اميركا الحلم.. اميركا الكابوس (شعراء في عالم جديد)
محمد غازي الأخرس
مدخل
بعد وصول زاهر الجيزاني الى الولايات المتحدة باسبوعين تقريبا جلس في مقهى وكتب واحدة من اروع قصائده على الاطلاق :
لم يكن في ضفاف المحيط
سوى زبد أبيض
يتدافع بين الصخور
وصناديق مقفلة
ارتمى فوقها حشد بحّارة
وكلام يدور
هذه جنة أم جحيم
ولكنهم بدأوا بالعبور
كان المشهد السينمائي غريبا بالفعل : زبد ابيض وصخور وصناديق مقفلة وحشد بحارة مثل اولئك الذين نشاهدهم في افلام المغامرات يتحاورون بغموض وحيرة لا نفهم منه سوى سؤال مصيري يتعلق بالمكان الذاهبين اليه: هذه جنة ام جحيم؟
مع هذا عبروا، عبروا جميعا وكان المكان المقصود هو اميركا.
في الوقت ذاته كان ثمة شاعرة عراقية قد وصلت هي الاخرى الى الولايات المتحدة وكتبت في احدى قصائدها " لا تسأليني/ لا أذكر كم ساروا تحت الشمس / وكم ماتوا / لا أذكر شكل القوارب / أو عدد المحطات / -كم حقيبة حملوا / أو تركوا / جاءوا بتذمرات / أو بلا تذمرات / كفي عن السؤال يا أميركا / وأعط يدك / إلى المتعبين في الضفة الأخرى / أعطي يدك دونما سؤال / أو قوائم انتظار / فما جدوى أن تربحي العالم / وتخسري الروح يا أميركا ؟ "
في هذه المقالة استكشاف ولو متاخر لطريقة فهم الشاعر العراقي لهذا المكان الساحر، والمعذب في آن، اميركا، والنماذج المنتقاة تعود الى ثلاثة شعراء واحد منهم يساري عرف بمعاداته الدائمة لقلعة الامبريالية، انه سعدي يوسف واما الاثنان الاخران فشابان اعتقدوا دائما ان الايديولوجيات هي المسؤولة عن دمارهم .
نقصد دنيا ميخائيل وفرج الحطاب وهما شاعران ثمانينيان وصلا بوقت واحد تقريبا الى الولايات المتحدة.
القراءة الجذلى
يكتب فرج الحطاب قبل ذهابه الى الولايات المتحدة عام 2000 "مرحباً أميركا / سأقدم القرابين تحت / نصب الحرية / سأقدم الأضاحي احتفاء / بالحيرة ودفعاً للأمنيات". كان الحطاب حين كتب هذا المقطع مهجوسا بالوصول الى الملاذ الحلمي الذي ارتبط في ذهنه بمفاهيم الحرية وقيم العدالة التي افتقدها في بلده. وكان ، شأنه شأن دنيا ميخائيل وزاهر الجيزاني والعشرات غيرهم ، اشبه باولئك المقامرين العراقيين الذين غرقوا قبالة سواحل استراليا عام 2001 وجسدوا، في الحادثة الشهيرة، واحدة من اكثر خرافاتنا شجنا حيث الاجساد تطفح بين الامواج وصدى حواراتها الأخيرة يتردد بين الصخور والزبد: هذه جنة ام جحيم!
الحطاب، من جهته، كان يختلف كثيرا رغم انه، الاخر، أحرق كل شئ وراءه وراهن على الحظ والمصادفة للفوز بمقعد في المركب الآمن الذاهب الى العالم الجديد. مرد الاختلاف انه طرق باب المفوضية في عمان ولم يكلف نفسه عناء قطع البحار مثل سيئ الحظ الذين اغرفتهم امواج استراليا.
فضلا عن هذا كان الحطاب على يقين تام بجدوى خياره فالولايات المتحدة ، "الدولة الامبريالية ومصاصة دماء الشعوب" كما يقول متهكما، هي الوحيدة التي يمكنه الرقاد في حضنها دون خوف. ليس المقصود هنا هو الخوف من البوليس او الحروب او الطغيان انما الخوف من الذوبان في هذا العالم . ففي اميركا يمكنه ان "يطعم الصبير بالنخيل / ربما يولد الهور من جديد / ويرتفع القصب.."
في اميركا يوجد، كما يقول، "جنوب آخر / يغني / حيث هنود بلا ريش / واسبان بلا كيتار / وعراقيون بلا وطن "
وبعد ان يصل شاعرنا الى ملاذه الحلمي يتحقق كل شئ توقعه انفا: "حين دخلت أميركا / لم أمت / فبدأت الحياة.. / فيما مضى تعلمت الموت / والحياة أيضا / بينما الآن / أترجم حياتي كاملة..". وفي اميركا " كان البحر يطير / والسماء تلعب في / الحقول / كان الهواء ينثر الألوان / على السحب الفارة / من المطر، / الطيور ترقص / والخيول تسبح بعنفوان " .
وفي اميركا ايضا وايضا يقول فرج الحطاب "حيّتني الإمبريالية / وصافحني الاستعمار / كانوا ودودين / فمنحتهم ابتسامتي.. / مصاصو دماء الشعوب , / تجار الموت / القتلة / الضحايا / المتسولون/ Lesbians and Gays / المتدينون / الكفار / اللاجئون / النساء / الأطفال / الرجال / رأيتهم كلهم / إلا الخونة / اسمع أصواتهم تهتف / هناك / بعيدا ".
والان لنترك الحطاب السعيد بوجوده في قلعة الحرية، او الامبريالية كما يعتقد الكثيرون ولنذهب الى تلك الطفلة "المستغربة"، الحزينة والحائرة، لنذهب الى دنيا ميخائيل التي كتبت عن اميركا نصا هو الاجمل على الاطلاق.
دنيا ميخائيل: طفلة في أميركا
تنهي الشاعرة دنيا ميخائيل ديوانها "الحرب تلعب بجد" وهو ديوان كتبت اغلب نصوصه في الولايات المتحدة بفقرة هامة ترد تحت عنوان مقتطفات من أقوال دنيا ميخائيل. إذ تستذكر الشاعرة بضعة أقوال وتصريحات كانت قد أدلت بها للصحافة الثقافية آنفاً. معيدة تدوينها في كتابها الجديد، ولعل أكثر العبارات اثارة للانتباه هي تلك المقتطعة من حوار أجرته مجلة عمان الثقافية مع الشاعرة عام 1996، تقول "من أكثر ردود الفعل التي إستوقفتني ... إستجابة أمي إذ قالت: أعتقد أن الأطفال سيعجبهم هذا الشعر، وعندها سألتها: ولماذا الأطفال على وجه الخصوص..؟ أجابت أليس الكتاب موجهاً للأطفال".
يمكن ان يكون هذا الإنطباع المبسط مدخلاً جيدا لرؤية نقدية في منجز الشاعرة كله، ولعل إفتراضنا بدقة الرأي يرجع الى التناسب الذي يفترضه الكثيرون بين العمق والبساطة، فالحقائق تزداد في عمقها كلما إزدادت بساطة الأشكال التي تطرح عبرها. لنتذكر، في هذا الصدد، مقولة ردها منتقدو التعقيد اللغوي تفيد أن "الوضوح دليل الفهم" وهي مقولة تفترض، بالمقابل، أن "البساطة دليل العمق". وبالمنطق ذاته، أي حين تتضمن الأقوال أقوالاً أخرى مسكوتاً عنها، نستطيع بيسر إكتشاف مقولة أعمق غوراً من مقولة أن الكتاب موجه للأطفال، فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك بالفعل، سيكون المرء بمواجهة حقيقة أخرى تتعلق هذه المرة بالمخيلة المنتجة للكتاب، إذ بالضرورة الإستلزامية، ستكون المخيلة هذه مخيلة طفل، أي بقدر ما يكون الكتاب موجهاً للأطفال بقدر ما يكون منتجه طفلاً... والعكس صحيح.
والآن لنسأل: ترى ما المقصود بمخيلة الطفل هذه، كيف يا ترى تنظر الى الأشياء والظواهر وتتفاعل معها، ومن ثم، كيف تسنى لـ دنيا ميخائيل، إقتناص المخيلة هذه ورؤية اميركا ؟ أثمة من الظواهر الأسلوبية ما يمكن أن يؤكد هذه المخيلة ويحيل عليها...؟؟
لنبدأ من مخيلة الطفل إذن، لنقل مثلاً أنها تتميز بخصائص عدة، لعل أبرزها عدم تفريق الطفل بين الذات والموضوع، فالطفل لا يتخيل أن الأشياء مواضيع قدر ما هي ذوات عاقلة ومفكرة، فالأشياء، عند الطفل، تتصرف وتعي أفعالها وفق علاقة الطفل معها، وهي لذلك إما أشياء اليفة لديه او غريبة عنه.
فإذا ما كانت أليفة لديه صارت بالنسبة له، ذواتاً أخرى مكملة لحدود ذاته، والعكس، فإنها تغدو ذواتاً نافية لذاته، عدوة لها، إذا ما إغترب الطفل عنها.
بهذه الرؤية للأشياء، يمكن للطفل أن يحاور الأشياء، يلهو معها، لا بها، يخاصمها تارة ويصالحها تارة أخرى. ذلك أنها لا تقل في ذاتيتها، عنده عن ذاتية الآخرين، من أم وأب وأخوة وحيوانات أليفة.
فإذا ما إصطدم طفل بجدار، مثلاً، وتألم شاكياً، باكياً، من عنف الجدار، سارعت أمه لنهر ذلك الجدار المشاكس او صفعه عقاباً على جرمه بحق الطفل، يمكن للطفل حينئذ أن يهدأ، بل لعله سيشعر بالذنب فيسارع، بعد حين، لمصالحة الجدار وهو بذلك إنما يقوم بمصالحة جزء من ذاته ليعيده الى حدود ممكلته الصغيرة.
بهذه الآلية من العلاقة بـ "الشيء"، نرى دنيا ميخائيل تتفاعل مع ظواهر العالم لتقيم معها حواراً مستمراً لا تبدو فيه الأشياء بأقل، في ذاتيتها ووعيها لأفعالها عن ذات الشاعرة، الأشياء والمفاهيم عند "دنيا" تتصرف بوعي وتفكر بمعزل عن الذات. نقرأ، مثلاً في "مزامير الغياب".
(هناك من يدق الباب
يا لحزني
إنها السنة الجديدة وليست أنت
فالسنة الجديدة، في مخيلة دنيا، تدق الباب بوعي، شأنها شأن أي ضيف قادم، تماماً، مثلما تبدو "الحرب تعمل بجد" في ديوانها الجديد فهي - أي الحرب -
منذ الصباح الباكر
(تبعث سيارات إسعاف
الى مختلف الأمكنة
تؤرجح جثثاً في الهواء
تزحلق نقالات الى الجرحى
وانطلاقاً من المخيلة ذاتها، تحاور الشاعرة أشياء العالم وأمكنته، نراها تتحدث الى ذات اسمها "أميركا" وكأنما تتحدث الى شخص ما او ذات عاقلة وواعية. في هذا النص تبتدئ دنيا الحوار بطلب غريب
(لا تسأليني رجاء، أميركا
لا أذكر
في أي شارع
أو مع أي نجمة
لا تسأليني)
ثم أنها تعاود الطلب مرات ومرات مقيمة حواراً فريداً من نوعه، حواراً بين ذات متوسلة ، خائفة، ومنفية، وذات، أخرى بوليسية ، قاسية، وصارمة ولا تتوقف عن السؤال ، تقول دنيا لـ "أميركا" (كفي عن السؤال يا أميركا / وأعطي يدك الى المتعبين / في الضفة الأخرى " .
في هذا النص الشعري المثقل بالخوف والخيبة والجمال، يمكن أن تطالعنا خصيصة أخرى تحيل لمخيلة الطفل أيضاً، والمقصود هنا التفريق الدقيق بين مفهومي الدهشة والاستغراب. فالدهشة تختلف عن الاستغراب اختلافاً يمكن لمخيلة الطفل ان تمدنا بمعيار دقيق عنه. فكما افترضنا، الاشياء بالنسبة للطفل، لا تعدو كونها ذواتاً مكملة لحدود ذاته. وإذ تكون الأشياء هذه أليفة بالنسبة له،فإن المخيلة تستمر في معاودة إكتشافها، مندهشة، جذلي بها، حيئذ يبرز مفهوم الدهشة مقابل مفهوم الاستغراب، الأخير ينبثق بدوره حين تجد المخيل نفسها إزاء اشياء غريبة عنها، لعل أفضل مثال يمكن ان يرد الى الذهن، في هذا الصدد، هو ظاهرة "إستغراب" الطفل وبكائه، فقد يحدث أحياناً أن يحل طفل ما ضيفاً في منزل آخر، وإذ يجد نفسه محاصراً بأشياء لم يألفها يشرع في البكاء ثم يلجأ الى أي حصن ذاتي يتوفر امامه كأن يكون حجر أمه او غير ذلك.
في هذه اللحظة الفريدة يمكن ان يطلق الآخرون على هذا الطفل توصيف "مستغرب". والحال أن شعورين سيختلطان في مخيلة هذا الطفل المستغرب، فمن جهة، سيشعر بالخوف من إستلاب الأشياء الغريبة لذاته، ومن جهة أخرى، سيشعر بخيبة مريرة حين يكتشف ان ثمة آخر يمكن ان يكون أقوى منه.
هذا بالضبط ما حدث للشاعرة دنيا ميخائيل، فحين وجدت نفسها محاطة بعالم غريب عنها يدعى "أميركا" شعرت بالإستغراب، لا للدهشة، فراحت تحاور هذا العالم الغريب بخيبة كبيرة وخوف متعاظم.
دنيا ميخائيل، في هذا النص، كما في غيره، تكثر الطلب من العالم الغريب ان يكف عن السؤال حتى أنها تستغرب، في الأخير، من كثرة الأسئلة، فتقول " لماذا تطرحين كل هذه الأسئلة / تريدين بصمات أصابعنا بكل اللغات".
أحرى بنا القول إذن إن الديوان برمته لم يكن أكثر من صراع عنيف بين طفلة ذات مخيلة مثقلة بالإنكسارات وبين وحش كاسر لا يقل في شراسته عن تلكما الحربين المهولتين اللتين تكثر الشاعرة من استحضار طيافهما. وكما يحدث للأطفال حين يلتجئون الى امهاتهم إذ يستغربون من الآخر، تلجأ دنيا ميخائيل الى رموزها كلها، بما في ذلك حروبها وخيباتها. نراها تلتجئ تارة الى حبيب مفترض (اتركي استماراتك للنهر/ واتركيني لحبيبي يا أميركا)، وتارة الى أحباب مفترضين (لماذا يا أحبائي/ لماذا لا تأتون/ إلا في الأحلام).
سعدي: كابوس اميركا
بعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة لاسقاط نظام صدام، كتب سعدي يوسف نصا تهكميا عنوانها "يا رب احفظ اميركا" ، وكما هو متوقع من شاعر اطلق على نفسه لقب "الشيوعي الاخير" ، نظر سعدي الى الولايات المتحدة بوصفها امبراطورية شر مطلق، امبراطورية قتل بارد للشعوب حيث صورة "الفتي العراقيّ الذي كان متفحِّـماً وراءَ مِـقْـوَدِ الشاحنةِ / علي طريق الكويت ـ سفوان " حيث هذه الصورة التي تصدرت احدى الصحف الفرنسية ابان حرب الخليج الثانية تختصر علاقة هذا "الشيطان" بنا، وبحيواتنا واشجارنا وانهارنا:
منذ يومينِ، لم يسرِ في النهر مَركبْ
منذ يومين يومين يومينِ
يا عسلي ، كيف أركبْ؟
إنني أعرفُ النهرَ
لكنْ ، ولكنْ، ولكنْ، ومن قبلِ يومينِ
لم يسـرِ في النهر مركبْ "
كل ذلك بسبب اميركا التي يعرض عنها سعدي صورة مرعبة اذ هي ما وجدت الا لقتل وابادة كل ما هو"غير اميركي". وفي القصيدة التي تبدو مثالية في استبطانها اغلب خصائص شعرية سعدي يوسف، يفرق الشاعر بين اميركا والاميركيين وبين هذا الجيش الشرير والثقافة الاميركية.
يقول " أنا أيضاً أحبُّ الجينز والجاز وجزيرة الكنز / وببغاءَ جون سيلفر ونوافذَ نيو أورليانز / أحبّ مارك توَينْ ومراكب المسسبي وكلابَ ابراهام لنكولن / احب حقول القمح والذرة ورائحة التبغ الفرجيني / لكني لستُ بأميركيّ أيكفي أنني لستُ بأميركيّ حتي يعيدني طيارُ / الفانتوم إلي العصر الحجريّ؟ لا البترولَ أريدُ ولا أمريكا لا الفيل أريدُ ولا الحمار / اتركْ لي أيها الطيار بيتي المسقوفَ بالسعف وقنطرةَ الجذوع أريد القرية لا نيويورك لماذا جئتَـني من صحراء نيفادا ايها الجنديّ المسلّـح حتي الأسنان؟ لماذا جئتَ إلي البصرة
البعيدةِ حيث السمك يبلغ عتَـباتِ البيوت؟"
وكما هو شأن دنيا ميخائيل التي تخاطب اميركا كذات وليست كموضوع ، يتوجه سعدي الى الرمز نفسه ليتوسل اليه بمرارة: " الخنازيرُ لا ترعي هنا لديّ فقط تلك الجواميس التي تمضغ كسلي / اتركني أيها الجنديّ اتركْ لي كوخَ القصب الطافي وحربةَ الصياد اتركْ لي طيوري المهاجرةَ وخضرةَ الريش خذْ طيور الحديد المزمجرة وصواريخَ توماهوك لستُ الخصيمَ، أنا المخوِّض حتي ركبتيَّ في مَـناقعِ الرزِّ اتركني ولعنتي لا أريدُ قيامتك"
انها اللغة ذاتها، لغة الاطفال الحزانى تتكرر عند دنيا وسعدي، لكن الفرق ان ميخائيل تتوسل باميركا ان تهب لمساعدتها دون اسئلة ودون ازعاجات، دون منة، في حين يطلب سعدي من اميركا ان تتركه في حاله ولا تقتله بسبب كونه غير اميركي.
سعدي مهجوس بالعداء لاميركا والدفاع عن بلده بينما دنيا ميخائيل مهجوسة باتقاء اسئلة اميركا اللجوجة بعد ان لجأت اليها هربا من الطغيان .
"تريدين بصمات أصابعنا / بكل اللغات / وأنا كبرت / صرت أكبر من أبي / كان يقول لي في الأمسيات التي بلا قطار / سنذهب يوماً إلى أميركا / سنذهب يوماً / ونغني أغنية / متّرجمة أو غير متّرجمة / عند تمثال الحرية / والآن يا أميركا الآن
أتيتك بلا أبي / فالموتى ينضجون قبل التين / و لكنهم لا يكبرون يا أميركا"
ما الفرق بين الثلاثة اذن .. !
على المرء كي يفهم الفرق بين هذا وذاك وتلك الرجوع الى السياق الذي يحيل له كل شاعر. والمقصود بالسياق، هنا، هو الظروف التي يحيل اليها أي شاعر، ما يعني اختلاف الرؤى وطرائق الكتابة.
نزعم هنا ان فرج الحطاب، الجذل بوصوله الى الولايات المتحدة، ربما احال الى احلام جيل حرمه سياق السلطة الشمولية من كل شئ اتيح للآخرين, بمعنى ان الشاعر في قصيدته يبدو منشغلا بهموم حياتية تبدو عادية جدا بالنسبة للأجيال الأخرى من قبيل الاستمتاع بمنظر حمالات النساء الجميلات ورفرفة سراويلهن في الطريق السريع او تذوق الفاصولياء التي اهداها له والت وايتمان، او حتى تلقي الاعتذار من الأخير عن الحصار والموت اللذين اطبقا على العراق بسبب امريكا.
هذه الهموم، في الواقع، انما تحيل الى سياق ارتبط بالحروب ونتج عنها وهي بالتأكيد لن تفهم خارج سياق الثمانينات الذي انتج لنا جيل فرج الحطاب. ولئن بدا الحطاب سعيدا بوصوله الى ملاذه الجديد فأن احدا لن ينكرعلى نصه احتفاءه بالمكان بطريقة انعكاسية واضحة للعيان .
ثمة، بهذا الصدد، خصائص لغوية تتطابق مع الموقف من المكان ورموزه وتجاهد، دون وعي، في ترجمة هذا الموقف بآليات عرفتها الكتابة التسعينية عموما وابرزها الية المفارقة وملامسة السطوح دون الغوص فيما هو اعمق من ذلك .
لنقرأ هذه الصورة: حين دخلت أميركا / رأيت الهنود الحمر/ ليسوا حمراً../ بدينون / بأسنان من ذهب / وملامح فضية.. / بلا خيول / ولا يسابقون الريح " .
فرج الحطاب، هنا، يكاد يعلن، ببراءة، عن جهل طفولي ربما كان نتيجة سجن ثقافي طويل، فهو، قبل الوصول الى اميركا، كان يعتقد خلاف ما يعلن عنه، بمعنى ان انه كان يحمل صورة تقليدية موروثة عن الهنود الحمر، صورة ربما رآها في الافلام السينمائية العتيقة التي كانت تعرض في العراق. وهو هنا، في المكان الحقيقي، يكتشف شيئا اخر، فالهنود الحمر ليسوا حمرا وهم بلا خيول ولا يسابقون الريح .
ترى لكم تختلف هذه الدهشة الطفولية عن تلك الثقة التي تكاد تقطر من نص سعدي يوسف !
فهو، شأنه شأن جميع ابناء جيله "المتعالمين" واحيانا "المتبجحين" يعلن عن معرفة اعرض من البحار التي تفصله عن ذلك العالم: يقول "أنا أيضاً أحبُّ الجينز والجاز وجزيرة الكنز/ وببغاءَ جون سيلفر ونوافذَ نيو أورليانز / أحبّ مارك توَينْ ومراكب المسسبي وكلابَ ابراهام لنكولن / احب حقول القمح والذرة ورائحة التبغ الفرجيني... ". وفي النص نفسه يثبت سعدي الكثير من اسماء الامكنة والشوارع باللغة الانكليزية حتى ليبدو الرجل وكأنه مقيم في اميركا منذ زمن طويل.
عدا هذا، ثمة خصائص اخرى تتوفرعليها قصيدة فرج الحطاب وهي لا تقف عند الدهشة الطفولية التي تنتظم النص انما تتعدى ذلك لتحيل، هي الاخرى، الى الية عرف بها التسعينيون عموما، نقصد الية المفارقة التي تبدو احيانا مثل احجية: "خارج أميركا كان البحر يدعوني للتأمل / وحين دخلت / رأيت البحر يتأملني / فانشغلت عنه بالسباحة... " .
حقيقة الأمر ان الية كهذه لا تعكس فقط مزاجا تسعينيا او ثمانينيا انما هي، في هذا النص، تعكس مزاج لاجئ سعيد بلجوئه ومطمئن به، لاجئ يصف المكان كانما يصف حلما حيث "البحر يطير / والسماء تلعب في الحقول، والهواء ينثر الألوان على السحب الفارة / من المطر" .
ان أمرا مثل هذا لا يشبه من بعيد او قريب ذلك المزاج الخائب الذي يقطر من قصيدة دنيا ميخائيل حيث العبارة الرائقة تشبه دموع طفل والصور المتتالية تبدو كما لو كانت مستلة من ذهن متقد لا يكتفي بما يتبدى على السطوح انما يجهد في الحفر في اعمق الانفعالات بحثا عن ملجأ آمن.
عبارة دنيا ميخائيل تبدو، بهذا الخصوص، اقرب الى لغة المناجاة منها الى أي شئ اخر. "أحبّ خط حبيبي / ولو يزداد ارتعاشاً كل يوم / عندنا صورة واحدة / صورة واحدة فقط يا أميركا / أريدها / أريد تلك اللحظة / الهاربة أبداً في الصورة " .
ان لغة دنيا التي تحيل الى المناجاة الدينية تبدو متفردة في المشهد الثمانيني الميال عموما الى التجريد. وهنا يبدو اثر السياق حاسما، اذ ان ميخائيل، منذ اولى قصائدها، اظهرت انتماء واضحا لمخيالها المسيحي حيث الية المناداة مركزية لدرجة ان القصائد تشبه الاناشيد او المزامير الدينية. فضلا عن هذا، ثمة احتفاء لا ينكر بصور الانكسار الانساني ومن ثم، هناك احتماء بملامح الضحية المتوسلة والباحثة عن النجاة.
لنستمع لهذه اللغة التي تذكرنا فورا بطابع اللغة الدينية في نشيد الانشاد "وحينما يعاودك ألم الرقبة يا حبيبي/ لن تملك وقتاً للتأوه/ ولن تبالي/ سيثبت فينا الألم / ويتدلل مثل ثلج لا يذوب./ غدا يا حبيبي / غدا سيرنّ في الصندوق الخشبي / خاتمان طالما التمعا / في يدين / مرتجفتين من تشابك في الغياب" .
ثمة فكرة اخرى تبدو ضاغطة في هذا المفصل. الفكرة يختصرها السؤال التالي: هل تحيل قصيدة دنيا ميخائيل عن اميركا الى خيبة الاقليات المضطهدة بعد الوصول الى ملاذها الأخير!
هل لهذه الفكرة ان وجدت علاقة باسلوب كتابة النص القائم على آلية طرح التساؤلات الحائرة والصدمات المتتالية! هل يعيدنا ذلك الى فحوى فكرتنا انفة الذكر، فكرة استغراب الطفل الذي يجد نفسه في مكان غريب!
ربما، فالنص الحائر والمستغرب يستبطن "وثوقا" مضمرا. وهذا الوثوق عائد، برأينا، الى سياق يرتبط بفكرة شبه يقينية تفيد ان الاقليات في العراق لا تحتاج لادلة تثبت بها مظلوميتها واستحقاقها للاحتضان. بمعنى ان مرد استغراب دنيا ميخائيل عائد الى صدمة "لجاجة" اميركا معها وكثرة اسئلتها غير المبررة. لكأني بالنص يستبطن قولا اخر نستطيع ترجمته كالاتي: ما هذا يا اميركا! احقا انت بحاجة لان تعرفي عنا اكثر مما عرفتيه طوال القرن العشرين، نحن "مسيحيون" وقد اضطهدنا كثيرا وكنا نتوقع منك الا تسألي عن شئ يفترض بك معرفته جيدا!
هل هذا ما ارادت قوله ميخائيل! ربما. لكن ذلك لا يمنع ورود احتمال اخر، فربما انفجرت لغة الضحية ، اخيرا، فاعادت الى الاذهان ذلك المخيال العريض الذي كون ذات دنيا ميخائيل منذ ان انصتت، اول مرة، لاغاني ابيها وحكايات جدتها " سنذهب الى امريكا ذات يوم". واذ وصلت الطفلة الى الملاذ الحلم فوجئت بسياط محققين لا يكفون عن توجيه الاسئلة لها .
سعدي يوسف: عدو الى الابد
مقابل فرج الحطاب ودنيا ميخائيل يستعيد سعدي يوسف اغانيه القديمة، اغاني الثوري المهجوس بالعدو الامبريالي الغاشم، الشرير بطبعه والقاتل بتطبعه. لا. لـَ. لا. لا. لـَ. لا لا. لـ. لا. لا. لـَ. لا / الغريبُ يخاف / لا تخفْ ياجوادي / لا تخفْ من ذئاب البوادي / لا تخفْ فالبلادُ بلادي / لا. لـَ. لا.لا. لـَ. ل / لا. لـَ. لا. لا. لـَ. لا / الغريبُ يخاف.
ان سعدي، هنا، لهو سعدي هناك والاغنية هنا هي الاغنية هناك. وفي منتصف الستينات سبق ان غنى "الشيوعي الاخير" : " يا بلادي التي لست فيها / يا بلادي البعيدة / حيث تبكي السماء / حيث تبكي النساء / حيث لا يقرأ الناس الا جريدة " .
في نصه الجديد القديم يستدعي يوسف كل خصائص شعريته، كل سحرها وسخونتها، ومحليتها. وكما لو كان يهيج ذاكرته، ها هو ذا يتغنى: "أتذكّـرُ أشجاراً / نخلةَ مسجدنا في البصرةِ، في أقصي البصرةِ/ منقارَ الطير / وأسرارَ الطفلِ / ومائدةَ الصيفِ / النخلةُ أذكرُها / أتلمّـسُـها، وأكونُ بها، حينَ هوتْ سوداءَ بلا سـعَـفٍ" .
حقيقة الأمر ان احدا لن يحق له المقارنة بين هذه الشعرية المتدفقة بيقينها الماضوي وبين تلك النماذج المجدولة مع الحاضر، نماذج فرج الحطاب ودنيا ميخائيل. حيث الاسئلة خائرة القوى تطفح والاجوبة المطمئنة بملاسمة السطوح تبرز. اما هنا، في حضرة سعدي الممتلئ بماض يستعاد على شكل اغنية، فالامر مختلف كليا. فـ"امركياه" ليست سوى قلعة شر مطلق تريد محو كل شئ .
لكن هيهات، فنحن امام "ثوري" من نمط خاص، ثوري سوبر لا يكل ولا يمل من النضال والمقاومة: "نحنُ ، الفقراءَ، لنا أرضُ الآلهةِ الغرقي / آلهةُ الثيران / آلهةُ النيران / آلهةُ الأحزانِ المجبولةِ صلصالاً ودماً في أغنيةٍ... / نحن، الفقراءَ، لنا ربُّ الفقراء / الطالعُ من أضلاعِ الفلاّحين الجائعُ / والناصعُ / والرافعُ كلَّ جبين... / نحن الموتي، يا أمريكا / فليأتِ جنودُكِ! / من يقتلْ مَـيْـتاً يبـعَـثْـهُ.../ ونحنُ الغرقي ياسيّـدتي / نحن الغرقي".


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (2 تعليقات سابقة):
وهذا ماكنت اراهن به عليك ناقدا وشاعرا مختلفاً .. انتظر منك قراءات واضاءات قادمة
محبتي
سعد جاسم
saadjasim2003@hotmail.com
أضف تعليقك