"أرسم أسئلتي لسواي وأمضي" لخضر خسن خلف
كريم ناصر
بنية شعرية تسعى إلى تأويل اللغة
الجملة المعيارية:
تفرض قراءة الشعر لا ريب مستوىً لغوياً من درجة أعلى، ولمعرفة طبيعة الفرق بين وحدتين شعريتين متباينتين، يجب أن نقيس ما هو شعري بمقياس اللغة، كأساس أوّلي للدخول إلى التأويل، وهذا ما يحصل غالباً، لأنّنا عندما نخضع العملية الشعرية إلى معادلة كهذه، ذلك لبناء قاعدة معلوماتية من شانها أن تُسهّل القراءة لتُعيد الشعر إلى المعيار..
فلم يبدأ التغيير الحقيقي في جنس أدبي ما، إذا لم نلحظ تغييراً مماثلاً في صيرورة النمط واللغة، وهذه الخاصيّة بطبيعة الحال ضروريّة، لو أدركنا المغزى من تحقيق هذا الإدراك، يقول جان كوهن: "فإذا كانت القصيدة تخرق قانون الكلام، فذلك لأنَّ اللغة تقوّمها في أثناء تحوّلها، هناك يكمن هدف كلّ شعر: إنّه تحقيق تغيّر اللغة الذي هو في نفس الآن كما سنرى تحوّل ذهني"..
لا أحد يستطيع أن يزعم تفوّقه الكامل للمعرفة. إنَّ صورة بديهية من شأنها أن تخرق صيرورة اللغة، فتصبح مجرّد لفظ لساني، وقياساً إلى غيره تبقى خضرة الأخ خضر حسن عامرة أدبياً، لأنّها لا تخضع في الأغلب الأعمّ إلى آليّة أسلوبية تسعى إلى تغيير الألفاظ، كما هو الشأن في النظم، وقد سبق للنقد أن أسقطَ من أدواته مثل هذا المنظور في وقت سابق، ولكون الشعرية تعني بمستويات الأدب، فالصورة هي ما تسمح لنا بالبحث في هذه المنطقة الهامّة في الشعرية العربية:
"أرسم غسقاً خلف ملائكة عراة"
(تحت غسق الروح) ص12
"القطيع الشقيّ حجر هدّه العري، يستاف عبق الريح"
(الجليس أو اعترافات العاهل أورنغزيب) ص61
إذاً، نحن هنا نرى بنية تسعى بالأساس إلى تأويل اللغة، من حيث هي متوالية لا تقبل الارتداد إلى الوراء، وعليه فلكي تُصبح جملة الشاعر معياريّة، إذا ما اعتبرناها في المستوى المنظور مقبولة، فلا بدَّ من أن تحقّق حدّاً أعلى من التوازنات لهذا الغرض، على وفق نسق لغوي لا يخلو من الصرامة، وهذا النزوع نفسه يتجسّد في كتابه السابق "ولد كالقهوة" لذلك فنحن ننصح قارئنا اللبيب قبل التصدّي للمجموعة أن يُظهر استعداده الكامل على المستوى اللغوي، كمدخل إلى التأويل، أي بمقدار قوّة الانزياح بما تحقّقه لغته، وهي نتيجة استخلصناها من قراءتنا التامّة للشاعر كمرجعية أوليّة لدراسته:
"أعرف
عليّ أن أطوّقك بسوار اللغة
وأخلق دهشتي على بوح خجلك الجنوبي
ولكنني الآن متشظّ في كهولة مبكرة"
(القصيدة) ص26
ونحن بهذا لا نستطيع أن نضمن القراءة الوافية، إذا لم نرمز باللغة قبل إظهار المعنى، وبالدال قبل السياقات المكوّنة للمدلول، لأنَّ شاعراً مثل خضر حسن خلف كما نعرفه سلفاً، لا يمكن أن يستجيب بسهولة لشروط التلقّي البسيطة، وهذا ما يدفع القارئ إلى دراسة محيصة، ومتقدّمة يُعبّر عنها باللغة في إطار تكاملي تتيح له إمكانية تفكيك وحداته الشعرية للوصول إلى المعنى في إطار لا يقبل التجزئة، أي ليس على الكيفية التي تدفعه إلى هدم البنى دون تحديد السمات اللغوية وإعادة بنائها على نسق شعري خالص:
"الصمت إجناسيةٌ في الفضاء"
(فائض الصمت) ص40
"وتلك خيول أبي عند ترقوة الكتف بين البيادق
أزمنة العائلة نتوارثها علامات بشر"
(الجليس أو اعترافات العاهل أورنغزيب) ص61
وبالرجوع إلى الموضوع نفسه نقول: فما يُعتبر معقولاً في نظر فئة، ربما لا يكون مقبولاً في نظر فئة أخرى، بسبب قد يستحيل معه غالباً معرفة بينة اللغة الأساسية، غير أنَّ الميكانزمات الشعرية المتمثّلة جوهرياً في التكثيف الشعري تحرز الهدف الأول، نظراً إلى طرق توسّعها في استعمالات اللغة كحرفة، وهذا يكفي أن تجعل هذه البنية الجُملةَ متراصّة شعرياً، بفضل كثافتها الدلالية:
"هل تراني أتوهّم رفرفة موت تُريم لأمطر الليلة؟"
(أحياناً تأتي اللحظة بالدفء) ص36
(في أرض بور نثرت الكلمات المضيئة في سلّة يقظتي
كي تتجذر لمستقبل يتنفس"
(حقول) ص44
التقنية الشعرية:
لن نسعى إلى إجتراح تفاصيل عن فكرة الغموض والتكرار، أو الإستعارة والمجاز، ولكن من باب أولى يجب ألاّ نغفل مسعى الشاعر إلى إشاعة نمط شعري يعطي الانطباع ضمناً أنه لا يعرف أيّة قيمة أخرى غير القيمة الإبداعية، كيفما كانت طرائق التعبير، أو أيّة ملامح يحمله النمط. إنَّ كلّ شعرية بهذا الاعتبار هي شعرية مغايرة تقدّم صياغة دون مثالب أو وساطة تذكر. ونجادل انطلاقاً من معرفتنا الكاملة أنَّ المجموعة فيما يبدو لا تحذو حذو أحد، لأنّها تخلو تماماً من التراكيب الجاهزة أو الغامضة، أو المعقّدة على المستوى الشكلي، وإذا وجدت فهي في حدِّ ذاتها قليلة، هذا إذا ما كانت مقصودة لأغراض جمالية أو معرفية، في حين أنَّ الشعر يقبل الغموض ولا يستغني عنه، إذا استطعنا إخضاعه لتأويل صحيح، هكذا نفهم المعادلة لمعرفة ما ليس شعراً لاكتشاف الشعر. إنه وفي الحقيقة بعد كلّ قراءة نخرج بنفس النتيجة، نظراً إلى هيمنة الجملة التقنية..
سيكون لدينا الحق أن نميّز بين مجرى المحتوى وجماليته، فالفرق هنا دلالي، والثيمة الحقيقية تقوم في الأساس على اختزال الجملة وتكثيفها (بمادة المعنى) وإذا أدركنا صورة التكرار، فنحن نعلم يقيناً أنَّ الصياغة تبدو أقل أسلوبية وقليلة نسبياً، لكونها موزّعة توزيعاً عادلاً يلغي الإحساس بالتكرار، وبالقياس إلى غيره يبقى الشاعر خضر حسن خلف مختلفاً في تكوينه المعرفي، وإبداعه الشعري يأتي من نتاج لغته في مستواها الأكثر جدلية.
فلنتأمّل هذا البيت الشعري، كاستنتاج خالص يظهر لنا عمق صلته بالمكان وحبّه له:
"أعرف أنّك لا تستسلمين لجنون الفصول
ولا لأرشيف الآلام ما دام في الأفق رئةٌ تتنفس"
(قلبي بصرة الياسمين) ص48/49
وفي استذكار المدينة نستلّ البيت الآتي:
"صباح المدينة يريمُ على أهدابي فنتازيا زمن"
(صباح المدينة) ص50
والحقيقة أنَّ هذا المبدأ ليس ثابتاً دائماً، فقد أستلَّ من الميثولوجيات، والحضارات القديمة خاصة، شخصيات هامّة لها عمق أُسطوري، وثقافي، وديني مثل: جلجامش، أنكيدو، عشتار، وهوميروس. وإخناتون، وآمون. وكذلك أخذَ من التاريخ أسماء تُعرف بامتداداتها الدلالية، والفلسفية مثل: Galileo والطوارق، والكهان، أو أورنغزيب، ووضع بموازاتها وبطريقة مقصودة مفردات عصرية حضارية تقدّم معنى تعبيرياً تاماً، مثل: مونودراما، Carnival، كاتدرائية، مانشيتات، النيون، المجنزرات، بورتريه، الجنرال، فنتازيا..
أي أنّ كلّ شيء ينمو باطّراد، ومعياره في ذلك هو الاكتشاف المعرفي.
هكذا فإنَّه يكفي أن نعتبر هذه الصور الشعرية نماذج تحتفظ بقوّة المعنى:
"كلّ شيء في الغرفة الرطبة
الجدار والنافذة الكأسُ وجمرة سيكارتي
المصباحُ وبورتريه أبي
المرأة وجدولُ الوساوس
القبّة في اللوحة ومونودراما الرغبة
كل شيء يريدُ البوح لفضاء غربتي"
(رؤى) ص37
"غاليلو يعرف هذا قلبي
تمثل سرّ غياب السمو
فانبرى يدجن آلهة في دغل العقل"
(المدينة في تألقها الساخن) ص30


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك