أدب فن: برهان الخطيب: عين ثانية لا تعني زائدة* برهان الخطيب: عين ثانية لا تعني زائدة* ================================================================================ فرات المحسن on 03/ 11/ 2009 رواية (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) الجديدة لبرهان الخطيب تقع في 330 صفحة من القطع المتوسط، تحوي 36 مشهدا، تجربة متقدمة للكاتب في استحضار الماضي لاستيعاب الحاضر، استشرافا لمستقبل. للرواية عنوان افتراضي تهكمي، بعيد جدا عن فحوى الرواية وأحداثها، الكاتب ذهب لخيار المفارقة وفق صنعة المتضادات الغرائبية مثلما هي أحداث الرواية. تلك المتضادات ممكن أن تلتقي لو أن المرء شعر أن حياته لعبة تنقاد طواعية لقدرها، لكنه أيضا يستطيع التدخل لدفعها نحو مسار يختاره هو، حتى ولو بالقدر اليسير. كل شيء يحمل ذات النهايات. السعادة والفرح لهما نهاية مثلما الحزن والمأساة. ولكن البحث عنهما لا تعدمه النفس البشرية. ولذا فأن العنوان يهزأ بالمحتوى أو يفترق عنه كليا دلالة لمشهد غرائبي. صنوان متقاربان بحدة وقوة، يتنافران ويتحاربان أبدا. هذه الرواية تمتاز بالكثير من الإتقان والجودة، تفصح عن حنكة ودراية كبيرين لروائي ذي مكنة وعدة لغوية أستطاع معها لملمة مقاطع تأريخ متشعب ومليء بالأحداث لبلد، أضاعت روحه مثلما قدماه الطريق. سجل الروائي هذا العالم المضطرب الذي يختلط فيه الواقع بالأسطورة أو الغريب وغير المنطقي بالسهل والبسيط والحقيقي. بلد الغموض وشطحات العقل. بلد الطرافة والظرف والعاطفة المحبة المنفلتة. بلد الصرامة والعقلانية. بلد الصبيانية والرعونة والسخاء في الإيذاء. استعراض لخسارات فرضت على الجميع فرضا ومن ذات الوسط وليس غيره. حاول الخطيب أمساك ولو بعض الشيء من كل ذلك وفق رؤيته الخاصة، وهو في هذه الرؤية يؤكد بقوة ودأب وجوده الحقيقي بين الروائيين العراقيين المجدين. فهو يتحدث عن الأثر العميق الذي تركته ومازالت تتركه الايدولوجيا أو السياسة بتنوعاتها وتعدد مشاربها في حياة الناس. وفي محاولته لتعقب مصائر شخوصه أو لملمة تبعثرها لم يعط تفسيرا مطلقا لتلك المصائر وإنما أبقى المشهد مفتوحا وكذلك لم يصنع منهم أبطالا أفذاذ. وموت البعض من شخوص الرواية لا ينفي بقاء الصراع وديمومته وهذا الصراع يأتي من ماض يبدو وكأنه شيئا قدريا. ذوات تريد أن تتصالح مع نفسها وأيضا بذات الرغبة تنفر من بعضها وكذلك تريد التقارب أو المهادنة وحتى التصالح، ولكن دائما للأقدار رغبة أخرى وهو من يدفع بقوة السرد لإعادة دورة الماضي وارتكاب سلسلة متناقضاته وفظائعه ونزواته وآثامه. الرواية تعكس بوضوح رؤية الخطيب الخاصة لمحيطه ويمكن للقارئ أن يجد في كاكه حميد شخصية الروائي برهان الخطيب. ولكنه يعير أيضا الكثير من روحه الى شخصية الرسام سامي. الرواية وأن اهتمت بالبعد النفسي والسياسي ولكنها وثقت في أحداثها السيرة التاريخية السياسية الاجتماعية المضطربة في العراق. نقرأ ذلك حتى في تجليات الحزن واليأس التي يطلقها سامي وهو الراوي. الخطيب استطاع معالجة الزمن الدوّار مع شخصياته بحرفية سرد عالية. وهذا الزمن الذي يحث السير يشعر القارئ معه بتداخل الكتل وكأنما الماضي والحاضر يتناوبان على الحضور دون تكلف وصنعة وبغفلة من الأعين. وبخبرته الروائية استطاع الخطيب بيان هذا التكنيك من خلال خلط الأحداث وإطلاقها عبر ذهن الراوي. فالزمن يبدو هو ذاته في جميع المراحل. ومثلما توقف عند سامي نجده قد توقف عند كاكه حميد. وفي محاولة فك لغز الاغتراب أو البقاء تحت المطرقة نجد أن سامي يستعير حنجرة الجميع ليتصالح مع ذاته ولكنه لا يفلح. الديالوج أو الحوار الداخلي رغم أنه يعيد الماضي متداخلا مع الحاضر بوقائعه المدونة، ولكنه يهتم أساسا بروح الشخصيات ولوثاتها فنراها وكأنها لا تريد الخروج من ذواتها. تضغط بشدة لتشظي تاريخها ولكنها في نهاية الأمر تجد نفسها تسبح في ذات الترعة الملوثة مع ذات الشخوص. نكتشف أن ما يدور من حوار داخلي يمثل انفجارا وتصادما عنيفا داخل النفس، يجعلنا نحن القراء نغذ السير لاكتشاف النتائج. فكرة التصالح مع الذات وقبل ذلك التصالح أو المهادنة مع الماضي تظهر بشكل واضح في شخصية كاكه حميد. فبعد رحلة طويلة من غربة رافقها خيبات وإيذاء ومثلهما حالات من السعادة والطمأنينة، جاءت عودته كمحاولة للبحث في إعادة تركيب وتفكيك للحياة. ولكنه منذ اليوم الأول يعلق وسط انفجار الحياة وصراعاتها العنيفة، التي تقطع عليه سريان مخططاته. علاقته الشائكة بأخيه ثم محاولة اغتياله لحين اكتشافه عودة حردان الى صلب عالمه.وهو الذي ما كان يظن أن ذلك اليوم الكريه الذي أعتقد أن الزمن عفا عليه وابتلعه النسيان، سوف يطل عليه من جديد ليدخله في لجة الماضي مرة أخرى. وهكذا هو حال سمسم أو سامي الرسام الذي نسج الماضي خيوطه حوله بمتانة لافكاك منها، ليضعه في تهويماته وأسئلته الحيرى وعدم الاستقرار الدائم. وكأنه كراوي للأحداث أشد شغفا من الباقين في لوك الأسى والعذاب وابتلاع الخدع ليبدو معها وكأنه خانع ومستسلم لقدره. وأن رفض هذا القدر داخليا فأنه يتقبله في صمت واستسلام ويبدوا دائما مذعنا جدا ومنقادا لقدره الذي يصنعه الآخرون. شؤم الأقدار والإفراط في اليأس يمثلان لحمة القص عند الروائي الخطيب الذي أوقف لحظة دخول نعيمة في حياة الأصدقاء الثلاثة واعتقال كاكه حميد ليجعلهما وكأنهما حادثتان وقعتا اليوم وتتكرران أبدا. وعبر تكنيك الرواية ولغتها راح الخطيب يشرح بإسهاب الميكانزم الداخلي لحركة شخوصه ومحيطهم. لقد سجل الخطيب برهان ثنائية رغم التباسها لكنها تظهر واضحة للعيان فكاكه حميد وسامي هما الخير المعرض للتشتت والمغلف بالهشاشة في مواجهة الشر المتمثل بحردان وعداي وحتى نعيمة. وهذه الثنائية تمثل وجهي القدر وهما يتناطحان في تركيبة عجيبة. هذان القدران يخوضان معاركهما خلال فترة زمنية طويلة ومعقدة تخللها الكثير من العنف الذي يعيد دائما أنتاج نفسه وفق ديماغوغية السياسة أو التخلف الاجتماعي والذي مازال يجبر الناس على البحث في خضمه عن أقل الخسائر الممكنة. ملاحظات لابد منها، وجدت من الضروري التطرق لها: 1 : في الصفحة 71 والحديث يدور في عام 63 يقول : لأقل القضية إذاً واحدة بصورة ستاليت. الارض تبقى تدور وتدور من غير أن تعبأ لواحد. وتتكرر الكلمة مرة أخرى في القول: لن يخصص تأريخك كلمة لثرثرة وفعل معها، أو مع غيرها، الستاليت يصور بكيفه، حين تكون صورته في يدك تحكم صحيحا. وأنا أعتقد أن في فترة 63 لم يكن هناك ستاليت ولذا فان هذا الأمر يحتاج الى تدقيق ومراجعة رد: الحدث في 1963 نعم، لكن الحديث عنه بعد 2003 ، هذا مثبت في بداية الرواية، وهو وقت اهتمام الناس بالستاليت ودخول المفردة تفكيرهم وكلامهم. 2 : المشهد 32 في الصفحة 303 الحديث مع شخصية مير محمدوف صابر مير مختار أوغلو الاذريبيجاني .. أجد أن هذا النص غائم وفائض و حشر حشرا في المتن ..وما حواه هذا النص من تعابير واستدلالات عن الخطأ والصحيح في هذه الحياة أو قدرة الناس على التفاهم رغم اختلافاتهم العرقية أو المكانية أو البحث عن معنى الإنسانية وأين تبدأ وتنتهي ومعان أخرى .. أجد أن كل هذا كان مبثوثا ونجده في باقي المتن وما وجدت في هذا النص ما يجعله يتماسك مع باقي الرواية. وفي ظني أنه كان قد كتب سابقا ودس في النص لإكمال رغبة في كيفية تشكيل حياة كاكه حميد والمحطات التي توقف عندها. رد: صح، كما تفضلت: لإكمال المحطات التي توقف كاكه حميد عندها والصورة والتصور عنه. 3: نفس الشيء في الصفحة 314 النص رقم 34 أجده قطعة شعرية أو حكي جميل لو كان لوحده لحسبته من النثر الشعري وهو في النهاية فرض على متن الرواية فرضا أو مثل ما سماها سامي بتعبير دقيق ( دالغة ) حلم وجدت من الممكن الاستغناء عنه. رد: وجود عين ثانية لا تعني زائدة بل لضبط رؤية، كذلك الرواية، تحتاج حديقة خلفية كالأمامية، لذلك يعود ويتقدم السرد مرة إلى الخلف ومرة إلى أمام. 4 :الرواية حالة إفصاح عن مشاعر داخلية ربطت بحبكة جيدة لتظهر كرواية ولكن وجدت في الكثير من هذه الرواية وبالذات في المائة والخمسين من صفحاتها الأول إفراط في تعابير الاكتئاب والضجر في حوار داخلي متعب في الكثير منه وهذا الحوار الداخلي سلبي بالمطلق ومنفر لا بل نجده في عمومه يدور في ذات المعاني ويكررها ولو بصيغ مختلفة. وأعتقد وهذا رأيي بأن هناك أمكانية للاستغناء عن الكثير من التكرار الذي ممكن اختصاره. رد: الرواية بنيت بتراكم عهود سياسية معينة تمخضت عن حدثها الأخير (الاحتلال) لذلك لا يمكن الحذف منها. الموضوعة تتعلق بسؤال ربما هو فلسفي يفصح عنه النص الأدبي بكل ما يحمله من تجليات. هل من الممكن للشخصيات في الرواية أن تطرح مفاهيم ورؤى عبر حواراتها أو حركتها بعيدا عن رؤية وإدارة وفكر الكاتب. أي، هل تتمكن الشخصيات أن تصنع حدثا دون تدخل الراوي أي الكاتب. رد: الشخصيات حرة بتفردها وآرائها وتابعة في آن لتصور المؤلف عما يكتبه حولها. 5 : أود أن أشير الى أن أي منجز أدبي هو خميرة فكر الكاتب ورؤيته الخالصة ولن يفلت من بين كماشة ذهنه ومداده أي تشكيل يحتويه المنجز. ومن هذا المنطلق أقول: في ظني أن الاختلاف مع الآخرين أو حتى بغضهم لا يجيز ليّ ولغيري اختلاق صورة أو مشهد يوصمهم بتهمة، دون أن أمتلك دليلا قاطعا بذلك. وأرى في مثل هذا الأمر تجني على ذات الكاتب ومنجزه أكثر مما هو تشويه وطعن بمن أريد اتهامه. وفي هذا الإشكال أرى أن الشخصية العراقية تعاني كثيرا من هذا الأمر. الأغلب والأعم من الناس، من عاصر الحياة السياسية العراقية بكل تجلياتها وأنا واحدا منهم يعرف جيدا بأن فكرة الاغتيال السياسي بعيدة كل البعد عن أيدلوجية الحزب الشيوعي ولم يمارس هذا العمل مع من أنسلخ عن تنظيماته وأشير هنا وأؤكد على الاغتيال السياسي ( أي القتل والتصفية الجسدية) تفريقا عن بعض الأعمال الأخرى مثل التخوين والطعون وتشويه السمعة التي يمارسها البعض. لم نسمع عن تصفيات جسدية قام بها الحزب الشيوعي ضد رفاق لهم هجروا الحزب أو اختلفوا معه .حتى في أوج الخصومة عند انشقاق الحزب الى لجنة مركزية وقيادة مركزية لم تجر تصفيات جسدية بين المتخاصمين. أعتقد أن المشهد والحوار المطول بين سامي الرسام وكاكه حميد في الصفحة 296 الى 298 في المشهدين 30 و31 كان طرحا غريبا ومشوها يتنافى ويتعارض حتى مع القيم والأفكار التي عرضتها الرواية وهي التي تبحث عن التصالح مع الذات ومع الخصوم أو التعالي عن و إدانة قيم الانحطاط وطعن الخصوم وتصفيتهم التي اجترحها حزب البعث بالذات ووضعها كفكر ومنهج لسلوكه اليومي. وفي هذه المشاهد التي يفصح الكاتب فيها عن رؤيته للأحداث لم يكن دقيقا وموفقا ولا حياديا مع تاريخ شخوصه وتاريخ الحركة السياسية العراقية ولم تتوفر لديه الرغبة في أنصاف من أختلف معهم. رد: حميد يستذكر هنا احتمالات قاتليه مع صديقه ويرد ذكر الشيوعيين بعد البعث والمرأة، لو تغاضى المؤلف عن أي احتمال ما ألمّ بكل أطراف الحادث. شكرا للأخ برهان الخطيب على ما أمتعني به . شكرا للحضور الكريم .. شكرا لنادي 14 تموز الديمقراطي العراقي واتحاد الكتاب العراقيين لتوفيرهم مثل هذه الفرصة للحوار حول منجز أجد من المهم أن يطالعه الجمهور العراقي لأنه وفي الكثير من المتن يقارب ويلامس محنة الإنسان العراقي في غربته الداخلية وتغربه وغربته الخارجية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * هذه القراءة النقدية لرواية الأديب برهان الخطيب الأخيرة ( ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس ) ألقيت في أمسية أدبية ضمن البرنامج الثقافي لنادي 14 تموز الديمقراطي العراقي واتحاد الكتاب العراقيين في السويد على قاعته في منطقة ألفك وسط العاصمة ستوكهولم نهاية أكتوبر المنصرم. السطور الحمراء رد المؤلف على ناقده، شارك في القراءة والعرض أيضا الأستاذ طالب عبد الأمير، وأدار الندوة الدكتور ثائر كريم.