الرئيسية »  الـنــقـد»  العراقيون وأرصفة الوجع

العراقيون وأرصفة الوجع

عدد مرات المشاهدة :489 - 28/ 1/ 2010

جاسم خلف الياس

العراقيون وأرصفة الوجع

  

قراءة في رواية (خيبة يعقوب) للقاص سعدون البيضاني

تضع رواية ( خيبة يعقوب ) المتلقي إمام وجع عراقي محض، تقاطعت فيه المفارقة بين خيبة النبي (يعقوب) عليه السلام ، وخيبة ( جبر) الإنسان البسيط الذي سحقته سرفة الحياة في تفاصيلها الدقيقة ، إذ تأسست هذه الرواية على بنية محكية تشكلت من اثنين وعشرين مقطعا صغيرا ، استطاع الروائي في هذه المقاطع تكثيف الرؤى والأحداث ، ليأت كل مقطع منها على شكل حكاية قصيرة ، تأخذ حيزا مستقلا ومن ثم تتداخل هذه المقاطع لتشكل بنية الرواية الواحدة.
لقد انفتح الواقع النصي المتخيل في هذه الرواية على الواقع المعيش إلى حد التطابق بوساطة تقانة الإيهام السردي، إذ تروي أحداثا عن شخصية ريفية ، غير نمطية استطاع القاص إثارة الرغبة في داخلنا لمتابعتها وتقصي ميولاتها وتطلعاتها منذ الجملة الاستهلالية الأولى (( كانت حياته خطأ )) .
لقد عمل الروائي / الراوي على نهوض تساؤلاتنا بهذه الجملة الاستفزازية ، ونقل هواجسنا نحو الشخصية التي تجاوزت جاهزية العالم الاعتيادي ، إلا أن الروائي خفف صدمة المتلقي قليلا ، حين استخدم كلمة (لا) قبل أن ينتقل إلى الجملة الأقل عنفا وهي : (( لنقل شط عن المسير)) ثم اخذ يستدرجنا، ليوقعنا في فخاخ هذه الشخصية الإشكالية منذ نعومة أظافرها.
وإذا كانت معظم الحكايات تبدأ بخروج شخصية ( عادة تكون رئيسية) على المألوف ، مثل الهروب من البيت ، أو الخروج على الطاعة ، أو تحركا نحو غاية معينة ، فان خروج جبر على طاعة أمه مثل بداية الحلقة الأولى من حلقات السياق السردي .
إذ رفض (جبر) مبدأ زواج (ألام) بعد موت (الأب) وتمرّد على نواميس الحياة الاعتيادية (( هو يصر أن لا رجل يعتلي صهوة أمه بعد موت أبيه )) فرفض العيش مع زوج أمه وتطوّع في القوة النهرية وتزوج (صبرهن ) وهي فتاة بدوية ومن بيت ((فيه شيء من ناصية مجد ومأوى مضارب بدو تسكنه بضعة من حنان فيها طهارة الإبل وحيائها فأراد أن يمد خيطا/ حبلا بينه وبين هذا البيت)) وبعد عشر سنين من زواجه يرحل( جبر) إلى بغداد بعد أن لاح في الأفق موطن البؤس والرتابة (( الموقف لا يحتمل التأجيل ، طاقة التحمل لها حد ، جبر كفاك عسكر ، ها أنت أنهيت عشر سنين واسترحت )) في بغداد استطاع الحصول على وظيفة في أمانة العاصمة بصفة مراقب عمال بلدية ، ولكن جبر ابن الجنوب لم يتحمل أجواء بغداد بكل ما فيها من مدنية على الرغم من بناء دار له من القصب (( حتى لا تكون الغربة لئيمة إلى حد ثلم الروح )) فيحس بمرارة في فمه وكأنه يتجرع السم (( ليس سهلا أن تجرع السم دفعة واحدة والغربة في زمن الالتصاق بالأرض نوع من السم )) وكأن هذه الدار تشكل معادلا موضوعيا لغربته القاسية التي أحس بها ، فقرر مغادرة بغداد والعودة إلى مدينته ( المجر ) على الرغم من معارضة (صبرهن) العودة وتشاؤمها الواضح منها.
وبعد أن رزقه الله بثلاثة أولاد وبنت، كبر حجم العائلة، فازدادت رغبته في التطوع ثانية لتوفير المصروف اليومي لها، فيتطوع في سلك الشرطة، وينقل إلى الشمال لإكمال مدة خمس سنوات فيها، كما هو متبع في قوانين هذه الخدمة . ويحدث أن يبقى أسيرا في الشمال من قبل قوات البيشمركة لمدة طويلة، يتجرع على أثرها مرارة الأسر حتى تحين له فرصة الهروب .
وبعد هروبه من الأسر تتوافر همومه من جديد على اثر نشوب الحرب العراقية الإيرانية وتكون زوجته أول الخسارات التي جعلته يتذوق مرارة الحزن من جديد، بعدها تستمر الخسارات لتبدأ باستشهاد ولده عباس ، ومن بعده كريم ، ومن بعده حسن، ولم يبق في الدار سوى (سكينة ) التي تشهد موت أبيها، الذي عمي جراء ضربة قاسية من يده على جبهته حين اخبره احد الواقفين بانتظار آخر وجبة من الأسرى بعدم وجود أي أسم من أسماء أولاده - إذ كان طيلة تلك المدة يصر (جبر) على أن احد أولاده حيا وما زال أسيرا في إيران - بعدها ترحل سكينة إلى بيت خالتها، ثم إلى بيت عمها، فيتزوجها ابن عمها للحفاظ على ما تبقى من عائلة جبر، وبعد مدة قصيرة يعود احد أخوتها من الأسر هاربا من السجون الإيرانية، ويتحقق ما كان يحلم به (جبر) ولكن دون جدوى .
تنهض بنية المحكي في رواية خيبة يعقوب على فاعل أحادي مهيمن هو( جبر) الذي ارتبط مصيره أسرته بمصيره في بنية مغلقة عمد القاص على انغلاقها حول هذه الأسرة مما حجم استيلاد النماذج الفرعية وجعلها حبيسة هذا النموذج الواحدي ليضمن لروايته الاتساق والبناء المحكم فـ((كل شيء هنا يتماسك ويترابط داخل عالم مغلق متلاحم )) حسب ر.م البيريس.
لقد اقتضت الضرورة في هذه الرواية الانسجام بين أجزائها وفق منطق اختاره القاص في تبرير طريقة اشتغاله إذ جمع بين نسقين من الكتابة القصصية شخصهما شكلوفسكي في تنظيره للبنية القصصية هما :
نسق التأطير: وفيه توضع القصص المستقلة داخل قصة قصيرة أخرى، ويفترض أن تشكل تلك القصص أجزاء لها .
ونسق التنضيد : وفيه تتتابع القصص القصيرة المستقلة كل واحدة بمعزل عن الأخرى لكي تتصل فيما بينها إلى شخصية مشتركة.
يصعّد البيضاني في بداية كل مقطع وتيرة الحزن بلغة شاعرية تضفي مسحة من الألم المر والمستفز (( الغبش يشرب من خاصرة الليل ملحا ودماء وسماء . فتنبثق الحياة فجأة وكأنها تنفلق حين تطلع الشمس وهي تنزف أوردة وطحالب وخيوط كأنها الدم المتأرجح على كفة البحر ، للزمن أنياب تنهش قوت المتكئين على أرصفة الوجع)) .
بعد المقاطع الثلاثة الأولى يتحول السارد العليم( سارد كلي المعرفة) من سارد للأحداث بصيغة ضمير الغائب (هو) إلى سارد بضمير المتكلم (أنا) وهو ( كريم ابن جبر ) ويستتر الراوي بصوت كريم ، فيقترب الروائي حسب تعبير يمنى العيد بهذا التحول من وظيفة الراوي، ويظهر كوسيط ينقل (ما يقوله كريم ) وحين يضع النقطتين ( : ) فهو يشير إلى توقف صوته (صوت الراوي ) ليبدأ صوت كريم ، إلا أن هيمنة الراوي كعنصر ليست سوى وظيفة (لعبة فنية ) ضد هيمنة موقعه ككاتب. فالحوار في الرواية كان يفضح الوجود القسري للكتاب وانزواء الراوي خلفه ، وقد تجلى ذلك في كلام (صبرهن) الذي لا يتطابق كلامها مع مستواها الثقافي المتواضع .
إن إحداث الرواية ليست غريبة على المشهد الروائي العراقي الذي تناول ما خلفته الحرب بكل تفاصيلها المعروفة وكثيرا ما تكون اقرب إلى الواقع على الرغم من الإيهام الذي يوظفه الروائي في عملية البناء (( إذ ينمي هذا العالم ويجتهد لمنحه طابع الحقيقي ، يجتهد أيضا ليظهر بمظهر الناقل أو الراوي لهذا العالم... أي يمارس وظيفة فنية هي وظيفة الإيهام باستقلالية هذا العالم وبالتالي بحقيقته ، أي بوجود هذا العالم بالناس الذين يشكلونه ، وعليه فمسالة الراوي ترتبط بمسالة العالم المروي نفسه، أي بمسالة قدرة هذا العالم على أن يظهر وكان أناسه هم فعلا صانعوه ، وهم أصحابه بما يكسب هذا العالم طابع الحقيقي )).
إن رواية (خيبة يعقوب ) هي رواية العراقي الذي وقع تحت وطأة وقسوة الحروب فتمظهر الوجع مع كل ما خلفته تلك الحروب في واقعنا، وما زلنا نلثغ مراراته التي ـ يبدو أنها ـ ستظل ترافقنا إلى الأبد.

خاص "أدب فن"




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: