رواية عدنان المبارك الجديدة (بالمقلوب).. العيش قريبا من الموجة 440 هرتس
إسماعيل غزالي
التشعبي النادر.. عدنان المبارك
مساء الورد الطاعن في ورد المساء
أكتب إليك على هامش قراءتي لنصك الأخير: بالمقلوب ، وقد فغمتني الرائحة ذاتها التي ذكرتني بنصك الما قبل أخير: حكايات السيجارة الأخيرة ، لاحظ أن كلمة أخير وأخيرة هذه تتقافز بين مفاصل الجمل، بصلافة وعدم حياء، هل لأن الأمر يتعلق بكتابة مسكونة بالتخوم القصوى للعبة، للحكاية، للمعنى، للكذبة المتواطأ عليها ... أم يتعلق الأمر بكتابة منهمكة في خطر النهايات، وغرابة الحافات التي سبق وأن تبادلنا بخصوصها رسائل جمة وحرى ، وعلى أوفى تقريب وتدقيق ، فهي تلك الرائحة التي تدل على كل نصوصك الممعنة في انشطارات الوجود ، عبر مشارط غائرة في جسد اللحظة الانسانية ، كما لو أن الكشف عن ممكن الذات واستحالتها ، أوهامها وحماقاتها إزاء تمثلاتها ، إزاء ميتافيزقيتها ، ومراياها ، المقعرة منها والمحدبة ، هو هاجسها المركزي ، لايمكن الدخول إلى تجربة هذه النصوص واستقصاء غيمات أفقها دون تلمس خارطة تلك الخدوش العميقة المزدهرة على زجاج الرؤية والرؤيا معا ، تلك الخدوش السومرية التي وسمنا بها قراءة عاشقة سالفة بصدد قصص كتابك الأزرق : الطريق إلى اللامكان : خدوش السومري على زجاج المنفى .
لسيوران مكانة وارفة في اهتماماتك ، فهو رفيق صدوع كلمتك ، وما يشبه قهقهتها السوداء اللابد منها كلما ضاقت بجهة النص رئة الوجهة ، وهنا يكون حضور هذا الرمادي الساخر كما لو ينفض الغبار عن قصدية الدال وحقل المدلول ، أو يكاد يكون صدى عاشقا يتعقب أو يوازي أو يجاور اشتغالك بدأب يومي على تأريخ شبهات اللاعادي واللامألوف من مروق البداهات والمسلمات في كرنفالنا البشري ، ونص بالمقلوب الذي تصدره بمقولة له ، بالغة التقويض والمرح : " المشاعر العميقة هي التي تخفى ومن هنا قوة مشاعرالسفلة ".إميل سيوران ، لم تكن محض توصيف عابر أو يافطة عتبة للتزيين ، بل هي حاشية كما جمرة تضيء نفق ما سيأتي من تهويمات واستيهامات ، وهي تشبه تماما الدرجة الأولى التي يبدأ بها صعود الهاوية وبها ينتهي ، كما لو كانت تلك الدرجة الفارغة في سلم الوجود ، أي ما أن تثب القدم عليها إلا وتهوي بصاحبها داخل النفق المعد للملعونين ، لذلك فعنوان غواية الفصام الذي يعقبها ، الذي وضعته لأول مفصل هو نفسه بداية هذا النفق ، حيث يطل سمك الساربا سالبا من مياه الحكاية السوداء ليكون دليل متاهة ، السمك الذي له مفعول الهلوسة ومضاعفات الكوابيس الليلية على آكل رأسه ، وكأن ما سيحدث في نص بالمقلوب من هذيان سافر واعترافات مشينة وبوح جارح وفصام مستشر وفوضى صادمة ورقص مخلخل وأيضا من تلفيق وصراخ وشطحات واشراقات وتصفية حسابات ومونولوجات حلزونية ومتوالية أحلام ...الخ ، كل هذا يوهم بأنه نتيجة طبيعية لأسلوب حياة مغامر ، رمادي ، محتدم الأسئلة ، يشبه تماما النتيجة الطبيعية لأكل رأس سمك الساربا سالبا ، ومن خلال الإقامة في خريف الفصام نقف قريبا من صورة مزمنة ليوميات كائن ، صرصار ، كما لو أننا نطل على فوهة بركان مما يعتمل في رأسه من ضجة واختلال ، لانكتفي بسماع بقبقات حممه وحسب بل إن وعينا لايسلم من جمراته المتقافزة شظاياها بكل الجهات ، وفيما يشبه مديحا للفصام ، يستغرق المفصل الأول في حلم يستدرج إليه كلا من سترندبرغ صاحب ( الجحيم ) وغومبروفيتش ودك - السويدي والبولندي والأمريكي ، وفيما بينهم ينشب حوار مطول حول الواقع والفوضى ومنطق الخارج والداخل والوعي والزمن والصحة والمرض والجنون والأنا والغير إلخ من المقولات والمفاهيم والظواهر والأزواج الميتافيزيقية التي شكلت خلفية معرفية صلبة ، مشحوذة بالمعلومات والأرقام والعناوين وتواريخ الإكتشافات ومستندة إلى مرجعية استدلالية وحجاجية إلخ عودتنا عليها كتاباتك ذات الترحالات البورخيسية ، المجاورة للحقول التاريخية والفلسفية والإبستمولوجية والأنثروبولوجية ...الخ.
وكلها تتضافر وتتواشج وتتعالق متمحورة حول موضوعة الشيزوفرينيا ، انطلاقا من وجوه ائتلافها ومفارقاتها ، فضيلتها ولعناتها ، وهذا ما سيخيم على طول محكي تجربة النص ولن يقتصر على هذا المفصل وحده ، بل يتعزز لدينا هاجس آخرهو أن نص: بالمقلوب كما سيتضح في النهاية يؤسس لشعرية الفصام .
فبنية المفصل الأول حوارية ووصفية خلقت من وسيط الحلم ذريعتها وفضاءها لكي تسرد قلقها الحاد عبر لوحات ومرايا تتجاسر على فضح الوعي وأوهامه وأكاذيبه ، وأيضا على تعرية التناقضات والجهر بالمفارقات بكل ما أوتيت من سخرية وهذيان وهلوسة ومرح ، إلى حين تبخر الحلم الأول مع اختفاء الصوت الخفي المحاور لكل تلك الأطراف ولا تقف هذه الدوامة ها هنا على هذه الحدود بل تتعمق أكثر وأكثر في المشاهد والوحدات والحالات المتعاقبة للمفاصل التالية :
* كانت مناورة لاغير :
وفيها تحتدم انشطارات الشخصية الساردة حيث يقرر صاحبها قلب منظومة الأشياء نكاية بصدأ الرتابة :
" نمت عميقا ووسادتي تحت رجليّ ، وكنت قد قلبت رأسا على عقب ، صورتي المعلقة على الجدار المقابل للنافذة. بدوت هناك كم من يقفز الى الماء برشاقة سبّاح أولمبي. قد يكون هذا هو الدواء الجديد للرتابة التي تضرب طوقها الحديدي على حياتي. شغلتُ المسجّل الصوتي وأخذت أصرخ بالنفس : أنت يا عاق ألم تكن غائبا حين دفنوا أمك ، ألم تكن غائبا حين دفنوا أباك ، وهل قدمت التعزية لشقيقك حين عذبوا وإغتصبوا وقتلوا إبنته وإبنه ؟ أنت مخلوق ينتمي بالكاد الى البشر..."
"أظنني شفيت من الفصام بعد أن قلبت المألوف في هذه الرقعة من المكان الى غير مألوف "
"وليبق المألوف خارج أورطتي"
* عدسة مكبِّرة مكسورة من زمان :
وفيها تقدم الشخصية على تعديلات جوهرية في منظومة البيت العائلية ، من صباغة وتغيير للأثاث وادخال بعض الروتوشات الغرائبية والسريالية على الفضاء وهذاما يجعل الآخرين ينعتونه بالجنون ، وتتواصل سيرة الفصام وتحولاتها في تداعيات وهذيان يسافر بنا دائما بين مقولات علمية وتواريخ استكشافات تخص عمل الدماغ ووظيفة الوعي من خلال نظرة فيزيائية ونيوروفيزيولوجية وانفورماتيكية الخ وكلها يوحدها التركيز والتكثيف في استكناه شيزوفرنيته الخاصة : " الفرح التلقائي الذي أطيل أمده هو الأقرب من الجنون وليس الحزن اللحوح الذي يبررالتأمل أو حتى المراقبة الإعتيادية بينما يكون الفرح الذي يتخطى الحدود العادية نتيجةً ً لإضطراب عقلي. أن تكون مرحا هو أمر مقلق إذا أخذنا بنظر الإعتبار حقيقة الوجود نفسها ، أما أن تكون حزينا فهو رد فعل طبيعي لدى كل واحد وحتى لدى من لم يتعلم النطق بعد. طيّب، لأكن حزينا وأتكلم عما تحت قحف رأسي "
" كتبت مرة قصة من نوع الخيال العلمي محورها نقل الوعي الى جسم كهربائي. أمخاخ سبرنيتيكية يحلم بها الكتاب والعلماء ، فهي مفتاح خلود حياة المخ "
" أعترف بأني رحت مع هذه القضايا بسبب فصامي ، بسبب كوابيسي ، بسبب تيهاني في هذا الوجود، بسبب غيظي بل سعاري لأني أرغمت على المشاركة في لعبة لا أعرف جميع لاعبيها بل لا أعرف أصولها كلها. ومن يعرف أصولها ؟ لا أحد من هنا ، أكيد أن العارف بعيد عنا ، بل هو أبعد من الله..
* الماضي تحت طابوقتين :
في هذا المفصل يستعيد النص نفسه الحلمي المتموج ويستهله السارد بإشارة أو تنبيه أو إضاءة تحيل على ذات المؤلف ، تحاول الحسم في قلق جنس وهوية النص : " أكتب في نهاية العقد الأول من القرن الجديد ، ومنذ الجملة الأولى ترددت في حسم الأمر : قصة طويلة ، رواية قصيرة ، رواية متوسطة ، رواية طويلة ، يوميات ، مذكرات ، حوارات مع النفس أو مع شخص مفترض أو أكثرمن واحد ، نص مفتوح قريب من المقالة سواء على الطريقة النيتشوية أو أخرى. غيرأني إنتبهت فجأة الى أن حرصي على مثل هذه الأمور الثانوية هو مضحك حقا. إذن : أكتب يا رجل كيفما تشاء ، وأنت قلت بنفسك مرة بأن مفتاحك السردي هو نداء بائعكم المتجول ( مخلط يا لوز... مخلط يا لوز ) ؟ ألم يكن طعم المخلط أطيب من طعم الكشمش وحده أو اللوز أو البندق ؟! هيّا ، أكتب كيفما تشاء ، وإذا لم يعجب أحدهم ، فهذا شأنه وليس شأن أدب اليوم !"
ويخوض بعدها في ما يستأثر بذهنه من ألغاز بدءا من المخ والهياكل اللغوية والذاكرة والجنون والزمكان والموت...الخ وهنا يسلك المونولوج طريق سخرية مرة ، كمثال لذلك أذكر :
هل ضراط الدكتور خ . يخرج من المؤخرة بطريقة أكاديمية لو غيرها ؟
* برفقة غوريلاي :
في هذا المفصل يستعيد لحظة الرتابة من جديد ملبسا إياها حالات قردية على سبيل التشبيه والتفصيل والدعابة السوداء : لحظة الفراغ والجمود واللافعل .
و يتقافز إلى ذاكرة الكلمات برق البلد الأصلي ، لأن الأمر يتعلق هنا بتجربة انسانية ، انطولوجية ، في ذمة المنفى :
." عموما كان جسمي يهرب مني بعد أن أنهى التحالف معي. حقيقة واحدة تدخل الإضطراب على رتابتي : سأموت في هذا البلد اللطيف النظيف العفيف الرئيف بل المنيف. أنا لا أكترث عادة ً لما تقوله هنا عني أي عنا الجرائد والتلفزيون ونظرات بعض من ألتقيه في الشارع وغيره. أعتبر هذا أمرا لايعنيني أوأني لست المقصود ، فقد لففت ماضيي في كيس بلاستيكي أسود ورميته في البحر الذي لايبعد عن غرفتي كثيرا. لم أكن بحاجة إليه ولا الى ما كان تحت الطابوقتين في غرفتي القديمة التي تحوّلت وفق الخطة الى جزء من المقبرة."
* فكرة أو فكرتان عن الهروب من المكان :
في هذا المفصل مواجهة مفتوحة مع مدار الزمكان ، ومحاولة اختراق جداره السميك :
" فكرت مثلا بالرحيل الى ما يسمونه ( نهاية العالم) حيث هناك تلك الجزيرة القريبة من القطب الشمالي التي تجمد فيها الزمان أيضا."
وهنا تتخذ الهلوسة شكل هايكوات يعدد إحداثيتها انطلاقا من الوحدة شبه النموذجية وهذا بعضها :
- هرب الهواء قبل يقظتي
لم يغلق وراءه الباب ولا الشبّاك
كوابيسي أفزعته
- بيضتان في المقلاة
مسكهما خدرُ الصباح
صارتا كوكبين بالأصفر والأبيض
- أمام المرآة الصغيرة المؤطرة بالذهب
رحت ألين قناة حروف ٍ غير حروف العلّة
عبثا ، فعضلات الوجه عُقدُ خشبٍ
- زارني بانغلوس Pangloss
طلب الصفح على تفاؤله
طردته ، فأنا لا أحبه ولا مُحرِّضَه لايبنتس Leibniz
* خفقة هواء سبقت النزول الى مدينة بلا سكان :
في هذا المفصل تتقمص الشخصية خفقة الهواء المميتة : سيلف ، وتتخيل نفسا مجاورة لها عجوزة تأخذنا في ملمح قصصي عبر فلاش باك طفولي إلى بغداد ثم سرعان ما تنطفئ كما شعلة في عود تبن ويذيل المشهد ب :
" لولا هذا الفائض من الوقت والعقل لأصبحت مرتادا لنادي المتقاعدين في مدينتنا. كنت هناك بضع مرات بدافع الفضول أو كخيار إذا هزمتني ( أشباحي ). يكاد النادي يكون نسخة مصغّرة من جنة الله. يتوفركل شيء بدءا بالطعام والشراب والبرامج الترفيهية و السياحية والثقافية وإنتهاء بالجنس والثقافة بوزنيها الخفيف والثقيل. رغم كل شيء سيكون خيارا بالغ الصعوبة بل أنا أحتاج فيه الى فترة تطبيع وحجر صحي كي أروح الى هناك وفي رأسي عقل آخر... "
* فتل العضلات أمام الذاكرة :
في هذا المفصل توهمنا الشخصية الإنشطارية بامتحان ذاكرتها ، محاربة ثقل الضجر ، باختراع لعبة السؤال والجواب ، وفيها سخرية مستبطنة لمنظومة بيداغويجية وثقافية مبتسرة وتستثمر بنية وحدتها السردية ها هنا تقنية القاموس :
" : حرف ت T :
- تاباسكو ؟ صلصة حادة جدا كنت مغرما بها قبل أكثر من عشرين سنة . إسم ولاية مكسيكية.
- تبّولة ؟ سلطة بخضار مفرومة مع برغل. يتعمق طعمها مع الزحلاوي.
- تابلو ؟ صورة ، ديكور وإينما كان - في المعبد أو الماخور.
- تابو ؟ في المجتمعات البدائية / الأولية ومعظم الأخرى المعاصرة هناك حظر على الإتصال مع أشياء وأشخاص أو ممارسة أفعال معيّنة، كي لاينزل عقاب من جهة قوى فوق طبيعية. إذا لم تخني الذاكرة مرة أخرى هذه كلمة تعني بلغة البولينيزيين من إحدى جزرهم : ( مقدس ، ملعون ) . لغة عبقرية تجمع الضدين في كلمة واحدة."
* عندما إنشطرتُ الى آخرين :
في هذا المفصل وهو الأخير ، تنشطر الشخصية إلى ثلاثة وجوه آخرين ، وهم كتاب غير معروفين تماما ، الاول كاتب قصة قصيرة اختار له إسم محمود منصور يذيّل نصوصه بالمانفست والثاني شاعر رمادي لايبتسم أبدا اختار له اسم حميد باسم وقد أفصح على حرفي اسمه الحقيقي وهنا لن يجد القارئ الحاذق صعوبة في معرفته وهو صديق شاعر وسنيمائي للمؤلف ذاته ، والثالث شاعر أيضا اختار له اسم نجم بدران ، يسم قصائده بالرعوية والرومانسية وعجزها عن هدم الجدار الرابع مع الوهم وعلى اختلاف كل منهم يكون مصيرهم الموت ، وهذا ماتنبري له الشخصية بكتابة مرثيات ، هايكوات ، لهم جميعا ، مرتدة إلى وحدتها الكهفوتية ، دون أن تنسى تشييع الأصدقاء القدامى وإرجاع الصور المقلوبة إلى وضعيتها الطبيعية الأولى ، لتنخرط في سيناريو حالة طارئة جديدة هو سيناريو الأرق والعبث :
" لكن قبلهاعليّ أن أودع أصدقائي القدامى وأعيد كل ماهو مقلوب في غرفتي وحياتي الى وضعه ( الطبيعي )... نعم ، داهمني وحش آخر منذ أسابيع . إنه الأرق. أظنها خطة سماوية بالغة الدهاء كي أعود حيوانا من تلك الحيوانات التي يحلم بها أركيولوجيو الحاضر : كائنا لم تفترسه وحوش الحضارة من أرق وضجر وشعور يعمل كالسكاكين في جسم طفل : الشعور بكل هذا العبث... "
هو الترحال المثخن في طبقات هذا الخريف البارونامي ، وفيه يهتك الفصام عرض كل نظام ونسق ومؤسسة ، فصام جمالي هو ميسم كتاباتك الهاربة من خندق المنهج وبلاهة قوانين النظرية وذيباجة المقالات ، إلى ملاذ السرد والشذرة والحكاية والقصة القصيرة ولم يكن في نيتك أبدا أن يكون ما تجترحه ها هنا رواية وهذا ما لم تزعمه أيضا ، إذ لم تعر انتباها لشيء في تسويدك للبياض غير الوفاء بجسارة لصخب الهذيان والهلوسة والعبث والجنون...
فكان رقصة أورفيوسية على ركح مسرح من المرايا تتقاذف وجوه بعضها البعض ...
هذه انطباعات سريعة ، تماثلت إلى ذهني وأنا أقرأ نص : بالمقلوب . وسجلتها ها هنا ، بعجالة ، في رسالة خاصة إليك وإن كان من عنوان أختاره لهذا الهذيان المبرح لفصول كتاب رقصاتك التّسع ، فهو : العيش قريبا من الموجة 440 هرتس .


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك