كذلك (فهل يستطيع سؤال الفكر أن يسترد لحظة إندهاشه بمولد العالم كل فجر بدلاً من تأبيد المآتم وسط عوالم هالكة بائرة باحثاً حقاً عن أفاهيم عابرة لشخصية مفهومية لا تتم هي أبدا ولا يكف هوعن النقصان).
ومشهد كهذا يحتاج بالتأكيد أن يضم إليه خطاب كان مقصياً إلي حد الأن ولم يعد ممكناً الاستمرار في إقصائه ولابد من التواصل معه قبل أن يأتي الطوفان!!!.
وأخيرا وليس أخرا أسأل بدوري إذا وافقت (الدكتورة) في احدى قصص حكايات من الشماعية علي استبدال (الدكتور سليمان) بـ (إسامة) فلماذا لا نوافق علي استبدال (حامد) بـ (ابراهيم) في قصة اخرى من المجموعة
أذا وافقنا على ذلك ألن يسبح خطاب الجنون في شمس الحرية بدلاً من ظلام العدمية؟ وو بقليل من جنون خضير ميري ومسعاه ....؟!.




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

هيام في 26/ 2/ 2010
هيام تحية للدكتور باهر سامي الذي قدم لنا هذه التعريفات للجنون ، وربطها بملامح الجنون في المجموعة القصصية " حكايات من الشماعية " للأديب خصير ميري ... في نهاية الأمر نقر جميعا أن الكتابة جنون وأن الفن جنون ، ولكن الجنون في اعمال خضير ميري وفي كل الكتابات الابداعية هو الجنون الصحي لا الجنون المرضي .. فالتعبير عن العمق جنون ، وإثارة الأسئلة الفلسفية جنون ، وهو الجنون المقترن بالنشاط الذهني الخاص للمبدع ، في حين ان الجنون المرضي لا يتوفر فيه هذا النشاط الذهني ... فالجنون الابداعي هو التحام المبدع بلغته الباطنية ، وتعبير عن ارادة المبدع في التعبير عن حريته ... ومن يستنكر الجنون الإبداعي فهو لم يعرف تفاعلات العملية الابداعية ...لكن كيف يصل المبدع الى المصحة النفسية ، فذلك يدل على وجود المبدع في بيئة متسلطة .. فنعم الجنون الفني هو يعبر عن الذات بكل ابعادها ، بخايالاتها وهذيانها ...
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: